فتاة أذربيجان

فتاة أذربيجان

16 2

بسم الله صلّ على النبيّ بنيّة الصبر والفرج والنصر لإخواننا المستضعفين في كلِّ مكان ............. في أذربيجان , على أرض مطار "باكو" ، أو تحت مسمًى آخر مطار "حيدر علييف" يقف كنان في نهاية صف طويل من الناس ينتظرون حقائبهم أن تصل على الناقل الكهربائي ، مطار قمة في الروعة ، الفخامة ، ألوان براقة ، وانتعاش في الصدر بلا حدود ، قمة الرُّقيّ في التعاملات الإنسانية وقمة الغرابة أيضًا ! فقد قطع سيل أفكاره الورديّة وصدره المنتعش مشهد فتاة أذربيجانية ترتدي معطفًا أسود يغطيها بالكامل لا يُظهر سوى بضعٍ من وجهها بشكل غير واضح تحت ظله وكأنها تراقب عملية تهريب مخدرات مثل أحد الضباط المحنكين ، أو هي من تهرّب شيئًا ربما وتخشى الانكشاف تختبئ خلف زرعة كبيرة تخبئها جيدًا بينها وبين الحائط ، ربما ما كان ليأخذ الأمر انتباهه لولا طرفها الأسود الذي بان له أثناء التفاته لاحظت الفتاة ميله بزاوية بجذعه قليلًا لينظر إلى ما تفعل بعدم فهم ، فتتسمر مكانها لثانية على مخافة من أمر ما .. قبل أن تشير له بالاقتراب التفت كنان حوله بعجب ، هل تشير إليه هو ؟! أشار إلى صدره ببلاهة متسائلًا بنظرته ، فأومأت إليه الفتاة شِبه الخفيّة تلك تؤكد ظنه تقدم كنان منها بخطوات متحفظة وشكلها يثير بنفسه رَيبةً .. وقف على بعد مناسب منها فقالت : _ سأسألك سؤالًا وتعامل وكأن الأمر عادي ولست تحدث فتاة تختبئ بين شجيرة وحائط ، لكي لا تلفت النظر ، حسنًا ؟ .. هل أنتَ مغترب ؟ استغرب كنان سؤالها ، وطلبها كذلك ،ولكنه لسبب لا يعلمه امتثل لطلبها .. وعلى الرغم من تحفظه في الغربة عادةً على معلوماته الشخصية ، لكنه أجاب بتلقائية دون إيماءة من رأسه لكي لا يلفت الأنظار كما قالت : _ نعم _ إنك تفهم لغتي ، من أين أتيت ؟ _ من تركيا أومأت الفتاة ثم أجابت : _ حسنًا أشكرك ، يمكنك العودة إلى مكانك إن أردت عقد كنان حاجبيه باستغراب متسائلًا : _ هل تقومين باستطلاعات أم ماذا ؟ هل أنتِ من قناة إخبارية ؟ _ لا لستُ كذلك ، لَمَا كنت لآتي بهذا المظهر .. اسمع ، أريدك أن تُسْدِيَ إليّ خدمة .. إذا جاء أحد وسألك عني فلا تقل أنني أختبئ هنا _ ماذا ؟! _ فقط افعل ما قلت ،وستكون أسدَيت لي خدمة عظيمة ، وستكسب ثوابي لأنك ستكون أنقذتني من مصيبة .. فقط افعل ما قلت _ اعذريني ، ولكن .. وما أدراني أنك لست سارقة مثلًا ويبحثون عنكِ ؟ _ حينها ستجد الشرطة هي من تبحث عني ، وليس أُناسٌ من العامّة _ هممم .. حسنًا ،أقنعتني _ هل تعدني ؟ رجاءًا _ شئ بداخلي يخبرني أن أثق بكِ .. حسنًا ، أعدك _ أشكرك .. ها هم قادمون ، عد إلى مكانك بسرعة قالت آخر جملة على عجلة من أمرها مما دفع الإحساس نفسه إليه أيضًا ، فيتحرك سريعًا عائدًا إلى مكانه دقيقة تقريبًا من الذعر مرت على الفتاة بين حائط المطار والشجيرة الضخمة ، وقلق انتقل لقلب كنان بدوره دون دراية بالسبب ، وجاءه أحد الرجال الذي لم يرتح لهيئته بتاتًا يسأله بغشومية لم ترُق له عن ما إذا رأى فتاةً بأوصاف معينة مرت من هنا ، فأجابه باقتضاب أنه مغترب ووطأ أرض المطار للتوّ .. دون أن يقول صراحةً "لا" ، لكي لا يكذب ليتركه الرجل دون اعتذار على الإزعاج أو حتى كلمة شكر مما ضايقه أكثر .. ليتأكد _بسبب الانطباع الأوليّ عن الرجال_ أكثر من كلام الفتاة .. من يدري ماذا كانوا يفعلون أو سيفعلون بها ! نظر خلفه ليجدها مختبئة بالكامل خلف الزرعة لا تُظهر منها شيئًا ، لكنه متأكد من أنها ممتنة الآن ثم التفت وإذ بها حقائبه وصلت ، ليأخذها ويذهب لإنهاء الإجراءات تاركًا الفتاة غريبة الأطوار خلفه .. عليه ألا يشغل باله بأحد ، وألا ينشغل بأحوال أُناسٍ آخرين ، فبالنظر من جهة أخرى ، من يدري ماذا قد تكون الفتاة فعلت بهم ليقلبوا الدنيا رأسًا على عقبٍ بحثًا عنها ، وربما هي سبب غشوميتهم تلك ، فليس كل شئ كما نراه في النهاية لذا لن ينشغل بهذا الحدث الأول الغريب له على أرض أذربيجان .. هو أتى إلى هنا للعمل ، العمل فقط .. أو هكذا كان يظن لا طالما كان يصدق في نظرية أن "ما يبدأ غريبًا ينتهي غريبًا" ، ويمكنه إضافة أن ما بين البداية والنهاية في كثير من الأحيان يكون غريبًا أيضًا ! وبما أن سفريّته بدأت بأحداث عجيبة ، وفتاة غريبة الأطوار ، فالقادم حتى النهاية سيكون على نفس المنوال 🥀_____________________🥀 _ هكذا قالت لي الخالة أمينة .. ما رأيكِ؟ _ ما رأيكِ أنتِ ؟ ليس من المهم أنا _ إنني أسألكِ النصيحة يلديز ، أعرف أنكِ ستَصدُقين رأيكِ معكِ ، تريدين الأفضل لي ولتقوى بالذات _ حسنًا ررڨان، لكنني أريد أن أعرف أولًا.. ما شعوركِ نحوه صمتت هنيهةً ولا تدري تحديدًا الإجابة الصائبة ، كأنها في امتحان قدراتٍ ومُحي من ذاكرتها كل ما تعلمته وهنا وكأن يلديز قرأت أفكارها، فاستكملت : _ ولا أريد إجابة كإجابات اختبارات آخر العام ، دعي عقلكِ جانبًا لدقائق واتركي لقلبك وتلقائيته زمام الحديث تبسمت ضاحكة بشوائب من المرارة ، أخذت نفسًا ثم قالت ببساطة : _ لا أشعر بأي شئ سوى الامتنان ، فهو طوق النجاة الذي ألقاه الله لثلاثتنا _ ألستِ معجبة به؟ _ في الواقع هو لطيف ، كاريزما ، وخدوم ، و .. إنسان _ وشكله في نظرك؟ لا أسألكِ عن درجة الجمال في نظرك، أتحدث عن القبول _ في الواقع أنا لم أطل النظر في وجهه من القبل لكي لا يكون ذنبًا ، لكنه في المجمل وبالنظرة السطحية .. أعني .. مريح.. لم أشعر قطّ بانقباضة عند النظر له مثلما أشعر منذ اليوم الأول الذي التقيتُ فيه ظافر همهمت يلديز بصمت، فأعادت روڨان السؤال عليها : _ حسنًا.. أعطيتك الجواب.. ماذا عن إجابة سؤالي؟ أفتيني في أمري صمتت يلديز لثوانٍ تفكر، بالطبع فرغم كل ما فعله رامي من خير يظهر حسن نيته ونشأتِه، لكن الأمر يبقى اسمه "زواجًا".. ليست خطوة تُتَّخذ بين دقيقة وأخرى ثم جاءها جوابها بحكمة : _ يبدو أنه لم يعد أمامك خيارات .. إما رامي ، أو أردال وإن تريدي رأيي ؟ رامي بالطبع .. فـشتّان بين "رجلٍ" وقف معكِ بشموخ وقفة رجل حقيقيّ منذ أول لحظة التمس كرباتك فيها ، صنع لكِ من معروفٍ ما كان لوجه الله لم ينتظر منكِ جزاءًا ولا شكورَا وبين "ذكرٍ" منذ التمس عجزكِ لم يتوانَ لمرة عن استغلال كل كربٍ تقعين فيه ليُرضي نفسه الفاسدة ، ذاك لأن عينه الزائغة صوبت _للأسف_ هدفها نحوكِ أنتِ .. شتّانِ ، روڤان 🥀____________________________🥀 _ تميم قد سافر لولاية أخرى مضطرًا ، أمي .. لأجل العمل ، لا يعود إلا متأخرًا من أجل البيات معنا من باب الاطمئنان علينا ثم يسافر باكرًا .. إنه كمن يعمل أربعًا وعشرين ساعة ، ليس لديه وقت لفتح الهاتف بل إمساكه حتى ، كما أنه غير رقمه لأن هاتفه قد سُرق منذ أيام .. أنا لم أره منذ سفره سوى من أجل الرؤية الشرعية وليحدثني عن شخصية رامي ليُعرفني أكثر به _ أنتِ لا تكذبين ، روڤان ؟ صحيح ؟ هو ليس مريضًا أو به شئ ؟ ابتلعت روڤان تلك الغصة ، فأقصى خيالات أمها أنه قد يكون مريضًا .. مريضًا فحسب ، لا تتخيل شيئًا آخر لما تصعبين أمر قول الحقيقة ، أماه ؟ لما هذه الغصة المريرة تصيبينها بها ؟ تماسكت روڤان ممسكة بيد يلديز تطلب منها الدعم ، لتمسك الأخيرة بيدها تشد عليها _ أمي ، لا تقلقي .. كلنا بخير _ أرجو ذلك ، ثم كيف أن تحدث رؤية شرعية دون علمنا بأن هناك خاطب ؟ كيف هذا ، روڤان ؟ هل نسيتما أمرنا _ طبعًا لا ، أمي .. كل ما في الأمر أن كل شئ أتى سريعًا في نفس اليوم ، والتقدم والرؤية أتيا سريعًا تلو بعضهما ، كما أنني اتصلت بك قبل أمسٍ ولم تجيبي ، أتذكرين ؟ حتى أنك أقلقتني _ نعم ، لقد اتصلتِ بالفعل ، لكن ليلًا .. كنت قد نمت _ هذا بسبب أن كل شئ أتى سريعًا في نفس اليوم ، واتفقنا على رؤية في اليوم التالي مجددًا لنتعرف أكثر ، اتصلت بك ليلتها لإعلامك بما أن تميم ذهب للنوم مبكرًا من الإرهاق _ لم أتصل بك في اليوم التالي لأن حالة والدك كما قلت لك قد ساءت يومها ، روڤان .. لذا لم أشأ إقلاقكم ، قلت لتستقر حالته أولًا ثم أحدثكم .. حمدًا لله أنه الآن بخير _ حمدًا لله .. حمدًا لله _ حسنًا ، روڤان .. وأما عن أمر ذاك الشاب فأنا غير موافقة على عقد قران دون خطوبة ، ولا أدري حقًّا بأي عقل تدعمين أنت الفكرة ؟ هل تحبينه ؟ هل هو معكِ في العمل ؟ أو زميلك في الدراسة ؟ _ آآ .. لا ، هو مع أخي ، كما أنه من كان موكَّلًا بمقابلة عمله ، عرفناه من هناك إنني وتميم وجميعنا نثق به ونشهد على دينه وخلقه ، ولو كنتما هنا لَمَا توانيتما عن الموافقة ، أنا متأكدة كل ما في الأمر أن تميم لا يأتي للمنزل سوى للبيات ولا ندري إلى متى يستمر هذا الوضع ، أي لا خطوبة ستجوز لي الآن ، لأنه لا يحل أن يخرج معي ويأتي إلى بيتي دون محرم ، لذا لا حل الآن سوى عقد القران ليكون هو المحرم ، وأنا بصراحة ليس لديّ استعداد لخسارته بسبب عمل أخي الذي ستستمر ظروفه لأجل غير مسمًى لو كان هناك رجل في هذا العالم يمكن أن أوافق على عقد قراني به دون خِطبة لإنني في كل الحالات لن أتركه وأريد بقاء حياتي القادمة معه ، فهو رامي ثم أنك وأبي لم تُخطبَا سوى بضعة أيام ثم عُقد قرانكما لأنكما كنتما متأكدين أنكما لا تريدان إكمال الحياة مع شريكين غير بعضكما ، وها أنتما مثل السمن على العسل ، ما المشكلة ؟ _ روڤان ، هذه حالات نادرة .. الله لم يشرع الخطوبة من فراغ .. على الإنسان أن يتعرف على رفيق دربه أولًا ويحلل شخصيته ويعرفها بتأنٍّ بالغ ، ليقرر ما إذا كان ينفعه وسيعمر معه ، أم لا لكي لا تدفعا الثمن في المستقبل أنتما وربما طفل أو اثنان _ لكنني عرفته من الرؤية الشرعية ، فهمت طريقة تفكيره ولمحات عن شخصيته وتميم ساعدني أيضًا وأخبرني المزيد عنه .. إنني واثقة من اختياري انظري ، في كل الحالات لا خطوبة ستجوز لي الآن بسبب تميم ، إن أتاني رجل في هذه الفترة أثق تمام الثقة أنني أريده وينفع لي وأرتضيه دينه وخُلقه ، فليس من المنطق أن أضيعه لأنني لا أريد عقد قران مستعجل وهو لن يتزوجني عن حب ، أي أنني إن رفضته لن يعود ثانية ، وحينها أنا سأتحسر عليه ربما طيلة حياتي صمتت الأم متنهدة ، فاستشعرت روڤان اقتراب نجاحها ، فأكملت : _ أمي ، أنا أريد رامي .. إنه رجل أحلامي ، وجدت فيه كل الصفات التي أتمناها في شريكي ، وهذا لأول مرة .. لن أضيعه ، وأرجوك لا تكوني سببًا في هذا ، لا تحزنيني وتجعليني أرفس نعمةً بقدمي قد لا يأتيني مثلها مجددًا يمكنني حتى أن أجعل تميم يعطي رقم أبي له ، ليحدثه بنفسه مطوّلًا ، ويتعرف عليه قدر الإمكان ، ويطمئن قلبه وسأخبر تميم أن يراسلك في أقرب فرصة لتطمئني أكثر ، وربما الليلة زفرت الأم بشتات أمر ، قبل أن تردف بتيه : حسنًا روڤان ، فليحدثني تميم .. وليتصل رامي بوالدك ليتعرف عليه ، سأعلمك بمواعيد إفاقته ، فهو نائم على أثر العلاج الآن _ حسنًا ، حبيبتي .. مع السلامة _ مع السلامة يابنتي أغلقت روڤان الخط مع أمها ، ناظرة ليلديز وضميرها يؤلمها لكل تلك الكذبات ، يعلم الله وحده أنها تخاف على صحتها وصحة والدها أن تتدهور في الغربة ويفقدانهما ، لذا لا تخبرها الحقيقة كاملة ، بدايةً من موت تميم مرورًا بالبيات بالشارع ثم وضع تقوى بملجأ ، والآن البيات عند امرأة تكون عمة من تقدم للزواج بها لإنقاذ تقوى _على حد علمها_ فقط تقسم لن يتحمل قلبها ، هي لن تكاد تصل أساسًا لأمر تقوى وبياتها ويلديز بالمسجد وقضاء أيامهما بالشارع وقد يتوقف قلب المرأة عند خبر موت تميم الكارثة هنا أيضًا أنها لم تقتصر على كذبة واحدة ، بل كذبة وراء كذبة تجرّ أخرى ، الله وحده يعلم إلى أين ستصل بها هذه السلسلة ولا تدري حقًا ماذا ستفعل لحظة عودتهما في كل هذا ! 🥀_____________________🥀 وفي صباح اليوم التالي ، كانت عمة رامي أمينة ووالدته رباب تحدثتا إلى أم روڤان تقنعانها بشدة بإتمام الأمر وتعطيانها أسباب عِدة تجعلها توافق على رامي دون حتى خِطبة ، على وعد بأن لا زفاف سيتم قبل عودتها هي وأبيها مهما كانت المدة لكي لا يحزنا وقبلها حدث رامي والد روڤان بمكالمة ڤيديو لساعة ربما ، يتحدث الأب معه ويحاول معرفة كل جوانب شخصيته بقدر الإمكان ، ولم يملّ رامي من هذا بل على العكس ، أعطاه كامل الحق بالطبع ، على كل أب أو أخ أو وليٍّ أن يفعل هذا قبل تزويج ابنته ، كما أنه أحبّ الرجل وشعر بألفة اتجاهه ، وكذلك كان الرجل أيضًا وقبل كل هذا ليلًا أخذت روڤان شريحة وركبتها في هاتفها لتراسل أمها من رقم آخر على أنه رقم تميم ، لتتحدث عن رامي ملقيةً عليها كل المميزات التي لم تكذب فيها ، وكان هذا أول شئ حقيقي تقوله تقريبًا لييسر الله القلوب في الألفة والراحة ، ويسخر الفِكر للموافقة ، والألسنة بالمباركة ويهئ كل الأسباب لقدره الذي كتبه لكليهما ، ويقول لهذه الزيجة "كوني" لتكُون 🥀_____________________🥀 خرجت تاچ من الغرفة ببيجامتها وشعرها الممشَّط بإهمال تفرك عينيها المتورمتين .. كم لبثت ؟ لا تتذكر ، تقريبا لم تفارق غرفتها سوى لتناول بعض اللقيمات من وراء أعينهم وللذهاب للمرحاض فحسب .. منذ ذاك اليوم التي خانَت وخُونَت به ولم يعد شئ كما كان فترتها التي قضتها في غرفتها بعيدًا عن الخلق أعاد الألم خلالها ترتيب حساباتها بها ونظرتها للعالم .. صدمتها لم تكن هيّنة ، وللأسف عرّضت أخاها لمثلها أشعرت غيرها بما كرهت أن تَشعره في نفسها وهذا آلمها أكثر مما آلمها ظافر بخيانته هي لم تقصد يومًا أن تكون شخصًا مؤذيًا ، وكانت تبتعد بحذر طيلة حياتها عن كل من وما تستشعر أنه قد يؤذيها وظافر عرّضها ، بل أجبرها لكلا الأمرين في آن واحد قلبها الذي لم يعتد الصدمات قد ذُبح بشدّة على تأثير الصدمة الأولى دائمًا تكون الصدمة الأولى اتجاه أي شئ أشدّ قسوة ، وأكبر تأثيرًا وأعمق بُعدًا من غيرها والدتها وإخوتها وحتى باريش لاطالما عاملوها كالأميرة ، لذا فور أن بدأت الأميرة تنال حرية زائدة منذ دخول الجامعة وقد فاجأتها الحياة الخارجية التي لم تكن بلطف أهلها معها وكل ما رأته منذ حينها لم يكن شيئًا أمام هذه الصدمة الكبيرة ، التي تعرضت لها ووجهت مثلها لشقيقها قسوة هذا العالم لا تناسبها ، تودّ لو يتم استبدال كل البشر السيئين بدُمًى لطيفة المظهر وحلوًى لذيذة لتعم البهجة في كل مكان .. لو تعيش في كوكب آخر بعيدًا عن الأرض التي أفسد فيها الناس ولم يعطو أمانة الله فيها حقها لو تتطهر من كل خطاياها وتذهب لمكان يعمّ فيه السلام وتقوى الله والحنان والمثالية لكن لا شئ كهذا إلا في الجنة .. وهذا يجعلها تزداد لها شوقًا وحنينَا _ خرجتِ من صومعتك أخيرًا ، اغسلي وشك ودوري على فستان وطرحة حلوين لكتب كتاب اخوكِ .. يلا تسمرت تاچ مكانها لثانية ، قبل أن تلتفت بنصف وجهها إلى أمها ، متسائلة بحذر : _ كتب كتاب مين ؟ هو ألب طلّق حلا وهيتجوز تاني ؟ فيه حاجات كتير اوي كدة حصلت في الكام يوم اللي قضيتهم في أوضتي ؟ _ اه ، يا تاچ .. حصل حاجات كتير ، وده مش كتب كتاب ألب ، ده رامي رفعت تاچ حاجبيها بدهشة مطبقة فمها بصمت ، التفتت أمها لها على أثر صمتها : _ اعمل معاكِ ايه ؟ وأنا اللي حاولت كتير اخرجك من دايرتك ديه ، وحاولت اتكلم معاك في مواضيع تانية ومكنتيش بتدّي اهتمام ، ايه اللي حصل بينك وبين رامي لكل ده ؟! لم يخبرها بعد إذًا ، بل لا تملك أدنى فكرة حتى .. هل يخاف عليها من بطش أمها ؟ أم يخاف على قلب أمها من صدمتها فيها ؟ أم كلا الأمرين معًا ؟ أم أن هنالك شئ آخر لا تعرفه ؟ صمتت تاچ لثوانٍ ، ثم تكلمت : _ ممكن منتكلمش في الموضوع ده ؟ فيه مواضيع أهم دلوقتي .. مثلًا البنت ديه اللي قرر رامي ان يتجوزها بين ليلة وضحاها ، ومن غير حتى خطوبة عشان يتعرف عليها ؟ عشان الموضوع مش باينلي كجوازة طبيعية نهائي 🥀__________________________🥀 _ روڤان حبيبتي ، انتقيت لكِ فستانًا رائعًا .. ما رأيك هل يعجبك ؟ أنشتريه ؟ نظرت روڤان اللي الصورة التي عرضتها أمامها على الهاتف ، فستانٌ سهرة أزرق اللون داكنًا ، محتشم ، وأنيق ، ولكنها ردتها بلطف مردفة : _ إنه جميل ، سَلِمتِ خالتي ، ولكن .. أنا لا أنوي ارتداء فستان ، حتى لو كان بألوان داكنة ، فحزن قلبي على تميم لم يذهب بعد .. أنا لن أستطيع ارتداء هذا ، قلبي لن يطاوعني أعادت العمة أمينة هاتفها مبتسمة بتفهم : _ آه نعم .. بالطبع ، حقكِ .. آسفة يابنتي ، لم أقصد أن أقلّب عليك الذكريات المحزنة _ لا بأس عليكِ خالتي ، لا تقولي هذا .. بل أنا الآسفة أومأت العمة بابتسامة مربتة على يد روڤان بلطف قبل أن تنهض تاركة غرفة الفتاتين وتغلق الباب خلفها _ وما ذنب المرأة ، روڤان ؟ ابن شقيقها لن يعقد قرانه كل يوم .. كانت تريد أن تفرح _ هِييْ هما أيضًا يعلمان أنه ليس بزواج حقيقيّ _ وما أدراكِ ؟ _ هو تزوجني في هذه الظروف بتلك السرعة ولم يبح بأسباب كالتي ببالك ، وأنا لن أصنع أحداثًا وهمية في وحي خيالي ، قلبي لا يحتمل أية خيبات قالتها روڤان بعد ما صمتت لثانية ، فأجابت يلديز بسؤال آخر : _ حسنًا .. ولكنني أشعر بأن المرأة كانت متحمسة وسعيدة ، وأنتِ أطفأت أنوارها .. لا أحب هذا ، ما ذنبها ؟ _ وما ذنبي أنا أيضًا ، يلديز ؟ أقول لكِ قلبي لن يطاوعني .. كيف سأرتدي فستان سهرة ولم تبرد نار قلبي على موت أخي بعد ؟ من المفترض أن تشجعيني أنتِ أيضًا على هذا ، أم أنك نسيتِ أمره بهذه السرعة ؟ نظرت يلديز لروڤان بصمت قبل أن تجيبها بصدر مكتوم عن آخره : _ كيف تقولين هذا ، روڤان ؟ هل أنا معدومة المشاعر برأيك ؟ اختفى حلمي كهشيم تذروه الرياح بعد أن مددت يدي على ظنّ أني أخيرًا سأمسك بك .. أنا أيضًا وجعي ليس بـهيّن ، لكن قلبي وعقلي متفقان على حقيقة أن هذا ليس وقت الانهيار ، لا زال هناك مسؤوليات على أكتاف كِلتَينا .. مسؤولية نفسَينا ومسؤولية تقوى .. رفاهية الانهيار لم تكن من حقي منذ يوم الحريق ، لأنك سبقتني وانهرتِ قبلي ، فلم يعد أمامي خيار سوى أنه يجب أن أصمد  لتستندي عليّ كالعكّاز ونكمل المسير نظرت روڤان ليلديز بصمت ، بالفعل معها حق .. هي لم تدَع لها فرصةً لرفاهية انهيار وأحقية تعبيرٍ كتلك ، هي من أجبرتها على طمس معالم مشاعرها حتى النهاية .. وتخشى العاقبة احتضنت روڤان يلديز لتنهال دموعٌ من عينيّ كلٍّ منهما على كتف الأخرى بصمت .. ولم تضيفا كلمة أخرى أحيانًا البوح الصامت يكون أعلى إسماعًا ، وأكثر عمقًا وبلاغًا من صوت الكلمات وقد تركت لها روڤان حق البوح الصامت ، وكانت هي محطة الاستقبال 🥀___________________________🥀 مساءً تتقدم روڤان بخطوات هادئة خجِلة ، بفستانها التقليديّ الأسود ، ترتسم عليه زهور من نوعها المفضل ، كان أحد فساتينها الذي ذهبت للجامعة مرتديةً إياه عدّة مرات هذا العام .. لم تستعمله كثيرًا خوفًا من إستهلاكه ، وقد كان عزيزًا على قلبها في نظرها .. كان هو الاختيار الأفضل إذًا ويكفي أنه مفضّلٌ لها وما رُسِم عليه مفضَّلٌ لقلبه ! ضاقت أنفاسه عندما ظهرت بطلّتها تلك .. فقد كان يرتسم على فستانها أزهارٌ تحمل مكانتها عنده مكانة لا يمكن أن تأخذها أي زهرة أخرى في قلبه لاڤندر !! هل أخبرها أحدهم عن عشقه بلا حدود له ؟ أم أنها مصادفة بكونها هي الأخرى تحبه مثله يا تُرى ؟ جلس صديق والدها القديم الذي طلبته من ولاية أخرى بعيدة عن هنا ليكون وليّها قبالة رامي على أحد الكراسي بابتسامة بشوشة ، حمحم رامي بهدوء مبتعدًا بوجهه عنها ، ليلتفت للمأذون : _ هل نبدأ ؟ حضرة المأذون _ لنبدأ ، بنيّ بدأت مراسم عقد القران ، ويلديز تنظر بين رامي وصديق العمّ علي _شفاه الله وعافاه_ وشردت بدنيا أُخرى ، وقد بدأ قلبها يعمل عمله في صدرها ، موقظًا ذكريات قديمة هل صارت قديمة الآن ؟ حتى مجرد التسمية تعتصر قلبها اعتصارًا ! لو كانوا في خوض ظروف حياتهم الطبيعية ، لكانت يد تميم المتزينة من إحدى أصابعه برابطهما الرسميّ البرّاق _ومثله موجود بإصبعها_ هي التي تمسك يد رامي الآن ، لكانت الفرحة تعمّ المكان ولَـارتدت روڤان فستان سهرةٍ يليق بعروس لكان كل شئ أجمل ، ولكن .. أنتَ تريد وأنا أريد والله يفعل ما يريد راضون يا الله .. راضون ومسلّمون لأنك أحنّ وأرحم وأدرى ، وحدك تعلم الغيب ، وتعلم أي قضاء سيكون فيه الخير ، وأيّ اختيار هو الأصوب في كل زمان ومكان .. وحدك تعلم ولكن الإنسان يبقى إنسانًا ، والقلب يبقى قلبًا ، والمشاعر الفياضة لا تتغير .. لذا رغم إدراك المؤمن حقيقة القضاء خيره وشرّه ، وأن في كل شرّ خيرًا لا يُشترَط أن تراه وإلا ما كان ليتحقق إيمانك بالغيب فالعين تأبى ألّا تعبر عن حزنها ، والقلب لا يستطيع كبت المشاعر ، ففرّت دمعتان غادرتان من مقلتيها الملوّنتين على أثر ذكرى حلمها الذي لم تطله والذي داس هذا الموقف على جرحه الذي لم يبرأ جاعلًا إياه ينزف من جديد لا ، لن يختلّ ثباتها .. هي احتفظت بحزنها داخلها لأيّام عِدة صابرة واقفة في وجه المصائب بشموخ ، تُسند روڤان وتعتني بتقوى وتحمل همّ حياة ثلاثتهن .. ووقفت بثبات لم تتخيّل هي وجوده بها في ظل المصائب .. وفوجئت به في أكبر كرب تعرضت له في حياتها هل بدأ قلبها يتزعزع بعد ما استشعر أن موجبات الصمود _وهي العواصف_ بدأت في الزوال ولم يعد سوى خطوة واحدة لمحوها تمامًا ؟ هل ستبدأ _على أثر هذا_ قواها بالتراخي وقناع ثباتها المؤقت بالسقوط ؟ يجب أن تتماسك .. لأنها تخشى السقوط في البئر الظّلْماء بداخلها وتخشى عواقب السقوط .. كما أن مهماتها هي وروڤان في حربهما التي بدأت منذ يوم موت تميم لم تنته بعد ، لا زال أمر تقوى كالشوك في حلوقهنّ هنّ الثلاثة ، عليها التماسك بعد .. من يعلم إن كانت هذه هي آخر عقبة في طريق إعادتها أم ستظهر لهنّ عقبات أخرى _ بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير أفاقت يلديز على صوت المأذون بجملته المعروفة تعلن عن إتمام عقد القران .. اتسعت ابتسامتها ببهجة طالت قسطًا منها رغم حزنها لقد نالت روڤان عوضًا حقيقيًّا على هيئة رجل صالح ، وإن حدث وتحركت مشاعر كليهما وتوافق عقلاهما وتآلفت روحاهما .. واكتملت هذه الزيجة بقرار عدم الفكاك _وترجو هذا_ وتُوّجت بمشاعر حبٍّ صافيةٍ دافئة ، ستكون روڤان قد ظفرت بنصر عظيم من خالقها ، ورُزقت بهبةٍ حقيقية ، وعوضٍ عن أيام وليالٍ ثِقال سلّم الرجلان على بعضهما البعض ، واتجهت يلديز لروڤان تحتضنها وتربت عليها بحنان افتقرت له روڤان قبل هذه اللحظة ، وكأنّ يلديز شعرت بحاجتها إليه فلم تتوانَ عنه تقدم أهل رامي يعرفونها بأنفسهم واحدًا تلو الآخر ، منهما فتاتان شابتان تقدمت الأولى منها وعرفتها بنفسها .. فتاة حسنة المظهر ، بريئة الملامح ، عسلية العينين ، تشع تعابير وجهها براءة ولُطفًا إلى حدّ عميق ، مما يعطي انطباعًا أوليًّا طيّبًا عن شخصيتها مما طمأن قلبها لها وتشعر أنها للوهلة الأولى حجزت لنفسها مكانًا فيه ، وصلها من مكنون عينيها العسليتين حزنٌ وقهرٌ حاولت طمس معالمه وإظهار السرور عِوضًا عنه ، ولكن يفهم المقهورَ مقهورٌ مثله ، لم تتوارَ أسرار عينيها وخفايا نفسها عليها ابتسمت الفتاة بوجهها بلطف محاولةً بثها السعادة بشكل ملحوظ رغم افتقارها لها .. باركت لها ورحبت بها بينهم وعلمت منها أن اسمها "تاچ" ، وأنها شقيقة رامي ، وطيبة القلب حسنةُ التربية مثله ، وتكبرها بثلاثة أعوام ليس اسمًا تركيًّا ! غريب ! يبدو أنهم يحبون تسمية أسماء بلغات أخرى لتكون مميزة على آذان الناس لم تنشغل كثيرًا بالأمر ، فقد تنحّت وخلَف من بعدها خَلفٌ آخر ، أضاعوا براءة القلب ، واتبعوا القسوة والغِلظة فسلمت عليها بفتور فتاةٌ أخرى لم يستقبلها قلبها برحابة كاستقباله لتاچ ، ولم تجد الراحة سبيلًا لنفس روڤان نحوها .. باركت لها بطريقة تكاد تجزم روڤان منها أنها لا تطيق وجودها .. وربما لا تطيق نفسها هي أيضًا ! وعرفت أن اسمها "حلا" .. وأنها زوجة "ألب" أخ رامي بالرضاعة ، وأنها هي الأخرى تكبرها بثلاث سنوات سلفة رائعة بالفعل !! من الجيد أنها لن تعيش معهم بالمنزل ، لكانت هذه الـ"حلا" كارثة على رأسها ، فهي لا تطيق وجودها قبل أن تتعرف عليها حتى ، فكيف إذا عاشت معها تحت سقف واحد ! طبعًا "بيجاد" غنيّ عن التعريف ، فقد كان _بفضل الله_ منقذهما ووسيطًا بينهما وبين رامي وهو من أوصلهما إليه وهو منقذ أختها وصديقها الذي يقدم كل يوم الحب والعطف معها دون أن ينتظر منها جزاءًا ولا شكورَا وها هي مربية هؤلاء الأزهار الثلاثة منهما محتضنة إياها مربتة على ظهرها تبارك لها بنبرة أمّ حنون اشتاقتها حد الظمأ لذا لم تشعر بنفسها وهي تتمسك بثيابها دافنة وجهها في ذراعها تبحث فيها عن ريح أمها الغائبة ، ولأن أمه علمت من قبل بظروفها ، وظروف والديها وابتعادهما ، فـ رقّ قلبها وهي تفهم الغرض من ردة الفعل هذه ، فظلت تربت عليها بحنان أموميّ حتى تركتها الأخرى كانت دقيقة كافية لإعلامها بكمّ الحنان واللطف الفائضين الذَين تحملهما ، لا تبخل بهما على قريب أو غريب فتفهم من أين أتت هذه العاطفة لقلوب أبنائها الثلاثة محتشمة الملابس مثل ابنتها ومثلها ، لتأخذ مجددًا انطباعًا أوليًا ولكن ليس عن أحدٍ بعينه ، وإنما عن بيتهم وعلى العكس تمامًا كانت حلا ، التي ارتدت بنطالًا تعلوه سترة قصيرة وحجاب تظهر منه قصة شعرها البنيّ ووجه أغرقته مساحيق التجميل مما _رغمًا عنها_ أعطى قلبها استحقارًا من نوعٍ ما اتجاه زوجها ثم سلّم عليها ألب بإيماءة رأس مرحبة دون مدّ يده ، ليكون هذا انطباعًا ثانيًا عن ألب جيدًا مناقضًا عن الأول تأخذه عنه ، مما جعل عقلها يعطي إشارات استفهام عديدة ، يبدو بأن ألب يقف في المنطقة الرمادية من الالتزام ، بين أبيض طاهر وأسود دنيء .. كان يقف في المنتصف يختلط له ثوابٌ بخطيئة .. مما جعلها تدعو له ولزوجته بالهداية والصلاح ، حامدةً الله أن عافاها مما وقعا به ثم تقدم أبوه باريش ليرحب بها بنفس طريقة ابنه ولكن زادت عليها بنظرة أبوية ، وكأنه يحاول بثها ما بثته إياها زوجته لعلمهما بالافتقار الحاليّ إليه ، أو ربما يحاولان صنع علاقة طيبة بينهما وبينها منذ أول لقاء ، باريش رجل تشعر بهيبته من أول لحظة ، وحنانه بنفس ذات اللحظة مما ذكرها بما تشعر به اتجاه رامي ! يبدو أنهما متشابهان إلى حدّ كبير وطبعًا تقدمت العمة أمينة حبيبتها تبارك لها ، وجدّ رامي لأبيه والذي علمت أنه سيكون مديرها في العمل كان هذان هما قريباه الموجودَين فقط وكانت تلك أسرته التي أراح استقبالهم بها قلبها ، عدا تلك الـ"حلا" التي لم ترتح لها مطلقًا ! ولا تدري حقيقةً أي كارثة ألقت بها بين هذه العائلة التي لا يستحقون مثلها بالمرة ، ولا تشبههم أبدًا ولا بمثقال ذرة ! تقدم منها الأخير ونجم الليلة ، أو بمسمًى ثالث .. "زوجها" ! ابتسم في وجهها مطيلًا النظر به لأول مرة منذ التقائه به ، لأنه كان دائمًا ما يغض بصره في وجهها ووجه يلديز ، لاحظت ذلك من قبل ، ربما كان هذا أحد أسباب اطمئنانها له وللزواج المستعجل به ، لم تكن تلتقي برجل يغض بصره كل يوم ، لقد صاروا فئة نادرة متميزة عن غيرها ، فعندما تجد أحدهم يرفع قلبها الإشارة بأن هنا منطقة آمنة ولا داعي للخوف ابتسم لها ابتسامة ساحرة مردفًا : _ مباركٌ .. روڤان ارتبكت قليلًا ، ثم استجمعت شجاعتها مجيبةً : _ بارك الله فيك ، أشكرك ولم يدرك أنها لم تقصد "شكرًا" على المباركة اللطيفة فقط ، وإنما "شكرًا" على كل شئ .. "شكرًا" أنكَ ظللتنا بجناحيك حين تخلّى الناس ، وآويتهن _رغم سوء تصرفها_ إذ طردهن الناس .. وواسيتهن ونصرتهن ولا زلت تفعل إذ قسى الناس .. ولا زلت تعطي لها حلولًا ونجدات ومساعداتٍ ببذخ إذ بخل الناس وفوق كل هذا لم تنتظر منهنّ جزاءًا ولا شكورَا وهنا شعرت بواجبها اتجاهه ، أن تقدم له ما تقدر عليه الآن ، وهو إشعاره بالامتنان والتقدير _ ليس على مباركتك فحسب ، بل على كل شئ .. أنا لن أنسى كل هذا أبدًا ، ورغم أنني أعرف أنك لا تنتظر شيئًا ، ولكن صدقني في أقرب فرصة سأحاول ردّ هذا المعروف ، جزاك الله عن ثلاثتنا خيرًا ، رامي تشجعت ونطقت اسمه مجردًا هذه المرة ، وقد أوحى لها نطقه لاسمها دون رسميات أنه يحب أن يكون التعامل بينهما هكذا ، وإن كان مؤقتًا .. وأقل ما تفعله هو أن تلبي رغبته .. ربما هو لا يفضل الرسميات كثيرًا ولذا يحاول التخلص منها في أقرب فرصة تسمح بذلك ، وهي ستحترم هذا ابتسم لها رامي ابتسامة التمست من خلالها الحنان وثنيات الدفء في عينيه ، ابتسامته مميزة فاضحة لفيض مشاعره بشكل كبير لم تره بأحد من قبل ، ربما لأن مشاعره دومًا صادقة دغدغت ابتسامته ، حنانه ، ودفء نظرته _الذين التمست خروجهم الصادق من قلبه_ قلبها بنسائم مشاعر لطيفة أخافتها ، مما جعل قلبها يعطي إنذار الخطر لذا أبعدت عينيها سريعًا هاربة ناسية حتى مبادلته الابتسامة ، وعلى عادته والتي هي إحسان الظن واختيار الاحتمال الأكثر خيرًا ، فلم يترجمها كفظاظة كما كان يمكن أن يراها رجل آخر بسوء نيّة ، وإنما حياء .. وما أحب على قلب رجل سليم الفطرة من حياء أنثاه ؟ اتسعت ابتسامته أكثر للحظة على أثر ردة فعلها سرعان ما اختفت بهدوء ، قبل أن يسمع يلديز تبارك له ليجيبها دون إطالة النظر لوجهها كالمعتاد ثم يدفع روڤان أمامه برفق على حين غفلة منها مخبرًا إياها أنه سيشتري هدية لها شاءت أم أبت ، ثم سيعيدها للبيت 🥀_______________________🥀 ليلًا أمام المسبح تقدم رامي من مجلس بيجاد المفضّل أمام المسبح المضيء ، ليتخذ مكانًا بجواره ، ويلعب بحجر القمر خاصته بيده برفق خوفًا عليه من الانكسار ، مكتفيًا بالصمت ، فيتوقع بيجاد تقريبًا ما يجول بخاطره .. ودقيقة ظل فيها بيجاد متحفظًا كعادته ، لا يريد أن يكون أول من يفتح الحديث .. ثم يهديه الله لتحريك لسانه أخيرًا متسائلًا : _ قلقان من الخطوة اللي خدتها ؟ أو متردد ؟ حرك رامي رأسه بالنفي مجيبًا وهو يطالع حجر القمر ، ويقلّبه بين يديه : _ لا مش كدة .. أنا الحمد لله مش باخد خطوة ناحية حاجة غير لما أكون متأكد اني عاوزها .. كل ما في الموضوع اني مستغرب الوضع بس ، بقيت متزوج ، بقى فيه واحدة مسؤولة مني ، خلاص مش هتزوج صاحبة حجر القمر زي ما كنت مخطط في خيالي طول السنين اللي فاتت ، يعني احلامي اللي بنيتها من ورق طارت اكتشفت مؤخرًا انه كان حلم من ورق فعلا ، شوف كام مليار بني آدم في دول وجزر مختلفة أشكال وألوان بدور فيهم على واحدة معرفش عنها حاجة ولا حتى اسمها ، بجري ورا شِبه المستحيل ومرة واحدة لقيتني بنجذب لواحدة تانية ، واضطريت اني اعجل بقرار جوازي منها بحكم الظروف اللي حصلتلها ، بين يوم وليلة لقيتنا مكتوب كتابنا _ هممم .. طيب .. ولو لقيت البنت اللي كنت بتدور عليها في البلاد اللي هتسافرلها ، هتعمل ايه ؟ _ لو لقيتها بعد ما الظروف جبرتني اني أعجل بجوازي من بنت تانية اتشديت ليها ، وربنا كان عاين لحظة مقابلتي بصاحبة الحجر ديه لبعد ما اكون اتجوزت واحدة تانية .. ساعتها هتأكد انها مكانتش الخير ليا ، لذلك ربنا طول الـ16 سنة اللي بدور عليها فيهم وانا عازب حرمني منها ، مأظهرهاش قدامي غير بعد ما اتزوجت .. عشان يقفل الطريق اللي كنت بخططله ده في وشي .. فأتأكد من تدبير ربنا في ترتيب الأحداث ديه .. ان البنت ديه مكانتش هتبقى الخير ، بدليل ان ربنا بعدها عني بكل الطرق .. فمزعلش بقى على حاجة نظر له بيجاد بصمت لثانيتين قبل أن يلتفت عنه ناظرًا لنقطة وهمية أمامه ، قبل أن يبتسم ابتسامة صغيرة مشاغبة ، ويتساءل : _ عملت ايه في اول خروجة ليك في حياتك مع بنت ؟ اتسعت ابتسامة رامي قالبًا عينيه ، ثم يجيبه : _ هيكون حصل ايه يعني ؟ فضلنا ساكتين طول الطريق ما عدا كلامنا عن اختيار الهدية .. حاولت اكلمها عن هديتها وهي ترد على قد الكلام _ المفروض انت اللي تفتح الكلام .. وأصلًا سكوتها وارتباكها وكل الحاجات ديه علامة كويسة .. معناها انها مش متعودة تتعامل مع رجالة غير باباها وأخوها ، لو كانت واخدة راحتها معاك كنت تقلق ، معنى كدة انها واخدة على التعامل مع الرجالة بأريحية ، ويمكن خرجت مع واحد قبل كدة فسبق وجربت الموقف ده وعلى أثر كلام بيجاد شعر رامي بغصة مريرة لتذكره لتاچ .. تاچ سبق وجربت هذا ، بل واعتادت عليه لفترة من الزمن .. لم تنجح في اختبار الحفاظ على نفسها لحين يأتيها شريك حياتها الحقيقيّ طارقًا بابها ، لحين يأتي من يستحق .. زلت قدماها في الوحل ، ليس أمامه ما يفعله لها الآن ، سوى أن يدعو لها بالتوبة النصوح ، ليُمحى ذنبها عند الله ، فيصبح وكأنه ما كان _ عارف يا بيجاد الكلام ده ، وعندك حق .. ومش متضايق خالص ، بالعكس .. انا مش بقول من باب الشكوى ، بقول عشان انت سألتني بس .. كنت مفكر ان فيه حاجة حماسية حصلت ، خيبت آمالك قال الأخيرة بمزاح ، فأجاب بيجاد بضحك هادئ : لا عادي ، وهيكون فيه ايه حماسي اكتر من كونك اتجوزتها وجيبتلنا مرات اخ جديدة خلال يوم وليلة ؟ تبسم رامي ضاحكًا ، ثم أردف وهو يفهم خوف بيجاد وتلميحه لتجربتهم الأولى : _ لو سمحت متساويش مراتي بحد تاني ، انا منقيلكم أخت جديدة مش بلاء .. وبكرة تشوف _ يا رب يا عم تكون كدة ، أنا أكره ؟ كفاية علينا واحدة _ أيوة صحيح ، بمناسبة مرات الأخ .. فيه إشاعات طالعة عنك كدة في البيت ، بخصوص حلا _ والله ؟ ليه ايه اللي حصل ؟ قالها بيجاد وكأنه لا يعلم بشئ ، ففهم رامي طريقته في التهرّب .. هو يعلم جيدًا عن ماذا يتحدث إذًا .. لقد سبّها بالعربية قبل مدة ، ولكنها لا تفهم ما قاله _ اللي عملته غلط يا بيجاد ، مهما كان هي أكبر منك ، لازم تحترمها رد بيجاد باستنكار : _ هو انا مجبر أحترم اللي أكبر مني حتى لو هو مش محترم نفسه ! _ ايوة .. مجبر ، لإننا بنعامل الناس بأخلاقنا مش بننزل لأخلاقهم .. موضوع صدّ حلا مش متروك عليك ثم صمت هنيهة قبل أن يردف : _ ولا على أي حد مننا _ تقصد إنك مش هتعمل حاجة ! قالها بيجاد بدهشة وهو يكاد يصاب بالجنون ، فأجابه رامي : _ ألب اتجوزها لوحده ، من غيرنا .. يبقى بلاءها مسؤولية عليه لوحده ، من غيرنا بردو _ بس ديه كل يوم بتلقّف لحد ، انا لولا لساني عليها فمعدتش بتهوّب ناحيتي لكن مش راحمة حد من الباقيين .. أما انت بحسها بتخاف تقرب منك أصلا مش عارف ليه _ ألب يتصرف معاها يا بيجاد .. ولو متصرفش مش هندي أفعالها اهتمام ، عاملوها كإنها نكرة .. النار اللي بتقعد تهوّي فيها ومفكر انك كدة بتطفيها بتزيد ، الشيطان لما بتدي وسوسته اهتمام أو ردة فعل بيتمادى  .. جدك دايمًا كان بيقولي سيب النار تاكل في بعضها .. هتتطفي لوحدها التجاهل بيخلي وسوسة الشيطان تختفي ومعتش يبقى ليها قيمة ، بل ده التجاهل ده علاج لحاجات كتير اوي ، اللي من ضمنهم حلا _ متأكد ان لو تجاهلناها هتختفي مش هتتمادى ؟ _ متأكد جدًّا ، لإني جربتها مع ناس كتير كان كلامهم سمّ .. الرد عليهم كان بيخلي الوضع يزداد سوءًا كل مرة عن اللي قبلها ، مبعدهمش عن طريقي غير التجاهل ، لما لقو ان مفيش مني رجاء لدخول جدالات معاهم يشبعوا بيها نفوسهم الحاقدة عليّا .. زي ماقولتلك ، سيب النار تاكل في بعضها ، هتتطفي لوحدها التفت بيجاد عن أخيه إلى نقطة وهمية أمامه وهو يعتدل في جلسته صامتًا ، ليصله بعدها صوت شقيقه وهو يميل له بوجهه للأسفل ليلتقط وجهه ، يعقد حاجبيه ويضيق عينيه بتساؤل : _ انتَ شتمتها بالمصري فعلًا ؟ بيجاد دون النظر له : _ آآ .. هو مش شتمتها بالظبط .. يعني .. حاجة زي كدة _ قولتلها ايه ؟ صمت بيجاد ثانيتين ، قبل أن يجيب : _ شتمِتني بالانجليزي فقولتلها انتي هتعمليلي فيها مثقفة ومن حواري لندن ماحنا عارفين البير وغطاه رفع رامي حاجبيه لثانية بصمت قبل أن ينفجر رغمًا عنه مقهقهًا بصوت رنّان كما لم يضحك منذ وقت اتسعت ابتسامة بيجاد رغمًا عنه ، هو يدرك أنه كان وقحًا ولكن ، في رأيه هي تستحق كل شئ مسح رامي بكفّه على وجهه وقد بدأت ضحكاته تهدأ قليلًا حتى سكن ، ليلتفت لأخيه بوجه أحمر وقد برزت عروقه بعض الشئ من كثرة الضحك محدثًا إياه بثغر مبتسم : _ عمومًا معنتش تعمل كدة تاني ، لا تركي ولا مصري ملكش دعوة بيها أصلًا ، هي تستاهل ، بس بردو .. معلش استحمل ، نصيبك انها أكبر منك .. انت الوحيد اللي هي أكبر منه في البيت صمت بيجاد ولم تزُل الابتسامة على ثغره مستسلمًا ، فما يقوله شقيقه هو الصواب ، عليه التحمل آسفًا التفت له شقيقه مجددًا متسائلًا بفضول مرِح : _ هي شتمتك بالانجليزي قالتلك ايه ؟ اتسعت ابتسامة بيجاد متذكرًا يجيبه : Stupid خرجت ضحكات رامي بانطلاقة مجددًا لينقل عدوى الضحك إلى بيجاد بدوره فيبدأ إخراج ضحكات متقطعة رغمًا عنه بهدوء كانت رباب تراقب عبر النافذة بانشراح ، لا طالما تمنت لحظة كهذه تَقرّ فيها عيناها بلمّ شمل ولديها الاثنين .. وحمدًا لله دائمًا وأبدًا أن حقق لها ما قلب الأم خاصتها تمناه ، وترجو لو تقرّ عينها بمرادها في تاچ أيضًا 🥀__________________________🥀 صباحًا , _ اللهم إنا نسألك خير هذا العمل ، فتحه ونصره ، ونوره ، وبركته ، وهُداه ، ونعوذ بك من شر ما فيه ، وشر ما بعده قالتها روڤان وهي تقف أمام مطار إسطنبول ، تطالع اللافتة الأنيقة المعلقة عاليًا في الأفق .. سبحان مغيّر الأحوال من حال حال في طرفة عين ، بل وأقل من ذلك ! كان شقيقها هو من قدّم على وظيفة للعمل هنا ، فانظروا إلى ما آلت إليه النتائج ! تقف هي هنا برفقة يلديز يدًا بيد .. لتبدأ عملها منذ اليوم كمترجمة بإحدى طائرات مطار إسطنبول ، التي صممها قبل بضع سنوات إحدى الشباب النابغون .. فيُخلَّد اسمه في تاريخ تركيا ويخلّد عمله كإنجاز حقيقي في إحدى صفحات حياته كم تتوق لمقابلته ! لقد شعرت بالحماس حيال معرفته تقدمت الفتاتان للداخل حيث انبهرت عينا يلديز أكثر من انبهار روڤان ، فهي أتت هنا من قبل كمسافرة ، أما يلديز فلم تغادر البلاد قطّ ، فلم يُتَح لها فرصة الزيارة اللون الأبيض المشرق في واحدة من أبهى صوره يشعّ بالمكان بهجة وحيوية لم تجرب لها من مثيل ، الملابس الأنيقة والفوّاحات ذات الروائح المنعشة التي عرفت طريقها لأنفها ، النظام النادر الذي يتحرك به الناس رغم الزحام ، والأهم من كل ذلك مكان نظيف لا تشوبه شائبة تُذكَر يبدو أنها _لربما_ ستجد نفسها هنا بالفعل بعيدًا عن ضجيج دواخلها وضغوطات الظروف وهزائم النفس للنفس وتهاوِ الأحلام لعل الله يعوضها بعالم جميل مختلف هنا خاص بها ، يبهج قلبها ويعيد له أنوار السرور بعد انطفاء الهزيمة _ الحمد لله رب العالمين ، اللهم أرزقنا خيره وخير ما أُرسل به واصرف عنا شره وشر ما أُرسل به _ آمين ، يلديز .. وأن تكتمل فرحتنا بإنهاء كل الإجراءات على الغد على الأكثر واسترداد تقوى سالمة آمنة .. وحينها سأشعر أن كل أثقال الدنيا قد وُضعت عن كتفاي ، وحان وقت استراحة المحارب .. ولنرَ بعدها ما المحطة التالية في دربنا ، وأسأل الله أن يجعلها خيرَا ، وأجمل مما مضى ، وعوضًا عن الأيام الثِّقال 🥀___________________________🥀 انتهى بحمد الله اللاڤندر التاسع أحبكم في الله ودمتم سالمين يا رب

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

لاڨاندري

المؤلف ArwaMahmoud38
2024/10/10 مستمرة
قائمة الفصول (15)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة