🤍:
قبل قراءتكَ لِما كتبتهُ : تصويتٌ + تَعليقاتٌ بينَ الفَقَراتِ = كافيةٌ لِتسعدني.
مُحطمة مُهشمة مُشتتة مُتفتفتة
✩࿐࿔
مرّ أسبوع منذ ذلك اليوم. لم أفتح الموضوع مع آدم، وهو كذلك لم يتطرق إليه. ألتقي به كل يوم، نقضي الكثير من الوقت معًا، أحاول ألا أتركه وحيدًا خلال هذه الفترة،
وسأفتح الموضوع معه قريبًا، عندما يحين الوقت المناسب.
انتهت محاضرتي منذ قليل، خرج البروفيسور من القاعة، جمعت أغراضي، أدخلت الآيباد في حقيبتي السوداء، ارتديت معطفي المعتاد، ثم أخذت الحقيبة وخرجت من القاعة متجهة إلى الخارج.
أفكر في الذهاب الآن إلى قسم الطب لأرى آدم. خرجت من البناية، وكعادة الهواء البارد صفع وجهي، لكن اليوم كان أكثر برودة من الأيام السابقة، كأن الشتاء قرر أن يُظهر قسوته فجأة.
رسمت خطواتي نحو قسم الطب، المسافة ليست طويلة لكنها كافية لتسمح لأفكاري بالتدفق، ربطت شعري الذي كان مفتوحًا بذيل حصان، وسحبت قبعة معطفي لأغطي رأسي، أذناي تجمدتا من البرد.
بينما أسير، لمحت على يساري مارك والمزعج أندرياس، كانا يحدقان بي. لم أهتم، لم أتوقف، عبرتهما دون أن ألتفت. لم أخاطب مارك منذ ذلك اليوم، أما أندرياس فلم أره أصلًا طوال الأسبوع. وهذا كان أفضل.
ولكن ما يزعجني الآن أنني أشعر بأنهما يتبعانني. امشي يا سوان، لا تنظري إليهما، لا تخاطبيهما. أنا متأكدة أن واحدًا منهما هو شادو.
قاطعني صوت أحدهما ينادي اسمي. تجاهلته. تابعت طريقي وكأنني لم أسمع شيئًا.
- أيتها الصمّاء.
قالها بغيظ، البغيظ أندرياس. توقفت. أدرتُ جسدي بقوة، عينيّ تشتعلان بالحقد، نظرت إليه نظرة كانت كافية لتقول له ألف كلمة دون أن أفتح فمي. هززت رأسي لهما، بمعنى: ماذا؟ ماذا تريدان؟ قلب البغيظ عينيه لي، نظراته مستفزة كما هي دائمًا، وكأنه يستمتع برؤيتي منزعجة.
لكن قبل أن ينطق، سبقه مارك، تحدث بابتسامة هادئة:
- كيف حالكِ؟
- بخير.
رددت ببرود، مع ابتسامة متكلفة، لم أكن أرغب في إطالة الحديث أكثر من اللازم.
- كيف علاقتكما، أنتِ وآدم؟
مسحت ابتسامتي المتكلفة عن وجهي فورًا، عبست قليلًا، هذا الفتى يحاول إزعاجي، أعرف ذلك. لكن لن أمنحه هذه المتعة. زفرت أنفاسي بخفة، ثم ابتسمت مجددًا، بنفس التكلف الذي يزعجه أكثر مما يزعجني.
- إنها الأفضل، شكرًا لكما على اهتمامكما.
قلتها وكنت سأمشي، لكن قطرة ثلج سقطت على شعر أندرياس. اوقفتني. رفعت رأسي، وهما كذلك، ناظرين إلى السماء، حيث بدأ الثلج يتساقط بهدوء وجمال.
- الثلج الأول لهذه السنة.
قالها مارك بفرح، نبرته خفيفة، لكنها دفعت الماء في عروقي وكأنها طوفان بارد اجتاحني فجأة. شعرت أن الموت يقترب مني. بلغت دقات قلبي أقصاها، سقطت حقيبتي من كتفي، ارتجفت يداي، ذعرت. حدقا بي باستغراب.
أول سقوط للثلج هذا العام... هو موعد موت الضحية الثانية. لوكا... لوكا سيموت بعد قليل!! اللعنة، اللعنة... كيف نسيت الجرائم؟ كيف نسيت هذه التفاصيل؟
- سوان؟
صوت أندرياس أيقظني من شرودي. حدّقت به، ثم بمارك، والقلق يسيطر عليهما، نظراتهما تبحث عن تفسير لما يحدث لي. لا وقت للتفسير. انحنيت بسرعة، أمسكت حقيبتي، ثم ركضت. ركضت متجاهلة صوتهما، متجاهلة كل شيء. عليَّ إيجاد لوكا... الآن!
أركض نحو وقوع الجريمة، نحو الأزقة القريبة من الجامعة، تلك التي تلتصق بجدران المقاهي المزدحمة، حيث لا يلتفت أحد إلى ما يحدث في الظلال.
جسدي يرتجف، ليس من البرد، بل من الخوف، من الترقب، من احتمال أن أصل متأخرة. دخلت الزقاق الضيق، الممر المظلم الذي من المفترض أن يكون مسرح الجريمة.
وصلت إلى نهايته، لكن لا يوجد شيء. لا صراخ، لا دماء، لا جسد ملقى على الأرض، لا لوكا، ولا حتى أثر للقاتل.
التفتُ حولي بسرعة، عيناي تبحثان بجنون، قلبي يخفق بشدة، لا أصدق، هذا غير ممكن!
لمحت مارك وأندرياس، يقفان عند مدخل الزقاق، كانا يتبعانني. لكني لم أهتم بهما، لا وقت للجدال، لا وقت للأسئلة.
خرجت من الزقاق، عيناي تمسحان المكان، أبحث عن أي حركة، أي ظل، عن لوكا، عن القاتل، عن أي شيء يدلني على أن الجريمة لا تزال على وشك الحدوث... لكن لا شيء. الجريمة يجب أن تقع الآن! هل تغيرت الأحداث؟
سحقًا، لكنني لم أفعل شيئًا يؤثر على الماضي! لم أقترب من لوكا، لم أحذّره، لم أتدخل، كل شيء كان يسير كما هو.
لكن أين الجثة؟ أين الدماء؟ أين الصدمة التي كان يجب أن تحدث الآن؟
أمسكت رأسي بألم شديد، الأفكار تتصارع داخلي كعاصفة لا تهدأ. عدت أبحث في الزقاق مجددًا، لكن المكان ظل صامتًا، هادئًا بشكل يثير الرعب.
- سوان، ما بكِ؟ ما الذي يحدث؟
تحدث مارك وهو يمسك بذراعي، نبرته قلقة، لكن عينيه تترقبان رد فعلي. حدقت به بتوسل، لكنني لم أجب. ماذا سأفعل الآن؟
الأمر جيد أن لوكا لم يمت... لكن ماذا لو كان شخص آخر هو الضحية؟ أو... لحظة. هل لأن القاتل كان مشغولًا بشيء آخر، ولهذا لم يقتل لوكا؟
اتسعت عيناي، رفعت نظري نحو مارك وأندرياس، الشك بدأ ينهشني أكثر من أي وقت مضى. سحبت ذراعي من يد مارك بسرعة، قلبي رجف بخوف حقيقي.
هل واحد منهما هو القاتل، وليس شادو؟ أم أن أحدهما هو شادو والآخر هو القاتل؟ أم أن الشخص الذي يحمل كلا اللقبين هو نفسه؟
أخرج أندرياس هاتفه، رمقني بنظرة انزعاج واضحة، ثم بدأ يحدق في الشاشة، أصابعه تتحرك بسرعة، وكأنه تلقى شيئًا ثقيلًا.
لكن ما جعل الدم يتجمد في عروقي، لم يكن أندرياس... بل مارك. عيناه لم تفارقاني. كان يحدق بي بتركيز، وكأن شيئًا ما يدور في رأسه. هل يفكر بقتلي هنا؟ بدلًا من قتل لوكا؟
كل من تعاملت معهم منذ عودتي للماضي... كانوا آدم، مارك، وأندرياس. هل هذه مجرد صدفة؟
- هناك جريمة قتل عند البحر... طالب من جامعتنا.
تحدث أندرياس أخيرًا، صوته متوتر، الكلمات تخرج منه وكأنها أثقل من أن ينطق بها بسهولة. كلماته جذبتني من قاع أفكاري، ضربتني بقوة على أرض الواقع.
تسمرتُ مكاني للحظات، ثم، بلا تفكير، خطفت هاتفه من يده. حدقت في الشاشة... جريمة قتل. حدثت عند البحر. شاب في العشرين من عمره، لا يظهر شكله، صورته مغوشة في الخبر.
ركضت بأقصى سرعتي نحو البحر، لا أستطيع التفكير في شيء سوى أنني أتمنى ألا تكون هذه الجريمة جزءًا من سلسلة القتل المتسلسل.
ركضت وركضت، الهواء البارد يضرب وجهي، لكنني بالكاد أشعر به. وصلت إلى البحر، ومن بعيد رأيت الشرطة محتشدة حول شيء. خطواتي أصبحت ثقيلة، خائفة من الاقتراب، من رؤية ما لا أريد رؤيته.
لمحت المحقق أوليفر، واقفًا بين رجال الشرطة، عينيه تراقبان المكان بحدة. أصبحت الجثة أمام عيني. بسرعة أنزلت نظراتي نحو معصمه، قلبي ينبض بعنف، يرفض تصديق ما أراه.
الجريمة الثانية حدثت. منقوش بشمع أحمر الأحرف ASH. مقطوعة يده اليسرى بالكامل، جرحان كبيران على رقبته، جسده ملقى على الرمال كأنه كائن مهجور لفظه البحر.
أشعر وكأن العالم يضغط فوق قلبي، ثقله يسحق أنفاسي.
ضغطي انخفض، دقات قلبي لم أعد أشعر بها، وكأنها تلاشت وسط الصدمة. عيناي لا تستطيعان الابتعاد عن المشهد، لكنني أجبر نفسي.
أبتعد، أسحب قدماي بصعوبة، كل خطوة تؤلمني، كأن الأرض ترفض أن تتركني أرحل.
أشعر بالغثيان، برغبة في الصراخ، في التقيؤ، لكن لا شيء يخرج. كل شيء ثقيل، الهواء، نظرات الشرطة، حتى صوت الأمواج صار يؤلم اذني.
لمحت مقعدًا خشبيًا من بعيد، بدا وكأنه المنفذ الوحيد وسط هذا الاختناق. مشيت خطوات متعبة، ثقيلة، كأنني أحمل وزن هذا اليوم كله على ظهري.
وصلت إليه، تركت نفسي أجلس عليه، بلا تفكير، بلا مقاومة. رميت جسدي، رأسي منكّس، أنفاسي متقطعة، لا أعلم إن كان هذا الشعور خوفًا، صدمة، أم مجرد فراغ يلتهمني ببطء.
اتكأت رأسي على المقعد، نظرت إلى السماء، إلى الثلج المتطاير بخفة، كأنه لا يعلم أي فوضى تحدث تحته.
أغمضت عيناي للحظة، محاولة الهروب من كل شيء، لكن شعرت بجسد واقف بجانبي. اللعنة، اذهبا! فتحت عيني، حدقت في أندرياس، وانقبض قلبي. تذكرت كلماته، تذكرت كيف مزقني بالحقيقة التي لم أرد مواجهتها. أنا أنانية حقًا.
في كل شيء أفعله يظهر أنني أنانية. لم أهتم بآدم، لم أفهم مشاعره، ثم تركني وقتل نفسه. والآن عندما عدت للماضي، حاولت أن أهتم به، وتركت أمر الضحايا، فحدثت الجريمة الثانية.
لو أنني وازنت بين آدم والضحايا لما حدث ذلك. لو أنني لم أفكر فقط في آدم، لما وقع المزيد من الضحايا. هل كنت أفكر بآدم أم بنفسي؟ هل كنت أفعل كل شيء حتى لا أكون أنانية، كما قال أندرياس؟
تجمعت الدموع في عيني، لكنها توقفت عند رموشي، رفضت أن تسقط، رفضت أن تنهار أمامهما. لقد تهتِ من ذاتك يا سوان... وفقدتِ البوصلة.
جلس بجانبي مارك بهدوء، لم ينطق بشيء في البداية، فقط وجوده كان كافيًا ليشعرني أنني لم أعد وحدي في هذه اللحظة.
أما الآخر، ظل واقفًا، أستطيع أن أشعر بنظراته، بثقله، وأنا أحاول كتم دموعي، أحاول منع نفسي من الانهيار أمامهما، أمامه تحديدًا. قبل أسبوع رآني أبكي، ولا أريد أن أظهر له هذا الجانب الضعيف مرة أخرى.
- سوان، أنتِ تكتمين كل شيء داخلك.
تحدث مارك، صوته كان هادئًا، لطيفًا، لكنه حمل نبرة فهم، كأنه يعلم أنني أحارب داخلي شيئًا لا أريد الاعتراف به.
لم أنظر إليه، لم أجب. لا أريد أن أتكلم.
- لا أعلم ما الذي يحدث معك، لكنك تضغطين على نفسك كثيرًا. ألا تستطيعين مشاركة مشاعرك مع الآخرين؟
لم يتحرك، لم يحاول أن يفرض علي الكلام، فقط انتظر.
- آدم يتحدث عنكِ كثيرًا، يقول إنكِ شخص قليل الكلام، كثير الكتم. أتعلمين ما هي أضرار ما تفعلينه؟
تحدث مارك بلطف، نبرته لم تكن تحمل أي ضغط، فقط هدوء يشبه العتاب الصامت.
ألقيت نظرة عليه، رأيته يبتسم بحزن، ابتسامة لم أعرف كيف أفسرها، لكنها جعلت شيئًا في داخلي ينهار قليلًا.
أشحت نظراتي سريعًا، لأن دموعي بدأت تتشجع للخروج، وأنا لا أريد ذلك.
- سُمي الإنسان بهذا الاسم لسببين: الأول لأنه كثير النسيان، والثاني لأنه مخلوق يأنس بالآخرين.
صوت أندرياس قطع الصمت، كان هادئًا، غير مستفز هذه المرة، لكن كلماته ضربتني في أضعف نقطة بداخلي.
