بلد بحرف الميم

بلد بحرف الميم

16 1

بسم الله صلّ على النبيّ بنيّة الصبر، والفرج، والنصر لإخواننا المستضعفين في فلسطين، وسوريا، والسودان، ولبنان وكل بقاع الأرض 𷀊 _ أريدكما أن تأخذا راحتكما ، لقد قضيتما أيامًا صعبة .. هذا البيت هو ملاذكما الآمن ، وعمتي "أمينة" لاطالما كانت _لأيٍّ كان_ الركن الدافئ والحدود الآمنة .. إن شاء الله تقضِيان أيامًا طيبة هنا ، وأسأل الله أن يكتمل إطار فرجكما ببيات تقوى بحضكما عمّا قريب قالها رامي وهو يقف بمنتصف غرفة الجلوس جوار عمته ، بعد أن ترك حقائبهما أرضًا تأملت روڤان المكان من حولها .. منزل مرموق جدًا ، بل ومبهج .. تشعر أن النور يشع من كل مكان بالبيت بشكل ينعش صدرك ، كما يبدو بأن عمته تحب اللون الأبيض ، فاللون كان طاغيًا على غالبية المنزل .. ويبدو عليه أن أصحابه من طبقة اجتماعية مرموقة ، ليست فاحشة الثراء ، بل مرموقة .. مثلهم أو أكثر منهم درجة .. هذا ما استنتجته للحظات الأولى هنا لكن ما اتفقت هي ويلديز عليه هو أنه منزل مبهج ، مشرق ، دافئ "معنويًّا" .. مثل صاحبته ووجهها يبدو أنها امرأة "كالسكرة" بالفعل كما قال رامي ، لم يكن يجامل _ نحن لا نعرف كيف نوفيكما حقكما .. لا تدريان حجم المعروف الذي أسديتماه لنا قالتها روڤان بامتنان واضح على تعابير وجهها ، فأجابتها المرأة الطيبة بابتسامة بشوشة : _ أي شكر يابنتي ؟ هذا واجب ، هذا فعلٌ طبيعي جدا لأي إنسان سويّ ، ونحن ولله الحمد أسوياء .. أريدكما أن تأخذا راحتكما ، جهزت لكما غرفة فيها كل سبل الراحة بإذن الله .. فراشان وثيران وأثاث نظيف ومكيّف كهربائي ودولاب كبير وثلاجة وكل شئ ، لو أخبرني رامي قبل ذلك بوقت طويل لفعلت أكثر من هذا ، لكنني لم ألحق خلال هذه النصف ساعة سوى بتنظيف غرفة الضيوف تلك وتغيير الفراشين لآخرين أكثر نظافة ونقل ثلاجة غرفة ابني لغرفتكما نظرت روڤان باندهاش في عينيها سرعان ما أخفته وهي تردد سرًّا "ما شاء الله تبارك الله" .. امرأة أربعينية لا بد أنها بدأت تعاني آلام الظهر والركبة استطاعت إنجاز كل هذا في نصف ساعة فقط .. وهي ذات العشرين عامًا عندما كانت تقف لغسل طبقين تقضي من الزمن ساعة ، وحتى تصل لوقت إنهائهما تكُون خارت قواها ! والمضحك في الأمر أنها نظرت لرامي عقب إنهاء كلامها نظرة معاتبة أنه لم يخبرها مبكرًا لتستطيع عمل أكثر من هذا .. ماذا كانت ستفعل بعد ؟ هل ستنقل تلفازًا لغرفتهما وتفرش الأرض وردًا ؟ وكان هذا ثاني انطباع أخذته عنها في هذه الدقائق القليلة .. إنها امرأة مضيافة حد البذخ .. وهذا زاد انجذابها واطمئنان قلبها لها _ لا لا ، كل هذا يكفي نحن لم نشأ إتعاب حضرتك أساسًا ، نشكركِ كثيرًا جدًا على قبولك لنا في بيتك وحسن ضيافتنا وجزاكِ والكابتن رامي عنا خير الجزاء تبسمت وابن أخيها على أثر كلام يلديز ، ثم استأذن رامي تاركًا لهنّ ، قائلًا أنه سيعود للسيارة التي ترك شقيقه فيها .. ليعود به للمنزل يبدو أن يومه هو الآخر كان شاقًّا وممتلئًا بالأحداث ، فقد بدى عليه الإرهاق كثيرًا ، تراهن من هيئته ونظراته الناعسة أنه سيعود لبيته ليرتمي على الفراش فيغُط في سبات رحل هو وتركهما وحدهما مع هذه العمة الطيبة لتقودهما لغرفتهما ، فتجدها روڤان كما تخيلتها ، دافئة ، وثيرة ، هادئة ، مرتبة ونظيفة .. إنها تضايفهن بشكل غاية في اللطف والاحتواء والحنان .. تبثهن مشاعر دافئة _مثلها_ تعبر عنها بأفعالها وأقوالها منذ وطأت قدماهما بيتها تشعر بالاستبشار حيال هذا ، تشعر أن القادم سيكون أجمل مما مضى ، وأن الحياة بدأت تبتسم لهنّ من جديد 🥀___________________________🥀 صباح اليوم التالي ، _ ما هذا ، هل تسمون هذا طعامًا ؟ هذه العوينات قلت أكثر من قلتها سابقًا .. هل تتبعون حِميةً أو شئ من هذا القبيل وأنا لا أعلم ؟ قالتها حلا بسخط واضح ، وهي تنظر إلى عوينات الإفطار التي لم تملأ نفسها الجائعة ولن تشبع معدتها _ الفضل يعود لزوجك ، علينا شكره وشكرك قالها باريش بحزم وهو يضع شوكته على الطاولة مخاطبًا حلا ، لتنظر الأخيرة باستنكار متسائلة : _ وكيف هذا ؟ _ زوجك تسبب لي بكارثة في عملي باستقالته التي ظللتي تحرنين عليها إلى أن نفذتها بانتصار جبان .. وضع فريقنا الآن غير مطمئن ، لا أعرف متى سنجد شخصًا ذا خبرة يتضامن معنا في العمل ويحل محله ، لإنه لا يمكن للعمل بهكذا وظيفة أي شخص والسلام ، لذا إيجاد شخص يملؤ هذه الوظيفة الشاغرة لن يكون بهذه السرعة .. وبالتالي لا أدري إن كنت سأحصل على مرتبي هذا الشهر أم لا ، من الأفضل لنا أن نقلل من الكميات التي نتناولها لكي يستمر مخزوننا معنا لأطول وقت ، فأنا لا أعلم ما القادم .. خطأ ألب سندفع ثمنه جميعًا وأولنا أنتِ ، وليس لديكِ حق الشكوى والسخط وأنا لن أمنحك إياه ، لن أسمع صوتك مجددًا تتحدثين في هذا الموضوع ، وأنتِ تعرفين جيدًا لماذا .. يا زوجة ابني ضغط على حروف كلماته الأخيرة ، فتلتزم حلا الصمت .. فهي فهمت من خلال فترة مكوثها في هذا المنزل أن كلمة باريش ليس من مصلحتك أن يكررها ، هو والابن الأكبر لكلماتهما ثُقلها في هذا البيت ، ويجب أن تُحترَم .. لذا لزمت الصمت على مضض تنهد باريش مطبق الفم بضيق واختناق ، ليطالع بعدها رامي متسائلًا بلغة الإشارة ما إذا كان أتمّ الموضوع الذي طلبه منه ، ليجيبه رامي آسفًا بصمت هو لم يلبث يوم ذهابه لمقر عمل أخيه الجديد بالجلوس وبدء الكلام حتى وصلته الصور على هاتفه من رقم ظافر المشؤوم ، والتي قضت على خلايا الذاكرة عنده وقتها منسيةً إياه سبب وجوده هنا من الأساس ، ونهض كالبركان ذاهبًا من أمام ألب قبل أن يشرح له حتى سبب براثن غضبه المشتعلة منذ ذاك اليوم وأمور كثيرة بحياتهم في هذا المنزل بدأت بالتغير للأسوء لم يكن مخطئًا حين قال بأن صفعة باريش لألب ستقلب كل الموازين ، وأن عاقبة هذا ستكون فوق رؤوسهم جميعًا 🥀_________________________🥀 _ كما قلتُ ، آنسة روڤان .. أنتِ غير مستوفية لشروط التبني ، على الأسرة التي ستأخذ الطفل أن تكون مكونة من أب يتكفل وأمّ ترعى .. الأسرة الصحيحة يجب أن تكون متكونة من ذكر وأنثى حتى يتحقق التوازن .. وأنتِ عزباء ، لذا لا يمكنكِ أخذها _ عن أي شروط تتحدثين ؟ هذه أختي .. أنا تركتنا هنا لفترة مؤقتة والآن سآخذها ، أنا لا أحتاج لشروط لأتبنى أختي _ مع الأسف .. هذه هي القواعد وهي تنطبق على الجميع ، وكونك أختها لن يغير شيئًا _ ولكن افهمينا .. تقوى ليست يتيمة .. والدها على قيد الحياة ، وأمها كذلك قالتها يلديز في محاولة إقناعها ، ولكن الفتاة أجابتها ببساطة : _ إذًا فليأتيا هما ويأخذاها _ ولكنهما مسافران لعلاج أبي ، أساسًا لو لم يكونا سافرا وتعرضت أنا لظروف صعبة لمَا فكرت بإحضارها لهنا .. والآن ظروفي قد زالت ، وتحسنت الأوضاع والحمد لله .. أنا لست امرأة غريبة لأحتاج لشروط لأخذها ، أنا أختها _ آسفة بشأنك ، ولكن .. كما قلت .. هذه قواعد صارمة لا يمكن تغييرها .. عليكِ أن تكوني متزوجة لتستطيعي أخذ تقوى ، غير هذا غير مسموح ، وإن أتت أسرة من أب وأم ذات أحوال مادية جيدة وليس لديهما أبناء غيرها ومستوفيان لكل الشروط ، فللأسف سنضطر لإعطاء تقوى لهم _ أنتِ ماذا تقولين ؟ صاحت بها روڤان وقد أفقدتها جملتها الأخيرة أعصابها ، أختها على وشك الضياع من بين يديها ولا تستطيع فعل شئ ، مقيَّدة الحركة _ أعرف أن كلامي موجع لحضرتك ، ولكن صدقيني أنا ليس بيدي شئ ، كما أن الملجأ هو حكومي ، أي أن القواعد آتية من الحكومة بنفسها وليس منا ولذا لا يمكن تغييرها _ ماذا تعنين ؟ أختي ضاعت مني للأبد ؟ _ لم أقل هذا .. يمكنك بزواجك أن تأتي إلى هنا وتأخذيها ، أو حل آخر .. أن يعود والداها أدمعت عينا روڤان بحسرة على ما وضعت أختها فيه ، لقد ورطتها بالفعل ولا تقدر على فعل شئ لها شعرت روڤان بدقات قلبها تتسارع بعنف وقد بدأت أنفاسها تضيق فاعتذرت للفتاة على صياحها بها وهي لا ذنب لها ، وقد عذرتها الأخيرة تمامًا وتمنت لها أن تجد حلًّا ما لهذا ، قبل أن تأتي أسرة وتتبنى تقوى وينتهي الأمر خرجت روڤان مع يلديز من الملجأ ، لتقف روڤان بأعين دامعة ونظرة مشوشة وذهن شارد ويلديز تمسك بذراعها تسندها وتحاول التماسك هي الأخرى ، فهي لا تقل ألمًا ولا حسرة ، وإنما قلبها يحترق .. عليها الصمود .. فـ روڤان تستند عليها ، لقد باتت هي ملجأها الوحيد بعد الله ، عليها أن لا تتزعزع فتنهار الأخرى بعدها 🥀_______________________🥀 بعد ساعة ، في المطار _ سنرد عليكما خلال يومين أو ثلاثة لإبلاغكما إن كنتما قُبلتما في العمل ، يومًا سعيدًا أومأت روڤان ويلديز وخرجتا من المكتب ومن المطار كله على نية الذهاب للبيت ، كان عليهما إجراء مقابلة عمل أولًا .. لا يمكن لرامي أن يوظفهما دون معرفة كفاءتهما ، لا مجاملة في وظائف مهمة كهذه ، فهذا في النهاية هو مطار اسطنبول الدوليّ ، أي مجاملة في التوظيف وأي وسائط قد تسبب كارثة دولية _ روڤان استوقف الفتاتان هذا الصوت المكرَّه إلى قلبيهما ، والذي لا تدريان أي ريحٍ أتت به إليهما هنا شد روڤان يلديز من يدها في إشارة لها أن تكملا السير متجاهلةً إياه .. لكن وصلت كلماته مسامعها بما أوقفهما _ هل عرفتِ كيف ستتصرفين في أمر أخذ تقوى ؟ أم أنك أخذتها من الدار للنار ولا تفكرين في كيفية التصرف وأخذها ؟ تسمرت كلتاهما مكانهما لتجدا بعدها ظافر يلتف حولهما ليقف قبالة روڤان مردفًا : _ لا تنسي .. لا زلت عند عرضي ، لا سبيل آخر الآن لإنقاذ تقوى سوى زواجنا ، ولا رجل قد يقبل بأخذ تقوى للمكوث معكِ بعد الزواج سواي ، فأنا طيب القلب كما تعلمين وضميري حيّ ، لن يهون عليّ ترك وصية تميم وحدها وبعيدًا عن أختها حبيبتها حتى عودة والديها سالمين .. بالمناسبة هل أخبرتهما بموت تميم أم ليس بعد لتصيب جملته الأخيرة بغصة مؤلمة ، فرغم إدراكها التام أن ما يقوله صحيحًا ، ولكن هناك شئ يُدعى فن انتقاء الكلمات ووقت الإفصاح عنها .. وهذا ليس موجودًا عنده ، لذا لا تلبث في كل مرة تحدثه أن يُصاب قلبها من كلماته اللاذعة بخناجر حادّة تعيد بعنف فتح جروحٍ في قلبها لم تتعافَ بعد _ أولًا ، انتقِ كلماتك فيما بعد في الحديث معي عن أخي يا متبلد المشاعر وراعِ أنني حتى الآن لا استوعب افتراقنا عن بعضنا ثانيًا ، لست أنت من ستحكم على اعتنائي بأختي ، فأنت لن تخاف عليها أكثر مني .. ولا حق لكَ بالتدخل في شأنها ثالثًا ، أنتَ لو آخر أبناء آدم على الأرض أفضّل العنوسة على الزواج بك ، وأعوذ بالله من أن تكون أنت منقذي الوحيد ضمن كل البشر يومًا ما فأُحوَج إليك لا يهمني أن أعرف كيفية علمك بأمر أختي ، وأنا في غنًى عن سؤال سيستوجب عليّ وقوف دقيقة أخرى معك ، والآن ابتعد عن طريقي أخذت روڤان يلديز ، ووجه الأخيرة يشع نشوةً وبهجة بردّ روڤان عليه ، هذه الفتاة لا تلبث تبرد قلبها ناحية ذاك الأردال كل مرة _ لا زال عرضي قائمًا ، لا تنسي هذا .. وأعرف أنكِ ستعودين في النهاية ، لأنك لن تجدي سبيلًا آخر ، وحينها ستجدينني موجودًا ، لأنني وفيّ عبس وجه روڤان بنظرة متقززة ، حتى طريقة كلامه كارثة ، ووصفه لنفسه وكأنه ملاك بأجنحة يثير تقززها لكن ما يخيفها بالفعل هو أن كلامه يحمل نسبة من الصواب ، وتخشى أن يكون لهذه النسبة نصيب التحقق .. فهذا سيكون ثاني أكبر ابتلاء مر على حياتها بينما تأكد رامي من انصرافه عن بعد ، وقد سمع محوى جدالهما ، هذا هو أردال إذًا .. لولا أن رد روڤان عليه شفى غليل صدره لكان هو من سيلزمه حَدّه ، يبدو من شخصيتها أنها لا تطيق أن يتجاوز رجل حدوده معها ، وتلزم من لا يعرف حدوده حدّه ، هذه الفتاة تُظهر صفة جديدة كل يوم تنال إعجابه ، ولا ينكر أنه ينجذب لها أكثر في كل مرة ، ولنرى إلى أين سينتهي به هذا الطريق 🥀___________________________🥀 مساءً ، في غرفة رامي _ ما الذي تفعله في غرفتك بعيدًا عنا ؟ اقتحم إعصارٌ الغرفة على صوت ألب وهو يدفع بيجاد أمامه ليتقدمه في الدخول ، يبدو بأن ألب اشتاق لجلساتهم معًا وأنه هو من أتى به ويبدو أنه أيضًا لاحظ بدء الحواجز الجليدية بين الأخوين في الذوبان ، فقرر أن يساعد في إتمام الأمر .. لذا يستغل كل الفرص لجمع بيجاد بشقيقه وفي ثانية كان الاثنان يستقران أمامه على السرير ، وألب يشد دفتره من بين يديه ليبدأ بالقراءة : _ بلاد بحرف الـ"ميم" .. ثم يكمل بمزاح : _ هل سيخصصون رحلاتك القادمة للبلاد التي بحرف الـ"ميم" أم ماذا ؟ _ لا يا خفيف الظل ، بل أنا من أبحث عن البلاد التي تبدأ بحرف الميم قالها وهو يشد دفتره من يده _ لما ؟ تساءل بيجاد ، فأجاب رامي : _ تذكران .. حكيت لكما منذ زمن عن تلك الطفلة التي قابلتها في سهول بورصة حين كنا صغارًا ، بعد موت أبي _ رحمه الله _ ببضعة أسابيع .. قالت "أنا من مـ.." ولم تكمل ، لأن أمها قد قاطعتها وأخذتها ورحلت ، لم أطل منها أي معلومة سوى أن بلدها تبدأ بحرف الـ"ميم" ، أو الـ m .. أيًّا كان _ صاحبة حجر القمر ؟ ساءله بيجاد ، فأجاب رامي بإيماءة : _ نعم ، هي _ هممم .. دعنا نساعدك إذًا ، تبدو لي كلعبة مسلية .. بلد بحرف الميم صمت ألب يفكر قليلًا قبل أن يتساءل وقد خطرت على باله فكرة : _ مهلًا لحظة ، الفتاة كانت تحدثك بالتركية صحيح ؟ _ نعم _ لما الميم إذًا ؟ تقصد حرف الـ m ، أليس كذلك ؟ _ معك حق ، ولكن الجميل في الأمر أن أغلب البلاد التي تبدأ بحرف الـ"ميم" بالعربية تبدأ بالـ m في التركية .. ما عدا تقريبًا دولة المغرب .. لذا لن نختلف كثيرًا _ آه فهمت .. حسنًا .. بلد بحرف الـ"ميم" قال الأخيرة بتفكير ، ليجيب بيجاد وهو يرفع منكبيه ثم يرخيهما ببساطة : _ مصر _ فكرت فيها بالفعل ، ربما تكون مصرية ، ولكن .. أنا عملت ضابطًا في مصر لفترة طويلة ، ورسمت صورة تقريبية لها بالذكاء الاصطناعي وجعلت أبحث عنها بكل الطرق ، ولكن لا أثر .. لم أجدها ولا حتى والدتها ولا أحدًا من أهلها ، وكأنهم اندثروا من على الخريطة ، لذا الآن في رحلة البحث في بلد آخر تبدأ بنفس الحرف _ مدغشقر اقترح ألب فأجابه : _ سُود .. وهي وأمها بيضاوتان ، مستحيل أن تكون من هناك _ ماليزيا ؟ قالها بيجاد ، فأجاب : _ سودٌ أيضًا _ مالديف قالها ألب بانتعاش حقيقيّ وحالمية أضحكت كليهما عليه ، لكن رامي خيّب آماله مجيبًا : _ سودٌ أيضًا .. ثم من هذا الذي سيترك المالديف التي يبيع الناس كل ما أوتو من أملاك كالمجانين ليقضو بها ولو يومين فقط ليسافر إلى بلد آخر ؟ فكرة غير منطقية _ بالفعل قالها بيجاد مؤكدًا وهو يومئ برأسه لألب ، خابت آمال ألب ليعلق بيجاد ضاحكًا : _ كان يأمل أن يصبح لنا أقارب في المالديف ، فرصة ذهبية بالفعل ضحك ثلاثتهم ، ثم عادوا للتفكير ، ليقترح بيجاد : _ مانغوليا ؟ _ لا تشبههم ، هم لهم ملامح معينة أعرفها ، لا ليست منهم _ ماذا عن مالي ؟ _ سود _ موسكو ؟ تركيا بها أناس ذوو جذور روسية عِدّة ، ربما هي منهم قال بيجاد ، فأردف رامي : _ هممم .. ربما .. لكنني لا آمل ذلك ، لا أحب الروس .. لهم عادات وثقافة لا أفضلها _ كما أن هذا سيعطي احتمالًا أكبر بكونها غير مسلمة أكمل ألب ، فأجابه رامي : _ أساسًا كل الدول التي ذكرتماها غير مسلمة ، عدا مالي وماليزيا والمالديف مسلمون _ حسنًا ، كيف كانت ترتدي أمها ؟ لربما هذا يحسم الجدل _ كانت محجبة .. مختمرة _ إذًا أغلب اقتراحاتنا لا أساس لها من الصحة .. تقريبًا نسبة المسلمين فيها شبه معدومة ، نحتاج البحث عن بلد مسلم يبدأ بحرف الـ"ميم" صمت الثلاثة عقب كلام بيجاد يفكرون ، حتى جاءتهما إجابة رامي بابتسامة تحمل الحب بين ثناياها اتجاه ما يخرج من فمه من حروف : _ مكة _ أو المدينة المنورة قال ألب ، فعقب بيجاد : _ بالفعل ، ربما .. وليس كل أهل شبه الجزيرة العربية سودًا ، إنهم متباينون نوعًا ما _ إذًا نضيفهما لأول القائمة قالها رامي وهو يسجل أول احتمالين ، ويأمل لو يكون أحدهما صحيحًا ، وسجل مصر أيضًا .. من يدري .. لربما ! _ لم أكن بارعًا في الجغرافيا ، معلوماتي عن أسماء الدول محدودة ، أعتقد بأن مخزوني من المعلومات قد نفذ .. أكمل أنتَ بيجاد ، لقد كنت بارعًا بها _ حسنًا .. موريتانيا .. هل موريتانيا مسلمون ؟ _ أعتقد هذا قال ألب ، فأجاب رامي : _ نعم ، ولكن سودٌ أيضًا _ ملاوي ؟ _ بها نسبة من المسلمين ، ولكن سود _ مولدافيا ؟ _ هممم .. بها نسبة مسلمين أيضًا ، وليسوا سودًا .. ربما _ ولا تنسَ أنها مشهورة جدًا بزراعة اللاڤندر ، بل هي الأولى حول العالم .. لربما يكون امتلاكهم لأرض بمزارع كويوجاك بإسبرطة له علاقة وثيقة بثقافة بلدهم الأم أومأ رامي لألب وقد بدى كلامه منطقيًّا بالفعل ، على إحدى رحلاته القادمة أن تكون لهذا البلد ، سيبذل قصارى جهده لفعل هذا .. ليمسك القلم ، ويكون هذا البلد الرابع المرشح في قائمته _ أضف موسكو أيضًا يا أخي ، قرأت بأن بروسيا ما يقارب ستة عشر مليون مسلم ، لربما تكون منهم ، وجذور الروس في تركيا كُثُر أجاب رامي بالموافقة على حديث بيجاد ، واضعًا موسكو كترشيح خامس في قائمته _ تركيا في العموم بها جميع الأجناس تقريبًا ، لأن الدولة العثمانية كانت تحكم غالبية العالم في إحدى فترات قوتها .. في عهد السلطان "سليمان القانوني" وعدة سلاطين آخرين .. هذا ما يسبب نسبة العنصرية الكبيرة هنا ويجعل الحياة نوعًا ما صعبة.. فنصف الشعب علمانيّ وكل منهم متعصب لأصله بشكل كارثيّ ، وأما النصف الثاني فمسلمون ومؤمنون مثلنا لولا أن أمي متزوجة من تركيّ ولذا تحمل الجنسية التركية ، وأننا نعيش بأحد أكثر أحياء اسطنبول هدوءًا ومسالمةً لكانت حياتنا صعبة _ هيي ، أنتَ تسبني الآن .. هل نسيت بأنني تركيّ ؟ إنك تجرح مشاعري قالها ألب بتأثر يحمل بين ثناياه مزاحًا ، فهو في النهاية تركيّ ، ولكنه لهذا بالأساس يعرف شعبه جيدًا ، ويعلم أن كلام بيجاد صواب .. فيجيب بيجاد مدافعًا عن نفسه : _ هيي ، أنا قلت نصفهم وليس كلهم ، أي ما لا يقل عن خمسين بالمئة منهم ، ويتربع على عرشهم الممثلون والمغنيون وأغلبية الوسط الفني القذر وكل من ظلوا يسيرون على نهج أتاتورك .. وأنت لا تنتمي لهذه الفئة ، النصف الآخر من الشعب طيبون ومسالمون بحقّ ومحبون لدينهم ، خاصةً من هم بعيدون عن المدن الكبرى مثل أنقرة وإسطنبول .. وأنت بالأصل من بورصة ، أي الشعب طيب الأصل _ بالفعل أهل بورصة طيبون جدًا ، كما أنهم محافظون ، لم نرَ منهم شرًا يُذكر .. أبي _ رحمه الله _ حين سافر لتركيا سعيًا خلف الرزق كان حريصًا على أن ينتقي ولايةً معروفة بالبساطة والسلام وبعيدةً عن الضجيج ، لإن حياة غير التُّرك في إسطنبول وأنقرة صعبة إلى حدّ كبير بسبب العنصرية ، ولأن غالبية شعبهما هم أكثر شعب تركيا عُريًّا وتطرفًا مثل أوروبا بل ربما النصف السئ الذي يتحدث عنه بيجاد متمركز معظمه في هاتين الولايتين .. من الجيد أننا نعيش بحيّ هادئ مسالم بعيدًا عن كل هذا _ حسنًا يا رفاق .. دعونا من هذا الحديث ، لقد كنا نتحدث عن صاحبة حجر القمر .. متى ستعود إلى رأس عملك ؟ _ أوه ، أعتقد بأن أخًا لنا قد تضايق بعض الشئ قالها بيجاد بابتسامة وهو يميل برأسه له ، فأجاب ألب بصدق : _ لا ليس هكذا ، أقسم .. كلامكما صحيح بالفعل ، شعبنا مقسوم لنصفين وحياة غير الأتراك هنا صعبة نوعًا ما .. ما لم يختاروا ولاية مناسبة محافظة على إسلامها ، ولم أتضايق لأنني والحمد لله لست من الفئة الضالة بل الصالحة .. أنا بالفعل أشعر بالفضول نحو رامي ، متى سيعود لعمله ، لعله يجد في إحدى الدول التي يزورها ضالته ويرتاح قلبه _ سأعود بعد بضعة أيام أخي ، بداية من الأسبوع القادم .. وأرجو من الله بالفعل أن أجد ضالتي هناك 🥀___________________________🥀 في غرفة الفتاتين _ اهدئي روڤان ، أرجوكِ .. ما تفعلينه بنفسك لن يجدي نفعًا قالتها يلديز وهي تربت على روڤان في أحضانها ، والأخيرة تنفطر بكاءًا _ لقد ألقيت بها في حضن كارثة قبل أن أفكر كيف سأخرجها منها .. ستظل عالقة هناك بسببي وقد يأخذها أحدهم مني للأبد إن لم أضحِّ بحياتي كلها وأتزوج بأردال _ ليس عليكِ فعل هذا ، يمكن أن ننتظر إلى حين يأتيك زوج مناسب ، ثم تأخذينها _ سيكون شرطي على أي رجل يتقدم لخطبتي هو أن يسمح لي بأخذ تقوى معنا في بيتنا حتى عودة والداي .. ماذا لو استمر علاج أبي لسنوات أخرى ؟ ماذا لو لم يقبل رجل بشرط كهذا ؟ ماذا لو لم يأتِ ذاك الشخص المناسب الآن على الإطلاق ؟ هل سأترك تقوى هناك كل هذه المدة أو حتى يأخذها مني أحدٌ ، يلديز ؟ يبدو أن الأمر بالفعل معقد أكثر مما كانت تظن ، بالفعل روڤان معها حق .. هذا الحل غير منطقيّ بَتاتًا .. ستضع سنوات من عمر الصغيرة تحت الاحتمالات ، من يدري متى سيأتي روڤان الزوج المناسب والذي سيقبل بشرطها هذا ؟ تنهدت يلديز مطبقةَ الفم ولم تنطق بكلمة زائدة ، الأمر حتى عندما ظنوا عقده بدأت تنفكّ ، كانت تنفك من نَواحٍ ما ، وتزداد تعقيدًا من ناحيةٍ أخرى ولكنها ستظل مصرّة على أن زواجها من أردال ليس حلًّا ، وإنما دمارٌ شامل لكافة نواحي حياتها شعرت روڤان بهزة هاتفها بجوارها على السرير على الوضع الصامت ، لتمسك بالهاتف فتجد رقمًا غريبًا ، اعتدلت روڤان في جلستها فاتحة الخط _ سلامٌ عليكم _ وعليكم سلام .. الآنسة روڤان علي رضوان ؟ _ نعم _ أحدثك من مطار اسطنبول الدولي لأعلمك بقبولك في الوظيفة كـ مضيفة طيران في طائرة "مونچوتا" .. ويمكن لحضرتك بدء العمل من الغد تهلل وجه روڤان على أثر هذا الخبر ، أخيرًا خبر سعيد يطرق مسامعها ويقتحم حياتها ، الحمد لله رب العالمين شكرت روڤان الفتاة وأغلقت معها محتضنة يلديز بسعادة مخبرةً إياها بالخبر ، فتسعد يلديز هي الأخرى بها دقائق وكانت الرنة من نفس الرقم تنير هاتف يلديز ، فتجيب بسعادة ليصلها رد الفتاة نفسها _ آنسة يلديز ، أتصل بحضرتك لأبلغك بقبولك للعمل في مطبخ مطار اسطنبول الدوليّ ، ويمكن لحضرتك بدء العمل من الغد شكرتها يلديز مغلقة معها لتتعانق الفتاتان مجددًا بسعادة بالغة .. ينقص فرحتهما فقط وجود تقوى ، وستقومان الليل وتدعوان بكل صلاة أن يخلق الله لهما معجزة .. تصلح ما أفسدته يداها .. تدعوانه _سبحانه_ دعاء المضطر .. وحاشاه أن يردّ دعوات الصابرين المضطرين ، كان اختبارًا عظيمًا مررن به ، وأبلَين به بلاءًا حسنًا ، ويقينهما بالله أن سيجزيهما أجر صبرهما عما قريب " إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا ۚ نِّعْمَ الْعَبْدُ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ " 🥀_________________________🥀 _ أشعر بأنها على شفا حفرة من النار من موافقتها ، فهمت من كلامها أنها لديها استعداد للتضحية بحياتها كاملة لأجل إعادة اختها ، عديم الشرف ذاك يلوي ذراعها وأخشى أن تنصاع له في النهاية ، وغالبًا هذا ما سيحدث قالتها عمته أمينة وهي تحدثه عبر الهاتف ، فأجابها رامي : _ لقد سألت عنه ، إنه سئ الأخلاق كثيرًا عمتي .. ذو أعين زائغة ، ولسانه منجَّس بالسباب والألفاظ البذيئة ، ولم يعرف قطّ مع أحدٍ حدوده .. باختصار .. منحطّ غير راقٍ لا يخشى الله _ هذا واضح من ما يفعله مع البنت ، بنيّ .. حبيبتي يابنتي ، هذا ابتلاء لا أتمناه لألد أعدائي ، فما بالك بفتاة مسكينة كتلك ، أسأل الله أن يرزقها زوجًا صالحًا في أقرب وقت يكون لها طوق نجاة من وسط تلك الأمواج الهادرة حلّ صمتٌ على لسان رامي لثوانٍ على عكس ذاك الضجيج الذي يجتاح بعقله حقيقةً هو لم يسأل عن أردال فقط ، وإنما عن الفتاة أيضًا ، ولم يطرق مسامعه إلا كل الخير مما أسعده لأسباب عِدة ، منها بالطبع اطمئنانه على عمته في ظل وجودها ببيتها .. ومنها شئٌ آخر يوجد شئٌ ما يجُوبُ بنفسه ، ولا يرى له من مانعٍ أبدًا .. يفكر بخطوة ما .. قد تبدو للبعض متهورة مجنونة ، لكن نفسه تراوده بإتمامها .. وهو عادةً ما يحب الاستماع لصوت نفسه ، ويثق تمامًا بحدس الفؤاد 🥀_________________________🥀 في غرفة الجلوس ، في بيت العمة أمينة _ روڤان ، أريد الحديث معكِ بموضوع مستعجل ، ودون مقدماتٍ فأنا لا أحبها انتبهت روڤان لها ملتفتة نحوها على الأريكة ، لتتساءل : _ أي موضوعٍ ، خالتي ؟ تفضلي _ روڤان يابنتي ، هل تقبلين برامي ابن أخي زوجًا لكِ ؟ 🥀_______________________🥀 انتهى بحمد الله اللاڨندر الثامن أحبكم في الله، ودمتم سالمين

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

لاڨاندري

المؤلف ArwaMahmoud38
2024/10/10 مستمرة
قائمة الفصول (15)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة