بـ"عامٍ" كامل

بـ"عامٍ" كامل

15 1

يبدو بأنّه بعودته جلب معه بركة العالم كلها ووزع بها على من هم حوله ، صِدقاً ألم تلاحظوا أنه حيثما حلت خُطاه حلّ معها البركة ؟ فور أن خطت قدماه أرض المطار ما كانت إلا دقيقة سلم بها على عمته وكنان حتى ظهر ظافر المشؤوم ذهب إلى البيت ومنذ حينها لم يُعتبه أخواه ولا يعلم حتى الآن أين هما حتى ألب الذي يتوقع منه دائماً الإنصاف طفش من البيت ولا يجدون له أثرًا وكأنه اختفى من البلاد ! وضعه جده في أول مهمة له بعد عودته والتي كانت إجراء مقابلة عمل مع إحدى الشباب لينشب حريق في محل المقابلة ذهب ضحيته الشاب حتى الفتاة أخته بعدما قرر الوقوف بجوارها فقدت الوعي وها هو معها في المشفى الآن يخشى أن يظل بالمشفى فيقع السقف فوق رؤوسهم وإن حدث فسيضع حوله الألغام بعد الآنِ حفاظاً على سلامة المواطنين ! ولكن حتى الألغام قد تنفجر دون أن يقترب منها أحد وتُحرق اسطنبول لا قدر الله وحينها ستكتمل المأساة ضحكة ساخرة لا بد من أنكم ظننتم أنه فوّت هذا المساء في الواقع لقد شهدَ هذه الليلة أقسى مشاهد قد يراها أحدٌ في حياته ، ظنّ أنّ سكرات موت أبيه أمام عينيه كانت الأسوء ، ولكن .. يبدو بأن هنالك الأسوء دائماً من كل شئ في دروب الحياة بالأمس رأى أناساً مشتعلين يستنجدون بـ من حولهم ليطفأهم ، حمداً لله فـ كونه "كان" ضابطاً في يومٍ من الأيام أكسبه سرعة بديهة ، على عكس المتوقع أن يقف مكانه أمام هذا المشهد وقد جمدت الصدمة أوصاله ، فـ وجد نفسه فور ترجله من السيارة يهرول بحثاً عن دِلاء الماء أو طفاءات الحريق في كل مكانٍ ويطفئ معهم الناس اللذين اعتُصر قلبه لوضعهم لكن ذاك الصراخ وتلك الهتافات في كل مكانٍ لم تكن شيئاً أمام حالة تلك الفتاة التي قيدتها النساء بعد أن كانت على وشك دخول المطعم المشتعل الذي تنبعث منه النيران لتبحث عن شقيقها ، عيناها وحدها كانت تصف قهرها وقلبها الدامي أثر ما حدث في تلك اللحظات ، فـ هي الوحيدة التي شهدت مصرع أحدٍ من أهلها و الذي كان أحد الأفراد المتواجدين بـ ذاك المطعم أثناء الانفجار كان هذا ثاني أقسى شئٍ رآه هذه الليلة لو كان بـ يده لَـ كان دخل بنفسه ذاك الحريق ليبحث عن أخيها لحسن الحظ كانت المطافئ والمستشفى ليست بـ بعيدة عن المطعم دقائق وأتت سيارات الإسعاف والمطافئ لـ يجد عشرات الرجال يهرولون من السيارات ينتشرون في كل مكان ليبدؤوا القيام بـ عملهم يتذكر حين وجد الممرضين يركضون خارجين من المطعم يمسكون الحمالات التي تحمل الجثث وعدداً معدوداً تماماً من المصابين الذين لا يستوعب كيف نجوا ، ولا تظنوا أن أمراً كهذا قد يغفل عنه لكن هذا ليس موضوعنا الآن ، يتذكر أيضاً حين جلس قبالة الفتاة يمنعها من رفع الغطاء عن وجه شقيقها مشفقاً على حالتها ، وصراحةً هو نفسه لم يكن يريد رؤية مشهدٍ كهذا لا للشاب ولا لها ، لكن ما كان هناك من سبيلٍ للفرار ، كان عليها المواجهة ، وقد قرر المواجهة معها لقد أبكت تلك الفتاة المنطقة بأكملها والتي وقفت تراقب انهيارها دون وعيٍ منها أو إدراك ، علمَ أن شقيقها كان سيصبح عريساً ذاك اليوم وكان سيتقدم لخطبة فتاة أحبها تُدعى "يَلديز" ، يتذكر عدوى القهر الذي نقلتها له حينها رغم عدم معرفته بالشاب والتي نقلتها كذلك لعيون كل الناس ، هي لم تدرك الحالة التي أوصلتهم جميعاً لها في تلك اللحظات ، ولم تكن ترى أمامها شيئاً سوى أن شقيقها الحبيب وصديقها وسندها في هذه الحياة قد مات ، لن يكون موجوداً في حياتها بعد الآن .. تركها وحدها ولم يعد لها سوى آلام الفقدان وما أقساها من آلام ! لا ينكر أن حديثها عن فقدان شقيقها وقهرتها وقتها ذكره بـ"تاچ" ، هل كانت تتألم هكذا عندما تركهم وسافر خارجاً من البلاد ؟ عندما كان يظلّ بالأشهر او الأسابيع لا يحدثهم ولا يسمعون صوته بسبب ما يُكلَّف به من مهمات ، وزاد على هذا بقاؤه بعيداً عنهم لا يرون وجهه ولا يسمعون صوته وكأنه خرج من حياتهم لمدة عامين ألهذا هي غاضبة منه لهذه الدرجة وكذلك "بيجاد" ؟ الحالة التي وصلت لها الفتاة _ التي لا يعرف اسمها حتى الآن _ من تلك المأساة الأخوية جعلته يعيد التفكير في مسألة أخويه شعر بآلامٍ حادة في قلبه وهو يتخيل مكانها تاچ أو بيجاد يعيشان ولو ربع هذه الآلام فـ هما قد فقدا شقيقهما هما الآخران قبل حوالي سبع سنوات وجوده في حياتهما كان محدوداً جداً بعدما كان جزءًا لا يتجزأ من حياتهما وهذا نظرًا لطبيعة عمله وكونه فوق هذا خارج حدود البلاد ، بل كان وجوده تقريباً بحياة كِليهما شِبه معدوم يضع الله لنا العديد من الإشارات والذكيّ المُتعظ هو من يفهمها .. كان ينوي بعد عودته عتابهما ، توبيخهما وربما مشاجرتهما لتجاهله هكذا منذ عودته منذ الصباح لكن قُدّر له أن يرى هذه الفتاة ويعيش معها هذه التجربة ، فـ ما كان منه سوى أن أعاد التفكير مليّاً في الأمر ، يحمد الله على هذا ، فـ لو كان اتخذ الإجراءات التي خطط لها فيما يخصهما كان سيزداد الأمر تعقيداً ، وربما كان يخسرهما للأبد وجد باب الغرفة التي تقبع فيها يُفتح ويخرج منه الطبيب وقد كان هو واقفاً يستند بظهره على الحائط قبالة الغرفة يربع ذراعَيه تقدم رامي نحو الطبيب الذي طمأنه عليها قائلاً بأن إغماءها كان بسبب النزيف والإرهاق النفسيّ والجسديّ الذي تعرضت له أومأ له برأسه شاكراً ثم سأل : _ هل أفاقت ؟ _ ليس بعد ، لكن ستفيق الآن إن شاء الله .. لقد جلبتَها في الوقت المناسب أومأ له برأسه حامداً الله قبل أن يصله سؤال الطبيب : _ ماذا تقرب لك ؟ _ ليست قريبتي ، كانت أخت أحد الشباب اللذين كنتُ سأُجري معهم مقابلة عمل في المطعم الذي دوى فيه الانفجار ، وحدث ما حدث أمامي من انهيار لها ، وعندما فقدَت الوعي جلبتُها مباشرةً إلى المشفى بمساعدة النساء المتواجدات هناك أومأ الطبيب بتفهم قبل أن يردف : _ من الأفضل أن تتصل بأحد أقاربها ، لا بد من أنهم قلقون عليها وعلى شقيقها الآن ، يجب أن يعرفوا ما حدث _ أدرك هذا ، لا أعرف أحداً منهم للأسف .. سأنتظر أن تفيق وآخذها إلى بيتها أو على الأقل أطمئن أن سيأتي أحدٌ لها من أهلها .. إن كانوا موجودين في البلاد _ أتشكّ بأمرٍ ما ؟ أومأ رامي مدققاً بتفاصيل ما سمعه : _ الفتاة رددت مراراً أن ليس لها أحدٌ غيره وأنه تركها وحيدة بذهابه ، وسمعت منها أن والدها يخضع للعلاج ، كما أنها قالت لي جملةً بالعربية دون أن تنتبه هناك ، أشكّ أن كلاهما في غربة وكذلك والداها ولكن في بلاد أخرى أومأ الطبيب ناظراً بإعجاب لذكائه ، توقعه منطقيّ بالفعل .. أضاف الطبيب : _ بالفعل سمعتُ منها كلاماً كهذا ، لكنني لم أضع احتمالاً لقصتها ولم أدقق بالكلام ، فقد قالت الفتاة الكثير ، لقد قطعت قلوبنا جميعاً نظر رامي له باستغراب متسائلاً يحاول الفهم ويتمنى أن لا يكون ما وصل لفِكره صحيح : _ هل كنتَ هناك ؟ أم أن ... _ نعم ، الڤيديو انتشر في كل مكان ، وقد صوّر الإعلام ما حدث بعد وصول المطافئ والإسعاف وهو يُعرض الآن على قنوات الأخبار رفع رامي حاجبيه قبل أن يغلق عينيه بـ ضيق ، لم يكن يود أن يحدث هذا .. لِما تسمع الفتاة صوتها وترى انهيارها على التلفاز وعلى الانترنت في أشد لحظاتها ألماً ؟! .. لا طالما كره الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي لهذا السبب .. الأمر لا يكون لطيفاً أبداً باستغلالك ألم أحدهم وانهياره لتصوره في ذلك الوقت تحت عدم انتباهٍ منه ليفيق على الواقع بعدها وإذ أن الجميع قد رآه وقد استغله الناشرون ألمه في جذب المشاهدات .. هذا من أقذر الاستغلالات التي يمكن أن يستخدمها أحدهم وليتها حتى لسبب قويّ ، وإنما يكون لأتفه الأسباب زفر رامي بضيق فتفهم الطبيب سبب هذا الضيق ، يتمنى أن لا ترى الفتاة هذه المقاطع المنتشرة عندما تفيق سأله رامي إن كان يستطيع الاطمئنان عليها ليجيبه الطبيب بـ "نعم" ، أومأ رامي للطبيب شاكراً ليبادله الإيماءة نفسها بعملية قبل أن يتركه ويغادر وقف رامي أمام باب الغرفة قبل أن يمسك المقبض وينزله للأسفل فاتحاً الباب .. دخل بخطواتٍ هادئة تاركاً الباب مفتوحاً فـ وجدها مستكينةً بالفراش يغطيها الغطاء الأبيض بالكامل الخاص بالمستشفيات ، لا يظهر منها سوى رأسها الملتفّ بالحجاب تنهد بـ تعب وقد آلمه قلبه لحالها ، يريد منها الاستفاقة للاطمئنان على حالتها ، ويخاف بـ ذات الوقت من لحظة الاستيقاظ .. خطر بباله شقيقاه بـ لحظة ، الساعة قد تجاوزت العاشرة بكثير ، ماذا إن كانا لم يعودا بعد ؟ التفت رامي مخرجاً هاتفه من جيبه ليتصل بـ تاچ أولاً وهو يتخذ خطواته المتزنة بهدوء في المكان ، قبل أن يرفع الهاتف ويلتفت بنصف وجهه يختلس النظرات نحو هذه المستكينة _ حالياً _ يتأكد إن كانت أفاقت أم لا وبعد أن كانت نيّته مجرد نظراتٍ مختلَسةً للتأكد وجد نفسه ينظر لها بـ عمق غريب ، يشعر وكأنها مسؤولة منه .. ربما حتى بعد اطمئنانه على كونها بين أهلها وذويها سيظل باله عليها في انشغال تنهد بعمق غريب كنظرته قبل أن يلتفت بـ عينيه ناظراً لـ اللامكان ، مكتوياً بـ نار انتظار استفاقتها تارةً وبـ نار انتظار صوت أخويه وألب يطمئن قلبه المضطرب عليهم تارةً أخرى وبين هذه النار وتلك الأخرى كان الوسيط بينهما "الانتظار" ، والذي ما برع فيه هو كاد يفقد أعصابه عندما رأى تجاهل تاچ لاتصاله بها ، و لا يدري إن كان تجاهلاً أم أن مكروهاً أصابها لا قدر الله ، وإن سألتموه .. سيُفضل أن يكون الاختيار الأول هو الصواب ، فهذا أهون عليه وإن كانت تاچ نفسها لا تجيب .. فـ لا داعي للتساؤل عن ما إذا كان بيجاد سيجيب أم لا ، ولكنه رغم هذا تمسك بآخر أمل واتصل به ، ليجد الصوت الذي توقعه هو الإجابة ، أن هذا الهاتف مغلقٌ أو غير متاح ألب ؟ يخشى الاتصال عليه الآن أكثر من الكارثتَين الأخرتَين ، يقسم لكم لم يكن يتخيل أنه سيعيش لليوم الذي يخاف فيه من ألب أكثر من أخوَيه ، لكنه تعلم أن يتوقع كل الممكن وغير الممكن بعد الآن وإن اتصل بأمه فسيضطر لإخبارها أين يكون ، ولا يريد إقلاقها دون فائدةٍ وجعْل همّها همّان سُحقاً ، لقد ظل عالقاً هنا .. فـ لا هو طال تاچ وبيجاد المختفيَين ولا طال ألب الذي يخاف من ما سيأتي من خلف ظهوره بعد كل هذا الاختفاء ولا طال باريش الذي حالياً خارج البلاد ولا هذه الفتاة التي ينتظر استيقاظها _ للعجب _ على أحرِّ مِن جَمْر ولا حتى أمه التي لا يريد أن يقلقها عليه هو الآخر فـ يكفي عليها أخواه وما كان منه سوى أن خرج من الغرفة جالساً في صف كراسي الانتظار في الممر مستندًا بذراعيه على رجليه للأمام .. منتظرًا _ كعادته هذا اليوم _ أن يأتيه فرجٌ من عند الله وإن سألتموه عن إحساسه .. هو لا يشعر أن فرجًا سيأتي هذه الليلة بالذات 🥀__________________________🥀 أنزلت رباب الهاتف عن أذنها بيأس قبل أن تلقي ثقل جسدها على الأريكة وتكاد تبكي من فرط قلقها : _ لا يجيب يا باريش ، رامي لا يجيب نظر باريش إلى الشاشة أمامه والمفتوحة على قناة الأخبار : _ كنا قلقين على تاچ وألب وبيجاد لأنهم تأخروا بالخارج ، الآن أصبح الوضع أسوء ، فـ نحن لا نعرف من الأساس أين رامي وهل أصابه مكروه أم بخير أم هو حيٌّ أو ميّت اجتمعت الدموع في عيني رباب بقهر قبل أن يصلها صوت باريش "الذي عاد قبل نصف ساعة فقط من سفره" : _ لن أستطيع الجلوس هنا ، سأجلب مفاتيح السيارة من الداخل وأذهب إلى حيث هذا المطعم _ سآتي معك قالتها رباب فور نهوضها من جلستها ليقترب منها باريش مردفاً سريعاً بـ حزم : _ لن آخذك لأي مكان رباب ، لن أضحيَ بكِ المكان هناك غير آمن غير أن هناك جريمة سرقة كبيرة حدثت في الشارع المجاور للمطعم ، ابقي هنا وسأتواصل معك فور أن أصل وسأعلمك بكل شئ بشكل فوري أعدكِ ، لكن ابقي هنا في أمان اتفقنا ؟ استسلمت رباب مخفضة رأسها وهي تومئ له بدموع لينظر لها باريش بحزن وحنان غلّفا نظراته ، لكن ما بيده شئٌ يخفف عنها سوى السعي للاطمئنان على صغيرها ، وهذا ما سيفعله بالطبع .. تنهد بقلق واضطراب سيطرا على مشاعره في تلك اللحظة قبل أن يلتفت صاعداً إلى غرفتهما في الأعلى ليحضر مفاتيحه جلست رباب على الأريكة تدعو الله أن يحفظ أولادها الأربعة وأن لا يمسهم أيّ أذىً ، ثانية واحدة وسمعت صوت طرقات على الباب ، انتفضت من مجلسها فوراً وقد انفرجت أساريرها مهرولة وهي تهمس لنفسها بأمل : _ لا بد من أنه أحدهم أمسكت مقبض الباب لتفتح إياه سريعاً لتجد ألب في وجهها لتشعر أن إحدى الأثقال الأربعة أُزيح من فوق صدرها كادت تسأله عن سبب اختفائه على الفور دون تفكير ، قبل أن يجذب كل حواسها هذه البذلة البيضاء التي تبدو كـ بذل خطوبة أو ربما زواج ، وهذا المشهد الثاني الذي كانت الضربة من ورائه والأشدَّ قسوة حين لمحت خلفه فتاةً ترتدي فستاناً أبيض لم تستطع تحديد أهو فستان سهرة أم زفاف وقد انقبض قلبها عقب الخاطرة الثانية لأنه ليس لها سوى تفسيرٌ واحد تفسير ؟! تقصد كارثة كارثة بـ كل المقاييس وإن علم بها باريش سيتحول من ذاك الرجل الأربعينيّ الحنون المسالم إلى وحش ضارٍ يخبئ نيرانَ بداخله _ مؤقتاً _ كبركانٍ مضغوط ، قبل أن ينفجر عن حممه الملتهبة لتأكلهم جميعاً هي لا تتوه عن باريش ، لكن يبدو أنها تاهت عن هوية أبنائها الثلاثة ، وأولهم هذه الهوية المجهولة الواقفة أمامها كانت الفتاة تقف خلف ألب لا يظهر منها سوى نصفها الأيمن فقط ، لاحظ ألب تركز نظر والدته عليها ليتنحّى جانباً فيظهر وجه الفتاة عن ابتسامة انقبض قلب رباب على أثرها ولم ترتح لها مطلقاً ، ويردف ألب : _ ألن ترحبي بـ كنّتك الأولى في يومها الأول بـ بيتنا أمي ؟ 🥀___________________________🥀 وقف رامي والممرضة مع الطبيب جوار سرير هذه النائمة على بعد مناسب ، والتي أخبره الطبيب أنها على وشك الاستفاقة ، من الأفضل أن يكون أحدٌ ما بجوارها فور استيقاظها واسترجاعها الأحداث كان قلب رامي يخفق بعنف منتظرًا استيقاظها ، وقد فسر شعوره المتلهف ذاك كمشاعر إنسانية متعاطفة ليس إلّا ، كان نظره مصوبًا أرضًا يتحاشى أن يقع نظره عليها وهي مستلقية على السرير هكذا ، وإن كان الغطاء يغطي جسدها بالأكمل جيدًا فلا يظهر منها سوى وجهها ، ولكنه لا يرضى أن يطالع رجل أمه أو تاچ بهذا الوضع وإن كانتا ترتديان حتى مِلحفة بدأت عيناها البنيتان تتضحان شيئاً فـ شيئاً ، رمشت بأهدابهما عدة مرات تحاول اعتياد الضوء ، قبل أن تفتح عينيها تدريجياً حتى أخذتا وسعهما استندت على كفيها ليعيناها على الجلوس مكانها بنظرة غير مستوعبة بعد مكان وجودها أو حتى سببه ، كادت تنهض عن السرير تمامًا لولا شعورها بإحدى الغرز تكاد تخرج من ذراعها مسببة بعض الألم ، لتجد فتاة تقاربها في العمر تقترب منها سريعًا هاتفة بها أن تتوقف عما تفعل ، وهي تعيد الإبرة مجددًا لوضعها الصحيح فهمت روڤان فورًا أنها ممرضة ، لتدرك أخيرًا أين هي انتظر رامي والطبيب والممرضة بـ قلق ردة فعلها القادمة ، ليجدوا ملامحها ترسم الألم تدريجياً قبل أن تمتلأ عيناها بدموع الصدمة وهي تعتصرهما بقوة ، وقد استوعبت ما حدث قبل إغمائها .. تساقطت دموعها وهي تستند بظهرها على ظهر السرير بوهن وحسرة أصابت قلب رامي بـ دوره معها وهو يشفق عليها ، وحزينٌ أشدَّ الحزن على حالها يشعر بالعجز عن فعل أي شئ من أجلها ، ليته يستطيع محو ذاكرتها عن الأحداث الأخيرة ، كم عانت هذه الليلة تلك المسكينة لولا فضل الله ثم تلك الحقنة المهدئة التي أعطتها لها الممرضة لَمَا كانت ستبكي بصمت هكذا ، ربما كان عوضاً عن هذا سيأخذ صوتها الحق في التعبير ، كان قد يصيبها انهيار عصبي وتنفجر في الصراخ _ حمداً لله على سلامتك ، تعازيّ لكِ قالها رامي لتومئ روڤان برأسها بصمت ولم تتوقف دموعها عن الانهمار .. وصلها صوت الطبيب : _ السيد رامي هو من جلبكِ إلى هنا ، حملك بعض النساء إلى سيارته حيث أن سيارات الإسعاف التي في ذاك الموقع لم تكن متفرغة ، وخاف أن يتركك ريثما تأتي سيارة أخرى فيزداد الأمر تعقيدًا وسوءًا ، فجاء بك هو ، لقد أحضركِ في الوقت المناسب ، ربما لو انتظر قليلاً كان سيصبح الوضع أسوء .. وربما كنا نفقدك من كثرة النزيف لم تبدي روڤان أي ردة فعل ، وصلها نفس الصوت مجدداً : _ تستطيعين الخروج غدًا بأي وقت ، لكن ليس على الفور لأن حالتك النفسية لن تسمح بهذا ، تحتاجين أن تبقي تحت الملاحظة على الأقل اليوم لأنك تحت تأثير مهدئ قوي وقد يذهب مفعوله بأي لحظة وتصابين بالانهيار ، غير أن جسدك خامل كثيرًا من أثر تلك الأحداث ، لن تستطيعي السير على قدميك ولن تحملك الآن _ أنا بـ خير نطقت بها روڤان بـ هدوء دون النظر إليهما ولم تحرك ساكناً .. تفهم الطبيب حالتها وقرر مجاراتها بعملية : _ أعرف هذا بالطبع ، أنتِ قوية .. ولكن فقط من باب الاحتياط نريدك أن تبقي معنا اليوم _ قلتُ أنا بـ خير قالتها بنفس النبرة ولم تتحرك من مكانها ، نظر رامي إلى الطبيب مردفاً بأنه سيحاول حل الأمر ، أومأ له الطبيب باستسلام واستأذن خارجاً ليترك الباب مفتوحاً بينما بقيت الطبيبة تؤكد على الوضع الصحيح للمحاليل التي كادت روڤان تفسدها بمحاولة نهوضها صمت كلاهما لثوانٍ ولم تعر روڤان وجوده اهتماماً ، بل ربما من تشوش عقلها بالأفكار لم تنتبه له أساساً وظنته خرج مع الطبيب لكن وصلها صوت من كان صاحب أول صوتٍ وصلها بعد استفاقتها ، مردفاً : _ لا أملك شيئاً أقوله يوفي الوضع الحالي حقه ، لكنني بجوارك دائماً ، إن احتجت أي شئ ثقي بي ولا تترددي في اخباري .. انا رامي العماوي ، طيارٌ بمطار اسطنبول الدوليّ وصانع إحدى الطائرات ذات التقنيات الحديثة في ذاك المطار ، جدي هو المدير هناك وقد أعطاني مهمة إجراء مقابلة العمل مع شقيقك رحمه الله .. ولهذا كنت متواجداً هناك ، وعرفت فيما بعد بأنك شقيقته استدارت روڤان ناظرة إليه بعينيها المنطفأتين اللتين أعادا لرامي ذكريات قديمة مؤلمة جعلته يحس بما تحس به هي الآن ، هو يفهم جيدًا تلك النظرات آلام الفقدان ، لقد عاناها في يوم من الأيام ، ويتذكر ذاك اليوم كأنه البارحة رغم مرور كل تلك السنوات .. يتمنى لو يستطيع منع الجميع من معاناة مثل تلك المعاناة ، والتي يعرفها حق المعرفة ولكن .. لا يستطيع ، ولن يستطيع أشفق عليها وقد رأى في نفسها _ المنكسرة _ نفسه القديمة .. روح طفولته التي كانت كاليوم قبل ستة عشر عاماً تحمل نفس الحُطام اليوم هو نفس التاريخ الذي اختفت به تلك أطلال نفسه ليحل محلها القوة ، العزيمة ، الإصرار و .. الشغف اليوم هو نفس التاريخ الذي كان غارقاً فيه بـ قاع ظلماته لتنتشله دعوة قلب برئ صادق "عن طريق وردة لاڤندر برتقالية" منه إلى النور اليوم هو اليوم الذي أمسكته فيه لاڤندره من يده لتعينه على العودة من الموت حياً إلى الحياة لقد قابل صغيرته ذاك اليوم ، وأنقذته هي من الموت حياً ذاك اليوم وأنقذ هو هذه الفتاة من الموت بدوره في نفس اليوم بعد ستة عشر عاماً !! يبدو بأن هذا التاريخ مميزٌ بالفعل ولكن على عكس سعادته لإنقاذها له ، وصله صوت الأميرة النائمة الخافت من إرهاق قلبها معاتباً عتاباً طفيفاً له دون أن يحيد نظره عن نقطة وهمية أمامها : _ ليتك تركتني هناك نظر لها رامي بـ حزن ليلتزم الصمت للحظات ، قبل أن يعاتبها بـ دوره هو بملامحه المتعاطفة وابتسامته الصغيرة المصحوبة بنبرة معاتبة : _ تريدين الموت ؟ لماذا ؟ هل انعدمت رحمة الله بكِ لذلك ترين أن لا فائدة من الحياة ؟ عمرك لم ينتهِ بعد ، لا زال هنالك أشياءٌ جميلة سترينها .. لكن أتعلمين ؟ الجميل الذي سترينه لا يقارَن بجمال ما يراه شقيقك الآن جدي أخبرني عنه الكثير ، إنه شاب صالح ومجتهدٌ من بيت صالح ، وأساساً يظهر هذا جلياً من ملابسك المحتشمة ، إنه ذو نخوة ويخاف الله ومات وهو يسعى خلف رزقٍ حلال وزواج لم يغضب الله فيه أو لأجله وإنما كان سيصل له بالحلال كذلك مات على نيّتين خالصتَين يحبهما الله ورسوله وهما السعي خلف حلال الرزق وإكمال نصف الدين ولا تنسَيْ ، حاشا لله أن يكتب على شاب مثله ناراً في الدنيا وناراً في الآخرة ، أوقن عن حسن ظني بالله أنه يعيش برداً وسلاماً في نعيم لا ينفذ ، ما مر به لا يؤثر به الآن بل على العكس تماماً فـ هو الآن يعيش النعيم بذاته ، وإنما هو اختبارٌ لكِ أنتِ ، والدنيا مليئة بالاختبارات .. عليكِ أن تصبري وتتجاوزي امتحانك الصعب هذا ، الجنة غالية جداً ، يجب أن تثبتي من خلال تلك المحن الدنيوية مدى استحقاقك لها ، نحن هنا من أجل هذا أساساً ، لأنه لن يكون عدلاً أن يتساوى الصالح منا بالفاسق ويعيشا نفس المسكن الغالي ألا وهو جنة الخلد عليكِ أن تثبتي استحقاقك للجنة .. تستطيعين فعلها .. ولا تنسي أن الاختبار الذي وضعك به الله ما هو إلا اختبار صبر ، ولتحمدِ الله على هذا فـ هي نعمة بذاتها وأنت لا ترَين سوى الجانب المظلم منها ، أتدرين لماذا عليكِ أن تفرحي وتحمدي الله ؟ لأن امتحانات الصبر بالذات إن نجحتِ بها تُكتبين عند الله من الصابرين ، الذين يدخلون الجنة بغير حساب وجدها تطالعه كـ قطة وديعة سكنت لصاحبها بعد أن أهداها ما تحتاج ، كانت قطة جريحة متشردة ومقهورة فـ دهن هو مرهمَ مخففِ آلام على جراحها فـ هانت الآلام ، ارتسم شبح ابتسامة على وجهها الذي عرف رامي فوراً من مظهره الذي ردت به الدماء أنه عاد خطواتٍ ليست بقليلة إلى الحياة سيظل جرح الاشتياق ينزف ولن يجد له سبيلاً للمداواة ، ولكنه على الأقل ذكّرها بـ من هو اللّٰه ، وذكرها أن الحياة الدنيا متاع "فانٍ" ودارُ اختبار ، وأن الآخرة هي دارُ القرار وذكرها بما لا يقل أهمية عن ذلك ألا وأنه "إنما يوَفّى الصابرون أجرَهم بغيرِ حسابْ" 🥀___________________________🥀 على رصيف إحدى الشوارع المقاربة لمطار اسطنبول ايمره : _ تعرف أن الموظف في المطار لن يصمت طويلاً عن إخبار شقيقَيك وكنان بـ كل شئ صحيح ؟ أنك حاولت حجز طائرة إلى لندن دون علمهم بيجاد القابع بجوار صديقه على الرصيف نفسه : _ أدري هذا ، لهذا سأحجز طائرة من أنقرة غداً عِوضاً عن مطار اسطنبول ، سأسافر غداً إيمره بـ قلق : _ بيجاد ، أسألك مجدداً .. هل أنتَ واثقٌ مما تفعل يا أخي ؟ أخشى أن تندم في وقت لا ينفع فيه الندم _ أنا لا أطيق البقاء هنا إيمره ، غير أنه لم يعد متاحاً لي فرصةٌ كهذه أساساً ، عليَّ الذهاب تنهد إيمره بـ قوة مردفاً : _ تعرف كما أعرف أنه لديك فرصة لإصلاح ما اقترفته ، لكنك تكابر _ أانت واعٍ لما تقول ؟! كيف يمكنني أن أصلح كل شئٍ برأيك ! _ تستطيع أن تطلب من شقيقـ.. _ لا قاطعه بيجاد بصرامة و حدة ، تنهد إيمره باستسلام فـ هو كان يدري من البداية أن هذه ستكون ردة فعله ، لا جديد _ هل تدبرت أمر والدتك وباريش ؟ سأله إيمره بعد صمتِ ثوان مغيّراً مجرى الموضوع ، أجاب بيجاد : _ نعم ، لا تقلق .. أرسلت رسالة لأمي أخبرتها أنني بـ خير ، وأن الهاتف كان على الوضع الصامت ، و لأنك تعرضت لحادثٍ وقابعٌ بالمشفى فـ سأظل معك حتى وقتٍ متأخر وأن لا ينتظرني أحدٌ وأنني بأمان _ دقيقة دقيقة دقيقة .. من هذا القابع بالمشفى الذي تعرض لحادث ؟ قالها إيمره باستنكار ليجيبه بيجاد ببساطة : _ أنت طالعه إيمره بعدم تصديق قبل أن يردف باعتراض : _ هل أنت مدركٌ أنك أدخلتني في ألاعيبك مع عائلتك ، ماذا سأفعل أنا حين يعلمون أنني كنت شريكك في الأمر ؟ دعك من هذا ، ماذا سيفعل بي شقيقك ذو المترين ذاك حينها ؟! _ هل تخاف من رامي ؟ لا تخف أيها الجبان سأضمن لك الحماية _ أيّ حماية حباً بالله ؟ الرجل طوله 185 وطولي 160 إن نفخ بـ وجهي فقط سأطير إلى الجنوب ! _ وهذا يعلّمك أنه عليك أن تحفظ السر ، أدخلتك معي في الأمر لكي لا تتجرأ وتفشي أمري لهم ، انا أعرفك جيداً _ حينها سأخبرهم بأنني لم أتعرض لحادث وأن هذا تلفيق منك ، وسيثبت كلامي أن لا كدمات أو جروح لديّ أي أنني صادق بالفعل _ حينها سأخبرهم أنك رغم هذا حاولت مساعدتي لإقناع موظف المطار بإعطائي التذاكر دون علمهم ، أنت متورط معي في كل الحالات _ حينها سأخبرهم الحقيقة بأنني حاولت منعك وسألتك عدة مرات أن تتراجع إن كنت غير واثق ولكنك من أصررت على الأمر ، وسيصدقون كلامي أنا لأنك كذبت عليهم في أمر الحادث فـ من الوارد أن تكذب عليهم مرة أخرى _ حينها لن يُترك لي خيار وسأخبر والدتك أنك كنت تأتي إلى عندي العام الماضي لـ لعب ألعاب الڤيديو لا المذاكرة ، لا أدري حقاً لِما أنت قلق بشأن أهلي هكذا ، كم أنت جبان قالها بيجاد وهو ينهض من مكانه معطياً ظهره لإيمره ، قبل أن يصله صوته مجدداً : _ أولًا لاحظ أنك تعايرني بذنبٍ تاب عليّ الله منه وثانيًا أنا لستُ جباناً ، أنا فقط أعطي قيمةً لأهلي وأحترم خوفهم ورغبتهم الدائمة في الاطمئنان عليّ ، وحق والداي في معرفة ما يجري بـ حياتي ولذلك أعلمهما دائماً بـ كل صغيرة وكبيرة تحصل لي ليظلا مرتاحَيّ البال ، ولأنك غالٍ عليّ فأحاول جعلك تفعل مع أهلك المثل وتحترمهم نفس الاحترام ، والذي يتمثل في إخبارهم ما تُقبل دوماً على فعله .. إن كان هذا مفهوم الجُبن لديكَ فيا أهلاً وسهلاً به ظل بيجاد واقفاً لثوانٍ محاولاً عدم التأثر بنصيحة صاحبه الغير مباشرة ليكمل ما بدأه دون تأنيب ضمير وقد تمكن الشيطان منه ، لينتهي الحوار بحديثه ببرود "ظاهريّ" دون الالتفات : _ هيا لنذهب 🥀____________________________🥀 سلّم الأمانة لأصحابها وقد كانت أقسى لحظات تسليم أثناء محاولة إقناعه للفتاة "التي نسي سؤالها عن اسمها حتى الآن" بأن تمكث بالمشفى كما قال الطبيب حتى يستقر وضعها وجد من تدخلان الغرفة ركضاً لترتميا في حضنها وتجهشان بالبكاء كانتا شابة وطفلة لم تتجاوز التاسعة ، وعلم من مجرى حديث ثلاثتهن أن الشابة هي "يلديز" التي كان سيتقدم شقيقها لخطبتها ، وأن الصغيرة هي اختها اتصلتا على كل المستشفيات بعدما شاهدن الأخبار في إحدى الشاشات المعلقة بمقهى بـ شارعهم أثناء انشغال الشرطة في تغطية الحدث الذي سبق هذا ألا وهو سرقة بيتهم .. وبالتالي عرف الفتاتان مكانها وأتيا ركضاً إلى المشفى لا تسألوه كيف عرف ، فـ هو موهوب في استشفاف الحقائق من مجرد كلمات مبعثرة ، وإلا لما كان وصل لرتبة الرائد في بلاده بهذه السرعة ترك رقم هاتفه لها في حال احتاجت شيئاً ، وهو متأكد من شدة احتياجها ، لم يكن يطاوعه قلبه تركها في هذا الوضع خلال ليلة واحدة بيتها سُرق شقيقها مات في حريق مطعم كادت تموت هي ودخلت المشفى وفوق كل هذا والداها غير موجودَين لدعمها وبحكم سبب سفرهما ألا وهو علاج والدها ، فـ من موقعه هذا يكاد يوقن أنها لن تجرؤ على إخبارهما أي أن المسكينة ستضطر لحمل كل هذا وحدها والذي من ضمنه مسؤولية طفلة لم تتجاوز التاسعة ويدرك أن هذا لن يكون ختام الليلة فمثلاً بعد سرقة بيتهم وسلب كل أموالهم وممتلكاتهم وعدم وجود رجل يحميهم وينفق عليهم وغياب والديها كيف ستعيش الفتاة ؟ ستضطر للنزول والبحث عن عمل بالتأكيد في أقرب وقت وهي في كربها هذا ، لكي لا تموت وهي تتضور جوعاً هي والطفلة هل أخطأ بتركها ؟ ماذا لو احتاجت شيئاً وخجلت من إخباره وطلب العون منه ؟ حينها لن يسامح نفسه أنه تركها اعتماداً على مجرد رقم هاتف تراسله به ولكن ماذا عن عائلته ؟ هم أيضاً بحاجة له .. هو لا يدري حتى الآن ما وضعهم وأين هم ركن رامي سيارته أمام بوابة البيت وترجل منها ضاغطاً على زر غلق السيارة الموجود بـ يده ، لتصدر صوتاً يدل على إنغلاقها ليتخذ خطواته نحو حديقة بيتهم وهو يخاف من القادم هو الآخر عانى الكثير اليوم ، لم يكن بـ يوم هيّن وكحال تلك الفتاة يدرك أنه على نفس الحال فالليلة لن تُختم على هذه الأحداث لا زال هنالك ثلاثة كوارث يدرك أن عودة كل منهم إلى البيت ستجر وراءها مصيبة وها هي المصيبة الأولى فـ ما كان تزامناً مع دخوله حديقة المنزل سوى صفعة مدوية تهوي من كفّ باريش على وجه ألب زلزلت أركان البيت والذي يدرك من فهمه لشخصية "ألب" أن صفعة كهذه ستقلب كل الموازين وستكون عاقبة هذا فوق رؤوسهم جميعاً 🥀___________________________🥀 في الداخل ، في غرفة المعيشة حيث يشاهد كلٌّ من رباب وتاچ وحلا ما يجري بالحديقة في الخارج _ لم أكن أعلم أن والده يقلل من احترامه هكذا ، كم عمره ليصفعه تلك الصفعة ؟! قالتها حلا بـ خبث بـ وجه يدعي البراءة "التي لم تنجح في تصنعها" ، التفتت لها تاچ الواقفة على ركبتيها على الأريكة تشاهد عبر النافذة وقد أدركت المغزى من كلامها ألا وهو التفرقة بينهم فأجابتها بحدة نسبية : _ بل قولي كم عمر كليكما لتتخذا خطوة متهورة كهذه رغم عدم موافقة أبيه على هذه الزيجة ، انا أفهمك جيداً حلا .. لا تنسي أنني كنت السبب في تعرفك أنتِ وأخي ، وصدقيني لن أسامح نفسي أبداً على هذا _ ألب كبير بما يكفي ليتخذ قراراته بنفسه ، هو من أصر على إكمال الزواج _ لا أحد يكبر على والديه أبداً حلا ليكن بـ علمك ، سيحاسبكما الله على هذا قالتها تاچ بـ غيظ مكتوم فطالعتها حلا بنظرة أربكت تاچ وأسكتتها تماماً ، خاصةً بعد أن اقتربت حلا منها هامسةً لها بما لم تسمعه رباب : _ أنصحك بأن لا تتحدثي أنتِ بالذات عن احترام الأهل والخوف من الله تاچ ، كلانا نعرف أنك آخر واحدة قد تتحدث عن هذه الأمور .. فـ إن علم من في البيت بأمر ظافر ستكونين من وجّه إليهم الصفعة الأقوى انسحبت الدماء من وجه تاچ وطالعتها بـ صدمة ، كيف علمت هذه الحرباء بأمرٍ كهذا ؟! هل رأتها مع ظافر من قبل ؟ يبدو بأن هذا هو الاحتمال الأقرب هذه الفتاة ستكون كارثة على رأسها في هذا البيت ، أدركت هذا أكثر الآن لا تدري حقاً كيف اتخذتها صديقتها المقربة وأدخلتها بيتها في يومٍ من الأيام وهو ما ترتب عليه ما هم فيه الآن من أحداث أخبرتها تاچ بـ خفوت وبراءة لا تدعيها ، أو ربما سذاجة : _ ظافر يحبني حقاً ، لقد رأيتُ منه الكثير الذي يؤكد حبه الصادق لي ، هو ليس مثل أولئك الذين يلعبون بمشاعر الفتيات ثم يلقين بهن ليبحثن عن لعبة جديدة ، ظافر سيتزوجني _ ساذجة ، كل من قبلك قُلنَ هذا .. لا يمكنك الوثوق بـ رجل خان عهده مع الله أن يصْدُق عهدَه معكِ بهت وجه تاچ أكثر أثر جملة حلا ، ولكنها بعد ثوانٍ استوعبت أنها فعلت ما تفعله هي الآن وأسوء ، لتجدها حلا تطالعها بعد ثوانٍ بسخرية فتفهم سببها لتجيبها فوراً : _ لا تظنينني لا أعرف هذا الكلام ، ولكن وضعي مختلفٌ عنكِ ، فلا انا صدَقتُ في حبي لألب ولا هو صدَق معي ، هو يظن أنه يحبني بالفعل لكنه لم يحب من قبل وأنا مدركة لهذا ، ورغم ذلك تزوجته .. كلانا نعرف لما أنا هنا عزيزتي تاچ ، ولكن أقنعي ألب بهذا إن استطعتي قالت جملتها الأخيرة بـ خبث أشعل أوداج تاچ بغضب مكتوم ، قبل أن تلتفت بغيظ تتابع ما يحدث عبر النافذة هامسةً لنفسها : _ أقسم لن أدعكِ تصلين لمرادكِ حلا ، ولن أسمح لكِ باستغلال ألب .. أنا هنا لكِ بالمرصاد ثم صمتت هنيهة قبل أن تتذكر أن عودة رامي بـ قدر ما قد تجلب من مشاكل لها وبـ قدر غضبها منه بـ قدر ما أمدتها بورقة رابحة فـ همست لنفسها : _ لا تظني الأمر سيكون سهلاً بعودة أخي ، قدّر الله لكِ جعله يعود بـ نفس يوم زواجكما ليكون مصيبةً فوق رأسك .. لن تلبثي بهذا البيت طويلاً ، عليَّ التحدث مع رامي بأقرب وقت وعلى نفس التفكير كانت هي ، فبالتأكيد ورقة رابحة بيدها كمعرفتها بأمر ظافر لن تتركها حتى تحترق بأن تسبق تاچ بحديثها مع أخيها .. ولنرى من منهما ستلقي قنبلتها لسيادة الرائد أولاً ، والتي ستحرق الأخرى وتجعلها رماداً 🥀_________________________🥀 على شكل مثلث قائم يجلس ثلاثتهن على كراسي السفرة وأمامهن بعض الطعام الذي _لحسن الحظ_ اشترته يلديز مع تقوى قبل الحادث ، فـ لولا هذا ما كانت أيٌّ منهن لتجد شيئاً يغنيهن من جوع ولكن أين هذا الجوع ؟ لقد فقدن شهيتهن ، رفعت روڤان عينيها الذابلتين إلى وجه تقوى الباهت بما لا يليق بطفلة في عمرها قائلةً بلطف : _ كُلي تقوى ، لن تقدري على البقاء هكذا حتى الصباح تحتاجين للطعام دفعت تقوى الطبق من أمامها مبعدةً إياه قبل أن تسند ذراعها وفوقه رأسها مكان موضع الطبق قبلها ، قائلةً بنبرة صوت ذهبت من كثرة البكاء : _ لستُ جائعة ، أريد تميم اعتصرت روڤان عينيها بـ قهر تحاول كبح جماح فيضاناتها لكي لا تدفع الصغيرة أكثر للانهيار : _ تميم لو كان هنا كان سيحزن منكِ لـ عدم تناولك طعامك ، هيا _ إذاً فليأتي هو ويخبرني بهذا الكلام ، ليخبرني أنه سيحزن مني وأنا حينها سآكل كل الذي على المائدة ، لكن ليأتي فقط ، ليقل لي يا فستق ولن أعترض أو أتذمر .. ليقل أي شئ ، لقد اشتقت إليه كثيراً .. لم أعانقه حتى عناق الوداع .. أنا أريد تميم ، أريد أخي روڤان قالتها الصغيرة بصوتٍ طفوليٍّ مختنق بالدموع ، فاضت الدموع من عيني روڤان بألم كما كانت يلديز .. لاحظت يلديز أثر كلام الصغيرة على روڤان والتي لم تقوى حتى على إجابتها ، فأجابت هي الصغيرة : _ تميم لم يعد معنا تقوى ، لا تقولي كلاماً كهذا أرجوكِ إنك تزيدين نزيف قلوبنا ، تميم في مكان أجمل الآن ، وهو سعيد بإذن الله .. لا يمكننا إعادته للأسف صغيرتي صمتت الصغيرة بالدموع في عينيها وتصر على رفضها لتناول الطعام ، صمتت روڤان ويلديز لثوانٍ قبل أن تتحدث روڤان بـ صوت مبحوح بالكاد يخرج من أوتارها : _ كان سيطلب يدكِ اليوم يَلديز ، كنا سنصبح سعداء الآن اختنق صدر يلديز أكثر أثر كلماتها ، هي سمعت كل ما حدث هناك على التلفاز ، وجهت روڤان رأسها نحو يلديز مستغربة عدم اندهاشها ، فهمت يلديز نظرتها فأردفت بدموع وكأنها تعتذر لها عن هذا : _ أجل ، عرفت .. لقد صور الصحفيون مكان الحادث ، وسمعت كلامك لتميم رفعت روڤان حاجبيها بـ دهشة ، لكنها سرعان ما أنزلتهما وكأن شيئاً لم يكن ، وكأن أحداث الليلة أكسبتها مناعة ضد الصدمات عمّ الصمت لثوانٍ قبل أن تخرج روڤان العلبة القطيفة المربعة من جيبها والتي تحوي الخاتم ، راقبت كلٌّ من يلديز وتقوى ما تفعله ليجداها تفتح العلبة كاشفةً عن ذاك الخاتم الجميل الذي يتوسطه لؤلؤة لامعةً مدت روڤان بالعلبة المفتوحة نحو يلديز مسلمة أمانة أخيها بابتسامة دامعة : _ لو كان تميم هنا لـ كان أهداكِ إياه ، لكنه لم يعد هنا ، وقد تُرك إهداؤكِ أمانته التي جلبها لأجلك على عاتقي أنا .. إنه لكِ يَلديز نظرت يلديز لروڤان بدهشة قبل أن ترد العلبة ناحية روڤان في حركة تدل على الرفض : _ لا أستطيع قبول هذا الخاتم في ظل هذه الظروف روڤان ، أنتِ وتقوى أولى بهذا المال بعد مغادرة تميم وسرقة كل ما في البيت _ لكنني لا أرى به مجرد بضعة أموال يَلديز ، انا أرى فيه حلم أخي الذي كان قد قاب قوسين أو أدنى من الوصول إليه ، لا أستطيع رؤية ما يتمثل به حلم أخي على أنه بضعة أموال ، قيمته في عيني أكبر من تلك بكثير ، ولن تكتمل إلا بقبولك إياه نظرت يلديز لروڤان بـ حنان ، لتمدّ يدها باستسلام آخذة إياه بحيرة اكتست دواخلها ولا تدري إن كان هذا صواب ، لكنها في كل الأحوال إن رأت أنهم بحاجة إلى المال لن تتردد ثانيةً واحدةً في إعطائه لروڤان ، وإن كان هذا سيؤلم قلبها أشد الألم ، فهذا الخاتم هو الرابط الأول والأخير والوحيد الذي قد يربطها بتميم كما كانت تحلم هي ، لكن هذا الحلم بات في ليلة واحدة هشيماً تذروه الرياح .. لقد مات تميم في حريق ، واحترقت معه كل الأحلام والتي لم يبقى لها منها سوى هذا الخاتم الجميل ، المحفوظ داخل علبة تحمل عطر ملابسه الأخير الذي خرج به من البيت لم يعد هو ، ولكن الخاتم الحاملَ لـ عطره قد عاد _ متى سندفن أخي ؟ _ غداً صباحاً سألت تقوى لتجيبها روڤان .. لقد أُخذت جثة تميم إلى المشفى مع باقي الجثث ، ولم يسمح الطبيب لروڤان _ أثر حالتها التي قد تتدهور نفسياً بأية لحظة قائدة للانهيار _ بالبقاء هناك بجوار جثته المحترقة ، وبالطبع لن تسمح روڤان بذهاب تقوى ورؤية ذاك المشهد الذي إن رأته لن تنساه مدى الحياة ، واضطرت يلديز للبقاء معهما هنا خوفاً من أن يذهب أثر المهدئ الذي أخذته روڤان وتعود لحالتها ، فبقيت معهما تحسباً لأي شئ دقائق وسمع الثلاثة صوت طرقات على الباب ، نَظرن باستغراب لبعضهن قبل أن تنهض روڤان لفتح الباب انقلب وجه روڤان فجأةً أكثر مما كان عليه مما أثار استغراب يلديز وتقوى اللتَين نظرا لبعضهما البعض قبل أن تنهضا لتقفا جوار روڤان فهمت يلديز الآن لما انقلب وجه المسكينة ، ولها الحق _ البقاء لله روڤان تضايقت روڤان من نطقه اسمها مجرداً بأريحية وكأنها تقرب له شيئاً ، هي التي لا تطيق وجوده ولو على بعد شارعين منها ، لكنها أجابت : _ البقاء لله وحده تصنع الرجل البكاء مردفاً : _ كان تميم رحمه الله قد أوصاني بكِ وبالصغيرة روڤان هل تعلمين هذا ؟ _ على أساس أن أخي ذهب للحرب ووضع احتمال أن يموت ؟! لقد فقدنا أخي فجأة تساءلت بسخرية فارتبك هو مجيباً إياها : _ آآ .. إنه .. إنه كان يوصيني بكِ دائماً _ نعم نعم انا واثقة من هذا ، لقد كان يعزك جداً لا تستطيع أن تتخيل قالتها بسخرية فاستشعر الرجل اقتراب خسارته لهذه الفرصة الذهبية ، فأردف : _ ألن تستضيفيني بالداخل ؟ _ نحن فتيات وحدنا ، لا بد من أنك تعلم هذا .. لا يوجد رجل تجلس معه _ بالطبع بالطبع معكِ حق ، أعتذر فـ قد غاب عن ذهني هذا نظرت له روڤان بـ صمت دون ملامح وهي تنتظر الباقي الذي سيخرج من وراء حديثه ، وتتمنى أن لا يقودها إلى الجنون فهذا لا ينقصها تحدث الرجل : _ عزيزتي روڤان انا .. _ اسمي روڤان سيد أردال قاطعته روڤان بـ حزم ولم تتحرك ملامحها ، أكمل الرجل : _ ليكن .. روڤان ، أنتن بحاجة إلى رجل يرعاكن ، والداكِ غير موجودَين والآن تميم رحل .. وانا مستعد لـ حمل هذه المسؤولية ، لقد عرضت عليك عرضاً من قبل ولكنك هاجمتني ، لكن ها الآن الوضع مختلف ، أنتِ بحاجة لرجل يكون عوناً لكِ ، فأيعقل لهذه الأيدي الجميلة أن ترهق نفسها في الكدّ والعمل لتحصل على لقمة العيش ؟ كما أنني معجبٌ بكِ كما تعلمين و ... _ فـي ظـل مـوت أخـي وجـثـتـه لـم تـبرد حـتـى بـعـد أتـستـغل الوضـع لـصـالحك لتشعرنـي بالضعف وأضـطـر لـ أن أقـبـل مـنـك الزواج ؟!! أراهن أنـك حـزنـت عـلـى أخـي حـتـى ، كـم أنـت رجـلٌ نـذل .. أُغـرب عـن وجـهـي ، لا كـان ولـن يكـون مرحَّباً بـك هنـا .. أُغـرب _ أهذا جزاء من يقدم المعروف ؟!! لا تنسي أن والدي هو من يسكنكم بهذا البيت وأننا جيران .. أنتِ .. _ أنتَ رجلٌ حـقـيرٌ أردال ، بـل أنـتَ عـارٌ عـلـى الرجـال .. قـلـت لـكَ أُغـرب _ هكذا ؟ حسناً إذاً .. أنا أريد الإيجار روڤان _ إيجار ؟! أخي قد دفعه اليوم ، قال لي أنه سيدفعه قبل ذهابه للمطعم _ أعطني إذاً ما يثبت أنه دفعه .. شقيقك احترق واحترق معه الإيصال ، لا شئ معك يثبت أنه قد تم الدفع ، وأنا أريد الإيجار روڤان نظرت له روڤان وقد أحرق وصفه لشقيقها ما تبقى من الحياة في قلبها ، لينقلب وجهها فجأةً وقد غابت عنه معاني الحياة لتصرخ به : _ تـعـلـم أن أخـي دفـعـه وفـي نـفـس الوقـت أن بـيـتـنـا قـد سُـرق ، أكـاد أشـك حـتـى أنـك أنـت من سـرقـه لـتوقـعـنـا بمأزق ونـضـطـر لـ طـلـب الـعـون فـتـلـوي ذراعـنا وتـجـبرنـي على قـبـول عـرض الـزواج ، أقسم لو كانت لك علاقة بسرقة خزنة أبي سأقتلك بـ يداي أردال ولكنني لست في حال يسمح باتخاذ أي ردة فعل الآن _ على أساس كنتُ أعلم أن شقيقك سيموت ؟ اسمعي يا فتاة ، إن لم تعطيني الإيجار سأبلغ عنكم الشرطة ليخرجوكم من البيت ، إما هذا أو تقبلين العرض ، ماذا قلتِ ؟ _ أقـول فـلتـحـتـرق فـي جـهـنـم أنـتَ وبـيـتـك هـذا أردال لقد كـنـتُ أنـتـظـر شـرارة تـجـعـلـني أتـرك هـذا البيت الذي يمتّ لكَ بـ صلة وأرتـاح من جيـران مـن أمـثـالـك وقد أعـطيتـني هذه الـشرارة ، نـحـن لـن نـبـات اللـيل هـنا حـتـى ، فـلـتذهـب أنـت وكل أمـلاك أبـيك إلـى جـهـنـم أيـها الوغـد ، أُشـفقُ عـلـى من سيـأتي إلـى هـنـا بـعدنـا أنهت كلماتها وصفعت روڤان الباب في وجهه غير منتظرة حتى رده قبل أن تلتفت مبتعدةً عنهما جالسة على إحدى المقاعد واضعة رأسها بين كفّيها وهي تدرك حجم الكارثة التي وقعت بها ، فهي لا تملك مكاناً تبيت فيه الليلة بعد أن تغادر البيت ، ولا تملك مالاً كافياً لبقاء ثلاثتهن بإحدى الفنادق ستكون ليلة عصيبة أكثر مما كانت تظن 🥀___________________________🥀 _ يبدو بأن سهرتكِ طويلة ، أو ربما تحاولين الإفاقة لتفكري في طريقة نافعة للفرار من عاقبة أفعالك ، هل أنا مخطئة ؟ قالتها حلا بـ مكر لتتعرف تاچ على صوتها فوراً ، ضغطت تاچ على مكينة القهوة بـ غيظ اكتسى ملامحها ، قبل أن ترسم ابتسامة مصطنعة على وجهها ملتفتتة لهذا الوجه الملائكي ظاهرياً ، والمحترق بـ نيران حقده ومكره باطنياً مجيبة إياها : _ مخطئة حلا ، أصنع القهوة كي أستطيع النوم .. إنها تساعدني على هذا _ بها مواد منشطة للعقل تزيد الإنسان استفاقة وتسبب الأرق ، كيف تنتظرين مني تصديقك ؟؟ _ أليس الوقت متأخراً ؟ لما أنتِ مستيقظة أيتها العروس ؟ .. أم أن ألب استعاد عقله وقرر إخراجك من البيت بهذه السرعة ؟؟ قالتها تاچ غير محاولة حتى تبرير موضوع القهوة لها ، هي لا تختلق الكذبات الفارغة ، إنها تتحدث بـ صدق بالفعل .. القهوة تساعدها على النوم ولا تدري كيف ! يبدو بأنها تتسبب لها بمفعول عكسيّ ، أو ربما اعتادها جسدها تماماً لدرجة ما عاد يتأثر بمسببات الأرق بها ، وإنما صارت تتخذها كمشروب محبوب لها _تشربه بقلبها قبل فاهها_ قبل النوم مباشرة لتنام بسعادة وكأنها رضْعتها لذلك تشربها من جهة وتنام فوراً من الجهة الأخرى .. ومهما قالت لهذه الواقفة أمامها لن تصدقها ، لن تهدر أنفاسها إذاً مع من لا يستحق ، ومن تدرك أن الأمل منذ زمن قد فُقد منه فـ من يكون خبيثاً من الداخل لا يصدق وجود أُناس أنقياء على أرض الواقع ، بريئين أو حتى صادقين ، يهيأ للخبيث حينها أن كل من حوله مثله ، فيفقد ثقته بهم جميعاً ولا سبيل لعودتها سوى استرجاع نفسه الطيبة التي على فطرة الله التي فطرنا عليها والتخلص من الدناءة التي ربح الشيطان عليه في زرعها وريّها وإنباتها حد التغلغل بداخل ذاك القلب وبما أنها من موقعها هذا ترى أن الأوان قد فات لـ هذه الدنيئة منذ زمن ، فـ لن تهدر وقتها في إقناعها أن القهوة تساعدها على النوم لا تزيدها أرقاً _ لا تحلمي عبثاً تاچ ، لن أخرج من هذا البيت بـ هذه السهولة التي تتخيلينها ، كُفي عن الأحلام عبثاً وأفيقي للواقع ، ألا وهو أنني الآن هنا ، أقف أمامك ، بملابس بيتية كَوني فرداً من أفراد هذا البيت الكبير مثلك تماماً .. ولستُ ضيفة ثقيلة وسترحل عما قريب قالتها حلا بابتسامة ماكرة تقصد إغاظة تاچ ، وقد نجحت للأسف اعتصرت تاچ قبضة يدها قبل أن يصلها صوت حلا بـ ما أثار غضبها أكثر : _ تعلمين ؟ .. هنالك أمورٌ عِدة لاحظتها منذ دخول البيت رغم ساعاتي القليلة التي قضيتها فيه .. يبدو بأن والدتك وباريش فقدا السيطرة على كل من في البيت .. رامي أول من تحرر من ثوب الطاعة ونفّذ قراراته عليكم جميعاً ورحل من البلاد ، وكان هذا هو المتمرد الأول .. تبعة سلسلة متمردين ساروا على نهجه على مدار السنين الفائتة ، وكان أولهم أنتِ ، لا أحتاج طبعاً لتذكيرك بأمر ظافر العزيز أليس كذلك ؟ وها هي المتمردة الثانية أما الثالث فـ هو متوقع بالطبع ، أكبر طائش بينكم والذي ما إن وصل المرحلة الثانوية وبدأت والدته تعطيه بعض الحرية حتى طمع بها كلها ووصلت للتمرد الذي يتملكني الفضول لمعرفة إلى أين أوصله الآن ، والأيام ستثبت لنا كلامي وتوصل لنا الإجابة ، وهذا المتمرد الثالث أما المتمرد الرابع فـ لا يحتاج ذكاءاً لمعرفته ، زوجي العزيز ، وكنت أنا نبتة هذا التمرد الذي ظل يكبر ويكبر دون وعي أو إدراك منكم حتى وصل لمرحلة الزواج الذي تم رغماً عن أنوفكم .. بالطبع كيف كان لكم أن تفيقوا لما يحدث معه وما يدور حوله وكل منكم في وادٍ آخر يتخبط في دروب الحياة دون خبرة ينتظر من يجده ، كلٌّ منكم كان ولا يزال مصيبة وحده مثلاً على سبيل المثال ، هل تستطيعين إخباري أين هو بيجاد الآن عزيزتي تاچ ؟ لقد تجاوزت الساعة منتصف الليل .. أوه آسفة نسيت ، كيف لي أن أسألك وأنتِ نفسك لا تعرفين الإجابة ؟! متأسفة على السؤال المحرج انعقد لسان تاچ وقد احتقن وجهها بالدماء لتكون أشبه بقنبلة موقوتة على وشك الانفجار ، لكنها تجاهد لكي لا تفعلها وصلها صوتها مجدداً ولكن بسخرية فاقت كل التي سبقتها وباحتمالية وضعتها في عقلها أصابتها في مقتل : _ حذارِ أن لا يدخل عليكم قُبَيل شروق الشمس بعروس هو الآخر وبذلة زفاف ، ستكون صفعة مزدوجة حينها .. سيكون هدّ ما تبقى من ثباتكم الانفعالي الذي تجاهدون لتحافظوا عليه أمامي وقد سدد إليكم الضربة القاضية انقبض قلب تاچ أثر جملتها وقد وقع الشك بقلبها وتخشى أن يكون احتمالها صحيحاً بالطبع فألب قد فعلها ! إن كان ألب والذي هو ألب قد فعلها ، فما بالكم بـ بيجاد ؟!! ولكن هذه التي أمامها لم تتوقف عن بث سمها فأعطتها الصفعة الأخيرة لتعلن نتيجة معركتهما الكلمية التي باءت بالفشل الذريع لتاچ وإحراز الهدف الثاني في حربهما لصالح حلا مردفة بـ خبث : _ أوه عذراً ، لقد نسيت أفضالك على هذه العائلة تاچ ، كيف يكون بيجاد من سـ يسدد لهم الضربة القاضية في ظل وجودك أنتِ وظافر العزيز ؟! لا زالت الضربة القاضية لم تأتي بعد ، ولكن أعدكِ لم يعد عليها الكثير ابتعدت حلا عن باب المطبخ تاركةً إياها وصوت ضحكاتها الساخرة يصل تاچ مخترقاً صدرها بـ سهام غصة مؤلمة وهي أول من يفيقها لما قد تتسبب لأهلها به إن خرج هذا الأمر للنور وبان دبدبت تاچ بـ كلتا قدميها أرضاً وهي تصدر أنيناً مكتوماً تحاول التنفيث عن نيران روحها المحروقة ، داعيةً الله أن تلقى هذه المشؤومة ما تستحقه وقد تركتها كلمات حلا على جهة أخرى _بعيداً عن غيظها الذي أشعلته بداخلها_ في صراع من نوع آخر وقد بدأت لأول مرة منذ بدء علاقتها مع ظافر يراودها سؤال ، إن اضطرت يوماً لـ أن تتخير بين عائلتها التي تأمن في حضنها وفتحت عينيها على الدنيا لتجدهم أمامها يعطونها الحب والحنان والتربية دون انتظار مقابل ، وبين ظافر الذي دق قلبها له دوناً عن غيره لأول مرة والذي اختارته بـ حب ليكون شريكها في الحياة فـ من ستختار ؟؟ وما يثير السخرية أكثر أنها تسأل بالفعل ! وأنها تحاول المقارنة بين جبهتين لا يقارن أي عاقل بينهما لكنها ولغبائها وسذاجتها اتجاه ذاك المحتال تفعلها وتقارن بالفعل ! 🥀_____________________________🥀 كـ قطة محرومة من بيتها الدافئ طُردت للسقيع في منتصف الليل ، هكذا قد كانت .. وللأسف ليست هي فقط ، بل وقطتَين أُخرتَين واجهتا نفس المصير .. قد تتحمل هي ويلديز هذا الوضع ، لكن جسد وصحة الطفلة الصغيرة كيف له أن يتحمل كل هذه الضغوطات ؟ وخلال ليلة واحدة ؟.. _ الوغد لم يسمح لنا بالبقاء حتى الصباح حتى ريثما تأتي سيارات النقل لنقل الأثاث _ لم اتفاجأ يلديز ، هذا معتوه ليس لديه أدنى ذرة نخوة أو رجولة ، لا وكان يقول بكل ثقة أن أخي أوصاه بي .. واضح بالفعل أثر الوصاية .. فلتحمدي الله أنه سيسمح لنا بأخذ الأثاث ولم يفتعل بهذا الأمر مشاكل قالتها روڤان بصوت منهك حد الإغماء ، هي بالفعل تحتاج للراحة الآن من كل تلك الأحداث وإلا قد تقع مغشياً عليها منهما .. ولكن أين هذه الراحة ؟ أين مكانها وكيف سبيلها ؟ منذ سرقة بيتهم هذه الليلة ومن بعدها توالت الأحداث ، ما عادت تجد للراحة من سبيل ، فـ قد انقطعت عنها كل سبل الراحة ولم يتبقى لها سوى سبل الآلام ، كربة وراء كربة وراء أخرى حتى اشتدت عليها حد الاختناق الكربات ، تشعر نفسها كالجبل لتحَملها كل هذه الآلام ، هي لن تنهار مجدداً ، ستظل شامخة ولن تدفع بنفسها أبداً لأحضان الاستسلام ، لا يمكنها ويلديز وتقوى عليها معتمدتان شعرت روڤان برأس صغيرة تميل على كتفها فأخفضت رأسها وإذ بها تقوى على ذراعها تستند ويبدو أنها تريد النوم وتبحث عن الأمان ، بالطبع وهل هناك نوم يجدي نفعا دون أمان ؟ لا يوجد لكن أين هذا الأمان الذي ستهديه للطفلة ؟ هل فاقد الشئ يستطيع أن يعطيه ؟ بل حتى أين هذا الملجأ الذي ستؤوي الطفلة فيه ؟ أين ستنام ؟ المال الذي معها قليل ولا تدري إن كان سيكفي شيئاً أم لا ! رفعت روڤان رأسها لـ يلديز تستنجد بها أن تعينها في التفكير ؟ كيف ستتصرفان الآن ؟ لكنها فوجئت بـ يلديز تبتسم لها بهدوء محاولة طمأنتها ولا تدري من أي اتجاه ! أي اطمئنان تحاولين بثها إياه يلديز ؟ لقد تشردت ثلاثتكن وحدكن في الشوارع في منتصف الليل وحتى دون أي أموال !! وهنا كانت المفاجأة الأكبر التي لمعت لها عينا روڤان بأمل ، عندما وجدت يلديز تخرج من جيبها بضعة أموال وتمد بها أمام روڤان أجل بالطبع ! كيف نسيت الأمر ؟! مرتبها .. مرتبها الذي أعطاه لها تميم صباحاً واحتفظت به _ لحسن الحظ _ في جيبها منذ ذلك الحين .. سيكون وسيلة نجاة لهن من النوم في الشارع اليوم وربما لبضعة أيام رفعت روڤان عينيها إلى وجه يلديز البسّام بسعادة وهي لا تصدق نفسها أن هناك فرجاً أتى الليلة من أحد الاتجاهات .. فقد كانت شِبه فاقدة للأمل من أي فرج كان تناولت روڤان بعض الأموال من يلديز بعدها ولم تنتبه كلتاهما ولا حتى تقوى من ذاك المحرك وبالأخص المقنع الجالس عليه يراقب من بعيد ، ينتظر منذ رؤيته لهن أي صيد جديد ، لتزغلل الأموال في أيدي الفتاتين عينيه ويبتسم بـ مكر وطمع .. فـ يبدأ بتشغيل محرك الدراجة النارية ويهُبّ بالانطلاق ليسلب منهما مفتاح الفرج الوحيد في حوذتهما وبينما يلديز وروڤان منشغلتان في العد ، ما كادت روڤان تنطق بـ رقم المبلغ الذي بحوذتهن حتى وجدت من يمر على بعد سنتيمترات قليلة منهن على دراجة نارية يشد من يديهما ما استطاع من مال حتى سرق ما يقارب نصفه وتقطع بين يديه وأيدي الفتاتان بعضٌ من النصف الآخر .. ليمر من أمامهمن بـ لمح البصر قبل أن يستوعبن ما حدث .. بغتةً على غفلة منهن ودون سابق إنذار !.. نظرت روڤان إلى ظهر السارق المبتعد عنهن بـ ثغرٍ مفتوح و عينين مصدومتَين امتلأتا بالدموع ، لا تصدق أن هذا يحدث معها بالفعل ! .. ضاع الأمل الوحيد الذي كان سيؤويهن من النوم على أرصفة الشوارع .. ضاع في لمح