حجر القمر

حجر القمر

18 1

على أرض مطار اسطنبول ، على ذاك السلم الوسيط بين أرض الطائرة وأرض الوطن "الثاني" ، يهبط المسافرون بابتسامة مشرقة بعد انتهاء رحلة ساعتين وبضع دقائق من مطار الاسكندرية منذ بدء الإقلاع وبهَيبةٍ لا تليق بسواه ، بطول فارعٍ وعضلاتٍ تشهد على حبّه الصادق للرياضة والتجديف ، يهبط من أعلى سلّم طائرته _ والهاء عن قصدٍ تعنيه _ بنظارته السوداء تظفر بإخفاء نظراته الثاقبة خلف سوداوتيها الزجاجيّتَين ، ينظر عن يمينه حيث من المفترض سيارته _ گلون نظارته وملابسه _ تنتظره برفقة عمته وكنان تتسع ابتسامة لم تفقد _ رغم حنانه المعهود _ هَيبتها على محياه منذ مراهقته وحتى الآن ، وقد لمحهما من بعيد يقفان وله يلوّحان أنهى سلالم الدرَج المعدنيّ الذي يهبط من عليه وسط تلك الحشود ليتقدم بخطوات منظّمة لا تتسع ولا تضيق _ تفشي بوضوح حبّه للنظام وحتى بأدقّ التفاصيل _ وبابتسامة بشوشة زيّنت ثغره لمعت بها عيناه ليتقدم كلٌّ من عمته وكنان بنفس بهجته وربما تزيد عانق عمته باشتياق وهو يربّت على ظهرها بحنان ليس جديداً على قلبه الجميل ولا على لمعة عينيه اللتَين تفيضان معاً بالحب والاشتياق كنان باشتياق أخويّ وبسمة مبتهجة : _ أعلم أنّك اشتقتيه ، لكنه أخي أيضاً .. هذا احتكار لا أرضى به اتركيه لي قليلاً ضحكت العمة وهو معها ، قبل أن تبتعد العمة مفسحة المجال ليعانق هو كنان مردفاً : _ اشتقتُ إليك يا أخي كنان وهو يشدد من احتضانه : _ لا تتحدث عن الاشتياق أيها النذل وأنت لم تعش ما عشناه .. سنتان يا رجل ؟ أهُنّا عليك أن تتركنا كلّ هذه المدة ؟! أجاب هو بصدق : _ أقسم اشتقت إليكم كثيراً ، لم يكن غيابي إلا رغماً عنّي العمة بمرح وابتسامة : _ احذر فهناك من هم آخذون على خاطرهم أكثر منّا .. أتمنى أن تكون فكرت في طريقة لإرضائهم .. هما بالأخصّ فهم ما تعنيه فتنهّد بإدراك لوضعه الجديّ : _ أدري هذا .. إن شاء الله يسهُل الأمر " الرائد رامي العمّاوي بنفسه على أرض مطار اسطنبول ، أيّ صدفةٍ هذه جعلتني أراك اليوم بالتحديد ؟! " قالها صوتٌ من خلفه بتهكّم لتزول البشاشة من وجه رامي ويحلّ محلها البرود الجليّ على تعابيره ، التفت رامي بجسده كله ليقابله ذاك الوجه الذي لم ولن ينساه نظرة ماكرة شامتة في حدقتيه ، وماذا سيكون غير هذا .. عندما قطع التذاكر العائدة من الاسكندرية إلى اسطنبول بعد كل هذه المدة ، بهذه الخبيئة بداخله أدرك أنها لحظة الانكشاف لن يجد إلا الشماتة في عيون ناس والحسرة بعيونٍ أخرى عليه .. ولم يكن يحتاج معجزة لمعرفة أن هذا الوغد سيكون أول عارفٍ لـ خَيبته التي ظللته بل وأول شامتٍ بها وبه أدار رامي رأسه بلامبالاة محيدها باتجاه عمته وكنان ، لكن ذاك اللسان السليط لم يتوقف بل أكمل بمكر وخباثة لم يفهم مقصدها سوى كِلَيهما : _ أليس من الغريب عودتك الفجائية اليوم بالتحديد سيادة الرائد ظلت تعابير وجهه الجامدة كما هي ، على عكس النيران المتّقدة خلف ضلوعه والتي يجاهد لإطفائها ، وصله صوته الشامت الملمّح بخفوت من خلفه مباشرةً من جديد : _ يبدو أن مرآة الأحلام كانت أكبر منك ، اختر ما يليق بمقامك بعد الآن حضرة الرائد ، عدتَ خائباً من أرض الوطن على ما يبدو ارتسمت على تعابيره ابتسامة ساخرة ، أردف رامي هامساً له وفي عينيه لمعان لن يطفأه أمثال ذاك الوغد : _ تريد تعكير مزاجي في اليوم الذي سألقى به أحبابي بعد غياب عامَين .. لكنني لن أسمح لك .. انا اخترت ما يليق بمقاميَ بالفعل ، وإن كنت تريد معرفة إلى أي مكانة وصلتْ ، فانظر حولك ، انظر للطائرة التي هبطتُ منها ، فلتدخل المطار واسأل الآن من صانعها وملك من هذه الأرض الواقف عليها تلقي كلاماً أنت أقلّ من النطق به بكثير ، اسأل من الصانع ومن المالك واسأل عن الرائد والطيّار رامـي العمّـاوي ، وستدرك حينها ما بيننا من فرق المقامات اسودّ وجه الشاب لتتسع "شبه ابتسامة ساخرةٍ" على وجه رامي وهو يهمس له بآخر الكلام بما ليس مجرّد تهديد : _ ابتعد عنّي وعن عائلتي ، لا تلعب ألعاباً ستُدهس تحت أنقاضها ظافر اردام طالعه باستحقار لا يستخدمه إلا مع أمثاله ، ليبيّن أن رامي العمّاوي أو بالأخصّ قلبه بقدر ما يحمل من أنهار حنان تكفي كلّ العالم وساكنيهِ ، بقدر ما يحمل من شِدة وصلابة اتجاه أعدائه لا يظهرها إلا لمُستحقّيها .. وهيبته "إما الدافئة لأحبابه أو الثلجيّة لأعدائه" مصاحبة بطبيعته لكلِّ وضعٍ منهما ليلتفت بعدها إلى عمته "التي لم تفهم الأحداث" وكنان "الذي يفهم محتوى الكلام بينهما" ، لتتسع ابتسامته لكليهما بحنان اكتسى نظراته في لحظةٍ فور وقوع عينيه عليهما ، ويتقدم نحو سيارته راكباً في الكرسيّ الخلفيّ تاركاً لكنان زمام القيادة خلع رامي نظاراته الشمسية مستنداً على ظهر مقعده المريح وابتسامة هادئة ترتسم من جديد على محياه تزيده وسامة ، ثم تنخفض عيناه لهذا الحجر الفريد "على قلبه" يطالعه بابتسامة وكأنه يعانقه بنظراته ، يقلّبه بأصابعه في يده اليمنى ولم يتخلّى عن حمله منذ أن قابل وردة اللاڤندر الصغيرة قبل أعوام أعوامٌ وراءَ أعوام .. يتغيّر كل شئ ، المظاهر والشوارع وحتى الناس ، أما هذا فَـ في حضن يديه ثابتٌ لا جدال .. لم يفهم أحدٌ أو يدرك من قبل ما يمثله ويعنيه هذا الحجر له ، مجرد حجرٍ لا يرى فيه البشر العاديّون سوى مظهر جميلٍ وألوانٍ براقة وربما الكثير والكثير من المال .. لكنه يرى ما لا تَروْن .. يرى فيه حياة ، حباً ، وحناناً ، وقيمة لم يتخيّل أن يعطيها لشئ في يوم من الأيام .. كنز "قلبه" الغالي .. يرونه مجرّد حجرٍ جميل ، لكنه رأى فيه نجاة ، رأى فيه قِيمة أهدتها وردة صغيرة إياه دون مقابل غير منتظرة سوى ابتسامة تطمئن _ قبل مغادرتها _ لارتسامها على محياه بريئة هي .. ظنت الصغيرة أنّ هذه القِيمة المعنويّة التي أهدتها له ستعينه على مرارة الفقدان ، لم تكن تعلم أثناء وضعها في يديه أنّها ستكون مرآةً ترسم له _ بفضل الله _ ألف طريق وطريق ، حبّاً للإصرار ، والعزيمة ، البحث ، والمقاومة .. بل وسبيلاً لحبّ بالحياة التفت لإحدى حقائبه التي وصلت من الطائرة لداخل سيارته ، أخرج دفتراً أزرقَ مستطيل الشكل يرتسم عليه شارتا الطيار والضابط .. إحداهما فخرٌ والأخرى حسرة ، تجاهل خواطره التي بعثرته ملقياً بها جانباً فـ لا مكان للحزن اليوم ، اليوم سيرى أهله بعد طول غياب .. فتح الدفتر المكتوب على غلافه في المنتصف بخطٍّ ليس بـصغيرٍ ولا بـكبير "تقويم" ليقلب صفحاته المصنوعة من خشب إلى الأعلى حتى يصل لتاريخ اليوم ، دوائر مرسومة حول كل تاريخٍ منذ بداية أول تاريخ بأول صفحة وحتى تاريخ اليوم الفائت .. وغيرها خمسةَ عشر دفتراً آخر مثله وبنفس الدوائر متوزّعون في الحقائب ستّة عشر عاماً ! .. ستّة عشر عاماً لم يكلّ من الإصرار والبحث ، لم يفقد أمله ولن يفعل بإذن الله ، سوف يجد هذه الصغيرة _ التي لا بد أنها لم تعد بصغيرة الآن _ وفي أقرب وقت .. لا مكان لفقدان الأمل ممن أعطته إياه في يومٍ ظنّ فيه أن لم يعد هناك بصيصُ أملٍ في الحياة في يوم اشتدت فيهِ عليهِ ظلماته وغادرت الشمس بإشراقها عيناه ، لا مكان للكلّ ولا الملل .. سيجدها _بإذن المولى_ يوماً ما ، سيشكرها من كلّ قلبه ، سيرد لها جميلها الذي سيظل تاجاً فوق رأسه ، سيحكي لها كلّ مَرة ومُرة كاد يفقد فيها أمله ، وكلَّ كسرةٍ وكلَّ خذلان كانت هي وهديّتها _ دون أن تدري _ سبباً في عزيمته للمواجهة والإكمال ، بل وهناك ما هو أكثرُ من ذلك .. 🥀________________________🥀 أمام مرآة غرفته ، في إحدى البيوت الكبيرة نسبياً .. والتي لم يعد إلا القليل على مغادرتهم منها منتقلين إلى بيتٍ جديد بعقد ملكية يغلق زر قميصه الأبيض ما قبل الأخير من الأعلى ، تاركاً العنان للزر الأخير _الذي لم يحب أبداً من قبل غلقه_ ليسمح له بالتنفس براحة .. نظر إلى شكله في المرآة بابتسامة راضية ، بشرة بيضاء نسبياً ، شعرٌ اسود فحميٌّ مهندم فيه لمعة توضح مدى اهتمامه به ، عينان متسعتان بمقلتين سوداوتين ، لم يكن هنالك بملامحه شئٌ مميز ، لكنه كان وسيماً بشكلٍ ما ، تنهد براحة قبل أن يمسك بساعة يده الفضية الجديدة الملائمة لقميصه الجديد بدوره ليرتديها عدل من هندامه قبل أن ترتسم على وجهه ابتسامة تبعها ايماءة صغيرة راضية ، قبل أن يأخذ هاتفه ومفاتيحه ويلتفت بظهره خارجاً من باب غرفته متجهاً إلى الأسفل تقدم الشاب بابتسامة مشرقة ناحية المطبخ ليجد تلك التورتيلا الصغيرة تناديه بطفولية وضحكة بشوشة : _ تميـم ابتسم تميم لها وتقدم من كرسيّها أمام الطاولة يقبّل رأسها قبل أن يضع شيئاً ما على الطاولة خلفه لم تنتبه له الصغيرة : _ قلبه الصغنن ، صباح الخير يا تورتيلا الصغيرة بعبوس طفوليّ : _ تاني تورتيلا ؟ _ تاني وتالت ، انا بحبه _ ايه علاقة تورتيلا بـ "تقوى" ؟ قالتها الصغيرة باستنكار ، فأجابها مقنعاً إياها : _ علاقة كبيرة جدا طبعاً ، حرف التاء .. انتِ شكلك ساقطة عربي يا بت ، ركزنا معاكي ع التركي عشان تعرفي تتواصلي مع الناس هنا ، والعربي قاعد يعيّط على جنب تقوى وهي تعقد ذراعيها القصيرَين بطفولية متذمرة : _ انا شاطرة في العربي والتركي على فكرة .. مش بسأل على كدة أصلاً ، بس انا قصدي الدلع مش لايق على اسمي تميم وهو يقرص خديها دون تسبُّب بألم لها مداعباً وجهها الصغير : _ بس لايق على وشك الأبيض المدور اللي شبه خبز التورتيلا ده .. لا بس قوليلي ايه الانشكاح اللي على وشك ده ؟ كل ده عشان يَلديز هتحضرلك البيتزا اللي بتحبيها ؟ صمتت الصغيرة متحفظة على سرها بابتسامة حاولت بها إغلاق فمها ، فإن علمت شقيقتها بإفشاء السر لن تكون سعيدةً أبداً بهذا نظر تميم لشقيقته بـ ابتسامة صغيرة متشككة على وجهه .. خافت تقوى من ان يفهم اخفاءها لشئ لكن انقذها دخول يَلديز إلى المطبخ بابتسامة متحدثة بلغتها : _ صباحُ الخَير ردّ تميم وتقوى لها التحية بدورهما بـ بشاشة : _ صباحُ الخَير غمزت يلديز لتقوى في لحظة عدم انتباه من تميم متحدثة : _ هيا أكملي فطورك عزيزتي تقوى ، سيد تميم ألن تجلس لتأكل ؟ التقط تميم بالشوكة قطعة جُبن مكعبة الشكل ملتهماً إياها ، قبل أن يجيبها : _ كنتُ أودّ هذا فالمائدة تبدو شهية جداً ، لكن لديّ عملٌ عاجل ، بالعافية لكما تحرك تميم خطواته حتى كاد يخرج من المطبخ ، قبل أن يصله صوتها القلق الذي لم يفشل في أخذ قلبه لا في الماضي ولا حتى الآن : _ لكن أنت بحاجة للطعام لتقدر على العمل ، يومك طويلٌ اجلس وكُل قليلاً لتحصل على بعض الطاقة ارتسمت "ابتسامة صغيرة" على وجه تميم اخفاها سريعاً قبل أن يلتفت لها بوجهه مردفاً : _ سأطلب من "رفه" أن تحضّر طعاماً وتجلبه معها .. أوليست بطباخة هي الأخرى انسحب النور تدريجياً عن وجه يلديز ، لينتبه لهذا ويفهم السبب ، فعدّل من خطته مفصحًا : _ أو ربما أقول لأوزجان .. أظنه خياراً أفضل ولا تنكر اطمئنانها لأخذه رجلاً مثله معه وليس فتاةً.. حتى أن تلك الطمأنينة كست ملامحها معيدةً لها إشراقتها الصباحية من جديد ، لتتسع ابتسامتها بـ بهجة مومئة برأسها ببراءة عدة مرات ، مردفة بتسرع وعفوية لم تفشل قطّ في دغدغة مشاعره بنسائم حبٍّ لم يجربها طوال ستة وعشرين عاماً سوى معها : _ برأيي أيضاً .. خيارٌ أفضل نظر إليها لثوانٍ قبل أن يستدرك نفسه مبعداً نظراته ويحاول جاهداً أن لا يفشي حبه لها ولا حتى بتعابير الوجه ولم يجمعه بها رابط رسميٌّ بعد ، وإن كانت تدرك من بعض تصرفاته ، كما يدرك هو من تفاصيل صغيرة كالتي حدثت الآن .. لكن لا يريد أبداً تجاوز حدوده يلديز ليس لديها أقارب كما أنها فتاة لطيمة أي فقدت أباها وأمها ، وهي مربية تقوى منذ سفر والديه لعلاج أبيه حتى إشعار آخر .. ففي ظل غياب أخته الأخرى واغترابهم في تركيا بعيدًا عن الأقارب وعدم ثقته بالجيران وظروف عمله التي تُغيّبه عن البيت معظم الوقت لم يجد بُدًا من جلب جليسة لها .. ذاك قطعًا بعد أن تأكد من أخلاق يلديز ومشابهتها لأهله تربيةً ونشأة ولأجل حدود الله فقد جعل الطابق السفليّ بأكمله للفتاتين وحدها على أن تنام يلديز مع تقوى في نفس الغرفة وسكن هو الطابق العلويّ حيث غرفته .. فلا يلتقيان إلا لأجل الطعام الذي تحضّره يلديز له ولأخته على السفرة في وجبتيّ الفطور والغداء بحكم أنه لا يوجد سوى مطبخ واحد وهو بالطابق السفليّ .. أما العشاء فيتناوله هو خارجًا في مقرّ عمله ودّع الصغيرة بنظرات يعانقها بها تحبها يَلديز به .. لتبادله شقيقته بنظرةٍ حنونٍ أخويّة في عينيها الصغيرتَين ، ثم يلتفت برأسه لـ يَلديز مومئاً لها بتهذيب فتبادله الإيماءة نفسها ليلتفت بعدها تميم خارجاً من المطبخ ومن البيت كله .. نظرت تقوى إلى يلديز بحماس ، وبخفوت أردفت : _ لا أستطيع البقاء ، أريد رؤية ما سيحدث ضحكت يلديز بـ رقّة مردفة : _ اخرجي له بـ حجة طلب شئ ما ، وشاهدي ما سيحدث .. أنا سأرقاب من النافذة أومأت الصغيرة ونزلت عن كرسيّها بحماس وسعادة متجهة إلى الخارج تقدم تميم نحو الجراج ليُخرج سيارته ، ركب تميم السيارة وأخرجها مبعداً إياها قبل أن يترجل ليغلق الباب مجدداً وتزامناً مع خطوات تقوى خارج عتبة المنزل ، تقدمت خطوات أخرى صغيرة متسللة بحذرٍ متقدمة نحو تميم .. وقعت أنظار تقوى عليها فكادت تصرخ بحماس لكن يد الفتاة ارتفعت بإبصعها السبابة أمام فمها بمرح مشيرةً لها بالهدوء وضعت تقوى بطفولية سبابتها الصغيرة أمام فمها كما فعلت هي والابتسامة ترسم طريقها على ثغرها بفرحة وحماس كاد تميم يلتفت وقد أحسّ بأحدٍ ما خلفه لكنه وقبل إبداء أي ردة فعل شعر بيدين تحاوطان وجهه حاجبة عنه الرؤية .. ارتسمت ابتسامة على وجه تميم وهو يحاول التوقّع : _ هممم .. تقوى ؟ ضحكت تقوى ضحكات مكبوتة وهي تضع يدها على ثغرها ، قبل أن تردف بمرح : _ بس انا مش طويلة كدة ، هوصلّك ازاي ؟ تميم باستغراب وقد أدرك توقعه الغير منطقيّ : _ ماعكِ حق .. من بقى ؟ .. الإيدين ديه أمسك تميم بهما يحاول معرفة إلى من تنتميان .. سكت قليلاً باستغراب وقد أعطى عقله إشارة استفهام ، لم يعد هناك غيرها .. ولكن كيف ؟! وعندما لاحظت هي استغرابه أردفت ضاحكة بضحكتها التي لا طالما كانت مفعمةً بالحياة : _ نعم ، هي من خطرت ببالك ومع وصول صوتها لمسامعه شعر بالعالم يتوقف فجأةً بعدم استيعاب للاحداث ، ثوانٍ واستعاد نفسه قبل أن يزيح يدَيها عن عينيه ملتفتاً نحوها ،طالعها لثوانٍ بعدم تصديق قبل أن يهتف بسعادة وهو يشدها لعناقه باشتياق : _ روڤــان _ اشتقت إليكم قالتها وهي تبادله عناقاً أخوياً حنوناً ، لتجد تلك التورتيلا الصغيرة كما يسميها شقيقهما دائماً تركض نحوهما مطالبةً بحقها في عناق أخويها الكبيرَين ، خاصة روڤان التي أنهك قلبها الصغير لها الاشتياق تعلقت تقوى بقدمها لتنحني روڤان حاملةً إياها في حضنها مربتةً على ظهرها بنصف قلب أمٍّ ثانٍ وقد تشرّب الكثير من قلب أمها الجميل ، وبنصف قلبٍ آخر أخويٍّ اشتاق أخويه حدّ الجنون ابتعدت روڤان عن كلاهما بعد دقائق ظل بها ثلاثتهم متشبثين ببعضهم البعض كطوق نجاة او ربما ركنٍ آمنٍ من العالم الخارجيّ .. دقائق لاطالما كانت كافية لشحنهم بالطاقة الإيجابية لإكمال الطريق وصلها تساؤل شقيقها اللائم : _ حمداً لله على سلامتك ، لم تخبريني بميعاد قدومك _ سلّمك الله .. وأين تكون المفاجأة حينها تميم ؟ قالتها بمشاغبة مرحة ليردف هو بمكر وهو ينظر لتلك الفستقة الصغيرة : _ هممم لهذا السبب كانت تورتيلا مشرقة منذ إشراقة الشمس هذا اليوم ، كانت تترقب بحماس .. وانا ظننت كلّ ما في الأمر هو بيتزا يَلديز التي تعشقها _ انا من طلبت من يلديز إعدادها ، وهي بقلبها الحنون لا تستطيع رفض طلبٍ لي وقالت أنها ستُعدّ أشهى بيتزا احتفالاً بقدومي قالتها روڤان بدلال مستمتعة أشد الاستمتاع بدلال يلديز لها ولشقيقتها تقوى الذي لا ينقطع ، تلك الفتاة حنونة جدا وطيّبة القلب .. سيكون شقيقها محظوظاً لو صارت بالفعل زوجته ، إنها ليست سوى ملاكٍ برئٍ وكأنه لم يأتي من هذه الدنيا لاطالما مازحتها روڤان قائلة لها أن موطنها الحقيقيَّ كوكبُ زُمردة ، وأنها أتت إلى هنا عن طريق الخطأ وصلها رد شقيقها بدهشة يدّعي اللوم : _ اوهوووو .. ويلديز أيضاً كانت تعرف ، أي أنني الوحيد الجاهل هنا ، لقد خدعتموني رسمياً نظرت روڤان لشقيقها بمشاغبة وبنظرة فهمها قبل أن تقترب من أذنه هامسة بلؤم ونظرة ماكرة : _ وما الفرق بينك وبين يَلديز أخي .. أليست القلب ومَحواه ؟ حمحم تميم ناظراً نحو النافذة ليلحظ يلديز تقف وتشاهد لقاءهم ببسمة أذابت قلبه .. قبل أن يبعد عينيه عنها سريعاً هامساً : _ يبدو أنني أخطأت حين اعترفت أمامكِ بمشاعري نحوها ، ذكريني أن لا أفعلها ثانيةً أختي العزيزة .. فأنتِ لا تلبثين تمسكين ذلة عليّ ضحكت روڤان قبل أن تجيبه بابتسامة ماكرة : _ وأين الاختلاف الذي سيحدث إذا لم تفعلها مجدداً ، لقد فعلتَها وانتهى الأمر .. لكن لا تقلق أبداً .. سرّك في بير قالت الأخيرة بلهجتها المصرية على عكس باقي كلامها .. وصلهما صوت تقوى الهامس "بنفس طريقتهما" بفضول يأتي من الأسفل : _ بتقولوا ايه ؟؟ ولم يكد يبدِ تميم أيّ ردة فعل أو يجيبها حتى وصله صوتها الهامس بنفس الطريقة وكأنها تتحدث عن سرٍّ قوميّ : _ بتتكلموا عن الـ"قلب ومحواه" صح ؟ نظر تميم لها دون ملامح لثانيتين قبل أن يلتفت لروڤان مردفاً بنفس التعابير : _ ده انتِ بيرك مخروم نظرت روڤان إليه كابتة ضحكاتها متلاعبة بأصابعها في حركة طفولية تحاول استعطاف أخيها لكي لا يغضب منها .. وقد نجح الأمر .. فلانت ملامحه تدريجياً قبل أن تنطلق منه ضحكته باستسلام مما أثار حبّ يلديز اتجاهه وهي تشاهد ما يحدث دون فهم محوى الكلام لكن فهمت نجاح روڤان في استعطافه وانتزاع ضحكاتٍ لها تأثيرها الخاص على قلبها ، كل هذا قبل أن يقترب تميم هامساً : _ طب بمناسبة كدة بقى .. انا نويت والنية لله ان افرحكم بيا نظرت له روڤان بحماس قبل أن تردف وهي تتساءل بعينين مشرقتين بالحياة : _ يعني ؟ _ يعني جهزي نفسك هعدي عليكي على الساعة 5 ننزل ننقي خاتم حلو كدة اتقدم للبنت بيه .. انا هطلب ايد يلديز النهاردة .. بتهيألي كفاية كدة ، ندخل بقى في الجد انا خللت وانا مستني اليوم ده كادت روڤان تقفز بحماس وسعادة ولكن انطفأت اشراقة نظراتها ووجهها تدريجياً لِما تسلل لذاكرتها ، فعبرت عنه متسائلة : _ طب وبابا وماما ؟ _ هما عارفين ، وقالولي انهم احتمال يتأخروا جدا ، يمكن سنة كمان .. وأصروا اني طالما بقيت مستعد للخطوة ديه مستناهومش .. بس مش هعمل الفرح طبعاً غير لما هما ييجوا ، ونطمن عليهم وينوروا البيت أومأت روڤان بابتسامة صغيرة متفهمة .. اشتاقتهما كثيراً ، والديها الحبيبَين اللذَين فرقهما المرض عنها .. منذ عام وقد سافرا لخارج البلاد لعلاج والدها والذي على حسب ما قالاه أنه قد يستمر عاماً آخر .. وبالطبع والدتها معه لم تتركه ولن تفعل قبل انتهاء العلاج .. وتُركت مهمة الاعتناء بالصغيرة "تقوى" للشقيق الأكبر "تميم" وابنتهما الجميلة "كما يعتبرانها" يلديز .. والآن هي أيضاً .. خاصةً أنها أنهت جامعتها أي أنها ستعيش معهم هنا دائماً من بعد الآن ، ستحاول قدر الإمكان أن لا تكون عبئاً على أخيها بل سنداً له في الاعتناء بالطفلة الصغيرة حتى عودة والديهما حمل تميم حقائب شقيقته إلى الداخل كما ساعدته هي ، لتستقبلها يلديز بالداخل بحفاوة وحب أخويّ مصاحباً لعناق دافئ متحدثة بحماس لا تدعيه : _ لا أصدق أنك ستمكثين هنا بعد الآن .. سنبقى معاً أخيراً ولن تضطري للسفر _ إن شاء الله أختي يلديز ، انا سعيدة جداً لهذا .. حقاً .. لم أكن أتخيّل أن هذا اليوم سيأتي ، أربع سنواتٍ لا أرى بها عائلتي إلا شهرين في العام كثيرٌ جداً .. لكنها مرّت والحمد لله أخذ تميم الحقائب إلى الأعلى إلى غرفة شقيقته ثم نزل إلى الأسفل غمز لروڤان بنظرة فهمتها وكذلك تقوى الصغيرة قبل أن يحرك المقبض خارجاً من الباب ويغلق خلفه تحرك تميم نحو سيارته واقفاً أمام بابها وقد استوقفه أمرٌ ما في ذاكرته .. يحاول استرجاعها للتأكد من أنه وضع ذاك الظرف في مكانه .. وقد كان إنه لم يعطِ يَلديز أجرها لعملها مطلقاً بيده ، لم يتجرأ لمرة واحدة على الوقوف أمامها وإعطائها الراتب يعلم مشاعرها نحوه وإن أخفتها ، كما يعلم بعلمها بحبه لها لأنه يدرك ظهور مشاعره وغيرته عليها _ رغماً عنه _ في بعض تصرفاته .. لذا لم يجرؤ من قبل ويقف معها وقفة كهذه توصل لأي منهما شعور أنهما مدير وموظفته إنها فتاة يعتبرونها من أهل بيتهم.. وقريباً بإذن الله ستكون واقعياً بالفعل من أهل المنزل ، وليس مجرد اعتبار وجد بشكلٍ ما وبعد تفكير عميق طريقة يعطيها بها أجرها دون إيصال ذاك الشعور لها وجرح كرامتها عندما تتذكر وضعها الحاليّ اتجاه الرجل الذي تحبه ألا وأنها _ في الواقع _ كخادمةٍ عند أخته ارتسمت ابتسامة على ثغره أثناء تذكره ذاك الظرف بلونها المفضل "الورديّ" الذي وضعه على الرخام في المطبخ والذي لا بد من أنها تفتحه الآن بينما في المطبخ ، بالداخل عند يَلديز تقدمت الزمرّدة الجميلة من الرخامة حيث لمحت ظرفاً مربع الشكلِ قابعاً عليها بلونها المفضل والذي لا تدري من أين عرفه أدركت على الفور هوية الظرف ، ابتسمت ابتسامة جميلة على تلك العادة اللطيفة منه والتي لا يتخلّى عنها .. كم هو لطيف لتعلموا فقط أن لها الحق بأن تقع في حبّه تقدمت يَلديز من الظرف ورديّ اللون _الذي لا تدري كيف عرف أنه لونها المفضل أم أنها مجرد مصادفة_ لتفتحه وتجد فيه المال ورسالة بـ خط اليد فلتخبركم أن خطه جميل .. إنه منمق ومنظم جدا ، مثله أي أنها حتى لو لم ترَ خطه من قبل وتراه للمرة الأولى فستتوقع فوراً بأنه خط تميم .. إنه يشبه شخصيته إلى الحدّ الكبير ولا تسألوها كيف أخرجت المال من الظرف تبِعه رسالته لتقرأ محتواها وابتسامتها تتسع تدريجياً مع كل حرف من حروفه "شكراً لتعبكِ طوال تلك الأيام خاصة مع التورتيلا الصغيرة .. لا أدري ماذا كنا لنفعل ولا على من كنت سأءتمن أختي في غيابي ، أشكركِ أنك دائمًا سندٌ وفيّ لها في غياب والدَينا وأمينة عليها في غيابي ، ومهما شكرت لن أوفّي أرجو من الله أن يكتب لكِ الخير والسعادة ويحقق أحلامكِ .. دُمتي عوناً للمحتاج ونفع الله بكِ دائماً آنسة يَلديز تميم" 🥀_________________________🥀 في مطار اسطنبول صدع رنين هاتفه للمرة الرابعة على التوالي ، يبدو أنه ما عاد من أملٍ من الفرار .. زفر بإحباط ويأس في الوقت ذاته إحباط من ذاك الموظف الذي يرفض اتخاذ أي إجراءات قبل علم أخيه ويأس من والدته التي لا يكاد يحدث الرجل بكلمتين حتى يجد رنين هاتفها عليه يتلقف باقي تركيزه وله بالمرصاد إيمره : _ هي لن تتوقف .. حرامٌ عليكَ رُد على هاتفك ستقلق زفر بضيق قبل أن يخرج هاتفه من جيب بنطاله "الجينز" ويرفعه إلى أذنه متحدثاً : _ نعم أمي _ بنيّ ، أين أنت قلقت عليك .. لما لا تجيب ؟ _ كنت مشغولاً ، ما الأمر ؟ قالت رباب بحماس وهي تتجول في غرفتها : _ لديّ خبر سيفرحك للغاية بيجاد _ خيراً _ أخوك قد عاد _ حسناً عقدت رباب حاجبيها بضيق متسائلة باستنكار : _ ماذا تعني بـ "حسناً" ؟ _ أهذا هو الخبر الذي سيجعلني سعيداً للغاية ؟ _ ألم تفرح بعودته ؟ _ لا وكيف هذا .. حمداً لله على السلامة .. أمي هلّا تغلقين الآن من فضلك انا مشغولٌ جدا قال بسخرية آلت إلى غصة في قلب رباب لكنها أردفت بخفوت قلقة : _ ما الذي تفعله ، بما أنت مشغول هكذا ؟ .. إيّاك أن تكون مع .. قاطعها بيجاد مدركاً ما تظنه ، والحقُّ يُقال لها الحق بأن تظن هذا الظن : _ ستعرفين قريباً قالها وأغلق الخط سريعاً هارباً من أي تساؤلات .. رغم كونه يعلم أن لا يمتّ للأدب بـ صلةٍ إغلاقه الخط في وجه أمه لكن .. وما الأدب أساساً في باقي أفعاله وأين ما تربّى عليه لسنوات منذ شهورٍ ماضية ، وهذا ليس شيئاً أمام ما هو مقبلٌ عليه إيمره متسائلاً بتوجس قلِق : _ أنت لا زلت في السابعة عشرة بيجاد .. لن يكون سهلاً .. أأنت واثق مما تفعل ؟ _ لا _ وإذاً ؟ _ لا يُهم .. انا لن اتراجع .. يجب علينا إقناع هذا الشاب بإعطائي تذاكر الطيران دون علمِ أخي أو كنان أو حتى ألب .. عليّ الخروج من البلاد بأسرع وقت 🥀__________________________🥀 في إحدى المقاهي الفاخرة إبان : _ هل استطعت معرفة المزيد منها ؟ ظافر وهو يضع قدماً فوق الأخرى : _ عيبٌ عليك .. أنا حتى صرت أعرف ماذا يأكل رامي في اليوم _ هممم .. وإذاً ؟ أخبرني _ امم .. دعني أفكر من أين أبدأ .. ها أجل .. باريش وابنه _ زوج أمه ؟ _ نعم هو .. في الواقع هو كان جارهم في الحي الذي سكن فيه رامي حتى السابعة عشرة من عمره في بورصة .. طلق باريش زوجته إيبيك لأسباب سيئة جدا ، في الواقع يُقال أنها خانته .. طبعاً واحدة كهذه لا احتاج أن أقول كم كانت عديمة الإنسانية لدرجة أنها لم تأبه حتى لابنها الرضيع الذي لم يكمل بعد ثلاثة أشهر .. طلقها باريش بعد معرفته الحقيقة ، ورحلت وتركت باريش وابنهما .. ألب _ هممم .. دعني أتوقع .. ومن هنا بدأت قصة الأخوة بين رامي وألب حيث أرضعته والدة رامي لأنها كانت ترضع رامي بنفس الفترة وقتها وكانوا جيراناً _ بالضبط ، أحسنت .. وبعد ثلاثة عشر عاماً من هذه الواقعة رفض باريش بها الزواج خوفاً من أن تكون زوجته المستقبلية غير حنونة على ابنه وبالتالي قرر الاعتناء به بمفرده وأحياناً كانت رباب من تعتني به مع أبنائها .. مات محمد والد رامي .. في الواقع كانت علاقة والديه ببعضهما وثيقة للغاية .. قائمة على الاحترام والمودة والرحمة المتبادلة ، وكذلك الحب .. رفضت السيدة رباب الزواج بعد موت زوجها وظلت على هذا الحال لمدة عشر سنوات ، أي عندما صار رامي في الثالثة والعشرين .. في ذلك العمر وبعد أن أنهى رامي جامعته "هندسة الطيران" في اسطنبول ووجد أنه حقق إحدى أحلامه .. سعى طامحاً وراء الحلم الآخر الذي كما يقولون لا يدرون من أين خرج ، أراد أن يصبح شرطياً _ شرطيٌّ رغم أنه صار طياراً .. كلا الأمرين في آن واحد .. أليس الأمر غريباً !؟ .. بالتأكيد هنالك سبب لرغبته الالتحاق بكلية الشرطة _ لا أدري .. لكن الفتاة أخبرتني أنهم لم يدروا من أين خرجت هذه الرغبة وأنه فاجأهم جميعاً .. وكما تعلم فصديقنا المغرور إن خرج بباله شئ لا يتوقف حتى وإن رفض جميع من حوله .. ولأن رامي يحمل جنسيتَين المصرية والتركية .. وقانون تركيا يمنع التحاق مزدوجي الجنسية او من تحمل زوجته جنسية غير التركية بكلية الشرطة بينما القانون في مصر كان يسمح وقتها اضطر رامي للعودة إلى مصر لتحقيق حلمه في أن يصبح ضابطاً _ ومن هنا بدأت علاقته تضطرب بأخويه خاصةً بيجاد _ أحسنت .. رأى كلاهما أن ما فعله يُسمّى أنانية .. فقد حقق حلمه وهو بالقرب منهما بالفعل ، ما الداعي إذًا للسعي وراء حلمٍ آخر سيفصلهما عنه ؟ هما اللذان كانا متعلقَين به كأنه والدهما .. كلاهما يشعران أنه بتخليه عنهما ساعيًا وراء إحدى طموحاته أذاقهما اليُتمَ من جديد ولكن هذه المرة أشدّ قسوة .. فعندما تركهما والدهما تركهما رغمًا عنه ، كان ذلك قضاء الله وقدره لا يملك والدهما منه شيئَا .. أما ها هنا الوضع مختلف ، فـ رامي "أخوهما ووالدهما الثاني" قد تخلّى عنهما بكامل إرادته رغم عدم وجود دافعٍ قويٍّ أو سبب يضطره لذلك .. لو كان لم يحقق حلمه بكونه طيارًا ولهذا سعى وراء آخر لربما عذراه .. لكنه حقق حلمه بالفعل بجوارهما فـ ما الداعي للسعي وراء آخر سيبعده عنهما ؟ هما رآها أنانيّة _ اممم .. وبالطبع عامًا وراء عامٍ زادت الفجوة بينهم حتى وصلت للحال الذي عليه الآن ، حتى لم يعد من السهل أبداً سدّها .. حسناً وماذا عن باريش وألب ؟ قطعت لي قصتهما _ ها أجل .. وقع مني هذا الجزء في الطريق .. حقيقةً كان ألب يذهب كل فترة ويقضي اسبوعين وربما اكثر عند السيدة رباب واخوته ، لم تنقطع العلاقة بينهم رغم المسافات .. عندما أصبح رامي في الثالثة والعشرين كان باريش وألب بدورهما انتقلا إلى اسطنبول منذ حوالي عامين ، وكان ألب كذلك يرتد على بيت أمه بالرضاعة كل فترة .. فكر باريش ملياً في الأمر ، هو سئم العيش وحده دون شريكة لحياته ، رغم كون ابنه كبيراً ويشاركه همومه ولكن الرجل دائماً بحاجة لركن دافئ يلتجئ إليه بعد نهاية يومٍ شاق ، وماذا سيكون ذلك الركن الدافئ أفضل من المرأة بالطبع .. غير أنه يرى من حقه أن يجد من تعوضه عن التجربة السيئة التي خاضها مع زوجته السابقة ولم يكن يمنعه سوى ألب الذي خاف عليه وعلى مشاعره ومن أن يشعر بغربة ، وذلك بعد تواجد امرأة جديدة في البيت .. فكر معي ، يحتاج زوجة صالحة له وأمّاً حنوناً لابنه .. ومن سيكون غيرها ؟ _ رباب .. وهل تقبّل رامي الأمر بسهولة ؟ _ حقيقةً هي نفسها لم تتقبل ، ولكن دعني أفاجؤك من ضغط عليها وأصر على إتمام الأمر _ رامي ؟! _ هو بـ عينه _ وكيف هذا ؟! _ بالطبع أنت متعجب من موافقة شاب في عمره وتقبله بكل بساطة لفكرة زواج أمه من رجل غير والده دون أن يَكسر ويحطِّم .. لكن رامي مختلفٌ عزيزي إبان تعلم هذا .. فكر معي .. رامي في تلك الفترة كان يريد العودة لمصر وترك عائلته ليصبح ضابطًا .. ما الذي قد يخمد غضب أخويه على فعلته هذه وحزنَ أمه ؟ _ أن يترك لهم رجلاً موثوقاً به كـ باريش وأخاً آخر كـ ألب يعتنيان بهم ويكونان مكانه فـ لا يشعروا بغيابه .. ياله من ذكيّ ! _ وبالفعل سافر صديقنا عائداً لأرض الوطن .. وخلال تلك الفترة التي حاول بها تحقيق حلمه الجديد لم يغفل عن القديم .. كان يضع نظير عينيه هدفين ، شارة الضابط ، وشارة الطيار .. وسأكون أكذب إن قلت أنه لم يستطع بالفعل التوفيق بينهما ، ووصل لمكانة مرموقة قبل دخوله في الثلاثين فنال شارة الرائد باكراً وأصبح أصغر رائد في الداخلية المصرية ، وعمل خلال تلك السنوات بنفس الوقت على تصميم طائرته الأولى خلال وقتٍ قياسيٍّ والتي نال عليها من تركيا مكافأة كبيرة نقلته وعائلته ماديّاً لمستوًى مرموق جداً ، ويبدو بأن هذا كان هدف صديقنا بالفعل ، رامي العماوي حقق مكانة عالية وصنع اسمه في كلا الوطَنين حتى صار الرائد رامي العماوي بطل المهمات الصعبة والجهاد وذاع صيته في مصر بكافة أنحاء البلاد .. وأصبح الطيار رامي العماوي الذي صمم طائرته الأولى بـ تركيا في وقت قياسيٍّ ونال عليها مكافأة كبيرة وسيتمّ تكريمه من الدولة فور عودته للبلد في احتفال كبير أمام عامة الناس _ يا رجل الشاب قنبلة ! .. فهمت الآن لما تغار منه وتحقد عليه لهذه الدرجة رمقه بنظرة نارية غاضبة أخرست لسانه ، رغم كونه مدركًا لهذه الحقيقة لكنه لا يعترف بها ، هو كـ أي شخص غير سويّ بدلاً من أن يحاول الوصول لما وصل إليه غيره او حتى يحاول الصعود في مجال آخر ليسعى وراء قمته الخاصة يحقد على الناجح ويتمنى زوال نجاحه ، لا يرى سوى البريق الخارجي للشخص والذي يتمثل في تحقيق أحلامه ، ولا يرى الجوانب الباطنية المخفية عن الجميع وكم دفع هذا الشخص ثمناً في حياته ليصل إلى هذا الحلم وإلى هذه القمة ، ولو علم بالفعل ورأى المخفيّ عنه في ثنايا ماضي غيره وتجاربه الشاقة ومعاركه التي خاضها في حياته ، والتي على صبره عليها كافأه الله بما يراه الآن أمامه .. لخرس لسانه ظافر : _ دعني أكمل ولا تضايقني زفر ظافر بغضب قبل أن يكمل : _ وبالطبع لا احتاج أن اذكر لك أنه خلال تلك الحقبة التي قضاها رامي في مصر تم تعيين جدّ رامي لأبيه مديراً للمطار ، أي أن مطار اسطنبول الدولي إدارته باسم عائلة العماوي ، ولهذا أتت عمته من مصر مع ابنها كنان ليصنع كنان مستقبله هنا عن طريق العمل مع جده لأمه في المطار ، دعك من هذا الآن فلنبقى في المهم .. ظل رامي عامَين في مصر لم يعد إلى تركيا لزيارة عائلته ، وطبعا لست بحاجة لإخبارك من أغضبه هذا الأمر بشدة وزاد الفجوة بينه وبينه _ أخواه _ وبيجاد بالأخص .. حقق رامي الكثير خلال تلك السنوات حتى قارب على الثلاثين .. ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهيه السفن .. عاد صديقنا من أرض الوطن خائباً _ ماذا حدث ؟ _ لنقل أنه قد فشل ، اتُّهم بالخيانة وخسر مهنته كرائد في الشرطة ونُزعت منه الشارة وعاد خائباً إلى البلاد .. وتقريباً لم يعلم بعد بهذا أحدٌ من أهله _ هممم .. غريب ! .. كيف يُتهم بالخيانة ويعود إلى بلاده ببساطة .. خيانة ضابط شرطة لوطنه ، أول شئ لا أتوقعها من شخص مثله ، ثاني شئ أليس من المفترض أن يُعدم ؟ _ بالفعل .. هو لم يفعل شيئاً .. كما قلت لك اتُّهم بالخيانة ، وإنما لم يخن .. لا بد من أن أحدهم أوقع به _ نعم ولكنه يظل متهماً .. كيف لم يُسجن ؟؟ _ لا أعلم .. ولا يهمني .. هذا ليس موضوعنا .. دعني أكمل لك _ ماذا بعد ؟ _ علاقة رامي بألب وباريش بالطبع _ أرى أن هنالك مودة بينهم ، لا يظهر لي من موقعي هذا بأن هناك حساسية او مشاكل _ بالفعل صحيح ، رامي يحب باريش وألب جدا ، ويطمئن عندما يكون غائباً وهما موجودان في البيت .. العلاقة بينهم وثيقة جدا خاصةً بين رامي وألب ، لاطالما اعتبر رامي أن ألب مكانه في كل شئ .. وقد كان بالفعل .. ألب شخصٌ عاقل ورزين جداً ، ربما تاچ وبيجاد لديهما جانب أسلاك لاسعٌ قليلاً وقد يتسبب أي منهما بمشاكل او بتهوّرات ، لا يتصرفان عادةً بعقلانية ، لا زالا طائشَين ، ألب ليس هكذا ، إنه أعقل مَن بينهم مثل رامي ، لذا فـ رامي يعتمد عليه كثيراً ، طوال سنوات سفر رامي كان ألب مكانه دائماً ، يقع أحدهما في مشكلة .. تعالَ يا ألب .. يتسببان في كارثة .. ابحثوا عن ألب .. شجار شبّ بينهما في البيت فالمنقذ ألب .. كما كان رامي قبل سفره بالضبط .. لكن هذا لم يُغير حقيقة أنهما يشتاقان لرامي دائماً ويفتقران لوجوده كـ"رامي" ، وهذا سبب غضبهما منه _ هممم .. تستطيع أن تقول بأن ألب أعقل مَن بينهم .. هو الصفحة البيضاء التي لا يشوبها كوارث ولا يرتكب أيّ أخطاء .. لهذا يعتمد رامي عليه ويطمئن لوجوده معهما كل الاطمئنان .. لكن هذه تفاصيل صغيرةٌ جدا في حياتهم .. كيف عرفت كل هذا ! إنها دواخل وأسرار أخويّة من مطبخ العائلة كما يقول المَثل .. اخبرني من هذه الفتاة التي تمدك بالمعلومات أسند ظهره للكرسيّ واضعاً قدماً فوق الأخرى بغرور مجيباً عليه بنظرة ماكرة : _ تستطيع أن تقول أنني امسك بين يديّ ورقة رابحة ستحني رأس رامي المرفوع بين الناس ، ستكسر كبرياءه أمام الجميع وأمامي انا بالذات ، صديقنا ستأتيه الضربة من آخر مكانٍ يتوقعه ومِن من يثق به ثقةً عمياء نظر إبان له بتوجس و شك وهو يحاول توقع ما يرمي إليه ، وقد وصلته الإجابة سريعاً ولم يتعب رأسه في التفكير حيث وصله صوت أنثويٌّ _ دب صدمةً بقلبه وبين أوصاله _ يلقي عليهما التحية ، قبل أن ينهض صديقه راسمًا على وجهه ابتسامة بريئة منافقة لم يرَ حقيقتها سواه مجيبًا بـ "حبٍّ كاذب" : _ تاچي 🥀_________________________🥀 مساءً في إحدى أحياء مدينة اسطنبول في إحدى بيوت المنطقة يجلس المأذون وحوله المدعوّون ووالدة العروس بينما في الداخل تجلس "حلا" بفستانها الابيض على السرير تعضّ إحدى الأقلام تفرغ شحنات قلقها واضطرابها بها لم يكن بفستان زفاف حقيقيّ ، لكنها اختارته ابيض اللون ليوحيَ على الأقل بأنه يوم زفافها ، حتى ولو لم يقيموا حفلاً وكيف هذا وأهل زوجها "المستقبليّ" لا يعلمون بـ كتب كتابه اليوم .. لِما تأخر هكذا ؟ هل تراجع ؟ أم أنّ أحداً من عائلته اكتشف الأمر ومنعه من اتخاذ هذه الخطوة ؟ هل يمكن أن يكونَ سيهرب ويتركها ؟ فلينتهي هذا الأمر بسرعة وتنتقل معه إلى قصره ذاك وتعِش معهم ، لربما يتقبل أهله الذي حدث عند وضعهم تحت الأمر الواقع ويتمّ الأمر وتخرج أخيراً من هذا الحيّ منتقلة لمستوىً اجتماعيٍّ آخر كالذي في الأفلام .. لا يهمّ _ بالنسبة لها _ باقي التفاصيل ، المهم أن تصبح زوجته فحسب دخل والدها الغرفة مغلقاً خلفه الباب لكي لا يسمع الضيوف متحدثاً بانفعال مكتوم : _ أين عريس الغفلة ؟ لِما لم يحضر بعد ؟ _ لا أدري أبي ، واتصل به لا يجيب _ الحضور كانوا يسألون عن اهله في الخارج وكنت في منتصف ملابسي وانا لا أعلم بما أجيبهم .. والآن تركوا السؤال عن اهله وبدؤوا يسألون عليه هو .. المأذون كان سيرحل وانا منعته .. إن لم يأتي فستكون فضيحة _ في كلتا الحالتين سنُفضح يا أبي ، إن أتى سنُفضح بسبب أهله لأن الجميع حينها سيعلم أنه يتزوجني بدون علمهم ، إما هذا أو أنهم غير موافقين عليّ وهو تزوجني رغماً عنهم .. وإن لم يأتي فهذه فضيحةٌ وحدها أيضاً .. في كلتا الحالتين لا فرق ، انا فقط أريد أن يتمّ هذا الزواج .. نحن من وافقنا على هذا الوضع منذ البداية _ حسناً وماذا لو كان هرب وتركك ؟ _ لا .. لا أعتقد .. هو لا يفعل هذا نظر لها والدها بسخرية وهو يجيب على اعتقادها الأحمق : _ أيتها الساذجة ، من خان أهله الذين ربّوه وكبر معهم وبينهم وهان عليه أن يُتم زواجه بدون وجودهم ، هل سيوفي بعهده معكِ أنتِ ؟ ذاك الشاب داس أهله جميعًا وعبر ، وقرر الزواج بكِ من خلف ظهورهم ، وحرم والديه من رؤيته عريساً يوم زفافه ، كيف تأتمنينه على نفسك هكذا ؟ توقعي منه أن يدوسك ويعبر كما داسهم جميعاً في أيّة لحظة _ وبما أنك تعرف هذا لِما تدعم زواجي منه !؟ _ على الأقل فلتستفيدي من أمواله وتحصلي على مبلغٍ جيد تعودين لنا به بعد طلاقك ، لأنني واثق من أنه سيطلقك ويتخلى عنك في يوم من الأيام صدع صوت طرقاتٍ على الباب فهتفت حلا وهي تنهض عن سريرها : _ لا بد من أنه هو تركت والدها وخرجت من غرفتها ركضاً نحو الباب .. لتفتحه وإذا بوجهه يقابلها بابتسامة عريضة وهو يضيق عينيه ، رمقته بنظرة لائمة قبل أن يصل صوت ألب إلى مسامعها : _ آسف على التأخير جميلتي 🥀__________________________🥀 قبل ساعةٍ في إحدى محلات المجوهرات بمدينة اسطنبول تميم : _ ما رأيك بهذا ؟ روڤان : _ اممم ، جميلٌ ولكن .. أغلب الفتيات يفضلن الفضة على الذهب _ ويَلديز ؟ _ واعتقد يَلديز أيضاً ، لأنها دائماً عندما تشتري الاكسسوارات تركز على اللون الفضيّ ، لم أرى عندها اللون الذهبي إلا قليلاً أومأ تميم برأسه قبل أن يردف : _ لو أنك تكرمتِ وتجهزت في الميعاد الذي حددته وليس بعدها بساعتين لكُنّا نبحث براحةٍ الآن .. أما مقابلة العمل لم يعد عليه إلا نصف ساعة _ أخي العزيز لا تنسى أنّك تكلم فتاةً أتت من سفرٍ اليوم وعبرت من قارة لأخرى ، ليس سهلاً أن أذهب إلى أيّ مكانٍ اليوم لكنني فعلت هذا من أجلك _ وكأنك عبرتي القارات سيراً على الأقدام ، لقد ركبتي طائرة روڤان ، الأمر ليس مرهقاً لهذه الدرجة .. إلا لو كان ركوبك سيارة الأجرة من المطار للبيت أتعبك فهذا أمرٌ آخر قال بسخرية مازحة لتطالعه روڤان وهي تزمّ شفتيها بمرح من بين نظرة عينيها المتذمرة .. لتلتفت مجدداً إلى الخواتم أمامها تنتقي واحداً كان البائع يعرض أمامهما خاتماً تلو الآخر لكنه لاحظ أن لم يلقى إعجاب الفتاة أيٌّ منها ، حتى أخرج لهما خاتماً هتفت روڤان بشقيقها على أثره مردفة بانبهار : _ هذا هو _ تمزحين _ لِما ؟ بالله عليك أليس رائعاً ؟ _ الحمد لله أحوالي المادية جيدة ودخلي مرموق جداً ، ليس لدرجة أن أشتري ألماساً روڤان !! _ أهذا ألماس حقيقيّ ؟ ظننته زينةً مصنّعة _ أليست هذه التي بالمنتصف قطعة ألماس سيدي ؟ سأل تميم التاجر فأجابه : _ هي كذلك بنيّ _ حرامٌ عليك يا أبي ، هل دخلت محلك بالمرسيدس والحُراس حتى تعرض لي للبيع ألماساً ؟! حتى الفتاة المسكينة لم تستوعب الأمر ظنته مزيّفاً قالها تميم بمزاح على هيئة تساؤل لائم يتخلل ما بين ثناياه الاستنكار ، ليضحك التاجر مستلطفاً مزاحه وطريقة الشاب مجيباً : _ تبدو لي من مستوىً اجتماعيّ عالٍ بنيّ ، اعذرني نظر تميم إلى ملابسه الجديدة المهندمة البراقة وساعة يده الثمينة قبل أن يرفع رأسه للبائع مردفاً بمرح : _ هل أبدو كذلك ؟ جبر الله بخاطرك أبي ، هذا لأجل مقابلة العمل الجديدة .. يبدو بأنّ الأمر قد نجح لقد رفعتَ من معنويّاتي _ نحن والحمد لله نعيش بمستوىً اجتماعيٍّ مرموق ووالدنا يكسب جيداً ولكن كما قال أخي ، ليس لهذه الدرجة .. ربما لو عرضت علينا هذا الخاتم للبيع قبل عشر سنواتٍ من الآن لاشتريناه أومأ الرجل لهما بابتسامة وتفهّم وقد راق له الشابان ، يبدوان يافعَين ومميزَين ، أحسّ بهذا منذ دخولهما المكان وتأكد مع الثوانِ التي تعامل بها معهما من ذاك الإحساس .. ظل يبحث بعينيه بين الخواتم على نيّة إيجاد ما ينفعهما ، وأثناء إخراجه واحداً على نيّة عرضه لهما وجد روڤان تشير إلى إحدى الخواتم التي تتوسطها لؤلؤة بيضاء متسائلة باهتمام ونظرة الإعجاب تكتسي عينيها بوضوح مع ابتسامة واسعة : _ أريد رؤية هذا من فضلك نظر البائع إلى حيث تشير فابتسم قائلاً : _ ذوقك جميلٌ يا ابنتي ، تفضلي _ ألم نكن سنبحث عن الفضة ؟ قالها تميم باستنكار فأجابته روڤان : _ وهل ستخطب الفتاة بخاتم فضة ؟ ستقول بأننا بخلاء _ تلك كانت فكرتك ، انا كنت أبحث عن ذهب وأنتِ قلتِ أن الفتيات يحببن الفضة ، يا الله كم تغيرين رأيك بسرعة ! _ ما أدراني فكرت مليّاً في الأمر ، سيكون من الغريب أن تخطب الفتاة بخاتم فضة .. فلنجلب خاتم الخطوبة ذهباً وتشاور معها في الفضة والذهب فيما بعد عندما تجلب لها الهدايا أعطاها الرجل الخاتم فشكرته ووضعته بينها وبين أخيها يكتشفانه ، أردفت روڤان بإعجاب : _ يبدو جميلاً أخي ، ما رأيك ؟ _ جميلٌ جدًا ، كما أنه يليق بـ يلديز ، أشعر بأنه لها رفع تميم وجهه للتاجر متسائلاً بابتسامة مبتهجة : _ بـ كم هذا من فضلك ؟ سنأخذه 🥀__________________________🥀 "البعيد عن العين ، بعيدٌ عن القلب" لم يؤمن يوماً بهذا المَثل ، لاطالما آمن بقدرة الاشتياق على ترسيخ صورة المشتاق إليه في خيالاتنا ، يلازمنا طوال الوقت ، نراه على كل وجه ، وفي كل شخص وبـ كل مكان خطوةً وراء خطوة تجد نفسك أسير خيالاته ، ترافقك كظلك ملازمةً لا تغيب ، تبدأ حينها فقط بإدراك حقيقة كم أنك تحبه ، فالمرء لا يدرك قيمة ما بيده حتى يُحرَم إياه .. بالله عليكم كيف يَصدُق مثلٌ كهذا "البعيدُ عن العينِ بعيدٌ عن القلب" ؟ .. بل البعيد عن العين يدرك مكانتَه القلبُ فيزداد حبّاً بقدر ما يفيض من اشتياق ولو أنّ هذا المَثل _الخاطئ_ انطبق عليك فاعلم أنك يوماً ما أحببت .. وإنما يكفي إعطاء مشاعرك مسمّى الاعتياد .. لا أكثر ولا أقل ، اعتياد على الوجود فعندما اختفى وأمسى الحبيب سحابةً عابرةً تذروها الرياح ، فـ كما اعتدّ على وجوده اعتدت على الغياب .. حينها ثِق أنه ما كان بـ حُب من الأساس الاشتياق هو التوأم اللطيف للحب ، كلما زاد أحدهما يرفع من معدل الآخر ، والعكس لكن .. هل ينطبق هذا على أخوَيه ؟ هل ما يشعران به غضب محى كلّ اشتياق ؟ أم اشتياق زاد عن حده حتى جعل من نار غضبهما لهيبا فـ حرق صاحبيه وعقليهما وسيحرقه معهما إن فكّر بالاقتراب حتى اليوم فعل كلّ شئٍ لأجلهما وإن كانا _لربما لصِغر سنهما_ لا يدركان .. أخواه لم يأتيا ولم يعتّبا البيت منذ عودته ، أمه تختلق له من أجلهما عشرات الأعذار آخرها كان قبل "استيداعه لله قبل خروجه من باب البيت" .. لكنه يوقن أن ليس أيٌّ منها صحيحاً هو يدرك جيداً حقيقة تفكير أخويه حسناً هو لم يكن عاشماً قبل عودته ببساتين وردٍ دون أشواك ، كان يعرف ما هو عليهِ مُقبلٌ ولكن .. هذا عن أخويه ! ماذا عن ألب ؟! هل صار ضده هو الآخر ؟! أم أنّ لديه ما يشغله عن حقٍّ فـ لم يستطع مقابلته ؟ وماذا قد يشغل ألب وهو رفيق دربه عن مقابلة أخيه ورفيقه وصديقه الأول بعد غياب عامَين ! على كلٍّ .. هو يثق تماماً بـ ألب .. هو لن يقوم بشئٍ مُشين .. هذا عزاؤه على الأقل .. سيلبث قليلاً في وكره أيّاً كان ويعود .. وحينها سيعاتبه عتاباً حارقاً لا يقدر به مواجهة أخويه وربما لا يملك _ من وجهة نظرهما _ لهذا أيَّ وجه حقّ بحث رامي عن هاتفه ليرى الساعة ويخشى أن يكون تأخر عن المقابلة ، والتي من المفترض أن يجريها مع أحد الشباب الذين يودون توقيع عقدٍ معهم لفتح مطعمٍ يكون هو "الشاب" مديره بالمطار .. لم يعرف اسمه بعد ، لكن جده "الذي حالياً خارج البلاد" أصر بعد علمه بعودته أن يقوم هو بالمقابلة ، وقد ألقى على مسامعه كلاماً خيراً كثيراً عن ذاك الفتى .. وأصرّ جده أن يقابله هو ويجري المقابلة لإحساسه الكبير بأنه يشبهه لِما سمع عنه ، حمسه كثيراً لمقابلته وقد سمع من جده عنه الكثير عقد رامي حاجبيه باستغراب ولم تقع يده على الهاتف مهما بحث .. رفع رامي رأسه خوفاً من أن يقوم بحادث ، ابتعد عن الطريق الممتلئ بالسيارات ليركن سيارته على جانب الطريق بإتقان ويوقف المحرك ، بحث تحت كل شئٍ وحتى تحت الكراسي وبـ كل مكان ، ليدرك حينها أنه قد نساه وضع رامي يده على جبهته ماسحاً على وجهه بضيق قبل أن يلقي بثقله على ظهر مقعد القيادة ، ستتوجب عليه الآن العودة مجدداً .. هكذا سيتأخر كثيراً وهذا أمرٌ لا يحبّه وضد طباعه .. لكنه لا يستطيع إكمال اليوم بدونه كما أنه أثناء إجراء المقابلة فـ لربما لأيِّ سببٍ يحتاجه زفر رامي مستغفراً الله قبل أن يعيد تشغيل المحرك ويلف عجلة القيادة ليعود أدراجه بسيارته قاصداً البيت 🥀___________________________🥀 _ هيا يَلديز أجيبي على هاتفكِ هتفت بها روڤان بخفوتٍ وقد كانت يَلديز لا تجيب على هاتفها للمرة الثالثة .. من المفترض أن تطلب منها ارتداء فستان حفلة ليكون _ على حد علم يَلديز وظاهرياً _ لإقامة حفلٍ الليلة صغير تهنئةً بعودتها بينهم دون رجعة للغربة .. فالغربة الحقيقية ليست تغيير تراب أرض الوطن وإنما انتزاعك مِن مَن تجد هويتك الحقيقية بينهم .. تجد نفسك في اجتماع اصواتهم في مكانٍ واحد ، وفي الأغلب يكون هؤلاء هم عائلتك .. وهي اغتربت _ بفراقهم _ أربعةَ أعوام ، وها قد عادت _ بهم وبينهم _ إلى أرض الوطن .. ينقصهم فقط عمودا العائلة ومَرساها ومن يساوي الكون نبرة صوتهما نداءاً باسمها .. والداها اللذان حُرمت منهما .. وستظل محرومة لعام آخر ، ولربما _ لا قدّر الله _ يزيد كيف لعرض زواج أن يتمّ دون فستان ؟ إن حدث هذا فـ لن تسامح نفسها ولا يَلديز ، هي قريبة من البيت ، يبدو بأنها ستلغي خطة شراء بعض المتطلبات وتصعد إلى الأعلى لإعلام يَلديز التي لا تدري أين تركت هاتفها _ هل رأيت الاجتماع حول تلك العمارة الكبيرة في الشارع المجاور ؟ _ نعم كنت هناك ، يقولون جريمة سرقة من إحدى البيوت الكبيرة هناك _ فليحفظنا الله وليعوّض على أهل هؤلاء البيت عن ما فقدوه _ آمين يا صديقي ، آمين .. ليكن الله بعونهم ، لا بد أنهم سيخافون النوم الليلة في ذلك المكان _ معك حق ، فليعِنهم الله ازدردت روڤان ريقها وتوجست خيفةً من أن يكون ما في بالها صحيح والذي وصل عقلها عن حديث الرجلَين المارَّين .. وجدت نفسها تستوقف إحدى التركيات الماشيات على نفس الطريق تسألها : _ السلام عليكم خالتي ، لو سمحتِ هل تعرفين شيئاً عن جريمة السرقة التي حدثت ؟ في أيِّ شارع ؟ _ وعليكم السلام يا ابنتي الجميلة ، نعم أعرف إنها في شارع (...) توقفت الدماء عن السير بعروقها وقد ربط عقلها الاحداث ترابط الخيوط ببعضها .. عدم إجابة يَلديز على الهاتف .. عمارة كبيرة تعرضت للسرقة خاصةً من إحدى الشقق ، وأخيراً اسم الشارع الذي وقع به الحادث .. يبدو أن لا يوجد خيارٌ آخر .. ما تفكر به صحيح وما كان منها سوى أن توقفت الدماء عن اسعاف عقلها حتى نسيت حتى شكر السيدة لتقودها قدماها ركضاً دون وعيٍ او إدراك إلى مكان بيتهم ، حيث يَلديز وتقوى وحدهما انقبض قلبها أثر الخاطرة الأخيرة لتجد قدميها تهرول بسرعة أكبر وذعر كأنهما في سباق مع الزمن .. لتستقر أخيراً بعد مدة زمنية لم تستوعبها _ولا يهمها_ أمام عمارتهم الكبيرة لتلمح من بعيد وسط التجمع الكبير وبين سيارات الشرطة المضيئة بلونيها الأحمر والأزرق يلديز تتحدث مع إحدى الضباط بانهيار وفي يدها تتشبث يد تقوى ركضت روڤان نحوهما هاتفة باطمئنان نسبيٍّ أنهما _ على ما يبدو _ لم تصابا بأذىً : _ يَــلديــز .. تــقــوي التفتت الفتاتان نحو روڤان لتشهق تقوى بفرحة أن رأتها وقد زاد اطمئنانها أكثر لتركض نحو شقيقتها فتنحني على ركبتيها روڤان لها لتتشبث الصغيرة بعنقها طالبة الحنان لعله يطمئنها ، فـ يلديز رغم نعومتها مع من حولها وحنانها المعهود لكنها لم تكن في حالة تسمح لها بالانتباه لأيّ شئ ولا التركيز ، بل ربما هي بحاجة _ أكثر منها _ لِما تبحث عنه الصغيرة من شعور الاطمئنان ثوانٍ ونهضت روڤان حاملةً تقوى في حضنها متقدمةً من يَلديز التي طالعتها باعتذار صادق من بين دموعها رغم أن لا ذنب لها ، لكن في النهاية البيت كان تحت مسؤوليتها حتى عودة تميم وروڤان ، تشعر بالخزي من نفسها يَلديز بأسف امتزج بسيلٍ من الدموع : _ أعتذر بشدة روڤان ، أقسم لم أترك الباب مفتوحاً لقد أغلقناه قبل نزولنا ، لا أعرف كيف حدث _ اهدئي اهدئي يَلديز .. أخبريني بهدوء ، ما الذي حدث ؟ أخذت يلديز نفساً عميقاً ثم أخرجته في محاولة لاستجماع بعثرة رأسها وشتات أمرها : _ أرادت تقوى منا النزول لشراء الحلوى لها ، وأبت أن تنتظر حتى عودة تميم لأنه قد يظل لساعات أخرى ، كما أنه كان ينقص بعض متطلبات البيت وأردت بشكلٍ عاجلٍ إحضارها ، فاستجبت ونزلنا سويّاً لهذه البقالة في نهاية الشارع ومنها إلى عدة بقالات اخرى لجلب باقي المتطلبات وتركت هاتفي في المنزل على اعتقاد أن لا فائدة من أخذه ، أغلقنا الباب وتأكدنا من غلقه حتى اسألي تقوى .. ذهبنا وعدنا لنجد كالون الباب مكسوراً ولا يوجد ليرة واحدة في المنزل ، حتى كل شئ ثمين وصغير الحجم من الأثاث أخذوه .. و .. خزنة العمّ "علي" ، روڤان قالتها يلديز بأسف وحذر يتبعهما نظرات حسرة ، وهي تدرك جيداً قيمة هذه الخزنة على قلبها وقلب والدها وقلوبهم جميعاً وما بها من كنوز قيّمة كانت روڤان تستمع بانتباه و الدهشة تعتليها يتخللها الخوف ، وما إن وصلت عند كلمة "خزنة" حتى انقبض قلبها ، إن كان ما في بالها صحيحاً ! .. فوالدها _ لا قدر الله _ قد يصاب بنوبة قلبية .. ازدردت ريقها متسائلة بصعوبة وهي تضيق عينيها تستطرد الفكرة السيئة التي خطرت برأسها : _ ما .. بها الخزنة يلديز ؟ .. إنها مغلقة بأرقام سرية .. لا يمكن فتحها نظرت يلديز لها بأسف ونظرة أشبه باعتذار .. رفعت روڤان حاجبيها بعدم تصديق ، ولا تريد التصديق .. أنزلت تقوى أرضاً لتهرول بذعر نحو بيتهم ، بالتحديد حيث كان هدفها نحو غرفة مكتب والدها وتلك الفكرة السيئة تتسرب لرأسها ، تحاول التمسك بأي أمل ينفي كلام يَلديز صعدت روڤان إلى الأعلى لتهرول فورًا نحو غرفة مكتب أبيها لتقع عينها تلقائيًّا فور دخولها على مكان الخزنة ... والتي من الأساس لم تكن موجودة ! اعتُصر قلبها ومعها وجهها بألم لم يعبر عن دواخلها بقدر ما عبرت عيناها ونظرتها المقهورة .. أغمضت عينيها بقوة لتسقط دمعة قهر غادرة من بنيّتَيّ مقلتيها بالله كيف ستوصل هذا الخبر لأبيها الذي سافر للعلاج ؟ .. أو لأخيها الذي بنى أحلامه اعتماداً على ما بـ هذه الخزنة حتى أنه ذهب لمقابلة عمله تلك لافتتاح مطعم بالمطار الدوليّ باسطنبول ليضع قدمه على أولَى درجات النجاح تميم !! .. لا بد أنه في المقابلة الآن ! عليها أن تمنعه قبل إمضاء العقود فينكسر عنقه أمامهم بعدها بـ خزي ! عليها اللحاق به أخذت بعضها ولملمت شتات أمرها " ولن تكذب عليكم لم ينجح الأمر " لتخرج من غرفة المكتب ومن البيت بأسْره ، لتُخبر يَلديز وتقوى على عجلة أنها ذاهبة لتميم لإعلامه _ضرورياً_ بالأمر قبل أن يُجرّوا في متاهة أكبر من تلك .. ولا تدري أنّ المتاهات حين تتلقف الناس في جوفها ، فلا سبيل للفرار ولا سبيل لفرار ابن آدم ولا لأيّ مخلوق من قدَره .. وقد كُتب عليها بداية رحلة _ منذ اللحظة _ في متاهة لا يُعلم أيٌّ فيها بداية ، وأي طريقٍ يقود للنهاية .. وكان أمرُ الله مفعولَا .. وكان أمرُ الله قدرًا مَقدورَا 🥀___________________________🥀 ركن رامي السيارة أمام البيت قبل أن يفتح الباب ويترجل من سيارته على عجلة منه وبخطوات سريعة متوجهاً نحو الباب ليدقّ الجرس ثوانٍ وفتحت له أمه التي فوجئت بوجهه أمامها فعقدت حاجبيها مبتسمةً باستغراب : _ رامي ! ايه اللي رجعك يا حبيبي ؟ _ نسيت موبايلي يا أمي ، هاخده وارجع تاني نظرت رباب في ساعة الحائط بينما رامي يتخذ خطواته سريعاً للداخل فـ عقّبت : _ يظهر انك تأخرت .. الساعة قربت على تسعة ، مش المقابلة تمانية ونص ؟ ده حتى انت نزلت من قبل تمانية عشان تلحق وصلها صوت رامي من بعيد : _ الطريق كان زحمة وانا راجع ، ده غير اني روحت اشتري شوية حاجات اول ما مشيت ، يا رب الحق بس اروح قبل تسعة أخذت خطواتها نحو الداخل لتجد ابنها يبحث في غرفة الجلوس بين الوسائد وتحت الكراسي .. جلس رامي على ركبتيه أرضاً يبحث عنه تحت الأريكة الكبيرة ، وأثناء صعوده وقعت عيناه على شئٍ ما لامع كاللوح الصغير يختبئ ما بين الوسادة الكبيرة وأختها المجاورة لها مد رامي يده ما بين الوسادتين ليستخرج هاتفه أخيراً مردفاً : _ أخيراً ، الحمد لله لقيته نهض رامي من مكانه ليأخذ خطواته سريعاً خارجاً من المكان متسائلاً على عجلة : _ انا ماشي ، تاج وبيجاد في اوضهم ولا ايه ؟ صمتت رباب بارتباك وتخشى اخباره لكي لا تثور ثورته ، لكنها تدري أنه طالما سأل فـ حتماً سيعلم الإجابة لا محالة فـ أجابت بحذر : _ آآ .. هما لسة مرجعوش توقفت الدماء في عروقه ليثبت في مكانه قبل أن يلتفت لوالدته ببطء مردداً كلامها وهو يضيق عينيه بـ توعد ، متسائلاً باستنكار بنبرة خافتة لكن قوية : _ لسة مرجعوش ؟ قلبت رباب عينيها يميناً ويساراً وقد كانت تتمنى لو لا يعلم ، لكن القدر شاء أن ينسى هاتفه ويعود قبل عودتهما ليعلم بالأمر .. كما شاء الرحمن بتدبيره نسيانه لهاتفه ليعود أدراجه بـ هذا الوقت بالذات لسبب آخر سيعلمانه فيما بعد ، وستعلمونه أيضاً .. ومن أحسن من الله تدبيرا ؟! أردف رامي وهو يحاول كبح جماح عرقه الأسود مانعاً إياه من الظهور خوفاً على حزن والدته التي في النهاية لا ذنب لها ، فـ هما المتمردان اللذان بات من الصعب مؤخراً تحكيمهما : _ يعني ايه لسة مرجعوش !؟ .. ده الساعة 9 .. وتاچ ازاي الدنيا تليّل وتفضل برا لوحدها وانتو ساكتين !؟ .. والأستاذ بيجاد لسة مبيردش على تليفونه لحد دلوقتي !! نظرت رباب بارتباك ولا تدري بما تجيب ، هي تعترف أنها مؤخراً لم تعد قادرة على السيطرة على كلَيهما .. في الواقع حتى باريش لم يعد كلامه يعني كلاهما ، وتخشى إخبار رامي فـ يقسوا عليهما فتزداد علاقتهم _ السيئة _ سوءاً وصلها صوت ابنها مجدداً محاولاً التشبث بأيّ أملٍ أخير يقول بأنّ هذا البيت _ رغم ما به من عبثٍ وطيشٍ لا يليق _ لا زال بخير : _ وألب ؟ رفعت رباب نظرها لابنها مطالعة إياه بـ قلة حيله لتصله الإجابة فوراً ، ليرتفع كلا حاجبيه بدهشة وعدم تصديق .. يبدو بأن هنالك الكثير تغيّر في هذا البيت خلال العامَين اللذَين فارقه فيهما .. بل وهنالك الكثير ما تغيّر أيضاً في القلوب ، وكأنه مغترب .. ما عاد يجد هويته ولا هوية من تركهم كما كانت كـ كلّ مرة عندما يعود .. هناك ثمة شئٌ مختلفٌ هذه المرة .. بل أشياء .. هل عامان فقط يغيّران في الناس هكذا ويعبثان بالقلوب ؟ يبدو بأنّ مشكلته ليست مقتصرةً على تاچ وبيجاد ، هناك ثمة شئٌ جديد تغيّر في ألب وقلبه غير مرتاح ، يشعر بأن هنالك صدمات ما في الطريق .. انقبض قلبه أثر تلك الفكرة نظر رامي لرباب مردفاً بهدوءٍ "ظاهريّ" وهو يحاول التحكم بأعصابه وبما يقرُب لتهديد لثلاثتهم : _ انا هرجع الساعة 10 .. لو رجعت وملقيتش التلاتة بما فيهم ألب موجودين في البيت فـ الليلة مش هتعدي على خير ، بالذات تاچ ليا كلام تاني معاها .. ومش هيعجبها خالص أنهى كلماته الجامدة ظاهرياً والمحترقة بنيران خوفه عليهم باطنياً بالذات على شقيقته التي لا يعلم مع من وأين هي حتى الآن وبيجاد الذي لا يرد على هاتفه منذ الصباح .. لكنّ لديه مسؤوليات ستأخذ من وقته ساعةً فقط كلفه بها جده وعليه إنهاؤها الآن .. حتى أنه قد تأخر عن ذلك كلّ التأخير التفت رامي معطياً لها ظهره وهو يبتعد بخطواتٍ سريعة خارجاً من البيت وقلبه ينبض خوفاً ودقات قلبه تتسارع بـ قوة كالطبول ، وهو يخشى أن تقابله مصيبةٌ عند عودته للبيت .. ولا يدري أنه ذاهب لإحداهن بالفعل ! 🥀__________________________🥀 في إحدى المطاعم الفاخرة بمدينة اسطنبول تناول تميم هاتفه عن الطاولة أمامه ينظر إلى الساعة بـ ضجر لقد قاربت على التاسعة تماماً ، كيف لفريق عمل لم يسمع عنه سوى كل خير ومعروفٌ عنهم الانتظام والاتقان واحترام المواعيد أن يتأخر أحد أعضائهم الذي سيُجري مقابلته كل هذا التأخير ! أهذا أول انطباعٍ عنهم يعطونه له !؟ زفر تميم رافعاً رأسه إلى الأعلى بـ ملل مستنداً بـ ظهره للخلف على الكرسيّ ملقياً بـ ثُقله عليه ثوانٍ ووصله صوت رنين هاتفه فـ اعتدل في جلسته فوراً على اعتقاد أن المقابلة ستؤجَّل ، وأن هذا رامي الذي سيجري مقابلته .. تناول هاتفه عن الطاولة فاتحاً الخط قبل أن يلقي السلام لكنه تفاجأ بصوتٍ أنثويٍّ يجيبه .. ثانيتان من الاستيعاب قبل أن يتساءل عاقداً حاجبيه باستغراب : _ يلديز ؟! .. من أيّ رقمٍ تتصلين !؟ _ من إحدى الهواتف المعلقة على الطريق في شارعنا .. هل أجرَيتَ المقابلة ؟ تلعثم تميم في الكلام ولم يستوعب بعد الأمر : _ دقيقة دقيقة .. لِما تتصلين من الشارع ؟ _ روڤان لم تشأ الاتصال بك لأنها تعلم أنك لن تجيبها طالما أنت في المقابلة ، فجاءت سريعاً إليك ، هي معك صحيح لا بد من أنها وصلت ؟؟ وضع تميم يده على رأسه ولا يكاد يستوعب ما الأمر ليردف بـ تيهٍ يحدّث يَلديز : _ يلديز .. يلديز انا لا أفهم شيئاً ، لِما ستأتي روڤان إليّ الآن ؟ وهنا ؟! عضت يَلديز شفتها بـ ندم لتدرك أخيراً أنه لا يملك أدنى فكرة عن ما حدث ، لا بد من أنها أقلقته ، لقد وقع على عاتقها هي إخباره إذاً ، وصلها صوت تميم مجدداً : _ يَلديز أتسمعينني ؟ هل روڤان آتية إلى هنا الآن بالفعل ؟ أجابت يَلديز بـ يأس : _ نعم ، من المفترض أن تكون وصلت تلفّت تميم مكانه وهو ممسكٌ بـ هاتفه ويَلديز لا تزال معه على المكالمة ، باحثاً بـ عينيه في الأرجاء لعله يجدها ، التفت للخلف يتبادل النظرات يميناً ويساراً حتى وقعت عيناه على نقطة جذبت كل تركيزه ، وهو يراقب هذا الجدل في مطبخ المطعم _ ذو الجدران الزجاجية والباب المفتوح مما يسمح بالرؤية _ وتلك الحركة يميناً ويساراً وكأنّ هنالك كارثةّ ما ، لتصل لأنفه فجأةً رائحة الغاز تنبعث من المطبخ بجنون فيجذب أنظاره مجموعة شباب مجتمعين حول إحدى الأنابيب التي _ على ما يبدو _ فقدوا السيطرة عليها في نفس اللحظة التي وصله بها صوت يَلديز التي تناديه منذ وقت تقريباً وهو على غير انتباهٍ قبل أن تتحدث بما أوقف الدماء في عروقه : سيد تميم ، هنالك أمرٌ يجب أن تعرفه ، خزنة العم علي .. قد .. قد سُرقت .. لقد تعرض البيت للسرقة وروڤان كانت آتيةً إليك لتوقفك عن إمضاء العقود اتسعت عينا تميم بصدمة شلّت تفكيره ، ثوانٍ من الانتظار على يَلديز ولم يصلها صوته ، وبما يفيد الكلام وعيناه نطقت بـ"نظراتها" بألف كلمة ! .. وبسبب الأحداث الفاجئة هنا وهناك توقف عقله عن العمل رافعاً راية الاستسلام ، لتكتمل أحداث الليلة بـ مظهرِ هذا المساعد في المطبخ يخرج ولاعةً ما من جيبه ليدرك تميم ما هو على وشك فعله بها الخيانات موجودة في كل مكان .. لكن الخيانة التي تودي بـ حياة أُناسٍ أبرياء هي الأقذر على الإطلاق ، أدرك في تلك اللحظة أن مشهد ختام الليلة على وشك الوقوع ، المشهد الأخير في قصته قبل أن يُنزل الستار وتُطفأ الأضواء مطفئةً معها مئات الأحلام التي اجتمعت على الطاولات هنا في مكانٍ واحد ، وقصة قلبٍ شابٍّ ظن _ هذه الليلة _ أنه على وشك نَيل المراد ، تحسس تميم العلبة الورديّة في جيبه بما تحوي من خاتمٍ كان يعني له الحياة ، وصوت من كانت ستكتمل بها حياته هو ما يصل إلى مسامعه كـ"آخِر" صوت ، وملمس العلبة التي تحوي ما كان على وشك جمعه بحلمه الذي يتمثّل بها هو "آخِر" ملمس وصل مسامعها عبر الهاتف صوته الخافت ناطقاً بـ"هدوءٍ" و"اطمئنانٍ" بالشهادتَين بصوتٍ تكاد تجزم من نبرته أنه خارج من ثغرٍ مبتسم ، انقبض قلبها فجأةً مزدردةً ريقها بخوف ، لتفتح فمها بعد ثوانٍ قليلة متمتمةً باسمه بصوتها القلق _ مجرّداً دون ادراكٍ لأول مرة _ والذي رسم الابتسامة على شفتيه : _ تميم ؟! صمت .. صمت .. لحظةٌ واحدةٌ سمعت بها صوت انسكاب شئٍ لم تستوعبه ، وكأنّ مشروباً أو شيئاً أفلت من يديه وفي الثانيةِ التالية كان صوتُ انفجارٍ مدوٍ يزلزل أرجاء المدينة بالمباني وقلوب ساكنيها وأولهم هذا القلب القابع خلف ضلوعها ما كادت تستوعب الأمر حتى وصلها صوتُ إغلاق الخط معلناً عن إنتهاء الدقيقة الوحيدة بالعملة المعدنية الوحيدة في جيبها أبعدت السماعة عن أذنها بـ بطء بـ يدٍ مرتعشة لا تشعر بها ، قبل أن تطالع الهاتف بنظرة مذعورة تتخلل عينيها مع صدمتها ، متمتمةً دون صوت وبلا وعي : تميم ؟ 🥀___________________________🥀 أمام المطعم فتحت روڤان عينيها بصعوبة وهي تشعر بآلام حادة في رأسها ، وضعت يدها على موضع الألم تعتصر عينيها بـ قوة ولم تدرك بعد ما حدث فـ هي ما كادت تنزل من سيارة الأجرة وتحاسب السائق لتتقدم ركضاً نحو باب المطعم حتى شعرت بـ قوة غير مرئية تدفعها بـ عنف ملقيةً بها في الهواء قبل أن تسقط على ذراعها ورأسها أرضاً ، وعقب تلك الفكرة أعطى قلبها وعقلها مؤشر الخطر لتستوعب ما كان فتحت عينيها فجأةً بـ ذعر وصورة النيران بلهيبها تصل عنان السماء هي الانعكاس الوحيد في مرآة عينيها ، وإذا أخفضنا الصورة قليلاً ستقع عيناك على أناسٍ مشتعلين يركضون بـ كل مكانٍ مستغيثين بالناس اللذين يركضون نحوهم وفي أيديهم طفاءات الحريق لإطفائهم في مشهد أشدّ قساوة من أيّ آخر رأته في حياتها ، في مشهدٍ مرعب لن تنساه ما دامت حيّة وتقسم أنه لن يفارق كوابيسها وهل هناك ما هو أسوء من ذلك ؟ وعلى ذكر السؤال فـ نعم ، لا زال هناك المشهد الذي لن يفارق خيالاتها ، سيلازمها في كل طرقها ، مشهد سيُحفر في ذهنها گ نقش لا يطمسه النسيان .. بـ كافة التفاصيل وفجأةً وقع في قلبها وضع شقيقها ، شقيقها الذي في قلب هذه النيران اتسعت عيناها بـ صدمة وألمٍ فاق حد الإدراك ، قبل أن تنتفض عن الأرض غير آبهةً بالدماء الساقطة بغزارة من ذراعها وبللت ملابسها ولا بالآلام الحادة في رأسها وكل جسدها ، وكأن شعورها "بنفسها" انعدم وقتها ، ولم يتبقى سوى شعورها بـ"شقيقها" ، وجدت نفسها تهرول نحو ذاك الحريق الضخم قاصدةً دخوله وهي تهتف من بين سيول عينيها برعب هاتفةً باسمه كأنها تستنجد به ليطمئنها هو بوجوده : _ تــمــيــم لمحتها عدة سيدات تركيات انتبهن لصراخها وهي تهرول نحو تلك النيران ليركضن نحوها سريعاً مانعات إياها من الدخول فالدخول بـ حد ذاته هو انتحار ، أخذت روڤان تحاول التحرر منهن وقد تشوشت الرؤية أمامها بسبب دموعها وذاك الدخان الهائل المجتمع أمامها صائحة بهن : _اتـركـونـي ، اتـركـونـي أخـي بالداخـل إنـه بـحـاجـة إلـيّ اتـركـونـي ، لا بـد مـن أنـه مـذعـورٌ الآن أرجـوكـم أرجـوكـم دعـونـي .. تــمــيــم صرخت بالأخيرة بـ قهرٍ لم تذق له من مثيل بـ حياتها ، بالطبع فهذا أصعب امتحان قد يوضع به أي شخص ، وقد كُتب عليها دوناً عن أيّ فرد من أفراد عائلتها أن تشهده وحدها كاملاً دون نقصان وعندما لم تستجب لهن وظلت بـ كل قوتها تحاول الفكاك هتفت بها سيدة تركية وقد خافت عليها بـ صدق : _ اهدئي يابنتي اهدئي ، أعلم أنه صعبٌ ولا تستطيعين البقاء مكتوفة اليدين وشقيقك بالداخل ولكن انظري حولك وأدركي الوضع ، هنالك أناسٌ مِن مَن كانوا خارج المطعم قد ماتوا أثر الانفجار ، فـ ما بالك بـ من في الداخل ؟ لا يمكننا تركك تذهبين للموت هكذا بـ كل بساطة نظرت روڤان لها بـ عينين مصدومتين بعد أن كشفت السيدة عن عقلها الستار ، ستار الحقيقة ألا وهي أن شقيقها _ على الأغلب _ قد .. مات رفض عقلها وقلبها وكلّ جوارحها تقبل تلك الفكرة ، تميم لا يتركهم وحدهم ، تميم لا يترك أحداً في لحظة احتياجه إليه .. هي وتقوى ويَلديز وحتى والداه اللذان سافرا لعلاج والده لن يهونوا عليه ، لا يفعلها ، تميم لا يفعلها وتزامناً مع رفض عقلها رفضاً قطعياً تقبل الواقع هزت رأسها يميناً ويساراً بالنفي رافضةً بـ شدة كلام السيدة ، معبرةً عن رفضها بـ : _ تميم لم يمت ، أخي لا يموت ويتركنا أنتِ لا تعرفينه أنا أعرفه ، هو يحبنا كثيراً لا يتركنا ، تميم لا يتخلى نظرت السيدة إليها بأسىً على حالها متمتمة : _ لا حول ولا قوة إلا بالله زادت محاولاتها للفكاك منهن عنفاً كلما تقوقعت بـ عقلها الفكرة ، تريد الإثبات لنفسها ولهم أنه لا يزال حيّاً ، لكن عليها الفرار منهن أولاً وإيجاده ، وعندما زادت قبضتهن عليها وباءت محاولاتها بالفشل صاحت بـ قهر : _ دعـــونــــي وشـــأنـــي ، أتعلمـون مـن بـالـداخـل ؟ تــمــيـم بالداخــل ، أخــي بـالـداخـل ، قـطـعـة مـنـي بـالـداخــل ، لا بـد مـن أنـه خـائـف ويحـتـاجـنـي لا أسـتـطـيـع التـفـريـط بـه لا أقـوى عـلـى تـركـه لـو كـنـتُ أنـا مـا كـان لـيـتـركــنـي أرجـــوكـــم دعـــونــي ، دعـــــونـــــي صمتت روڤان ثوانٍ وقد التقطت أذناها صوت سيارات الإسعاف والمطافئ معاً ، التفتت نحو السيارات لتجد سيدةً ثالثة تهمس لها وهي تربت عليها : _ انظري يابنتي ، الإسعاف قد أتت ، سيخرجون كل من هم بالداخل إن شاء الله وتجدين شقيقك ، هلّا تهدأين الآن ؟ ستلتقين به عما قريب _ أساساً هذا ما أخاف قالتها بـ خفوت وكأنّ صوتها قد ذهب ضحية الصراخ ، لكن السيدة التقطت كلمتها وهي تدرك أن معها حق ، هي نفسها تخشى ردة فعلها بعد رؤية أخيها .. أو جثمانه دقائق مرت وروڤان تتابع عمليات الإنقاذ بـ عينين زائغتَين تكادان تبكيان دماً بدل الدموع .. قلبها يدقّ بسرعة وقوة تكاد تصم أذنيها كالطبول ، لا تستطيع تخيل حالها إن رأت شقيقها خارجاً من هناك ميتاً ، وهي تدرك أن هذا غالباً ما سيحدث لاحظت بدأ خروج الممرضين من المطعم بحاملاتٍ تحمل أجساد الكثيرين ، القليل منهم من المصابين وأغلبهم ذهبوا ضحية الحريق وهنا استغلت فرصتها وأفلتت من أيدي النساء راكضةً نحو مكان خروجهم تبحث من بين المصابين أولاً عن شقيقها ، لكنه _ مما زلزل كيانها _ لم يكن أيّاً منهم نظرت روڤان بـ حسرة لتنتقل بين النقالات التي يركض الممرضون بها بجثمان من كانوا بالداخل من حولها في كلّ مكان لتشعر فجأةً أنها ضائعة وما الجديد في هذا الشعور ؟! كانت عيناها تتنقل بـ دموع بين من خرجوا وهي تركض تائهةً بينهم في كل مكانٍ تكشف عن وجوه كل منهم والتي لم تكن واضحةً كثيراً ، لكن هيئة ملابسهم تقول بأنه ليس أيّاً من هؤلاء وأثناء زيغ عينيها التائهتين وقع بصرها على جسد مغطىً بأكمله على نقالةٍ يحملها 4 ممرضين لـ يبدو لها تماماً كهيئة تميم ، صرخت بالممرضين وهي تركض نحوهم مجبرةً إياهم على إنزال الحاملة أرضاً لتجلس على ركبتيها بجوارها تخشى رفع الغطاء ، لكن لا سبيل للفرار ، عليها المواجهة ، والآن ازدردت روڤان ريقها بصعوبة مغلقةً كلتا عينيها وهي تمسك طرف الغطاء ، لكنها شعرت بقوة مضادة تنزل الغطاء للأسفل عكس الاتجاه فـ لا تستطيع رفعه ، فتحت عينيها الباكيتَين ناظرة أمامها لتجد شابّاً لا تعرفه يمسك الغطاء يأبى رفعها إياه ناظراً لها برجاءٍ وحزنٍ كأنه يشفق عليها مما سـتراه .. نظرت روڤان له ببراءة قبل أن تخفض عينيها مجدداً نحو الغطاء بألم حارق والخيالات تلعب بعقلها تدفعه بـ قوة يميناً ويساراً ، رفعت عينيها للشاب مردفة بصوت مبحوح من كثرة الصراخ والبكاء : _ لازم أعرف هو ولا لا نظر لها الشاب بقلة حيلة ، معها حق .. لا سبيل للفرار ، عليها أن تعرف إن كان هو أم لا .. ولكنه مدركٌ أن ما ستراه لن يكون هيناً ، كما لن تكون ردة فعلها عليه هيّنة .. ولها الحق أبعد هو يده عن الغطاء لتعيد روڤان نظرها إليه قابضةً على طرفه بـ خوف وجاءت اللحظة الحاسمة ، لترفع روڤان الغطاء عن وجهه وجسده لتشعر بزلزال في سائر جسدها أدى لانتفاضته ، إنه أشبه من بهم لتميم ، حتى هيئة ملابسه هي نفسها لا ، بالتأكيد ليس هو ، هي ليست متأكدةً بعد ، لكن خطر على بالها فجأةً فكرةٌ ما مدركةٌ أنها من ستؤكد لها حاسمةً الجدال ، أهو تميم أم لا ازدردت ريقها بخوف قبل أن تمد يدها في جيب بنطاله الأماميّ تتفقده بـ يد مرتعشة ، لتقع يدها على إحدى العلب مربعة الشكل فينقبض قلبها بـ عنف ، اعتصرت عينيها بألم قبل أن تخرج العلبة لتضعها أمامها وتفتح عينيها ، علبة مربعة لا تدري لونها ولا المكتوب فوقها وقد شوهتها النيران حافظةً الخاتم بداخلها ، فتحت روڤان العلبة ببطء لتتفقد شكل الخاتم ، وما إن وقعت عيناها عليه حتى تأكدت ظنونها ، و خارت قواها ، و تيبس جسدها ، و ما كان منها سوى انهيارٍ فاق كلّ الذي سبقه هاتفةً بـ قهرٍ فاق أي قهرٍ شعرته من قبل وبـ حرقة قلبٍ دامٍ أكثر من ذراعها النازف بغزارة ، بصوت يكفي ليعمّ أرجاء اسطنبول : _ تــــــمــــيـــــــم أدار الشاب وجهه للناحية الأخرى بألم ، المنظر مؤلمٌ كثيراً على قلبه فـ ما باله بـ قلبها !؟ كانت روڤان في حالة يُرثى لها ، أخذت تهزه هزاً عنيفاً صائحةً به بقهر وعقلها الباطن يرفض تقبل الفكرة : _ تـمـيـم ، تـمـيـم أفـديـك أخـي حبـاً بالله اسـتـيـقـظ هيـا ، هيـا نعـود لبـيـتـنـا أرجـوك ، انـهـض أخـي يَلـديز تـنـتـظـرك ، تـقـوى تـنـتـظرك ، كـيـف أخـبـر الصغيـرة بمـا حـدث كيـف اخبـرهـا بآخـر صـورة لـك في عـينـي ، أرجـوك أخـي أفـديـك انـهـض أرجـوك تـمـيـم حوقل أحد الممرضين بأسىً في سره على هذا المشهد المؤلم ، استأذن من روڤان بهدوء وهو يحاول رفع الحمالة التي تحمل جسد تميم : _ فليصبر الله قلبك ، تعازيّ لكِ ، لكن رجاءاً أختي يجب أن ننقله مع الباقين إلى المشفى اسمحي لنا _ لا ، لا لا أسـمــح لـكـم لـن تـأخـذوا أخـي لأي مـكـان أتـفـهـم ؟؟ هـو يمـزح مـعـي مـزاحـاً ثـقـيـلاً فـقـط وسـيـسـتـيـقـظ أنـا أعـرفـه لـن يـهـون عـلـيـه تـركـنـا ولا تـرك يـلـديـز ابـتـعـدوا عـنـه صرخت به وشدت روڤان منه الجزء الذي أمسك به بـ عنف وهي تحاوط شقيقها بكلتا ذراعيها كأنها تخفيه منهم خوفاً من أن يأخذوه منها أكملت روڤان توضح له بحسرة من بين دموعها المنهمرة التي شوشت أمامها الصورة وهي تتبادل النظرات بينه وبين تميم : _ أنت .. أنت لا تفهم .. أخي كان سيصبح عريساً اليوم ، كان سيخطب حبيبته ويحقق حلمه كان سيصبح سعيداً .. حتى انظر ، لقد انتقينا هذا الخاتم ليقدمه لها ، انظر كم هو جميل لقد كان سعيداً به كثيراً رفعت الخاتم أمام عينيه تريه له ، اجتمعت الدموع في عينيّ الشاب وهو يراقبها ويستمع لها ، بينما تبادل الممرض النظرات المتألمة بينها وبين الخاتم ولا يدري ما يقوله لها ، فقط اختلطت عليه مشاعره في تلك اللحظة ، لذا آثر الصمت مغلقاً فمه أعادت روڤان نظرتها المكسورة نحو شقيقها القابع أرضاً دون حركة أو صوت أو نفس ، فقط جثة هامدة تسحب روحها منها تدريجياً حتى ضاقت عليها الأرض بما رحبت ، وضاقت عليها نفسها .. هزته مجدداً ولكن هذه المرة برفق وقد خارت كل قواها هامسةً بنبرة مكسورة وهي تطالعه جسده المحترق : _ تميم ، هيا أخي ، ارجوك لا تتركني هكذا انا كنت سعيدة أنني عدت ، سعيدة أنني أخيراً سأعيش برفقتكم كما كنا في السابق ، كما كنا حين كنا أطفالاً أتذكُر ؟ أسألك بالله قل لي كيف لـ نفس الوجه الذي كان يطمئنني رؤيتها منذ كنتُ رضيعة هو ذاته الذي سيراودني في كوابيسي كل ليلة كأصعب مشهد وأشده رعباً رأيته في حياتي وهو كذلك آخر انعكاسٍ حقيقيٍّ في عيناي لك ؟ كيف للجسد الذي احتضنني حامياً لي من نوائب الدنيا في أشد لحظات ضعفي أن يكون هذا هو آخر ملمسٍ ألمسه له ؟ بـ حق الله قل لي كيف سأعيش بهذا الألم ؟؟ اعتصرت روڤان عينيها بقوة احتراق روحها مانعة دموعها من اكمال سيل الانهيار ولكن هيهات ، فـ علت شهقاتها بـ عنف قبل أن تفتح عينيها راجيةً إياه بـ ضعفٍ آخر رجاء لعله يستجيب : _ انظر .. والدانا تركانا رغماً عنهما ، على الأقل لا تفعلها أنت ، نحن بحاجة لك تميم ، والدانا اللذان سافرا للعلاج كيف سأشرح لهما هذا ؟ حسناً ماذا عنا نحن ؟ انا فتحت عيناي على هذه الدنيا وجدتك تميم ، كنتَ صديقي الأول دائماً والأخير ، نحن كبرنا معاً ، كنا نفرح لبعضنا كلما حقق أحدٌ منا هدفاً ، كنتَ لتصبح أجمل عريسٍ أخي وكنتَ لتنجب أفضل الأولاد ، كنتُ لأصبح أنا أسعد المتواجدين ، كنتَ ستُزوجني أنت فارضاً على من سيتقدم لي العديد من الشروط لتُغليني أكثر في عينيه ، كنتُ أنتظر هذه الأيام منذ طفولتنا وزاد انتظاري وحماسي لها منذ أحببتَ يلديز ، أبكلّ بساطة الآن تتركنا خلفك وتذهب ؟ حسناً ماذا عن يلديز ؟ كيف بعد أن كنتُ سأخبر الفتاة بأن تلبس فستان حفل لتتقدم لخطبتها أن تلبس الأسود عليك ؟ .. انهض تميم أرجوك هيا نعود لبيتنا كأنّ شيئاً لم يكن ، هيا تميم نظر الأربعة ممرضين إلى بعضهم البعض بحزن ويأس ، إن طاوعوها فـ لن تتركهم يأخذونه حتى الصباح ، تحدث الممرض بأسف لها : _ انا آسفٌ لك حقاً أختي ، ولكن يجب أن نأخذه ، دعينا نقوم بعملنا من فضلك قالها قبل أن يرفع هو والممرضون الثلاثة الآخرون الحمالة التي تحمل جسده رغماً عنها ، زاد انهيارها انهياراً وهي تراهم يأخذونه قسراً مع باقي الموتى : _ لا ، لا اتـركــوه هـو لـم يـمـت لا يـمـكـنـه البـقـاء مـعـهـم إلـى أيـن تـأخـذونـه ، أسألك بالله لا تتركنا ، بحق الله تميم افتح عينيك حباً بالله أخي ، لقد كسرت قلبي تميم كسرت قلوبنا جميعاً سامحك الله زاد انهيارها تحت هتاف الشاب بها يحاول تهدئتها لكن دون استجابة ، وهو من داخله كان يدري أنها لن تسمعه من الأساس ، ولن يُجديَ معها نفعاً .. رفعت روڤان عينيها الدامعتين ووجهها المُترّب وذراعيها الغارق أحدهما بـ دمائه مستغيثةً بالله ، مدركةً أخيراً بعد طول توسلات لغيره وحسرة لا فائدة منها سوى انهاك الروح واهلاكها ألماً أن لا ملجأ من الله إلا إليه فـعلَى صوتها المستغيث متوسلةً : _ يا رب ارحمنا وارحم وجع قلوبنا وضعفنا وقلة حيلتنا ، يا رب لا تختبرنا بما لا نستطيع عليه صبراً ، يا ربي هذا ثقيل جداً كيف سأعيش بهذا الألم علت شهقاتها مخفضةً رأسها وذراعيها للأسفل وقد راح صوتها ضحية البكاء ، وخارت قواها ناسيةً تماماً جرح ذراعها النازف بدمائه بجوار انهيارها وصداع رأسها أثر الارتطام .. لتشعر شيئاً فـ شيئاً بإظلام الصورة أمامها ودقات قلبها تنخفض تدريجياً حتى ما كادت تشعر بها ، لتبتسم تلقائياً متمنية بداخلها أن تكون هذه النهاية .. قبل أن تفقد الإدراك غير شاعرةٍ بجسدها الذي ارتطم أرضاً غارقاً في ظلامه وقد وقعت مغشياً عليها .. ليكون هذا المشهد ختام هذه الليلة المخيفة نظن عند بعض الحوادث في حياتنا أن هذه هي النهاية التي لا يمكن بعدها حياة ، غير منتبهين لباقي الامتدادات لهذه الحوادث تقود إلى ألف طريق وطريق مسطّر في صحائفنا منذ خلقَ الله القلم قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة ، لننظر فيما بعد للماضي نظرة عميقة ، وإذ أن ما ظنناه هلاكاً محتماً ، لم يكن سوى حياةً جديدةً كنا عنها في غفلة تستحق الثناء لله _ عزّ وجلّ _ والحمد وإذ أنّ ما ظنناها نقطة النهاية ، لم تكن إلا نقطة في صفٍّ طويلٍ من النقاط ، وإن أمعنّا النظر فيها سنرى بها أكثر من مجرد نقاط مرصوصة في صفّ ، والتي ليست سوى أول السطرْ 🥀___________________________🥀 انتهى بحمد الله اللاڤندر الثاني أتمنّى أن يكون نال إعجابكم ، وأعتذر لكم عن آخر مشهد ، ولكن كما قلت هذه _ بإذن الله _ ليست نقطة النهاية ، بل أول السطر أحبكم في الله ودمتم سالمين يا رب

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

لاڨاندري

المؤلف ArwaMahmoud38
2024/10/10 مستمرة
قائمة الفصول (15)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة