في أحد أحياء مدينة بورصة ، تركيا في صباح يومٍ مُشرق _ على عكس الأحداث السائدة بمنزلهم منذ أيام _ تسللت خيوط الشمس الذهبية من نافذة غرفته تداعب جفونه الصغيرة بحنان كأنها تواسيها عن دموعها التي ذرفتها طوال أيام ، أو لأكون أكثر دقة .. لأسابيع أشعة ذهبية انتقلت من مداعبتها جفونه مارّةً بباقي ملامحه تكتسيها بانسيابية جذابة لاقت بملامحه الممتزجة بين الرجولة التي بدأ يدرك معناها قبل أسابيع عندما أصبح هو رجل البيت في ظل مرض والده ، والبراءة التي تتخلل قلبه الصغير رغماً عنه ، تتمسك بها نبضاته غير متنازلة _ رغم الظروف _ عن حقها في طفولتها التي تريد لنفسها ولصاحب هذا القلب " رجل البيت الثاني الصغير " التنعم بها خاصة بالنظر لسنه الصغير فتح عينيه مرفرفاً بأهدابهما عدة مرات يحاول الاعتياد على أشعة الشمس التي قابلته فور فتحهما .. منبهه الداخلي هو من أيقظه ، ليست والدته كما كان معتاداً ، فهي لا تلبث تنال قسطاً من الراحة حتى تستيقظ مجدداً ليلاً بسبب مرض زوجها ، تحاول بذل قصارى جهدها لكي يشعر بالراحة ، لكن لمرضه رأيٌ آخر .. لهذا لم يعد يجد والدته توقظه في موعده المعتاد ، يخرج من غرفته فيجدها نائمة تحاول استراق بعض الساعات لتحصل على الطاقة لتستطيع إكمال اليوم المشحون لكنه أمسك عدة مرات بها وهي نائمة ، آثار الدموع تغطي وجهها .. كما هو حاله هو أيضاً وقت النوم ، ليته يستطيع انتزاع مرض والده من جذوره وإنهاء تلك الأيام الصعبة ، لكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه .. خرج رامي من باب غرفته متجهاً لأقرب غرفة قابلته ، غرفة شقيقته ، تاج صاحبة الربيع السابع فتح رامي الباب فتحة صغيرة بشعور أخ أكبر يهتم بإخوته الصغار .. رغم كونهم جميعاً صغاراً أدرك من انتظام أنفاسها أنها تغط في نوم عميق ، تقدم من سرير تلك النائمة الصغيرة ذات الملامح والتفاصيل البريئة التي يتخللها لطفٌ وطفولة كفيلة بأخذ قلب أيٍّ كان ، لكنه لمح آثار سريان نهر طويل على امتداد خدها ومثله على الخد المقابل ، ليدرك أنها كانت تبكي قبل نومها نظر لها بحزن وإشفاق فهي رغم صغر سنها لكن لا يخفى عنها بالطبع وضع والدها ، لم يكن بيده شئ يفعله لأي فرد من أفراد قلبه "عائلته" .. ولو كان بيده لفعل لذا لم يكن منه سوى أن مسح على وجه الصغيرة بيده متوسطة الحجم قبل أن يطبع على جبهتها قبلة حنونة ويخرج من الغرفة تلى غرفة تاج غرفة شقيقهما الأصغر ، والذي لا يعي بعد أي شئ من كل تلك الأحداث ، لكن هذا لا يلغي تأثره النفسي بها .. فـ بيجاد ذلك الطفل المشاغب الذي يتحرك في أرجاء المنزل يلعب هنا ويلهوا هناك ولا يستطيع أحد الامساك به إن ارتكب خطأً ما ، نظراً لقصر قامته التي لا تصل حتى لركبة تاج ليبدو بحجم الألعاب والدمى الصغيرة يستطيع الاختباء في أي مكان ، أصبح الآن طفلاً يحمل بقلبه وعلى تعابير وجهه وبكل جوارحه هموماً تكفي عائلة كاملة .. لقد انطفأ الطفل الذي كان يعطي وميضاً خاصاً لبيتهم .. انطفأ الطفل صاحب العامَين فما بالكم به هو !.. بل ما بالكم بأمهم ! .. يعلم جيداً أنهم مهما حملوا هماً فلن يقارَن أبداً بهمومها .. اطمأن رامي على شقيقه الصغير صاحب الملامح الصغيرة الباهتة والحاجبَين المعقودين انعقادة طفيفة ، يبدو أنه لم يقض ليلة هانئة .. مسح رامي على وجهه هو الآخر بحنان ، طابعاً قبلة دافئة على جبهة الطفل الصغيرة ، خارجاً من الغرفة يعلم غرفة من أتى الدور عليها .. أخذ رامي نفساً عميقاً ثم زفره محاولاً تنظيم أنفاسه المضطربة معلنة عن اقتراب المشهد الأكثر قساوة من بين الجميع .. تقدم رامي بخطوات مرتبكة باتجاه غرفة والديه ، ليطرق الباب عدة طرقات هادئة ، لكي لا يوقظ والده المريض ولا والدته المنهَكة في حال إن كانا ناما ، واللذان يعلم أنهما عانا طوال الليل ساهرَين وهم نِيام لكن صوت والدته المنهَك قد وصله من وراء الباب _ تعالى يا رامي لقد عرفت أنه هو دون أن يقول اسم الطارق أو تسمع صوته ، هو منذ أسابيع وهو يطرق عليهما الباب في نفس التوقيت ليطمئن عليهما خاصة على وضع والده الذي نال المرض من جسده ما ناله .. لذا لم يستغرب من معرفتها الطارق دون أن يقول فتح رامي الباب ببطء وحذر لينظر وإذ أن والده مستيقظ هو الآخر .. لمح طيف ابتسامة على وجهه جاهدت لترتسم على ملامحه بعد أن اعتادت طوال الأسابيع الماضية على رسم الألم .. لاحظ فتح ولده الباب بحذر وعيناه مثبتة على موضعه ، يحاول أن يفتحه دون إصدار صوت لكي لا يزعجه في حال كان نائماً .. ابتسم على هذا حقيقةً ، ليس هذا وحسْب .. هو طوال الأسابيع الماضية كان يراقب تصرفاته وتحركاته ، هو بالذات .. يحاول أن يصل لغرض معين يرضي قلبه قبل تسليم أمانته لله عزّ وجلّ وقد زرع رامي _ دون أن ينتبه _ هذه الطمأنينة في قلب والده في كل مرة يكون معه فيها ، لم يخيّب ظنه ولو لمرة واحدة ربما ثلاثة عشر عاماً كفيلة بزرع تعاليم الإسلام والمبادئ والقيم في قلب ولده لا تتزعزع ، خاصة إن كان والداه صالحَين فحينها ثلاثة عشر عاماً كفيلة بأن يصنعا _ بعون الله _ رجلاً رجلاً كفيلاً ومؤهَّلاً بحمل المسؤولية متى يقع على عاتقه حملها وتحت كل الظروف أشار محمد _ والد رامي _ لولده بالدخول ، سينتهز النفس المتبقي في رئتيه لإخراج مكنونات قلبه ووصاياه لرجل البيت الثاني .. والذي يعلم أنه عما قريب سيصبح الأول طلب محمد من رباب بلطف أن تتركه مع ولدهما وحدهما ، محدثاً إياها بنظرة عاشقة يحاول أن لا يحرمها منها قبل لحظة موته ، لو كان يعلم أنه سيتركها باكراً هكذا لما توانى للحظة عن بثها حبه لها .. في الواقع لما تخلى عن لحظة سانحة لـ يبث أسرته بل عائلته بأكملها حنانه وتعبيره عن حبه لهم .. لكن العمر يمر بلحظة .. صدق رسول الله عندما قال أن الدنيا عند الله لا تساوي جناح بعوضة .. إنها بالفعل أبسط مما نتخيل ، وفقدانها في غمضة عين أسهل مما نتخيل أمام قدرة القادر لكن أهم شئ ، والذي سيُبقي أثرك بها ، أثرك الذي يتذكرك به الناس ويدعون لك _ ولا تدري كم ستكون بحاجة لدعائهم هذا وأنت تحت التراب _ هو الأثر الطيب ، وأهم طِيب أثر يجب أن تتركه هو حبك الصادق لعائلتك ، ليس الحب المدفون بين طيات القلب خلف الضلوع .. بل الحُب الذي تعبر عنه بأفعالك ، نظراتك الدافئة وكلماتك .. فـ هُم أولى الناس أمام الله بك ، حبك وحنانك إن كنت تقرأ هذه الكلمات الآن فأنت في نعمة عظيمة .. لا زال أمامك وقتٌ إذاً لتعويض الوقت الذي ضيعته بعيداً عنهم ، دون أن تغمرهم بـ حبك وحنانك .. لا تفلت الفرصة لكي لا تكون نادماً عندما تأتي لحظة تسليم الأمانة إلى خالقها ألا وهي "الروح" تلألأت الدموع بزرقاوتيّ رباب وقد أدركت غرض حبيبها ، يريد توصية ابنهما عليها وعلى إخوته ، يريد بثه كلمات يزرع بها الشعور بالمسؤولية داخله ، مما جعلها تدرك إحساسه من أن خسارته أمام المرض باتت قريبة ، لكنّ خسارة الروح للتقيّ الذي يجئ الله بـ قلب سليم هي في حد ذاتها انتصار جديد الفئة الأوحد .. التي تكون خسارة روحها هي أكبر انتصار لها ، تكون خسارة روحها إعلاناً عن انتصارها في الاختبار الذي يعَد الحد الفاصل بين النعيم والجحيم .. ألا وهو "الدنيا" خسارة روحهم تعَد بـ حد ذاتها تعويضاً عن نطقهم بجملة "انا فُزت .. نعم فُزت في اختبار الدنيا الكاذبة ذاك .. وانا الآن في الطريق لاستلام الجائزة والتي هي أعظم الانتصارات" ووقتها يكون قول الله عز وجل : يا أيتها النفس "المطمئنة" ارجعي إلى ربك "راضية" "مرضية" فادخلي في عبادي وادخلي "جنتي" هو الوصف الأجمل لحالتك ، ولا وصف مطمئِناً لك يمنحك السكينة ويمنحها لأحبتك أدق ولا أحنّ من ذلك خرجت رباب من الغرفة مغلقة الباب ، أشار محمد لابنه بالجلوس على السرير قبالته فامتثل رامي لطلبه أخذ نفساً عميقاً ثم أخرجه مفصحاً عن مكنوناته بشكل يحاول أن لا يخيف به ابنه عليه الذي لم يتجاوز الثالثة عشرة من عمره بعد ، لكي لا يحمّله فوق طاقته ، ولا يحدثه بأسلوب يفوق قدرات استيعاب الصغير : _ رامي .. ابني حبيبي واول فرحتي .. انا يوم ما مامتك ولدتك وعرفت انك ولد قطعت وعد بيني وبين ربنا عليك ان ليك عليا اخليك راجل ، واخليك تستاهل كلمة راجل ، مش مجرد كلمة في بطاقة وخلاص .. راجل بدينك وأخلاقك وقلبك وبكل ما فيك ، راجل يملى العين ، راجل يوم ما بنت تدخل قلبه هتبقى تاج راسه زي ما مامتك تاج راسي ، وراجل يخليني انا وامه نفخر بيه ونقول للناس كلها وراسنا مرفوع ايوة ده ابننا ، ده المعنى الحقيقي لقرة عيني وعينها .. نفس الوعد قطعته جوايا يوم ما بيجاد اخوك جه نوّر بيتنا ، لما تاج هي اللي نورت بقى كان وعد مختلف طبعاً ، وعدت ربنا جوايا ان طول ما النفس فيا هعيشها اميرة ، اميرة كل طلباتها مجابة طول ما في مقدوري اعملهالها ، تبقى اميرتي الصغيرة بدلالها وبرائتها وانوثتها .. مش بس دول في الاهم من كدة .. تبقى اميرتي وتاج راسي بصلاحها وإيمانها وجمال قلبها ، اميرة لما تتجوز ويبقى ليها زوج واولاد تشيلهم جوا عينيها وتخاف ربنا فيهم .. ويمكن علشان كدة قلبي اختارلها اسم تاج ، لإني كنت واثق في ربنا ثم في مامتها ان بنتنا ديه هتبقى من الصالحات ، اللي ربنا وعد ان اللي هيُنشئ واحدة منهم النشأة ديه هيتحرّم علشانها وبسببها في الآخرة عن جسده النار ، سواء الأم او الأب ، لذلك كنت متيقن جوايا ان في يوم ما البنت ديه تكبر وتتم تعاليم دينها وتربيتها هتبقى عِتقي انا ومامتها من النار ، هتبقى تاج راسنا ولذلك سميتها تاج .. اسمع يابني ، انا سبق وقولتلك قبل كدة وقولتلكم كلكم تتوقعوا اني اسيبكم في اي وقت واي لحظة ، مش بخوفكم والله ولا بخضكم عليا أبداً.. بالعكس انا قولتلكم كدة علشان لما يحصل وروحي تسيبكم وتطلع للي خلقها متبقوش مخضوضين ، خايفين وحاسين ان كدة الدنيا قفلت في وشكم .. لازم تتهيئوا نفسياً لـ اللحظة ديه ولذلك قولتلكم .. متبصيليش كدة ومتعيطش ، متعيطش يا حبيبي .. الحياة عمرها ما كانت ابدية ، كان الاولى تبقى ابدية لأشرف الخلق حبيبك النبي .. بس حتى هو لما ربنا خيره بين الحياة الابدية وبين انه ينتقل لجوار ربنا قال : بل الرفيقُ الأعلى اختيار سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في حد ذاته أكبر دليل ان الانتقال لجوار ربنا أفضل مليون مرة من الدنيا ، طبعا لو في حالة متت وانت ربنا راضي عنك .. لذلك انا مش زعلان ، ومش عايزكم تزعلوا ، انا رايح للي احسن مني ومنكم كمان ومن الدنيا كلها .. رامي متسائلاً باستغراب بعد أن غطت دموعه خدّيه ولم يستوعب عقله الصغير بعد حالة الاطمئنان التي يتحدث بها والده ، وقد تعسّر عليه فهم الأمر : _ هو حضرتك مش خايف من الموت يا بابا ؟ انا بخاف ابتسم محمد بحنان ثم أكمل يفهم ابنه : _ لما يبقى ليك اعمال تليق انك تقابل بيها ربنا وواثق فيه وفي ان رحمته بتسبق غضبه فساعتها مش هيفضل في قلبك ذرة خوف .. انا عملت حاجات كتير في حياتي يا رامي مخلياني إلى حد كبير متطمن على نفسي ، شيلت امي وابويا في مرضهم وكنت بحاول دايماً اوفرلهم اكبر قدر من الراحة واشيل عنهم اي عناء .. كنت بصِل رحمي وبتقي الله في مراتي وطول فترة حياتي اللي عيشتها مع ولادي كنت في كل لحظة بقضيها معاهم برا شغلي بحاول اربيهم احسن تربية واعلمهم حاجة ينتفعوا وينفعوا بيها ، رغم اني عارف ان والدتكم مش مقصرة بس كنت عاوز يبقى ليا دور في تربيتكم رغم كدة .. وحاجات تانية كتير خبايا بيني وبين ربنا .. ولذلك ولله الحمد مش خايف على نفسي ، انا واثق في رحمة ربنا انه كل ده عنده مش بيضيع ، ولذلك انا فرحان .. مش عاوزكم انتم بقى تزعلوا .. انا بس فيه شوية حاجات لازم اقولهالك يا رامي عشان ابقى ماشي وانا مش شايل هم سكت الأب قليلاً يستجمع ما يقول ليحاول ايصاله لابنه بطريقة تليق بسنه ، فأردف رامي وهو يمسح دموعه عن خديه : _ اتفضل يا بابا أخذ محمد نفساً عميقاً ثم أخرجه ببطء مردفاً : _ انت اكتر واحد انا اقدر اعتمد عليه يا رامي .. انت كبير اخواتك يعني اكتر واحد عاش معايا فيهم واكتر واحد شرب مني ومن كلامي وتعليمي له كتير .. ثم أكمل بمداعبة لطيفة : _ اقولك على سر ؟ أومأ رامي فأكمل محمد مردفاً : _ انا كنت براقب كل افعالك وكلامك وكل تصرفاتك الاسابيع اللي فاتت رامي باستغراب : _ ليه ؟ فقال : _ رامي .. انا سايب العيلة ديه وانا معتمد عليك يا بطل ، انا عارف انك مش هتخيّب ظني فيك .. حاجات كتير وتفاصيل صغيرة لاحظتها في تصرفاتك طول الاسابيع اللي فاتت بتقولي ان رغم صغر سنك بس متربي احسن تربية ، ووقت ما تتحط في المسؤولية هتبقى بـ١٠٠ راجل .. انا كنت دايماً بقول عليك راجل البيت التاني .. جه الوقت اسلمك الراية عشان تبقى الاول وانا عارف انك قدها .. انت عيشت معايا فترة كبيرة من عمرك وكان ليها اهمية كبيرة في تربيتك ، صنعتلك ذكرايات كتير حلوة الحمد لله .. اخواتك ملحقوش بالذات بيجاد ، هيبقوا مفتقدين للأب يا رامي ، وانا عايزك انت تقوم بالدور ده .. واي حاجة مهما كانت صغيرة اتعلمتها مني يا رامي علمهالهم ، انا معتمد عليك تكون اخ واب ليهم ، متسيبش المسؤولية على مامتك لوحدها يا حبيبي ، ديه من اهم صفات الراجل علشان تبقى عارف ، في ظل وجوده ميخليش سواء امه او اخته او بنته او مراته او اي بنت تشيل حمل تقيل لوحدها ، لازم يبقى ضهر وسند ووتد ليها ، وانت لازم تبقى كدة ، بقى عليك مسؤولية امك واختك واخوك الصغير اللي مكملش سنتين ، كنت انا اللي شايل المسؤولية ديه ودلوقتي ده دورك ، وصِلة رحمك يا رامي ، اعمامك وعمتك متنساهومش ، وخالاتك واخوالك .. صِلة رحمك بشكل عام اوعى تنساها .. ومتنساش ، انا سايب الاسرة ديه وانا معتمد على ربنا ، ثم عليك انك هتبقى راجلهم ، انت اللي هتعوضهم وجودي .. بقدر المستطاع يا حبيبي .. وانا واثق ان اخواتك لما يكبروا ويحسوا انهم محتاجينلي وميلاقونيش هيدوّروا عليا فيك .. خليك فاكر الكلمتين دول كويس كلماتٌ في الصميم تمركزت وتربعت في قلب ابنه .. طوال حوارهما لم يدرك أنه بكل كلمة والتي تليها حفر بطفله أساسيات لن يتجاوزها طوال حياته .. لم يدرك أن كل حرف ينطق به ليس فقط يلقيه على مسامع الصغير بل هي بمثابة حروف تُكتب على الحاسوب تُحفظ بالنص وتظل في الذاكرة لأجلٍ غير مسمىً ، بل غير قابلة للمحو كانت الدموع تنهال على خديّ الصغير دون توقف ، اضطراب بل زلزلة أصابت قلبه عقب حواره لم يشعر بها في حياته .. والده يُحمله مسؤولية اكبر مما كان يتخيّل ! يريد منه أن يعوّض غيابه ! يريد منه أن يكون سنداً لأمه وأخاً وأباً لإخوانه ! يريد منه ان يكون مكانه ! يريد لفتىً لم يتجاوز الثالثة عشرة من عمره أن يحمل مسؤولية رجلٍ تجاوز الأربعين !! بالله عليكم كيف سيفعلها ؟! .. لكن نظرات والده الواثقة به بل الواثقة تمام تمام الثقة تحرك بداخله شعوراً كبيراً ، تضئ بداخله شجاعة وثقة بالنفس لم يجرب لها مثيلاً .. نظرات واثقة تخبره أن والده يرى به ربما ما لا يراه هو بنفسه ملاحظته أيضاً إصرار والده في الحديث على كلمتيّ "رجل" ، "بطل" .. نظرته الواثقة والمعتمدة عليه بل والمطمئنة أنه سيكون أهلاً لهذا الأمر .. كلماته التي يبثه بها الشجاعة والإقدام .. كل هذا وذاك يُدخل لقلبه إحساساً لطيفاً يدغدغ داخله هامساً له أنه سيفعلها سيكون رجلاً يُعتمد عليه ، سيكون أهلاً لكل كلمة واثقة بثه إياها والده .. لا يعلم إن كان سيوفّي كل هذه الثقة حقها أم لا .. ولكنه يقسم على فعل كل المُستطاع .. كما أنه لن يسمح لأخويه أن يحسّا بالافتقار للأب .. سيكون هو أباً ، وأخاً ، وسنداً ، وملجأً آمنا يحميهم قدر المستطاع من نوائب الحياة ، كما كان سيفعل والده لو كان معهما ، سيستعين بالله وسينجح بإذن الله .. هو لها وأثناء انغماسه في أفكاره شعر بيد والده تحاوط خده في حضن كفها تمسح دموعه التي انسابت رغماً عنه وحتى دون أن يشعر بها ، ابتسم محمد بحنان فبادله رامي نفس الابتسامة نظرة دافئة في عينيّ ولده أخبرته للمرة الألف أنه يعتمد على الشخص الصحيح .. حنان نابع من قلبه يبثه الابن لأبيه ، ليشعر الأب وكأنما تبدلت الأدوار للحظات ، ابنه يحاول طمأنته بنظراته ؟ هذه الدنيا التافهة لا تساوي هذه النظرة الحنونة الخارجة من بين ثنايا الدفء في عينيه .. بثت لقلبه طمأنينة كبيرة ، ليس فقط لحنان ابنه عليه وانما لاستبشاره بالحنان الذي سيبثه لأمه وأخويه من بعده .. بل وبالتأكيد مستقبلاً ، زوجته وأولاده يوقن من الآن أن الفتاة التي ستملك قلبه ستكون ظفرت بانتصار عظيم .. ستكون ظفرت برجلٍ والرجال قليل وفجأة بدأت ملامح محمد بالتغيير ، انقبض قلب الصغير فجأة .. لتبدأ تلك الانقباضة في التزايد والارتعاب بعد اصدار والده صوتاً يصدر من جوفه يسمعه لأول مرة في حياته ، وقد أدرك أنه جاءت والده سكرة الموت نادى رامي على والدته سريعاً برعب دب في أوصاله وقد شعر أن كل شجاعته وثقته انهارت في لحظة بعد أن رأى أصعب مشهد في حياته دلفت والدته للغرفة ركضاً بل هرولة وقد أدركت ما هوية هذا الصوت .. مسحت على جبهة زوجها وحاولت إعطاءه بعض الماء ولكن الأمر لم يفلح ثوانٍ وهدأ الوضع ، فتح محمد عينيه ثم أردف بهدوء _ تاج وبيجاد .. عايز اشوفهم يا رباب أومأت رباب والدموع تتجمع بعينيها تجاهدان لعدم السقوط .. ذهبت رباب سريعاً إلى غرفة طفليها وأيقظتهما تقدم رامي من والده وعيناه لم تفلحا في إخفاء الدموع بهما ففاضتا ألماً .. عانق رامي والده بحنان ليشعر والده بدموع ابنه على عنقه وملابسه .. وصله صوته الباكي متحدثاً بعفوية وبمشاعر طفلٍ صغير ، يُقرّ أن هذا الطفل يحمل بداخله رجلاً صغيراً يُوثَق به سيكبر مع الوقت : اوعدك اني هبقى قد المسؤولية اللي اديتهالي يا بابا .. حضرتك سايب وراك راجل ، أوعى تخاف يا بابا أمانتك هشيلها في قلبي بوعدك .. ثم أكمل بما جعل والده يشعر كأنما تبدلت الأدوار ، ويبدو أنها بالفعل كذلك ، وأثبت له أن لا شئ يضيع عند الله وكل كلمة وكل فعلٍ تقوم به سيُرد لك يوماً ما : _ حضرتك وعدتني يوم ما اتولدت وعد ، وهو إنك تطلعني راجل ، دلوقتي جه دور الراجل ده هو اللي يوعدك .. إن أمانتك وكل حاجة سايبها وراك هتبقى في الحفظ والصون .. متخافش يا حبيبي .. انا بحبك يا بابا شعر رامي بابتسامة والده وبيده الحنونة تربت على ظهره بـ لطف ، فاتسعت ابتسامة الصغير هو الآخر ، لكن بحرقة وجد والدته تدلف إلى الغرفة بلهفة ومعها تاج وبيجاد .. لينهض من حضن والده ليأتي دور أخته وأخيه تاج وبيجاد وأمه في أكثر اللحظات التي تؤلم قلبه .. "لحظات الوداع" دقيقتان مرتا يرى بهما نظرات والده لهم جميعاً والتي اختلفت عن كل مرة .. نظرات يتأملهم بها وكأنه يودعهم .. نظرات لن ينساها طوال عمره .. ذابحة لقلبه بل و .. مهلكة ثوانٍ ووجدوا عينا والده تثبتان على موضع محدد أمامه ، ليست متوجهة لأي منهم ، بل عند نقطة ثابتة .. ليدرك أن ملك الموت ظهر له ، وأن اللحظة الفارقة في حياتهم قادمة وقد ثبت كلامه عندما سمعوا صوت والده يتحدث بخفوت قبل أن تغمض عيناه الغمضة الأخيرة : _ أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ثوانٍ فقط وعمّ الصمت .. فتحت رباب عينيها التي يترقرق بهما الدموع كأنها سحب تحمل أمطاراً غزيرة جاهدت على إخفائها ، لكن الأمر لم يفلح .. ليأخذ مجرىً نهريٌّ كبير طريقه على خدها وقابله نفس المجرى على الخد الآخر بينما عنده هو .. كان سيلٌ من الأمطار يُغرق خدّيه الصغيرين ، ناظراً بصدمة _حارقة لمن يراها في عينيه_ وبـ فم مفتوح غير مستوعب أنه لن يرى والده ثانية .. غير مستوعب أيضاً أنه الآن تحت الأمر الواقع وحان وقت حمله هو للراية عِوضاً عنه ، لا يدرك ما الذي سيقابله في حياته القادمة بدونه .. لكن ستدركون أنتم برفقته فيما بعد .. 🥀________________________🥀 بعد ثلاثة أسابيع على إحدى طرق الحيّ ، في مدينة بورصة يحمل رامي متطلبات البيت في عدة أكياس ويتجه بها نحو بيتهم .. مرت ثلاثة أسابيع على وفاة والده الحبيب رحمه الله .. أصعب ثلاثة أسابيع في حياته قد مرت .. هذا ما يهوّن عليه ولو قليلاً .. كانت تلك أصعب فترة .. وقد مرت بكل ما بها .. يرجو من الله أن يكون القادم أخفّ وأيسر .. وجهٌ غلفه الإرهاق ، هكذا كان هو .. رفع وجهه عن الأرض ناظراً لأعلى ليقابله وجه "ألب" ابن جارهم "باريش" .. توقف ألب عن لعب الكرة مع الأطفال ووقف ناظراً إلى رامي ، طالعه بابتسامةٍ حنونٍ صادقة يحاول مواساته ألب من سنّ رامي .. كما أنه أخٌ له في الرضاعة ، فوالدته انفصلت عن والده قبل أن تتم رضاعته ، لهذا ليس لألب إخوة سواه هو وتاج وبيجاد ، لا يحب في الحيّ أصدقاءً بقدر ثلاثتهم ، وبشكلٍ أخصّ رامي يعطيه قيمةً كبيرة ، لاطالما كان رامي أخاً حنوناً لأطفال الحيّ كلهم ، هو محظوظ بوجود رابط حقيقيٍّ بينهما ، يحمد الله الذي جعل من نصيبه رامي أخاً له بالذات في ظل عدم وجود اخوةٍ له من نفس الرحم ومن والدته أمّاً حنونًا له في ظل افتقاره لحضن والدته بادل رامي ألب الابتسامة ، لكنّ رسمتها على وجه ألب البشوش لا تقارَن بها على وجه رامي المستاء .. شعر ألب بغصة مؤلمة في قلبه الصغير وهو يستشعر الابتسامة المكسورة في مرآة عينيه .. طوال الأسابيع الماضية حاول معه ، حاول إخراجه من حالته لكن يبدو أن لم يعد هنالك من سبيل .. لقد فقد أمله .. صراحةً لم تطرق مسامع رامي عن والدة ألب كلاماً خيراً كثيراً ، لكنه لا يهتم ، إنه بخير بدونها وهذا المهم .. أو ربما هكذا كان يظنّ على كلٍّ .. لا تستطيع والدة رامي الخروج من البيت لأن عدّتها لم تنتهِ بعد ، لذا يتكفل هو بكل احتياجاتهم ، يبدأ يومه صباحاً بالخروج للتسوّق ، بعد عودته يستريح قليلاً _ ظاهرياً _ حتى تُعد والدته الطعام .. ولكي لا يحمّل أمه فوق طاقتها ، ولكي يخفف عنها قدر المستطاع _ كما وعد والده _ يتكفل هو برعاية أخويه بغرفته باقي اليوم .. يأتي المساء فتأخذهما والدتهم لغرفهما ، فتطئن على صغارها الثلاثة قبل أن يغطوا في نوم عميق .. إنه يعترف أنه يمثل عليها لكي لا تحمل همه .. هو لا ينام ويعلم أنها على نفس الحال وقف رامي أمام باب بيتهم بوجهٍ يحمل بين ملامحه ونظرة عينيه آلاماً نفسيةً وليست جسدية .. وما أقساها من آلام .. فتحت والدته الباب فدلف هو معطياً إياها الأكياس ، فشكرت رباب صغيرها .. ليبتسم لها بإرهاق قبل أن يلتفت ليعود لغرفته لكنه لم يكد يتحرك خطوة حتى أوقفته رباب واضعة يدها على كتفه وقد جلست على ركبتيها أرضاً لتكون في نفس طوله ، متحدثة معه بحنان يفيض من زرقاوتيها ويزين نبرة صوتها : _ رامي ، انا حاسة ان انت بتحمّل نفسك فوق طاقتك يا حبيبي .. من يوم ما بابا اتوفّى وانت عينيك منزلتش دموع .. طيب وقلبك يا رامي ؟ _ بيبكي دم يا ماما أردف بها رامي وهو يمنع دموعه من الظهور رغم نبرة صوته الصغيرة المذبوحة ، شهقت رباب وقد انقبض قلبها عقب جملة طفلها فضمته لحضنها قائلة بينما دموعها تنهال على ثيابه : _ طيب وليه كدة يا رامي ؟ .. ليه تكتم جواك ما تتكلم معايا وعبّر متسكتش .. رامي احنا هنشيل المسؤولية ديه سوا بوعدك وانا قبل منك دايماً متفتكرش انك مسؤول لوحدك باباك مكانش يقصد كدة _ عارف ، ومش خايف ومش زعلان عشان كدة .. انا زعلان إني معنتش هشوف بابا .. وخايف على اخواتي وخايف من المستقبل من غيره _ ليه خايف ؟ هو المستقبل ده اللي بيتحكم فيه بابا ولا ربنا ؟ _ ربنا طبعاً .. بابا ممكن يبقى وسيلة _ وربنا لما بيعوز حاجة بيسخر الكون كله عشان تتحقق .. رزقك وتوفيقك اللي ربنا كاتبهوملك مربوطين بيك ومش هيروحوا لحد غيرك ، هما مخلوقين علشانك .. لازم تثق في ربنا أكتر من كدة ، ربنا عالم بيك ومش هيسيبك وهيعوضك يا رامي ، خليك واثق من كلامي وبكرة هتقول ماما قالت ابتعد رامي عن والدته مردفاً بابتسامة متعبة : _ هيعوضني وابقى طيار ؟ رباب بابتسامة : _ هيعوضك بالحاجة اللي هو عليم انها هتبقى عوضك بـ حق وحقيقي يا رامي .. مش شرط بتخطيطاتنا احنا .. ساعات تخطيطاتنا بيبقى فيها هلاكنا .. بس انا حاسة ان انت هتبقى حاجة كبيرة اوي يا رامي .. هتبقى غير اي حد .. ومش زي حد .. خد بالك قلب الام محلّ ثقة .. ثق فيا وبكرة هنشوف كلنا رامي العماوي هيبقى ايه قالت الأخيرة وهي تغمز له بعينها بمشاغبة تحاول إضحاكه ، لترتسم ابتسامة على وجه رامي لم تشق طريقها على وجهه بهذا الشكل منذ دهر .. ابتسامة ضاحكة ، مستبشرة شدت رباب بحنان على كتف صغيرها مؤازرة : _ ايه رأيك تطلع تتمشى شوية .. متحبسش نفسك في اوضتك كدة انت مبقيتش تخرج منها غير عشان تشتري طلبات .. حتى اخواتك لما بتقعد معاهم بتقعد معاهم فيها .. اطلع شم شوية هوا ارتسمت علامات عدم الرضا على وجه رامي ، لكن والدته لم تعطه فرصةً للاعتراض فأردفت سريعاً بإصرار : _ متعترضش يا رامي وإلا هزعل منك ، يلا .. جايز تلاقي ضالتك برا تنهد رامي باستسلام قبل أن يومئ برأسه لها مع كونه لم يفهم آخر جملة .. كيف سيجد ضالته وما يبحث عنه في الخارج ؟ ما الموجود في الخارج ؟ لكنه قلب الأم .. إنه نادراً ما يخطئ طبعت والدته قبلةً على خده فابتسم في وجهها قبل أن يتحرك خارجاً من البيت وهو يعلم وجهته .. مكانه المميز .. السهول الخضراء .. وهل هناك أجمل من سهول بورصة ؟ سار رامي على الطريق لدقائق قبل أن يصل لقمة إحدى السهول .. موقعه المفضل .. الطبيعة الخضراء التي تبث لداخلك ارتياحاً مميزاً ، نسمات الهواء تداعب تفاصيل وجهك بنعومة لتشعر بترطيبها القلب قبل الجسد ، وأخيراً قمة مرتفعة بعيدة عن الناس وعن ضجيج المدينة .. مكان مثاليّ .. على الأقل بالنسبة له جلس رامي على صفٍّ مستطيلٍ عالٍ نسبياً عن الأرض من الأحجار .. ظلت عيناه تتحرك بشرود ونظرات زائغة في المكان .. عقله يصوّر له كل الأحداث _ خلال الاسابيع الماضية _ يمررها بعقله تدريجياً كشرائط الافلام .. كلمات والده عن مسؤوليته التي باتت على عاتقه بعد موته تصفعه بقوة .. ولا زال سؤال في ذهنه منذ يومها حتى الآن ألا وهو .. كيف سيفعلها ؟! لا يعطيه الثقة بقدراته سوى ثقة والده المتناهية به .. تخبره بوضوح أنه أكبر مما يظن .. عقلاً وقلباً وقوة .. إصراره وعزيمته موجودتان تحتاجان فقط من يدعمها ، ولكن كيف سيوضح هذا لمن حوله فلا قدرة له على الكلام ؟ رفع نظره للسماء الزرقاء كعينيّ والدته .. يرجو من الله عوناً ، يناجيه دون صوت أنه في أمسّ الحاجة لمعجزة تحيي فيه الأمل وتقوّي عزيمته من جديد .. صوت بداخله ليس سوى "أحتاج مدداً يا الله" أخفض رامي بصره مجدداً متنهداً بعمق وعيناه لا تخفقان في إظهار غيومهما الرمادية المجتمعة بهما ، ظلامٌ قد غلفه بأكمله بداية من قلبه تعبّر عنه عيناه .. عينان مغلقتان نصفياً ليس رغبةً في النوم ولا تعباً جسدياً بقدر كونه انطفاء .. فـ أليس من سبيل يحيي فيه الروح من جديد بعد طول انقطاع ؟ وريثما يحرك بصره يميناً ويساراً ثبتت عيناه على وردة لاڤندر صغيرة تتجه نحوه .. لم يستطع تحديد وصفه أكانت فتاتاً ترتدي فستان لاڤندر أم زهرة لاڤندر صغيرة ترتدي فستان .. ولا يدري أطمئناناً أم استلطـافاً سكنت لها روحه وذهب عنه كل اضطراب .. كأن الكون قد توقف حتى نبضاته التائهة وأنفاسه المضطربة انتظمتا ولم يعد في الكون سواها معه تجلب لقلبه السكون كلما اقتربت .. إنها صغيرة جداً .. يبدو أنها لم تتعدى الرابعة بعد وقفت أمامه بعينين بريئتَين تطالعه وكأنها تستغرب انطفاء فتىً في سنه ، فـ عهدها بمن هم في عمره لا يحملون هموماً سوى دراستهم وباقي ايامهم يلعبون ويتسابقون .. فـ ما بال هذا المنطفئ الصغير ؟ بينما هو ارتسمت ابتسامة صغيرة لم يشعر بها كما لم يشعر بأيّ شئ من حولهما في تلك اللحظة .. لا بشر .. لا هموم .. لا ظلام .. بل نور دافئ لا يوجد به سوى كليهما طفلة صغيرة لا تتعدى قمة رأسها ركبتيه ولا يُقربه من مستواها سوى الجلوس .. بشرة بيضاء لم يرى من قبل مثلها .. كأن صبغة الميلانين عندها معدومة .. عينان بنيتان تفيضان بالبراءة .. شعرٌ برتقاليٌّ ينزل على وجهها الناعم وفستانها بانسيابية جميلة ، بينما فستانها كان عبارة عن زهور لاڤندر طبيعية ، فستان يستطيع القول أن أقل ما يقال على مفصله أن يديه حاكتا الإبداع .. وعلى حدّ علمه بأن فساتين الزهور الطبيعية لا تباع في المحلات للخوف من ذبولها ، فهو ليس فستاناً جاهزاً .. يبدو أنه فُصّل خصيصاً لها __________________________________ *صبغة الميلانين صبغة داكنة توجد في الطبقة الأولى من طبقات البشرة ، زيادتها تزيد سمار الجلد وقلتها تزيد من بياضه __________________________________ حتى أن رائحة اللاڤندر _ التي يبدو أنه وقع في حبها بعد الآن _ تنبعث منها ، بالطبع ففستانها مصنوع من اللاڤندر .. كيف ستكون رائحة الصغيرة مع كل هذه الزهور ؟ كما أخبرَكم .. لم تكن سوى زهرة لاڤندر صغيرة تمشي على الأرض .. مشاعر بريئة اجتاحت قلبه عقب قدومها بدئاً بسكون قلبه وروحه لها ، مروراً بوقوفها أمامه متسائلة بنظراتها عن سبب حزنه _ مما أخذ قلبه ببراعة _ ووصولاً إلى مظهرها اللطيف ذاك نزلت عيناه إلى حجرين صغيرين ملونَين في يديها كأنهما بلورتان تخبئهما .. لم يلحق بالتفكير في هويتهما فجذبه عنهما إليها صوتها الذي منحه سبباً جديداً لزيادة سكونه واطمئنان قلبه إليها ، متحدثة بالتركية : _ هل أنت بخير ؟ لقد لاحظت رغم صغرها ملامحه التي هدأت وغادرها الظلام عند وقوفها أمامه .. وببراءة لم تفهم السبب .. يبدو أنه اطمأن عند رؤيتها .. هل يخاف الوحدة مثلها ؟ يبدو أن بينهما أمراً مشتركاً .. مرةً ضاعت من والديها وبقيت وحدها في إحدى السهول فشعرت بالخوف .. هي تفهم شعوره ، لن تتركه قبل أن يعثرا على والديه وجدته الصغيرة لا يزال محملقاً بها بابتسامة صغيرة دافئة اطمأنت لها .. لكن على عكسه فصِغر سنها لا يدفعها للتوقف عند تلك المشاعر ومحاولة كشف هويتها .. هي مطمئنة وحسب ، سعيدة به وله ولكونه مبتسماً لوجودها كررت عليه سؤالها الذي _ على حد علمها _ لم ينتبه له : _ ماذا بك ؟ ليجيبها بابتسامة نافياً وقد توقفت الدماء عن إسعاف جزء الذاكرة عنده تقريباً فنسي ما به : _ لا شئ _ لكنك حزين ، هل فقدت والديك ؟ ورغم أن قصدها البرئ كان " هل أنت تائه عنهما " لتساعده لكنها أيقظت جرحه بقوة .. عاد الألم ينساب لعينيه ولم تبخل نظراته عن التعبير ، ومع حفاظه على ابتسامته المطمئنّة لها ارتسمت على وجهه ابتسامة مذبوحة آلمها قلبها من تعابير وجهه التي انقلبت في ثانية عقب سؤالها ، إنه حزين أكثر مما كانت تتخيل .. لكن معها ما قد يساعده وصلها صوته : _ فقدت والدِي فهمت تقريباً مقصده فتساءلت ببراءة : _ ألم يعد موجوداً ؟ _ لا _ هل هو عند الله ؟ أمي قالت لي أن جدتي هناك اتسعت ابتسامته قليلاً بحنان وهو يومئ برأسه ، فأردفت : _ لهذا أنتَ حزين ؟ لا تحزن .. لو كان والدك صالحاً فـ هو سعيدٌ الآن أجاب هو : _ أعرف ، لكنني أشتاق له .. كما أن ليَ أخوَين صغيرَين ترك لي مسؤوليتهما .. سيعتبرانني گ والدي لأنني كبيرهما .. أخاف أن لا أكون بقدر المسؤولية لم تستوعب كثيراً كلامه وكان يعلم أنها لن تفعل .. لـ من يشتكي ؟ إن كان هو لم يستوعب المسؤولية التي فوق عاتقيه إلا قبل أيام عندما صار تحت الأمر الواقع .. هل ستستوعب الطفلة ذات الربيع الرابع ؟ .. لقد وصل به الحال لوضعٍ مزرٍ ، يشتكي همه لفتاة في الرابعة _ يراها للمرة الاولى في حياته _ لا تفهم نصف حديثه وينتظر منها مناقشته نظرت له بحيرة فاستسلم لثوانٍ يائساً من فهمها عائداً الظلامُ لعينيه .. لم ينتشله منه سوى : _ لم أفهم كلامك .. لكن فهمت أنك مشتاق لوالدك .. وخائف نظر لها منتظراً باقي حديثها ، لتردف بما ألقته والدتها على مساعها من قبل : _ لا نستطيع فعل شئ للاشتياق لوالدك .. لكن تعلم أنك ستراه من جديد في الآخرة .. أما الخوف فيجب أن نغلبه .. قال رسولنا صلّ الله عليه وسلم : المؤمن القويّ خيرٌ وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف . وأكملت بكلامها الذي هو بالنص كلام والدتها تحفظه عن ظهر قلب : ردد الحوقلة دائماً فهي طلب للقوة من الله .. الخوف ضعف ، والشجاعة قوة .. يجب أن تقوى بالله لتصبح شجاعاً وتتغلب على خوفك كان يطالعها بإعجاب مندهشاً أن يخرج دواؤه من فم طفلة بهذا العمر ، يقسم أنه يشعرها أعقل منه .. ويبدو أن طبيبتنا الصغيرة لم تتوقف عند هذا فأكملت تمد له بحجر صغير من الحجرين اللذَين كانا في يدها وتدعو الله داخلها أن يرفع من معنوياته إهداؤه شيئاً ثميناً على قلبها كهذا ليكون لكلٍّ منهما واحد منه فيَسعد قلبه الحزين الذي لم يهُن على قلبها : _ والدي يحب السفر كثيراً داخل البلاد وخارجها ، يقوم باستخراج كنوز البحار ويحتفظ ببعضها ويبيع البعض الآخر .. أعطاني هاتين وقال لي أن أحافظ عليهما لأنهما ثمينتان جدًا التقط إحدَيهما منها وهو يتساءل _مستغرباً_ عن هويتهما : _ وما هما ؟ أردفت الطفلة بابتسامة طفولية توضح ما وضحه والدها لها : _ حجر قمر على شكل قلب .. حجر القمر عادةً ما يكون على شكل كرة ، مثل القمر بالضبط ولهذا سُمي على اسمه .. أما هذا على شكل قلب لذا فـ هو نادر الوجود .. لم يهُن على أبي بيعهما فهما جميلان جداً ، لذا أعطاني إياهما .. إنني احبهما جداً ، لم أحب حجراً من الاحجار الكريمة التي يجلبها والدي بقدر حبي لهاتين ، اعتقد انك تحتاج أحدهما .. واحد لي والآخر لك .. كلما ننظر إليهما سنتذكر بعضنا اتسعت ابتسامته ببهجة ونظر إلى الذي أعطته إياه وهو يقلّبه في يده بانبهار واضح والذي لم يرى حجراً في جماله منذ ولادته : _ ألن يغضب والدك منكِ ؟ أبقهما معكِ _ لا لن يغضب ، أبي يعطي قيمةً عظيمة للمشاعر ، إن علم لماذا أعطيته لك فـ لا اعتقد أنه سيغضب .. كما أنه مسافرٌ عما قريب لنفس المكان للبحث من جديد ، ربما يجد المزيد في تلك البقعة ، أبقه معك شعر ببهجة لم يجد لها مثيل في تلك اللحظة ، هذا أمر مميز جداً .. حجرا قمر على شكل قلب نادرا الوجود ثمينان على قلبها وذوا قيمة لها واحد منهما معها والآخر معه .. سيحافظ عليهما كلاهما لأجلٍ غير مسمىً ، لن ينسى أبداً هذه اللحظات ما دام حيّاً .. إنها ذات قيمة كبيرة بالنسبة له .. وصله صوت الصغيرة مجدداً : _ توجد أساطير عن ذلك الحجر ، حكاها لي والدي عندما أعطاني كلاهما .. هل تريد سماعها ؟ أومأ سريعاً بشغف وابتسامة ، رغم كونه يعلم أنها أساطير غير حقيقية بل حكايات متناقلة .. لكنه لن يضيع فرصة سماعها تروي له إحدى الحكايات ابتسمت الصغيرة بسعادة قبل أن تجلس بجواره على تلك الأحجار المصطفة القابع عليها ، لتبدأ قصها له باهتمام : _ إنها أساطير أي ليست حقيقية ، لكنني لاطالما أحببت الحكايات .. مثل أبي .. حجر القمر هو رمزٌ للحب لدى القدماء الإغريقيين .. ربما لشكله الذي يوحي بالحب بالفعل فمظهره وألوانه جميلان جداً كما ترى ، إنه من إبداع الخالق ، في الواقع هو ليس هكذا في الظلام ، في الظلام يشبه القمر بالضبط ، أبيضٌ دون ألوان ، لا تبدأ ألوانه في الظهور إلا تحت الضوء ، في أشعة الشمس مثلاً .. كانوا يقولون إن ارتدته المرأة كعقد فيمنع الاكتئاب ويجلب لها الحب ، وقالوا بأنه اثناء خسوف القمر يفرز حجر القمر الماء ، لذا ربطوه به .. الرومان اعتبروه نفس الشئ ، ربطوه بالقمر كذلك ، لقد تكهنوا أنه تكوّن من قطرات القمر ، واعتبروا امتلاك حجر القمر كامتلاك الخصائص المرتبطة تقليدياً بالقمر ألا وهي الحب والأحلام والعواطف .. فمثلاً الانسان عندما يقع في الحب يفكر بحبيبه عادة ليلاً .. تحت ضوء القمر .. العشاق يسهرون تحت ضوء القمر غالباً ، لكل هذا وذاك ربطوه بالحب .. احزان الإنسان كذلك تظهر اكثر ليلاً .. كذلك تحت ضوء القمر ، لذا ربطوه أيضاً بالعواطف والاحاسيس .. حتى الأحلام ، الانسان يحلم ويخطط ليلاً ليحاول التنفيذ في الصباح .. فربطوا حجر القمر كذلك بالأحلام أنهت كلامه فوجدته يطالعها باهتمام ، رغم أن بعض الكلمات وقعت منها في الطريق نظراً لصغر سنها فلم تكن تتحدث بكفاءة .. لكنه فهم المضمون .. وحتى لو لم يفهم .. لا يهم ، يكفي شغفها وصوتها وطريقتها الطفولية في الحديث ورَوي الحكاية .. يستطيع البقاء معها هنا حتى الصباح إن أرادت وكما تأتي الرياح بما لا تشتهيه السفن ، ابتسمت الصغيرة بما يشبه الاعتذار وكأنها قرأت أفكاره ، شبكت اصابعها الصغيرة معاً مردفة ببسمة : _ يجب أن أعود لوالداي .. لا بد أنهما قلقان اختفى النور الذي كان يحيط وجهه تدريجياً وقد أعادته لأرض الواقع بعنف .. لقد عزلته الدقائق التي بقاها معها عن العالم .. ألا يمكنها بقاء المزيد ؟ لكن وصله صوتها بما أضحكه مردفة ببراءة وقلق طفوليٍّ عليه لا تدّعيه : _ هل تعرف طريق البيت ؟ طالعها لثوانٍ ببسمة وحاجبين مرفوعين قبل أن تنفلت منه ضحكات خرجت بانطلاقة رغماً عنه ، من المفترض أن يسألها هو هذا السؤال .. لم يستطع المقاومة أمام ملامح وجهها القلقة .. يريد الاحتفاظ بها في جيبه بعد الآن .. هذه الصغيرة المشاغبة نظر لها رامي بـحنان سيكذب إن قال أنه اخويّاً .. لكنها مشاعر لا يستطيع تحديد هويتها بالضبط .. هو فقط وفقط يحبها .. تدغدغ داخله بدفئ ولطف حاملة أحاسيس لطيفة في مهدها .. ولا يدري إن كان لها فروع أم أن هذه نهايتها ، لكن .. وهل لبداية كهذه من نهاية ؟ نهضت الصغيرة من جواره واقفةً أمامه ، فانقبض قلبه خشية تركه بعد أن وجد فيها ضالته ، واستعاد في عينيها حياته ، ومع صوتها انسحب لعالم آخر ناسياً همومه .. الآن ستتركه ، هل سيعود بدونها كما كان ؟ ألا تشفق عليه وتأتي معه ؟ كانت الصغيرة تقف أمامه تنتظر الإجابة باهتمام وقلق فأردف يطمئنها ببسمة ضاحكة وحنان زاداه جاذبية ووسامة : _ لا تقلقي ، أعرف الطريق ثم أردف ويرجو بداخله لو توافق : _ أعرف الطريق وابقَيْ معي نظرت له الصغيرة باعتذار : _ انا اعتذر ، لكن والداي سيقلقان .. لا بد أنهما قلقان بالفعل الآن .. يجب أن أغادر .. لقد تركت لك تذكاراً ، إنه ذو قيمة كبيرة بالنسبة لي ، لا تضيّعه أردف بصدق : _ سأحافظ عليه بحياتي ، هذا وعدٌ مني لكِ تبسمت الصغيرة برضاً ، فأكمل رامي : _ أين أجدُك ؟ أجابت الصغيرة بطفولية : _ لست من هنا .. لقد أتينا من إحدى مزارع اللاڤندر الخاصة بأمي في قرية كويوجاك بإسبرطة .. مررنا إلى بورصة لزيارة بعض الأقارب ونحن عائدون غداً صباحاً إلى اسطنبول غطى اليأس ملامحه وكذلك ملامح الصغيرة .. إنها من اسطنبول وهو يعيش في بورصة .. ليس هنالك سبيل لـ اللقاء .. او هكذا ظنّ أردفت الصغيرة محاولة بثه الأمل : _ نحن نأتي إلى بورصة عدة مرات خلال العام ، ربما أجدك مجدداً .. هذا إن لم نعد إلى بلادنا _ لستم من هنا ؟ ولا نحن أيضاً .. من أين أنتم ؟ _ أنا مـ.. _ صغيرتي قطعت الفتاة كلامها على صوت والدتها آتٍ من خلفها ، التفتت لها مردفة لرامي باسمة : _ إنها أمي أومأ رامي برأسه ليعلم أن لحظة الفراق قد أتت ، أردف رامي بمرح وهو يرى أمها تحتضنها بقلق : _ وجدتني حزيناً فـ لم ترد تَركي نظرت هي لطفلتها باسمة بحنان ، طفلتها ذات القلب الكبير ، فليحفظها الله هذه الحنون الصغيرة تساءلت الأم : _ هل أنتَ بخير ؟ أجاب رامي باسماً بوجه بشوش على عكس حاله قبلها : _ أصبحت بخير .. بفضلها ابتسمت الأم بحنان وهي تومئ له برأسها فبادلها الإيماءة والبسمة البشوشة رغم حزنه الدفينة _الذي لم يظهره_ لذهابها _ هل تحتاج أيّ مساعدة ؟ سألته باهتمامٍ أمويٍّ صادق فحرك رأسه بالنفي شاكراً إياها مبتسماً لها بامتنان أمسكت الأم بيدها فتحركت معها الصغيرة عائدَتين للبيت ، التفتت الطفلة إليه معطية إياه بسمة ونظرة بشوشةً لن ينساها مدى الحياة ، كما أدخلت لقلبه بهجة كبيرة .. بادلها البسمة فأشارت له بيدها تودعه ومن ثم أشارت للحجر في يده أومأ لها رامي وقد فهم أنها تذكره بالحفاظ عليه ، ودعها ملوحاً بيده وابتسامته لا تفارقه _ لأجلها _ ولم يكن يعلم أنه ليس بوداع جزء من روحه يُنتزع ويذهب معها رافضاً العودة إلا بجوارها ، أهذا الذي أحسه معها هو شعور الاكتمال ؟ أحاسيس أخرى توهجت بداخله ، دقات لم يعرف لها من عنوانْ ، مشاعر في مهدها لا يعرف كيف ومتى جاءت وأنَّىٰٓ اجتاحت الفؤادْ ، أهذه نهاية قصة ؟ أم بداية قصة جديدة ؟ وهل لمثل هذين القلبَين من ابتعادْ ؟! 🥀____________________________🥀 انتهى بحمد الله اللاڤندر الاول 💜🥀 رأيكم ؟💜🥀 عزيزي القارئ ، هذه ليست إلا كما هو مكتوب "ومضات من الماضي" .. مواسم اللاڤندر الحقيقية في الطريق 💜🥀 أحبكم في الله ودمتم سالمين يا رب 💜🥀 #أروى_محمود_السعيد 💜? الصورتان اللتان وضعتهما لحجر القمر
ArwaMahmoud38