- الأُنس هو الشعور بالراحة والطمأنينة عند مشاركة اللحظات والمشاعر، لكن كيف يمكن لمن لا يبوح بشيء أن يجد الأُنس؟ كيف يمكن لمن يخبئ كل شيء في داخله أن يشعر بالراحة بين الناس؟
حدقت به، مندهشة، مكسورة، لم أتوقع أن تصدر هذه الكلمات منه، لم أتوقع أن يكون هو من يقول شيئًا يجعلني أشعر وكأنه يضعني أمام مرآة نفسي التي كنت أهرب منها.
رجفت شفتاي، ولم أستطع التحكم بدموعي أكثر، سقطت، تسابقت على وجنتي، وكأنها لم تعد تحتمل البقاء حبيسة داخلي.
أخذت كفاي ووضعتها على وجهي، أخفي نفسي عنهم، أخفي ضعفي، أخفي كل شيء... لكني أعلم أنهم رأوا بالفعل.
شعرت بيد مارك تربت على ظهري، دافئة، هادئة، كأنها تحاول تهدئتي دون كلمات. ازداد بكائي أكثر عند فعلته، وكأن لمسته سمحت للدموع بأن تنهمر بحرية أكبر.
لا أعلم كم بكيت بجانبهما، لكنني بكيت كثيرًا، ولم تنتهِ دموعي بعد. أصبحت كثيرة البكاء، وهذا مخجل حقًا.
لكن ما يحزنني أكثر الآن أنني لا أتذكر الضحية الثالثة والرابعة، كيف سأحمي أشخاصًا لا أستطيع حتى تذكرهم؟
- آنسة سوان.
قطع نحيبي وتفكيري صوت رجولي ينادي اسمي، أبعدت كفاي عن وجهي ورفعت رأسي باتجاه الصوت. تجمد دمي في عروقي عند رؤيته... المحقق أوليفر.
مسحت دموعي سريعًا، وثبت من مكاني، وقفت باستعداد، محاوِلة أن أبدو طبيعية رغم الفوضى بداخلي.
- ماذا تفعلين هنا؟ لماذا أراكِ بجانب موقع الجريمة؟
تحدث بنبرة ثقيلة، عيناه تراقبني من أعلى رأسي حتى قدمي، ثم انتقلتا نحو مارك وأندرياس، وكأنه يقيم وجودنا معًا.
توترت لسؤاله، شعرت بحرارة يديّ رغم برودة الطقس، أحكمت قبضتي بتوتر، لقد نسيت أمره تمامًا، والآن... هل سأكون المشتبه به مجددًا؟
- سمعت بجريمة قتل حدثت، والطالب من جامعتي، فجئت إلى هنا.
حاولت أن أجعل صوتي ثابتًا، لكنني لم أكن واثقة إن كان ذلك ناجحًا أم لا.
- همم، هكذا إذن.
نظر إليّ نظرة طويلة، ثم رفع حاجبه قليلًا، وكأن لديه استنتاجًا جاهزًا بالفعل.
- آنسة سوان، ما رأيك أن تأتي معي إلى المخفر حتى تعطي إفادتك؟
نبرته كانت ساخرة تمامًا، ليست مجرد دعوة بل تحدٍ واضح.
شعرت بدوار خفيف، وكأن الأرض بدأت تميل تحت قدمي.
إفادتي؟ تمتمت بصوت بالكاد مسموعًا:
- أنا لم أفعل شيئًا، لم أكن حتى أعرف الضحية جيدًا.
- لكنّكِ كنتِ تعرفينه، أليس كذلك؟
قاطعني المحقق، نظراته ثاقبة كأنها تخترق جسدي، تحاصرني بلا مفر.
- وكنتِ في الجامعة وقت وقوع الجريمة، وهذا يكفي لجعلِكِ شخصًا مثيرًا للاهتمام بالنسبة لنا.
بلعت ريقي بصعوبة، شعرت بجفاف في حلقي.
- ما شأن هذا في الجامعة؟ الجريمة حدثت هنا!
ابتسم المحقق بسخرية، وكأن كلماتي لم تكن أكثر من محاولة يائسة للخروج من الموقف. هل قُتل عندما كنت في المحاضرة؟ الم يموت منذ اول سقوط للثلج؟ شعرت بالخوف والتوتر يتسللان إلى قلبي، يحكمان قبضتهما عليّ.
- حسنًا، سنرى ذلك.
قال المحقق، ثم أشار بيده إلى الطريق:
- الآن، تفضلي معي إلى المركز، لدينا الكثير لنتحدث عنه.
لم يكن لدي خيار آخر. تبعته إلى السيارة، خطواتي ثقيلة، جسدي مشدود، عقلي غارق في أفكار سوداء.
ماذا سيحدث لي الآن؟ هل سأتمكن من إثبات براءتي؟ لماذا دومًا يشكّ بي هذا المحقق؟
قبل دخولي إلى السيارة، سقطت عيناي على مارك، كان ينظر إلي بهدوء. بينما أندرياس...؟ كان مختلفًا هذه المرة.
لأول مرة، يظهر مشاعر واضحة على ملامحه، ينظر إلي بقلق، بتوتر، وكأنه لا يعجبه ما يحدث. تنهدتُ بارتجاف، ثم صعدت إلى السيارة، قبل أن يغلق المحقق الباب بقوة، كأنه أراد أن يؤكد أنني الآن في قبضته.
طوال الطريق إلى المخفر، كنتُ غارقة في أفكاري، أحاول أن أتذكر أي تفاصيل قد تساعدني في إثبات براءتي.
لكن ذاكرتي كانت ضبابية، مشوشة، كأن رأسي يرفض التعاون معي في هذه اللحظة الحرجة.
كل ما أتذكره... هو وجه الضحية لوكا الشاحب وهو ملقى على الأرض، الدماء تغطي الرمال، الأحرف ASH المحفورة بالشمع الأحمر، توقيع الموت.
عندما وصلنا إلى المركز، أدخلوني إلى غرفة صغيرة ذات جدران رصاصية باردة. كانت نفس الغرفة السابقة، نفس الطاولة، نفس الكرسي، نفس الإحساس بالاختناق.
جلس المحقق أمامي بعد دقائق من الانتظار، وضع ملفًا سميكًا أمامه، حدق بي نظرة فاحصة، كأنه يحاول فك شيفرتي.
- لدينا بعض الأسئلة لكِ، آنسة سوان.
قال بصوت حاد، نبرته لم تكن ودودة أبدًا، كأنه كان ينتظر أي زلة مني.
- أريدكِ أن تجيبي عليها بصدق، وإلا ستكون الأمور أسوأ بالنسبة لكِ.
شعرت بقلبي يخفق بسرعة، لكنه ليس الوقت المناسب للذعر. حاولت أن أظهر ثباتًا رغم القلق الذي يتسلل إليّ ببطء. نظر إلي المحقق نظرة متفحصة.
- حسنًا، لنبدأ بالأساسيات. أين كنتِ بالضبط وقت وقوع الجريمة الساعة الثالثة مساءً؟
- كنتُ في المحاضرة.
- هل يمكنكِ إثبات ذلك؟
- نعم، يمكنني ذلك. هناك كاميرات مراقبة في الممرات، ويمكنك مراجعتها. كما أن البروفيسور يأخذ توقيع الحضور لكل محاضرة.
ابتسم بسخرية، نبرة صوته كانت تحمل شيئًا غير مريح.
- نعم، سنفعل ذلك. ولكن لدينا أيضًا شهود عيان يقولون إنهم رأوكِ تغادرين الجامعة قبل وقت قصير من وقوع الجريمة.
شعرت بالصدمة، من شاهدني أغادر؟ لم يكن هناك أحد غير مارك وأندرياس، هل كانا هما من شهدا ضدي؟ لكن متى؟ كانا برفقتي طوال الوقت.
تنهدت بهدوء، لا أريد أن أظهر ارتباكي أمامه.
- صحيح، لقد خرجت من الجامعة ولكن بعد المحاضرات، والتي انتهت الساعة الرابعة مساءً، ولم أغادر وحدي، كان معي زميلاي.
- همم، سنرى ذلك. والآن، دعينا نتحدث عن علاقتكِ بالضحية.
أومأت برأسي، ثم قلت بصوت ثابت وهادئ:
- لم تكن لدي علاقة وثيقة به. تحدثتُ معه مرّة واحدة فقط، عندما طلبت منه خبرًا كتبه بنفسه لأجل واجبي، وكان ذلك قبل سنة أو نصف سنة.
رفع المحقق حاجبه، نظراته مليئة بالشك، وكأنه يحاول انتزاع شيء غير موجود.
- ألا تعتقدين أن هذا غير كافٍ لجعلكِ تشعرين بالغيرة؟
ضحكت بعدم تصديق، ثم قلت باندهاش:
- الغيرة؟ لماذا أشعر بالغيرة؟!
- الضحية كان يتمتع بشعبية كبيرة، وكان محط إعجاب الكثيرين. ألم تشعري بالغيرة من ذلك؟
- لا، لم أشعر بالغيرة. لم أكن مهتمة به بهذه الطريقة. وما شأن الغيرة بهذا؟ سيدي المحقق، هل أنت متأكد أنك فكرت جيدًا قبل طرح هذه الأسئلة؟ كم هي عشوائية.
حدق بي المحقق، لم تعجبه نبرتي، لكنني لم أهتم، هو من بدأ باستفزازي.
- لنكن محترمين، آنسة سوان. المهم، هذا ما تقولينه. ولكن لدينا أيضًا أدلة أخرى تربطكِ بالجريمة.
شعرت بالتوتر يتسلل إلى داخلي، لكنني لم أسمح له بالسيطرة عليّ.
- ما هي هذه الأدلة؟
قلت ذلك بانزعاج، وأنا أحاول ألا أتحدث معه بسخرية.
- لدينا رسالة نصية وجدناها في هاتف الضحية، تقولين فيها إنكِ ستلتقين به في مكان وقوع الجريمة.
كلماته كانت كالرصاصة التي اخترقت صدري، شعرت بالرعب يتغلغل في كل جزء مني.
أرسلت له رسالة؟ متى؟ كيف؟ أنا لم أكن أعرف حتى أنه سيموت، لم أعرف حتى أن الجريمة ستقع إلا عندما بدأ الثلج بالتساقط! هل هناك شخص يحاول إلصاق التهمة بي؟ يحاول جعلي مشتبهًا به؟
قلت بصوت مرتفع، وكأنني أحاول إقناع نفسي قبل إقناعه:
- هذا غير صحيح. لم أرسل أي رسالة نصية إليه، أنا لا أعرف رقمه حتى!
المحقق لم يبدُ مقتنعًا، نظراته أصبحت أكثر صرامة، كأنه وجد خيطًا يريد التمسك به. بقيت أحاول استيعاب ما يحدث، الشك موجه نحوي أكثر من أي وقت مضى، بطريقة لم تحدث في الماضي. في الماضي، لم أكن حتى ضمن المشتبه بهم... ما الذي تغير الآن؟
- أنا مجتمعي صغير جدًا، ولست مهتمة بالناس. لم أفكر يومًا بالغيرة بسبب شخص ناجح أو مشهور. أستطيع أن أكون ناجحة ومشهورة إن أردت، لكن هذا لا يجذبني.
نطقت كلماتي بسرعة، بصوت يحمل ضيقًا لا أخفيه.
- سيدي المحقق، أتمنى أن تحاولوا أكثر قليلًا في إيجاد القاتل بجدية، فنحن لا نعلم إن كان سيموت غيره بعد اثنين أو أكثر.
حدقت به مباشرة، لم أعد أهتم إن كنت أبدو غاضبة أو مستاءة.
- أنا أو أنت يمكن أن نكون ضحاياه القادمة. لا أرى أنك مشتبه بأحد غيري رغم أن كل شيء ظاهر أمامك.
زفرت بقوة، أشعر بانكسار لم أختبره من قبل، هذا التحقيق لا يتجه لأي مكان منطقي.
- كنتُ في المحاضرة، وحتى زميلي مارك كان يجلس ورائي، هو شاهد على وجودي في القاعة، وبعد المحاضرات كنتُ معه ومع صديقه أندرياس.
نظرت إليه، عينيه تراقباني بحذر، لكنني أكملت دون أن أنتظر ردًا.
- إن كنت سأقتل أحدًا، لاختفيت عن الأنظار، لم أكن لأحضر المحاضرة، ولم أكن لأخرج معهما بعدها.
تحدثت سريعًا، بانكسار لم أعد قادرة على إخفائه، أشعر بالضيق يتكدس في صدري.
هل هذا المحقق أحمق؟ هل يعقل أنه لا يرى أي مشتبه به غيري؟ ما شأني أنا بكل هذا؟ ولماذا اسئلته عشوائية غبية هكذا؟! هل هذا تحقيق؟ ربط المواضيع عنده حمقاء مثله!
- حسنًا، ما هو تبرير الرسالة؟
قالها ببرود، يحدق بي بانزعاج واضح، لم يعجبه كلامي، لم تعجبه طريقتي، وكأنه يريد مني أن أنهار، أن أرتبك، أن أقدم له إجابة مترددة تمنحه سببًا ليواصل الشك بي. لكنني لم أفعل. نظرت إليه مباشرة، التوتر في داخلي يكاد يخنقني، لكنني لن أسمح له بأن يرى ذلك.
- قلت لك، لم أرسل أي رسالة. لا أعرف كيف وصلت إليه، لكنني لم أفعل. هل فحصتم الرقم؟ هل تأكدتم أنه رقمي فعلًا؟ أم أنكم قررتم فقط أنني المتهمة، وانتهى الأمر؟
تحدثت بوضوح، بجدية، بصوت ثابت لا يحمل أي تردد. تقدم بجسده قليلًا، وضع مرفقيه على الطاولة، نظراته تزداد حدة.
- الرسالة أُرسلت من رقمك، آنسة سوان.
شعرت بصدري ينقبض، لكنني لم أُظهر ذلك.
- هذا مستحيل. هناك خطأ ما.
- إذن، هل لديك تفسير؟
صمتي طال لثانية، لا، ليس لدي تفسير، لكنني واثقة أنني لم أفعل.
- شخص ما يحاول توريطي. لا أعلم من، ولا أعلم لماذا، لكنني لم أرسل تلك الرسالة.
نظر إلي بصمت، وكأنه يقيم كلماتي، ثم ألقى القلم الذي كان يحمله على الطاولة، زفر بصوت مسموع، ثم أدار الملف نحوه.
- حسنًا، سنرى ذلك.
- إذن، سيد أوليفر، تقول إنني أرسلت الرسالة إلى لوكا ليأتي إلى مكان الجريمة، حسنًا... هل تحققت من الكاميرات؟ هل رأيتني هناك؟
تحدثت مهاجمة، لم أعد أطيق هذا التحقيق العقيم. محقق أحمق، يلتقط أول خيط أمامه ويتمسك به فقط لأنه الأسهل.
أشاح بنظراته عني، بدأ يحدق في الملف أمامه، يتظاهر بالتركيز، لكنه لا يملك إجابة.
- الم ينتهِ الاستجواب، سيدي؟
أردفت بانزعاج، أريد الخروج من هذا المكان، من هذا الضغط، من هذه الدائرة التي يحاول أن يضعني فيها بالقوة.
- انتهى الاستجواب، آنسة سوان، يمكنك المغادرة.
همهمت بالموافقة، تحركت نحو الباب، لكنني توقفت لوهلة، شعرت بأن هناك كلمات يجب أن تُقال.
استدرت ببطء، نظرت إليه نظرة ثابتة، لا تحمل غضبًا، بل شيئًا آخر... خيبة أمل واضحة.
- سيدي المحقق، أعلم أنك تؤدي عملك، وأتفهم أن أي دليل، حتى لو كان بسيطًا، قد يغير مجرى التحقيق. لكن ما لا أفهمه هو كيف يمكنك أن تتجاهل كل الاحتمالات الأخرى، كل المشتبه بهم الآخرين، وتركّز على شخص واحد فقط لمجرد أن الأمور بدت سهلة هكذا.
تقدمت خطوة نحوه، نبرتي بقيت هادئة، لكنها كانت محمّلة بالمعنى. لاحظت كيف تغيرت ملامحه قليلًا، لكنه لم يقاطعني.
- عندما يكون القاتل حُرًا في الخارج، والمحقق الذي من المفترض أن يمسك به يضيّع وقته في ملاحقة شخص بريء، فهذا ليس مجرد خطأ... بل هو تقصير قد يكلف أرواحًا أخرى.
رأيته يشيح بنظره عني للحظة، لكنني لم أكن بحاجة إلى رد منه. تنفست بعمق، ثم أكملت، بنبرة هادئة لكنها واضحة.
- آمل أن تكون أكثر دقة في تحقيقاتك القادمة، لأن الوقت الذي تقضيه في التحقيق مع شخص بريء قد يكون هو نفس الوقت الذي يحتاجه القاتل ليجهز على ضحيته التالية.
ثم استدرت، وخرجت دون انتظار أي إجابة منه. خرجت من المخفر، والثلج يغمر المكان، يكسو الشوارع بطبقة بيضاء صافية، على عكس الفوضى التي تعصف بداخلي.
وكأن عاصفة اجتاحتني، بعثرت كل شيء في داخلي ثم رحلت، تاركة خلفها أنقاضًا من أفكار متشابكة، لا أستطيع ترتيبها.
إن كانت الأحداث قد تغيرت، فهذا يعني أن كل شيء قابل للتغيير. قد تتغير قائمة الضحايا... قد يزيد عددهم... أو قد لا يكون هناك ضحايا أخرى...
أو ربما، أكون أنا الضحية القادمة. او ادم.. توقفت للحظة، هذه الفكرة تسللت إليّ ببطء، كأنها تهمس في أذني. لكن الأهم الآن، من هو الشخص الذي يحاول وضع كل الشبهات عليّ؟
آدم؟ لا، هذا مستحيل. مارك؟ أندرياس؟ لكنهما كانا معي طوال الوقت. لم أخاطب غيرهما منذ عودتي للماضي، باستثناء أمي، وهذا يعني أن الاحتمالات تضيق أكثر.
يوجد شخص آخر... شخص لا أعلم من هو. أشعر بذلك.
شعور غريب، ثقيل، يلازمني منذ بدأت الأمور تتغير. هذا الشخص يتعقبني. لا أعلم كيف، لا أعلم متى بدأ، لكنني متأكدة أنه ليس أندرياس، ليس مارك. إذن، من يكون؟ هل هناك شخص آخر في الظل، يراقب تحركاتي، يعرف أكثر مما ينبغي؟ هل يعلم بعودتي للماضي؟ مجرد فكرة أن هناك من يعرف جعلت قشعريرة تسري في جسدي. وإن كان يعلم... فماذا يريد مني؟
أمشي دون خطة مسبقة، لا أعرف أين أذهب، فقط أتابع قدمي، كأنني أبحث عن إجابة قد أجدها في الشوارع المغطاة بالثلج.
رفعت رأسي عن الأرض ببطء، كأنني أخرج من غيبوبة أفكاري، لكن ما رأيته جعل الدم يتجمد في عروقي. كانت هناك. واقفة أمامي، بثبات مريب، كأنها كانت تنتظرني طوال الوقت. الجنية... شعرها الأسود الطويل يتراقص مع نسمات الهواء الباردة، ووشاحها الأحمر يلف عنقها، بارزًا كعلامة خطر وسط بياض الثلج المتساقط.
رجف قلبي لرؤيتها، شعرت بشيء لا أستطيع تفسيره... هل هو خوف؟ أم أنه شيء أعمق، إحساس بأن وجودها هنا ليس مجرد صدفة؟
هل هي الشخص الذي يحاول جعلي المشتبه به؟ هل...
- لستُ أنا.
جاء صوتها قاطعًا أفكاري، وكأنها تقرأ ما يدور في رأسي.
- أنا لا أستطيع التدخل في أمور البشر. مهمتي فقط كانت إعادتكِ إلى الماضي.
قشعر بدني، شعرت ببرودة مفاجئة تسري في ظهري.
- نعم، أقرأ أفكاركِ.
شهقتُ شهقة خافتة، خطوة تراجعتُ للخلف، هذا المخلوق يخيفني حقًاً. لكنني تمالكت نفسي، أخذت نفسًا عميقًا، حاولت الحفاظ على هدوئي، نظرت إليها بجدية.
- ماذا سأفعل؟ الماضي يتغير!
- طبيعي أن يتغير، سوان.
قالتها بهدوء، كأنها تتحدث عن شيء بديهي لا يحتاج كل هذا الذعر.
- وجودكِ هنا، وقوفكِ هنا، حتى أنفاسكِ... كل هذا يغير مجرى الماضي، حياتكِ، أو حياة غيركِ.
- سحقًا!! أخبريني من هم الضحيتان الثالثة والرابعة.
نظرت لها بتوسل، بعينين تبحثان عن أي إجابة، أي شيء يمكن أن ينقذني من هذا الضياع.
الثلج يتساقط على شعري، وجههي يتجمد، الرياح تطاير خصلاتي، لكن كل ذلك لم يكن شيئًا أمام الفوضى التي تعصف بداخلي.
- أخبرتك، لا أستطيع التدخل.
قالتها ببرود، بنبرة ثابتة لا تتأثر برجائي. قبضت يدي، شعرت بالغضب، بالعجز، بالألم.
- لكنني هنا لأغير الأمور، صحيح؟ كيف لي أن أفعل ذلك وأنا لا أعرف حتى من سأحاول إنقاذه؟
لم ترد، فقط نظرت إلي، وكأنها تنتظر مني أن أستوعب الحقيقة وحدي.
- إذن أخبريني، لماذا ظهرتِ أمامي الآن إذا كنتِ لن تتدخلي في أموري؟
قلتها بغضب كبير، هذه الجنية تغضبني حقًا، تتحدث وكأنها تعلم كل شيء لكنها ترفض أن تقول أي شيء مفيد.
- جئت لأخبرك أن تحذري من تغيير الماضي كثيرًا، فهذا ليس جيدًا لكِ.
قالت كلماتها ببرود، ثم اختفت أمام عيني وكأنها لم تكن هنا من الأساس. أطلقت صرخة قوية. شعرت بالغضب يتفجر بداخلي، ضربت الأرض المثلجة بقدمي، وكأن ذلك سيعيدها، وكأنني سأحصل منها على إجابة أخرى.
- رحلت دون أن توضح شيئًا.
قلتها صارخة كمجنونة، وكأنني أحاول تفريغ كل ما بداخلي في تلك الصرخة.
لكن صوت خطوات خلفي جعلني أتجمد، التفت بسرعة، قلبي ينبض بقوة، وعيناي تلتقي بعينين مذهولتين.
كان واقفًا هناك، فاهه مفتوح عن آخره، ملامحه مصدومة وكأنه رأى شيئًا لا يُصدق، عيناه العسليتان متسعتان، ستخرجان من مكانهما في أي لحظة. ابتلعت ريقي، دقات قلبي مضطربة، هذا ما كان ينقصني!
- ماذا تفعل هنا؟
قلت بصوت محاولة أن أجعله ثابتًا، لكنني أشحت بنظري سريعًا، متوترة من فكرة أنه قد يكون سمع أو رأى شيئًا لا يجب أن يعرفه.
- من كنتِ تخاطبين؟ وضحايا ماذا؟ وماضي ماذا؟
صوت أندرياس كان ممتلئًا بالدهشة والريبة، وكأنه يحاول استيعاب ما سمعه لتوه. أشعر بدقات قلبي تصم أذني، وكأن جسدي يحذرني من كارثة وشيكة. لماذا، من بين كل البشر، هذا الفتى تحديدًا هو من سمعني؟
لماذا لم تنتبه تلك الجنية الغبية لوجوده؟ ولماذا يستطيع الناس سماعي عندما أكلمها؟
تصلبت مكاني، لم أعرف ماذا أقول، كيف أبرر، كيف أهرب من هذه الورطة الجديدة التي وقعت بها.
✩࿐࿔
lll3iii