البصر ولم تكد تفرح حتى به !! أخفضت روڤان رأسها أرضاً بـ عدم تصديق ووخزة مؤلمة أصابت قلبها بـ قوة ، والذي تقسم أنه ما عاد به مكان لم ينغرز فيه الليلة نصل الآلام ، حتى تربع كل ألمٍ منهم بداخل قلبها واحداً جوار الآخر مالئين إياه ، فـ ما عاد من مكان يسع المزيد من الصدمات ما عاد بـ قلبها ثغرة تتسع لـ ألمٍ جديد وهذا الشعور هو أقسى وأعلى مراحل الحزن .. لو تعلمون ، ويا ليتها هي ما علمته ، فـ ياله من شعور !.. أدارت روڤان وجهها ببطء نحو يلديز التي لم تكن في حال أفضل من حالها ، ولم تجد أيٌّ منهما ما تقول شعرت روڤان باشتداد قبضة الصغيرة على ذراعها بـ خوف تطلب الأمان نظرت روڤان لها بإشفاق تخلل داخلها حاولت أن لا تظهره في نظراتها للصغيرة لعدم جرح مشاعرها ازدردت روڤان ريقها محاولة استحضار ما بقي لها من الثبات ، لا هي لن تنهار رغم هذا ، ليس وقت الانهيار جلست روڤان مستندة على ركبتيها أرضاً قبالة الصغيرة محتضنة خدها الصغير في باطن كفها مستندة على كتفها بالكفّ الآخر _ لا تخافي صغيرتي ، لا شئ مخيف .. الرجل الشرير رحل _ أنا خائفة روڤان لا أريد البقاء في الشارع هكذا في منتصف الليل ، هنالك أناس سيئون يكونون في الشوارع بهذا الوقت .. فلنذهب إلى أي مكان رفعت روڤان رأسها باستدارة نحو يلديز ناظرة بحيرة ولم تجف دموعها بعد _ لا زالت لدينا بضعة أموال روڤان قالتها يلديز فأجابتها روڤان : _ لا تكفي شيئاً يلديز ، لقد سرق اللص الوغد نصفها وقطع النصف الآخر ، الباقي لا يكفي للبقاء في أي مكان صمت الفتاتان لثوانٍ قبل أن تستدرك روڤان نفسها والأموال التي في جيبها ، قد تكمل مع أموال يلديز ثمن بقاء ليلة واحدة في إحدى الفنادق القريبة نهضت روڤان فجأة عن الأرض وكأنها وجدت كنزاً تحت نظرات يلديز وتقوى المتعجبة أدخلت روڤان يدها في جيب فستانها الجانبيّ مخرجة بعض الورقات النقدية تناولت روڤان من يلديز ما معها من مال باقٍ وأخذت تعد ما معها وما مع يلديز ، بضعة ليرات من هنا على بضعة ليرات من هناك قد يكفي هذا القدر من المال رفعت روڤان عينيها لـ يلديز بـ بصيص أمل جديد : _ ما مع كِلَينا يكفي لبقائنا الليلة في إحدى الفنادق ، لكن للأسف الليلة فقط ، وبعدها لن يكون معنا حتى ثمن طعام أو شراب صمتت يلديز بـ حيرة قبل أن تردف وقد خطرت لها فكرة : _ أعرف أن هذا قد يحزنك ، ولكننا قد نقوم ببيع إحدى قطع الأثاث مضطرين ، هذا هو السبيل الوحيد للحصول على الأقل على الطعام والشراب ، ريثما نجد عملاً أنا وأنتِ .. أسأل الله أن يكون الأمر سهلاً _ يا رب ، أرجوا هذا ، لكن حتى إن اضطررنا لبيع قطعة أثاث يلديز ، هذا قد يكفينا للطعام والشراب فقط ، أين سننام ؟ تنهدت يلديز بـ عمق ولم تغفل عنها تلك النقطة ، لكن لا مجال للتفكير فيها الآن : _ الله يرسل رياحاً مغيثة تهون الكربات لحظة وقوعها وتربط على القلوب روڤان ، دعينا فيما نحن فيه الآن ، والقادم اتركيه لله ، سيحل لنا أمورنا إن شاء الله .. التفكير في البلاء قبل وقوعه لن يفيد بشئ ، فـ في لحظة البلاء ينزل الله مع بلاء العبد اللطف به ، سييسرها لنا إن شاء الله أثق بهذا ، لا تفكري بالأمر وترهقي نفسك لا حاجة لهذا ، لن تنالي من التفكير في هذا سوى آلام رأس وأوجاع نحن في غنىً عنها صمتت روڤان لثوانٍ قبل أن تومئ لها برأسها باستسلام ، كادت الفتيات يتحركن في طريقهن نحو إحدى الفنادق القريبة من المكان ، لكن خطرت لروڤان فكرة فجأةً فأوقفت يلديز ممسكة بذراعها هاتفة فجأة : _ يلديز انتظري التفتت لها يلديز متسائلة : _ ما الأمر ؟ _ نحن بحاجة لتوفير الأموال التي معنا بـ قدر المستطاع ، علينا أن نأخذ بالأسباب وإلا سيكون اسم هذا تواكل وليس توكل _ نعم أنتِ محقة ، لكن كيف سنوفر المال ؟ لا مكان نبات فيه غير الفندق _ لا .. بل هناك تساءلت يلديز بفضول عن هوية المكان من خلال نظراتها ، فوجئت بـ كلمة روڤان التالية : _ المَشفى اتسعت عينا يلديز وقد أدركت ما تقصد بالتحديد ، تبادلت بينها وبين تقوى النظرات التي فهمتها روڤان ، اقتربت يلديز من روڤان هامسة : _ هل تريدين من تقوى أن تبات بجوار جثة أخيها بالمشفى ؟ أَأنتِ مدركة لما تقولين روڤان ؟! _ أدرك يلديز ، أدرك هذا ولم أغفل عن أمر تقوى وأنا أول واحدة تتمنى لو لا نبات هناك لأنني لن أتحمل هذا الألم ، ولكن .. نحن مضطرون للأسف ، وإلا سـ نبات في الشارع غداً ، بياتنا في المشفى اليوم وفي الفندق غداً سيوفر لنا ليلتَين للمبيت في مكان آمن ، على عكس إن أنفقنا أموالنا كلها الليلة في فندق سنكون وفرنا لنفسنا بيات ليلة واحدة ، وغداً سنكون حائرتَين صمتت يلديز لثوانٍ تفكر ، تدرك أنها ستكون ليلة عصيبة أكثر من هذا عند بياتهن في المشفى بجوار جثة تميم ، ولكن بالفعل كلام روڤان هو الصواب تنهدت يلديز باستسلام مومئة برأسها ، بادلتها روڤان الإيماءة بدموع تجاهد للحفاظ عليها داخل عينيها ، أخفضت رأسها لتقوى التي كانت تستند برأسها على ذراعها بـ تعب وهي تجاهد النعاس ثم رفعت روڤان رأسها للسماء مغمضة عينيها وترتسم علامات بوادر البكاء على وجهها للمرة الألف ، أطبقت على شفتيها تحاول السيطرة على نفسها ولكن هيهات ، فـ فرّت دمعة غادرة من عينها متخذة الطريق على طول خدها كـ مجرى النهر أقسى من أقسى ليلة مرت عليها في عمرها كله ، طوال واحد وعشرين عاماً لم تتذوق كأس ابتلاء أشدّ مرارة من هذه لم تمشِ طوال حياتها في طُرق رمالُها أحرُّ من ذلك لم تشعر بضغوطات مؤلمة تدوس على قلبها حدّ الاختناق كما شعرت في ليلتها هذه آلام كرباتها ووخزات الألم ونصاله في قلبها ستُثقل كفة الميزان بجدارة إن وُضعت في الكفة الأخرى أي أوجاعٍ أو كرباتٍ مرت بها في حياتها بالكامل فـ باتت ليلةً عصيبة تعتصر الفؤاد جامعة خلال ليلة واحدة ما يكافئ آلام عامها الفائت ، لتصير ليلتها تلك .. بـ"عامٍ كامل" 🥀___________________________🥀 عند منتصف الليل ، وقتما يُفترض أن يكون أغلب سكان المنزل يغطون في سُبات عميق ، لكن ما يُسمَّى بـ"المفترض" لا وجود له في قاموس عائلتهم هذه الليلة ، فـ قد تحطمت كل القوانين ، وفوق رؤوسهم عدا فردٌ واحد ، لا يدري حتى الآن ما الذي جرى في البيت عند غيابه ، وبناءاً على جهله بما كان فـ قد اختار هذا التوقيت _الذي ظنه صائباً_ للتسلل إلى البيت فـ انفتحت إحدى النوافذ المتواجدة في أحد أركان البيت ببطء وهدوء ، لتظهر لـ من يتواجد داخل البيت وكأنها فُتحت من تلقاء نفسها ، لكن لحسن الحظ لا أحد رآها ظهرت يد ذاك المتسلل فجأة تتشبث بـ قاعدة النافذة ، ليضغط على يده بقوة في محاولة صعبة لرفع جسده للأعلى بدأت رأس بيجاد تظهر تدريجياً ومن ثم باقي جسده ، رفع قدمه للأعلى لتعبر النافذة إلى البيت من الداخل بينما ظلت الأخرى معلقة في الهواء بالخارج دقق بيجاد النظر وظلّ يتلفت يُمنةً ويُسرةً يتأكد من خُلُوّ الطريق ، نظر بيجاد إلى الأسفل يشير لإيمرة بأن الأمور على ما يرام ، تنهد إيمرة بارتياح وقد التقط أنفاسه أخيراً بعد أن كادت توشك على النفاذ من حبسها ، وضعهما بيجاد في موقف يحبس الأنفاس بالفعل ، يشعر أنهما سارقان يحاول أحدهما مساعدة الآخر على التسلل للبيت دون إصدار صوت ولفت الأنظار ، حمداً لله قد مرّ الأمر بسلام أو هكذا ظنّ تحرك إيمره نحو السلم الذي اشتراه بيجاد قبل قليل ليساعده على التسلق نحو النافذة ، واستوعب الآن فقط أن بيجاد قد صعد وترك مسؤولية السلم على عاتقه هو !.. هما لم يفكرا في كيفية تصرفهما فيه ويبدو بأن بيجاد قد نسي الأمر ، أين سيذهب هو بهذا السلم الطويل في منتصف الليل ؟ لقد تركه بيجاد عالقاً هنا ، وإن ترك السلم معلقاً هكذا فـ هذه مشكلة أخرى سُحقاً .. رفع إيمرة رأسه للأعلى ليجد بيجاد لم يعد ظاهراً منه سوى طرفه فقط ، لقد نجح في الصعود بالفعل تمتم إيمره بـ تذمر : _ أقسم بأن رأسك في عالم موازٍ بيجاد ، إلى متى سأظل أحمل همك هكذا وألملم وراءك ما تبعثره كالطفل الصغير ؟ أين سأذهب أنا بهذا السلم الآن ؟! بل حتى إن استطعت حمله للبيت فـ كيف سأدخله من الباب ! صمت إيمرة لثوانٍ قبل أن تضئ بعقله فكرة ما .. ابتسم إيمرة فخوراً بـ ذكائه قبل أن يحمل السلم متحركاً به نحو هدفه المنشود ، فـ بناءاً على معرفته جيداً لأركان هذا المنزل ، هو يعلم المكان المناسب لإخفائه بينما عند بيجاد في الأعلى لامست قدما بيجاد أخيراً أرضية المنزل ، دارت عيناه في المكان الـ"شبه مظلم" الذي لا إضاءة به سوى ضوء القمر المنبعث من النافذتين المتواجدتين ، كلٌّ منهما على حائط مختلف التفت بيجاد خلفه لإغلاق النافذة ببطء ، لكن رغماً عنه أصدرت صريراً مزعجاً تجمد بيجاد على أثره بـ صدمة ، فـ قد يوقظ الصوت أحداً الآن وتكون مشكلة التفت حوله بـ حذر لكن لا أثر لأحد ، تنهد براحة نسبية ، من ثم بدأ يتحرك دون صوت .. خطوة وراء الأخرى عبر بيجاد الممر حتى عبر من جانب المطبخ لكن أوقف تقدم سيره ظِل شئ لفت نظره ، أو ربما شخص هل هناك أحدٌ مستيقظ الآن ؟ أليسوا هذه الأسرة المحافظة على صحة أجسادها تنام باكراً وتستيقظ مع طلوع الشمس ، يحافظون على التمارين الرياضية ، الأكلات الصحية وهذه الأمور "المملة بالنسبة له" ؟! ما الذي قد يوقظ أحدهم الآن في هذا الوقت من الليل !؟ إما أن ما رآه ظل لصّ أو هناك كارثة ما ! عاد بيجاد خطوة للخلف ومال برأسه قليلاً يحاول استشفاف هوية صاحب الظل ليس رجلاً وبنفس الوقت هذه ليست هيئة والدته ولا هو طول تاچ ولا حجمها تبدو أنها ليست من ساكني البيت _ حرامية بنت ؟! الحرامية اتطوروا اوي ! همس بها بيجاد محدثاً نفسه بدهشة ، خاصة بعدما وجدها تفتح إحدى الخزائن تستخرج منها شيئاً لم تتضح له هويته بعد فكر بيجاد سريعاً وهو يتلفت حوله قبل أن تقع عيناه على شئ لمعت له عيناه ، اتسعت ابتسامة بيجاد وهو ينخفض وينهض سريعاً بعد أن أمسك بسلاحه المناسب _ شبشب ست الحبايب ، اما نشوف امي بيبقى احساسها ايه وهي بتجري ورانا بيه لما نضايقها ابتسم بيجاد بـ استمتاع وهو يتقدم خطوات هادئة إلى المطبخ دون صوت أو جذب انتباه ظل يتقدم خطواتٍ حتى صار خلف الفتاة تماماً ، قبل أن تحين اللحظة الحاسمة ويرفع خُفّ والدته في الهواء ومن ثم ... 🥀_________________________🥀 _ ربنا ينتقم منك يا حلا اشوف فيكِ يوم يا رب ربنا يسلط عليكِ واحد كدة يفضل يضربك بالشبشب على دماغك يضربك بالشبشب وانتِ تجري منه وهو يجري وراكِ وانتِ تجري وهو يجري وراكِ تاني زي ما امي بتعمل مع الصراصير في المطبخ كدة وانتِ تجري وهو يجري وراكِ وانا اقف اتفرج واضحك ويشفي غليلي منك يااا رب ، آآآآه يا حرقة دمي هموت واديلها علقة منها لله منها لله اشوف فيكِ يوم يا حلا الكلب انتِ يا رب تتسخطي صرصار بلاليع وتفضلي تتضربي بالشبشب يا بعيدة كانت تاچ منذ ولجت لغرفتها بعد آخر حديث لها مع حلا في المطبخ تدعو تارةً وتحسبن تارةً وتولول بـ خوف من عاقبة أمرها تارةً أخرى انتهت آخر كلمات تاچ في نفس الثانية مع ارتفاع اول صرخة في البيت انتفضت على أثرها عن سريرها ، نهضت تاچ سريعاً من مجلسها وهي تحدث نفسها بـ تعجب : هو انا دعيت كتير اوي كدة ؟! ركزت تاچ مع الصوت لتجد أنه صوت حلا وأنه يأتي على ما يبدو من جهة المطبخ ، ركضت سريعاً خارجة من غرفتها إلى حيث مصدر الصوت ، وما كادت تُثبت قدميها أمام باب المطبخ لتستوعب ما يحدث حتى شعرت بعاصفة تخرج منه أخلّت بتوازنها وكادت تُسقطها أرضاً استعادت تاچ توزانها سريعاً لتفتح ضوء الممر على عجلة وتنظر إلى ما يحدث وإذ به شقيقها يركض خلف حلا يحاول ضربها بـ خُفّ والدتها المنزليّ الذي تدري كيف هي الضربة الصادرة منه حق المعرفة فتحت تاچ فمها على اتساع وتكاد تفلت ضحكة مندهشة منها على ما يحدث ، لقد انتقم شقيقها لهم حقاً دون أن يفهم حتى من هذه ، هل ظنها لصّة أم ماذا ؟! يا الله الأمر مضحكٌ جداً بالنسبة لها ، عن حق .. هل دعوتها مستجابة إلى هذا الحدّ ؟ وقفت تاچ مربعة ذراعيها مستندة بأحدهما على الحائط تشاهد بابتسامة متشفية ، هذه الفتاة لم تفعل شيئاً منذ دخولها بيتهم إلا فرسها وتهديدها واستفزازها وقبل كل هذا استغلال شقيقها ومضايقة أمهم وسلب النوم من عينيّ باريش ، لكن يبدو بأن الله أَولى بيجاد مهمة أخذ حق ألب الذي ظلمته وحق فرسها لأمه وأبيه وفرسهم جميعاً .. ودون حتى أن يدرك بعد من هذه وما دورها أو سبب تواجدها هنا ! ظلت المطاردة قائمة بينهما تحت صراخ حلا وهتاف بيجاد بها : _ والله لاوريكي بقى جاية تسرقي اكلنا ؟! طب ما البيت فيه دهب ما تستنضفي يا معفنة _ قولي لشقيقكِ المعتوه أن يتوقف عن سبّي بالمصرية مستغلاً أني لا أفهم ما يقول ، أنا متأكدة من أن كل هذا الصياح فيه سبٌّ لي كبتت تاچ ضحكتها بصعوبة ، ربما كانت لتمسك شقيقها تضربه هو بـ خُفّ أمها بدلاً من حلا لو كان قال ما قاله بالتركية فـ هذا هو الغباء بذاته ، لن يكون من الجيد أن يفتح عينيّ حلا على أمور سرقة الذهب هذه ، هي تتوقع منها كل شئ فـ في النهاية هي دخلت بيتهم لأجل سلب الأموال أساساً وعندما تصل لهدفها سـ تَهمّ بالرحيل استمر صراخ حلا بالتركية وتوبيخ بيجاد بالعربية على أشُدّه حتى وجدت تاچ أفراد البيت يجتمعون حولهم واحداً وراء آخر ، ومن ضمنهم رامي الذي نزل من غرفته على سلّم الطابق العلويّ اعتدلت تاچ في وقفتها مستوعبة أخيراً أن هذه ستكون أول مواجهة بين رامي وبيجاد منذ عامَين فائتين _ بـيـجـاد ثبت بيجاد في مكانه للحظات وعقله يترجم من صاحب هذه النبرة ، تلاشى انفعاله عنه تلاشياً سريعاً گـ سرعة اختفاء غثاء السيل ، ناسياً أمر الفتاة التي كانت فكرة ضربها هي ما تشغل كل حواسه ، ملتفتاً بدلاً عن ذلك إلى مصدر صوت شقيقه تلاقت عينا بيجاد مع عينيّ رامي لثوانٍ لانت لها ملامح رامي ولم تنبث بها ملامح بيجاد بـ بنت شفة قبل أن يُسقط الخُفّ أرضاً ويصله عقبها صوت ألب اللائم بـ غضب : _ ايه اللي انت عملته ده يا بيجاد انت اتجننت ؟!! التفت بيجاد إلى ألب الواقف بجوار والدته وباريش ليجد الغضب عنوان عينيه ويدا الفتاة تتشبث بإحدى ذراعيه ، وينتبه بيجاد أخيراً لملامحها ويتفقدها للمرة الأولى منذ رؤيته لها في البيت ويشعر أن هذه الملامح ليست غريبة عليه ، عقد بيجاد حاجبيه قليلاً يحاول استيعاب الأمر وكيف تمسك هذه الفتاة بـ ذراع أخيه هكذا ، ولما هو بالذات وكيف يسمح هو لها !؟ وصلته إجابة تساؤلاته عقب صدورها في عقله في اللحظة التالية على الفور على لسان ألب "بالعربية التي تعلمها لحد كبير على مدار سنوات عيشه معهم ، قاصداً أن لا تفهم حلا مجرى حوارهم" : _ ازاي تعمل في مرات اخوك كدة ؟؟ ديه الطريقة اللي بتستقبلها بيها لأول مرة في بيتنا ؟؟ صعقت الصدمة كل حواسّ بيجاد والتي لم يُفضِّل إخفاءها بل أفصح عنها فوراً على هيئة صياح استنكاريّ : _ مـرات مـيـن ؟! ورغم أن حلا كانت تتشبث في ذراع ألب لكن عقل بيجاد لم يعطِ احتمالاً كهذا له ولو بعد ألف عامٍ ما كان ليعطي هكذا توقع ، بل عوضاً عن هذا التفت بيجاد بسرعة البرق لـ رامي ملقياً إليه نظرات الاتهام قبل أن يتقدم نحوه بخطوات سريعة واقفاً قبالته على السلم صائحاً بغضب اختتمه بـ سخرية لاذعة : _ بقى مكفاكش اللي انت عملته وقعدتك في مصر سنتين منشوفش وشك رجعتلنا بعروسة كمان ؟؟ ايه خلاص محيتنا من حياتك للدرجادي حتى فرحك مهانش عليك نحضره ونفرح معاك .. ده اللي بنطوله منك يا كبير يا قدوة ؟؟!! _ بـيجـاد احترم نفـسـك انـت ... صاح رامي بـ بيجاد بـ غضب من طريقة حديثه وكلامه معه فـ هو مهما حدث لا يزال شقيقه الأكبر ، غير أنه ليس هو من فعلها ، ولكن هتف ألب بما كان رامي يريد قوله بـ ثبات وثقة يُحسد عليهما موضحاً لبيجاد ما انسدل الستار أمام عينيه عنه ولم يتضح له بعد : _ ديه مش مرات رامي يا بـيجاد ، حـلا مـراتـي سقط قلب بيجاد أثر ضربة صادمة خارجة من فم ألب للمرة الثانية ولكن فاقت التي سبقتها استوعب بيجاد الفكرة تدريجياً قبل أن يلتفت لـ ألب برأسه ونص جسده هامساً بـ عدم تصديق لما يسمع : ايه !؟ حلّ الصمت لثوانٍ بينهم جميعاً قبل أن يهتف بيجاد يتأكد مما سمعه وعقله يأبى التصديق : _ مرات مين ؟!! أجابه ألب بـ ثقة ليكون بيجاد هو آخر من يصيبه ألب بتلك الذبحة التي أصابهم بها جميعاً : _ مراتي 🥀__________________________🥀 انتهى بـ حمد الله اللاڤندر الثالث أتمنى أن يكون نال إعجابكم آراؤكم تهمني أحبكم في الله ودمتم سالمين يا رب

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

لاڨاندري

المؤلف ArwaMahmoud38
2024/10/10 مستمرة
قائمة الفصول (15)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة