قبل قراءتكَ لِما كتبتهُ : تصويتٌ + تَعليقاتٌ بينَ الفَقَراتِ = كافيةٌ لِتسعدني.
والصَمتُ عَن لوُمِ القُلوبِ عِقابٌ
✩࿐࿔
وصلت إلى مقهى 27، نظرت حولي سريعًا قبل أن أراه.
واقفًا هناك، طويل القامة، يده مدسوسة في جيب بنطاله الواسع، معطفه الأسود المنتفخ يحميه من البرد، ووشاحه البني يلتف حول عنقه. شعره الأشقر اللامع يتطاير قليلًا مع نسمة الهواء الباردة.
لكن ما لفت انتباهي لم يكن وقفته، بل ابتسامته. وجهه كان مائلًا قليلًا نحو اليمين، يحدق في شيء ما، يبتسم بطريقة دافئة، حقيقية. توقفتُ للحظة، نظرت نحو المكان الذي كانت عيناه موجهة إليه، فضولي يدفعني لمعرفة سبب تلك الابتسامة.
رأيت عائلة صغيرة، أب وأم يسيران مع ابنهما الصغير، ضحكاته تتعالى وهو يركض بينهما، قبل أن يمسك الأب والأم بيديه، يرفعانه في الهواء بينما يصرخ ببراءة وضحكته تملأ الشارع. مشهد بسيط... لكنه جميل. وجدتُ نفسي أبتسم كذلك. لكنني لم أستطع ترك آدم مستمتعًا بهذه اللحظة طويلاً. اقتربتُ منه بخطوات هادئة، ثم ضربت ظهره بقوة.
قفز في مكانه، فزعًا، يدور نحوي بسرعة. عندما رأى وجهي، اتسعت عيناه، ثم رمقني بنظرة مذهولة غاضبة،قبل أن يتمتم بتهكم:
- هل كنتِ تخططين لقتلي بسكتة قلبية؟
ضحكت، متجاهلة شكواه، بينما كان هو لا يزال يضع يده على صدره، وكأنه يحاول استعادة أنفاسه.
- توقفي عن التصرف كالشبح، يا متوحشة.
قالها وهو يرمقني بنظرة جانبية، لكن الابتسامة لم تفارق وجهه.
- وأنت توقّف عن التحديق في الناس وكأنك في مشهد من فيلم درامي.
ابتسم آدم بخفة. ثم نظر إليّ ،نظرته مليئة بالحزن. شعرت بالغرابة، لم أعتد أن أراه هكذا. رفعت حاجبي مستغربة، ما الذي يفكر فيه الآن؟
ثم فجأة، وبكل جدية، قال:
- أريد طفلًا يا سوان!
أغمضت عيني للحظة، ثم قلبت عيناي بانزعاج، زافرة بضيق. ليس مجددًا. استدرت عنه مباشرة، مستعدة للرحيل، وكأنني لم أسمع شيئًا.
لكن قبل أن أبتعد بخطوة، سمعت ضحكاته تنفجر خلفي، عميقة، خفيفة، وكأنه استمتع بردة فعلي كما كان يتوقعها تمامًا.
- هي، تعالي! لماذا تهربين في كل مرة؟
لم أعلق، فقط تابعت السير، متجاهلة وجوده، لكنه لم يكن ليتركني بهذه السهولة.
في لحظات، ركض ليلحق بي، ثم دون أي تردد، وضع ذراعه فوق كتفي. يعيد نفس الطلب ثلاثين مرة في الاسبوع ومرات لا تُحصى.
- تزوج من تلك حبيبتك، وأنجبوا أطفالًا، لماذا تخبرني بهذا في كل مرة؟
رفعت رأسي لأنظر إليه مباشرة، عيناي مليئتان بالملل من هذا الحوار المتكرر.
لكنه لم يكن منزعجًا من ردي، بل نظر إليّ بغير إعجاب، وكأنني قلت شيئًا لم يعجبه. ثم، زفر زفرة قوية. لكن بدل أن يرد، غيّر الموضوع كعادته عندما لا يريد الخوض في نقاش حقيقي.
- لا يوجد داعٍ للاستعجال، المهم... كيف حال جلالتك؟ كيف كانت دروسك اليوم؟
قالها بابتسامة هادئة، بنبرة أب يسأل ابنته الصغيرة عن يومها. تنهدت قبل أن أقول بجدية:
- أتعلم ماذا حدث اليوم؟ لم أذهب للجامعة، بل ذ—
- ماذا؟!!!
صرخ قاطعًا كلامي. شعرت أن أذني فقدت قدرتها على السمع للحظة. هل أستطيع أن أكمم فمه لدقائق؟ توقفت في مكاني، أغمضت عيني في إحباط، ثم دفعت ذراعه بعيدًا عني، ومشيت مبتعدة.
- إن صرخت مرة أخرى هكذا، سأقص أحبالك الصوتية!
قلت ذلك بتهديد حقيقي، قبل أن أضيف بصوت أكثر جدية:
- المهم... تم أخذي إلى المخفر.
توقف فجأة، عيناه متوسعتان من الصدمة، وكأنه لم يسمعني جيدًا. نظرت إليه، توقفت معه، انتظرت ردة فعله القادمة.
- ذهبت إلى مسرح جريمة مارسيليا... ومن هناك، أمسك بي محقق، لأني كنت آخر من التقى بها.
عندما نطقتُ بهذه الجملة، لم يكن هناك ضحك، ولا استهزاء، ولا حتى تعليق ساخر. كان هناك فقط صدمة صامتة. حدق فيّ وكأنني نطقت بشيء لم يكن مستعدًا لسماعه أبداً.
- هل أنتِ مشتبه بها؟
قالها بصوت هادئ، لكنه كان مليئًا بالخوف. وكأنه يعرف الإجابة لكنه يخشى سماعها. هززت رأسي ببطء، أؤكد سؤاله دون أن أضيف أي كلمة. لم يكن هناك داعٍ، نظراتي وحدها كانت كافية. آدم لم يقل شيئًا في البداية، فقط حدق بي بصدمة، بعينين مليئتين بالخوف.
كنت أعرف أنه سيوبخني، كنت أعرف أنني على وشك سماع محاضرة طويلة عن التهور والمخاطر، لكن قبل أن أتمكن حتى من الاستعداد لذلك أمسك بذراعي فجأة، ثم بدأ يجري بي وراءه!
- هيا، سنخبر الشرطة أنكِ كنتِ معي البارحة!
صرخ بها وهو يركض بسرعة، يسحبني خلفه دون سابق إنذار. كنت أحاول إيقافه، لكن قبضته كانت قوية، عنيدة كعادته.
- أخبرتهم بالفعل، أخرجوني من المخفر، لستُ القاتلة، لقد علموا بذلك!
تحدثت بينما كنت أحاول إيقافه بكل قوتي الجسدية، وأخيرًا، توقّف والتفت نحوي. عيناه كانتا مليئتين بالعتاب، نظرة لم أحب أن أراها منه، لكنها لم تفاجئني.
- وإن كنتُ القاتلة، فلستُ غبية لأذهب إلى مسرح الجريمة.
قلتُها ببرود، لكنني كنت أحاول أن أطمئنه أكثر من الدفاع عن نفسي.
بقي صامتًا للحظة، وكأنه يريد قول شيء لكنه لا يعرف من أين يبدأ. فالتفتُ إليه بابتسامة هادئة، أحاول تهدئة الأحمق القلق:
- لا تقلق، أنا بخير. هيا، لنذهب إلى المتحف.
ظل يحدق بي قليلًا، ثم زفر أخيرًا، مستسلِمًا. وبدون أي كلمة إضافية، رسمنا طريقنا نحو المتحف، الصمت يملأ المسافة بيننا. كان الأمر غريبًا. من كان يظن أن التوأم يمكن أن يصمتوا عندما يكونون معًا؟
دخلنا إلى المتحف، كانت الأضواء الهادئة تعكس على الأرض الرخامية، والصوت الوحيد الذي كان يملأ الفراغ هو وقع خطواتنا الخفيفة.
وقفنا أمام الحارس عند المدخل، رفعنا بطاقاتنا الطلابية، نظر إليهما سريعًا، ثم سمح لنا بالدخول دون أي تعقيد.
كان اليوم مجانًا للطلاب، لكن رغم ذلك، لم يكن المكان مزدحمًا. الناس هنا يعدّون على الأصابع، كل شخص منشغل بعالمه الخاص، يتنقلون بهدوء بين اللوحات والتماثيل، كأنهم يتهامسون مع التاريخ دون أن يجرؤوا على رفع أصواتهم.
بمجرد أن خطوت إلى الداخل، وقعت عيناي عليها. لوحتي المفضلة. لم أتمهل، ركضت نحوها مباشرة،كأن شيئًا ما ناداني، كأن كل شيء آخر في العالم أصبح غير مهم في تلك اللحظة.
لم أهتم إن كنت أبدو طفولية، أو إن كان آدم سيعلّق بسخريته المعتادة، لأنني في تلك اللحظة كنت بحاجة لأن أكون أمامها، لأن أراها كما لو كنت أراها لأول مرة.
وقفتُ أمام لوحتي المفضلة، "الليلة المرصعة بالنجوم".
منذ صغري وأنا أحبها، كانت دائمًا ملاذي الصامت حين يشتد ضجيج العالم. كلما شعرت بالملل أو الارتباك، كنتُ أرسمها... أعيد رسمها مرارًا وتكرارًا، وكأنني أحاول التقاط شيء فيها لم أفهمه بعد.
الآن، وأنا واقفة أمامها، شعرت بأنني غارقة في تفاصيلها كما كنتُ دائمًا. السماء التي لا تهدأ، النجوم التي تدور وكأنها تهمس بأسرار لا يفهمها أحد، القرية التي تنام بسلام تحت فوضى السماء.
- كيف تحبين اللوحة هذه؟
خرج صوت آدم ممتعضًا، مليئًا بالانزعاج، كما لو أنني ارتكبت جريمة بتأملي فيها.
تنهّدتُ، دون أن ألتفت إليه، قلت بصوت هادئ، لكنه يحمل شيئًا من السخرية:
- وأنت، كيف لا تحبها؟
رمقني بنظرة جانبية، وكأنه يحاول استيعاب فكرة أن شخصًا ما قد يجد هذه اللوحة ساحرة.
- إنها... فوضوية.
قالها وهو يعقد ذراعيه، حاجباه معقودان وكأن اللوحة قد أزعجته شخصيًا.
ابتسمتُ بخفة، أخيرًا نظرتُ إليه، ثم عدت بعينيّ إلى اللوحة، وقلت:
- بالضبط. ولهذا هي مفضلتي.
لم يعلّق فورًا، لكنه ظل يراقبني، وكأنه يحاول قراءة ما وراء كلماتي.
ابتسم لي آدم، ثم أخرج هاتفه وبدأ بتصويري.
ضحكت على حركته المفاجئة، لكنه استمر، وكأنه يوثق اللحظة دون أن يطلب إذني. بدأتُ أتحرك بخفة، أظهر بعض الحركات العفوية، أرفع يدي، أميل رأسي، أبتسم، وكأنني أعيش داخل واحدة من هذه اللوحات. ضحك بصوت خفيف، لكنه لم يتوقف عن التصوير.
بعد لحظات، أعاد الهاتف إلى جيبه، وقال بنبرة مرحة:
- ستشكرينني عندما ترين كيف تبدين وسط هذه التحف الفنية.
قلبتُ عيناي بسخرية، لكنه لم يكن مخطئًا تمامًا. هناك شيء مختلف في كوني هنا، وسط كل هذا الفن، وسط العالم الذي يعبر عن الأشياء بطريقة لا يستطيع البشر العاديون فعلها.
بدأنا بالمشي بين اللوحات، خطواتنا كانت بطيئة، وكأننا نحاول امتصاص التفاصيل الصغيرة التي قد لا يلاحظها الآخرون. وصلنا إلى "غرنيكا" لوحة ضخمة، مليئة بالفوضى والصراخ والصراع، وكأنها تلتقط لحظة انفجار العنف في الحياة. توقفتُ أمامها، أشعر بأنني أفهم شيئًا فيها... شيئًا يشبه الواقع الذي أعيشه الآن.
ثم اللوحة التي بجانبها "الفتاة ذات القرط اللؤلؤي" توقفتُ عندها، نظرت إلى عيني الفتاة، ذلك الغموض الهادئ فيها. هل كانت تعرف شيئًا لا نعرفه؟ أم أن نظرتها مجرد وهم صنعه الضوء؟
ثم "العشاء الأخير" وقف آدم أمامها قليلًا، كأنه يتأمل التفاصيل الصغيرة، لغة الجسد، التوتر المخفي بين الشخصيات. استمررنا بالمشي، نكتشف الفن ونكتشف أنفسنا في انعكاسه.
بينما كنا ننتقل من لوحة إلى أخرى، ظهرت أمامنا لوحة جعلت قلبي ينقبض فجأة... "أوفيليا". توقفتُ في مكاني، نظرتُ إليها، وشعرت بحزن ثقيل يتسرب إلى داخلي. كانت اللوحة مألوفة.
تقدمتُ خطوة، تأملت تفاصيلها. أوفيليا، عائمة في الماء، محاطة بالزهور، عيناها نصف مغلقة، وكأنها في عالم آخر بين الحياة والموت. هذا الشعور... لماذا يبدو قريبًا جدًا؟
نظرتُ إلى آدم، الذي كان يحدق بي بدلًا من اللوحة، وجهه يحمل سؤالًا غير منطوق.
- هل تعرف قصتها؟
سألته بصوت منخفض، كأنني أخشى أن يخرج السؤال من داخلي ويصبح حقيقيًا أكثر مما أريد. هز رأسه نافيًا، عينيه مليئتان بالفضول. بالطبع لا يعرف الاحمق الجاهل.
تحدثتُ بهدوء، عينيّ مثبتتان على اللوحة أمامي، وكأنني غارقة داخل تفاصيلها، تمامًا كما غرقت أوفيليا في الماء.
- لوحة أوفيليا للفنان جون إيفريت ميليه.
في المشهد، نرى أوفيليا، الشخصية التراجيدية من مسرحية هاملت لشكسبير، ممددة في نهر، تطفو على سطح الماء، ذراعاها مفتوحتان، وعيناها نصف مغلقتين، كأنها غارقة في حلم أو موت هادئ. وجهها يبدو هادئًا رغم موتها الوشيك، مما يخلق شعورًا غامضًا... هل كانت تعلم أنها ستموت؟ هل استسلمت بسلام؟
لم آخذ نفسًا بينما كنتُ أتكلم، كأنني كنت أخشى أن أتوقف وأفكر في الكلمات التي أقولها، أو أن أدرك أنني لا أتحدث عن أوفيليا فقط... بل عن شخص آخر.
- أوفيليا أحبت هاملت، لكن عالمها انهار عندما قتل هاملت والدها، وفقدت حُب حياتها، فاستسلمت للماء. انتحرت!
توقفتُ للحظة و نظرتُ إلى آدم. عينيه مثبتتين عليّ، لكنه لم يكن يتحدث. ربما شعر بأن هناك شيئًا مختلفًا في صوتي، في الطريقة التي وصفت بها اللوحة وكأنني أصف مأساة أعرفها جيدًا. هل قتل نفسه بسبب الحب؟ هل كانت حبيبته السبب الحقيقي؟ أم شادو هو الماء الذي أغرقه؟
ضغطتُ على يدي، لم أرد أن أسمح لهذه الأفكار بأن تتسلل إلى عقلي، لكنها فعلت. التفتتُ إلى اللوحة مرة أخرى، لكنني لم أعد أرى أوفيليا... رأيتُ آدم.
انفجر آدم بضحكة عالية، قوية بما يكفي لإسكات المتحف بأكمله للحظة. التفت جميع من حولنا، النظرات الفضولية والمندهشة تتسلل إلينا من كل زاوية.
حدّقتُ به بغضب. لكنّه، كعادته، لم يكن مكترثًا، وكأنني لم أكن قد تحدثت عن مأساة، عن موت، عن شيء يؤرقني حتى العظام. ثم، بابتسامة ساخرة، وبصوت خفيف لكنه يحمل الكثير من العبث، قال:
- لماذا تتحدثين عن اللوحة وكأنها عائلتك التي ماتت؟
كلماته أصابتني كطعنة خفيفة. أخفضتُ نظري للحظة، ثم عدتُ أنظر إليه، لكن هذه المرة بحزن شديد. لأن فردًا من عائلتي قد مات. لكنّه لا يعرف... تنفستُ ببطء، ثم رفعتُ عينيّ إليه بجدية.
- سأسألك سؤالًا... لكن أجبني بصراحة.
رأى الجدية في ملامحي، ضحك قليلًا، لكنه أدرك سريعًا أنني لا أمزح. تلاشت ضحكته، ابتسامته تلاشت ببطء، والآن... يحدّق بي بانتباه، بترقب. كأنه يعلم أن السؤال الذي سيأتي ليس عاديًا.
- هل يوجد مشكلة بينك وبين حبيبتك ناتاليا؟
لم يرد فورًا، بدا وكأن السؤال باغته. لكنني لم أترك له مجالًا للهرب، فأضفت، بصوت منخفض لكنه واضح، كأنني ألقيت قنبلة بيننا:
- لو انفصلتما أو حدثت مشكلة بينكما... هل ستقتل نفسك؟
الوقت تجمد. ملامحه تغيرت، شيء في عينيه انطفأ. لم يعد يمزح، لم يعد يتهكم. لأول مرة منذ وقت طويل... كان آدم صامتًا تمامًا.
زفر زفرة طويلة، وكأنه كان يحتاج إلى لحظة لاستيعاب السؤال، ثم نظر إلى اللوحة أمامه، ابتسامة صغيرة ترتسم على شفتيه. لكنه لم يبتسم بسخرية هذه المرة، ولم تكن ابتسامته تلك المزيفة التي يستخدمها لإخفاء مشاعره الحقيقية.
ثم قال، بصوت هادئ لكن قوي:
- سأجيب عن السؤال الثاني أولًا.
أخذ نفسًا، ثم تابع، نبرته كانت جادة... صادقة بطريقة لم أعتدها منه كثيرًا.
- لستُ أحمقًا حتى أقتل نفسي بسبب أحد ما.
كلماته ضربتني كحجر ثقيل.
- أمي ماتت، هل قتلت نفسي؟ طبعًا لا.
شعرت بقلبي ينكمش، تذكرت كيف فقد والدته عندما كنا صغارًا، كيف تغير للحظات، لكنه عاد كما كان بعد فترة قصيرة، كأن الحزن لم ينجح في كسره.
- أختي ان ماتت فلن أقتل نفسي.
ضغطت على أصابعي دون وعي، لم يكن يتحدث عني، لكنه كان يقصد شيئًا أعمق، شيئًا لم يتحدث عنه كثيرًا.
- أنتِ متِ؟ فلن أقتل نفسي.
توقفت أنفاسي لوهلة. كلماته كانت واضحة، حاسمة، وكأنه يريد أن ينهي فكرة الانتحار من جذورها.
- لستُ أحمقًا، يا سوان.
حدّق في عينيّ، منتظرًا ردّي.
- وماذا عن السؤال الأول؟
رفع حاجبه قليلًا، ثم أمال رأسه يفكر للحظة، كأنه يختار كلماته بعناية. ثم، بنبرة خفيفة لكنها غير مبالية تمامًا، قال:
- هممم، أي علاقة عاطفية يكون فيها مشاحنات ومشاكل. هذا طبيعي. ليس الأمر خطيرًا، فلا تقلقي.
لا تقلقي. كررت كلماته في رأسي، لكنني لم أصدقها تمامًا.
شيء في طريقته جعله يبدو وكأنه يريد إنهاء الحديث هنا، وكأن الإجابة مجرد غطاء يخفي شيئًا أعمق. هل كانت مجرد مشاكل عادية؟ أم أن ناتاليا كانت جزءًا من شيء أكبر؟
- حسنًا، من هو شادو؟
ألقيت السؤال كأنني أفجر قنبلة بيننا. كنت أراقب وجهه بحذر، منتظرة أي ردة فعل، أي إشارة تدل على أنه يعرف ما أتحدث عنه... لكن ردة فعله لم تكن كما توقعت. رفع حاجبه مستغربًا، وكأنه لم يسمع هذا الاسم من قبل.
- من شادو؟
قالها ببراءة غبية. تجمدتُ، شعرتُ بارتباكٍ خفيف يتسلل إلى داخلي. هل هو جاد؟! لقد كنتُ خائفة منذ الأمس من سؤاله عن شادو، خائفة مما قد أكتشفه، من الطريقة التي قد يتهرب بها، من الاحتمالات التي قد يطرحها، لكن لم أتوقع أن ينكر معرفته به تمامًا. كيف لا يعرفه؟! لقد ظننت أن شادو جزءٌ من حياته، أنه بحانبه منذ البداية، أنه كان قريبًا منه أكثر مما أتصور. لكن لم يكن كذلك؟ ماذا لو أن شادو لم يدخل حياته بعد؟
- آه، سحقًا لك، آدم... رأسي يؤلمني.
تحدثتُ بانزعاج، وضعتُ يدي على رأسي، أشعر بتعب ثقيل يجتاحني. لقد فكرت كثيرًا، أكثر مما يجب.
كنتُ أحاول فهم الأشياء التي لا تفسير لها، إعادة ترتيب الأحداث التي لا تتناسب مع ذاكرتي، لكن كلما فكرت أكثر، كلما شعرت أنني أغرق أكثر في دوامة لا نهاية لها.
فجأة، شعرتُ بيدٍ دافئةً تديرني بلطف. رفعتُ رأسي قليلًا، فقط لأجد آدم يحدّق بي بابتسامة دافئة، لكن عينيه تحملان قلقًا خفيًا.
لم يقل شيئًا في البداية، فقط نزع وشاحه البني، وأحاطه حول رقبتي برفق. دفء القماش الباقي من حرارة جسده جعلني أشعر بأمان غريب، لحظة هدوء وسط العاصفة التي تدور في رأسي.
ثم، بصوت هادئ، قال:
- لا أعلم ما الذي يحدث لك منذ الأمس، لكن لا تتعبي نفسك كثيرًا بالتفكير. انظري إلى وجهك... كم هو شاحب.
توقفتُ للحظة، نظرتُ إليه.. تمسكتُ بالوشاح قليلاً، وأخذت نفسًا عميقًا، محاولة إقناع نفسي بأنني ما زلت أملك الوقت... ما زلت أملك الفرصة لإنقاذه.
- آدم... أنا حقًا لا أريد أن أسألك هذا السؤال... لكن...
توقفتُ، ثم نظرتُ إليه، إلى بحريّتيه العميقتين، إلى الشخص الذي كنت أراه دائمًا قويًا، صلبًا، غير قابل للانكسار.
- هل تمنيت الموت يومًا؟
كلماتي خرجت بصوت مرتجف، غير ثابت، كأنها كانت تخشى أن تسمع الإجابة أكثر مما تخشى أن تُقال.
لم أكن أعلم إن كنت مستعدة لسماع ما سيقوله. لكنني كنت أعلم شيئًا واحدًا عيناي دمعتا قبل أن أسمع جوابه حتى.
لأنني كنت خائفة... خائفة من أن يكون الجواب نعم.
حدّقتُ في بحر عينيه، عيناي تبحثان عن شيء، عن أمل، عن إجابة تمنحني الطمأنينة. أردتُ منه أن يقولها. لا. أنا لم أتمنَّ الموت أبدًا. أنا أردتُ العيش دائمًا. لكنّه لم يتحدث فورًا. ظل صامتًا للحظات، وكأن السؤال لامس شيئًا عميقًا داخله، شيئًا لم يكن يتوقع أن يُسأل عنه. شعرتُ أنفاسي تتباطأ، وكأن الهواء من حولي أصبح أثقل. ماذا لو لم يقلها؟ ماذا لو كانت الحقيقة شيئًا آخر، شيئًا لم أكن مستعدة لسماعه؟ رجاءً، آدم... قلها. قل إنك لم تفكر بذلك أبدًا. قل إنك أردتَ الحياة دائمًا.
وضع يده الدافئة على خدي، أنامله تمسح عليه برفق، كأنه يحاول تهدئة العاصفة التي بداخلي. لكنني لم أستطع التوقف... نزلت دموعي أكثر.
لم أكن أريد أن أبكي، لم أكن أريد أن أضعف أمامه، لكن قلبي لم يحتمل. انا خائفة.خائفة من أن يكون الجواب عكس ما أريد سماعه.
ثم، بصوت هادئ ممتلئ بالحنان، قالها.
- فؤادي... أنا أريد العيش دائمًا، لم أتمنَّ ولن أتمنى الموت.
ابتسم. ابتسم وهو يقولها. كأنها الحقيقة الوحيدة التي لم يكن مضطرًا للتفكير فيها. رفع إصبعه السبابة، ووضعه على قلبي.
- هل يوجد من كسر قلبك الضعيف هذا؟ منذ الأمس وأنتِ هكذا.
كانت عيناه منكسرتين، مليئتين بالحيرة، بالحزن الذي لم أكن أعلم إن كان عليَّ طمأنته عنه أم إخباره بالحقيقة.
- من الذي أحزنكِ؟
توقفت للحظة، شعرت بأنفاسي تتباطأ، لكن قبل أن أفكر في إجابة، تابع:
- هل من حبيبٍ تخفينه عني أحزنكِ؟ أم هل والداكِ؟ أم أنا؟
نبرته حملت حزنًا لم أره فيه من قبل. لم أتمكن من الرد فورًا. هززت رأسي نفيًا، دون أن أرفع عينيّ إليه.
- لا أعلم... هرموناتي مختلطة.
قلتُها بتنهيدة، محاولة أن أخفي التوتر والدموع التي ما زالت معلقة في أطراف عيني. لكنني لم أستطع كتم مشاعري أكثر. بلا تفكير، رفعتُ ذراعي، وقفتُ على أصابع قدمي، وحاوطتُ رقبته، واحتضنته. شعرت بأنفاسه تهدأ للحظة، وكأنه لم يكن يتوقع هذا.
ثم همستُ، بصوت هادئ لكنه كان يحمل كل ما أريد أن أوصله له:
- كن بخير. لا تحزن... لا تيأس... لا تدع الحزن والخوف يملآن قلبك. أنا معك، أنا دائمًا معك. إن أصبح العالم كله ضدك، سأكون معك. سأحرق الجميع لأجلك.
شددتُ على كلماتي، وكأنني أعقد وعدًا غير قابل للكسر.
ثم، بحنان، أكملت:
- لا تَخفي عني حزنك، مشاكلك... لا تَخف من شيء!
شعرتُ بأنه يشدّ ذراعيه حولي قليلاً، وكأنه يمتص كلماتي إلى داخله.
بعد قضاء وقتٍ طويل في تأمل اللوحات الفنية، والخوض في أحاديث عن الفن والحياة، قررنا أخيرًا المغادرة. لكن المطر كان غزيرًا، والهواء البارد جعل فكرة السير تحته غير مطروحة.
وقفنا أمام المتحف، ننتظر توقف المطر. بدون تفكير، لففتُ ذراعي حول ذراعه، ثم أسندتُ رأسي على كتفه.
كان هذا طقسًا معتادًا بيننا بعد كل زيارة للمتحف. لم يكن يحتاج إلى تفسير أو تفكير، كان شيئًا يحدث ببساطة، كأننا خُلقنا لنكون هكذا، جزءًا من نفس الصورة.
بقيتُ أحدق في المارة، في السيارات التي تعبر الشارع اللامع بفعل المطر، في الأضواء التي تعكسها الأرض الرطبة... حتى شعرت بيده الباردة تلامس خدي.
التفتُّ إليه بسرعة ابتسم بخفة ووضع سماعته في أذني.
الموسيقى بدأت تتسلل إليّ... نغمة هادئة، دافئة، مليئة بالحياة. ابتسمتُ بهدوء، نظرتُ إليه، ووجدت ابتسامته تحمل دفئًا وحنانًا صامتًا.
لم نقل شيئًا، فقط عدتُ لأنظر إلى الشارع، أراقب المطر وهو يستمر بالسقوط.
لكن .. لم يدم هذا السلام طويلًا. توقفتُ فجأة، عيناي جمدتا على مشهد لم يكن من المفترض أن يكون هناك. المحقق أوليفر. جسدي تجمد في مكانه، توتر مفاجئ تسلل إلى أطرافي. لماذا هو هنا؟
هل كان يتبعني؟ هل ما زال يشك بي؟
تساؤلات كثيرة ملأت رأسي، لكن ما جعل أنفاسي تنقطع لم يكن وجوده فقط... بل ما فعله. نظراتنا تلاقت، ثم... أشار لي بحركة بسيطة، واضحة. "أنا أراقبك." حركته كانت خفيفة، لكنني فهمت معناها تمامًا. ثم، كما ظهر فجأة، اختفى بين زحام الناس. شعرتُ بقشعريرة تسري في جسدي. المحقق لم يخرجني من دائرة الشك بعد. وإن كان يراقبني...فهذا يعني أن هناك شيئًا آخر ينتظرني، شيء لا أعرفه بعد.
lll3iii