_ رامي ! همست بها تاچ بفزع متسمرة مكانها ، وهي تراه يترجل من سيارته وتعابيره لا تنم عن خير شئ ما أغضب رامي .. وبشدة وجدته يقبض على ذراعها كما لو كان في إحدى مهماته في مصر ويقبض على أحد المجرمين ، ويجرها في يده ليلقي بها في السيارة في المقعد المجاور لمقعده ويغلق الباب بعنف ، وثوانٍ وكان قد دار حول السيارة ليركب على كرسيّ القيادة شعرت تاچ بالثلوجة تصيب جسدها كله حتى باتت لا تشعر بأطرافها ، ازدردت ريقها بصعوبة وقد ضاقت شعبها الهوائية فصارت تتنفس بصعوبة بالغة لقد عرف ، هو يعرف مع من كانت .. قُضيَ عليها بدأ يتحرك بالسيارة على سرعة متهورة ، تكاد تجزم أنه لا يرى أمامه مما أخافها أن يتعرضا لحادث ظلت لدقائق تختلس النظرات إليه كل فترة ، لتجد التجهم هو المهيمن على تعابير وجهه كما لم تره من قبل _ رامي ، أنا كنت رايحة أنـ .. _ مش عاوز اسمع صوت صاح بها بشكل وتعابير وجه أفزعتها فعادت لسكوتها مرة أخرى وقد بدأت دموع الخوف والندم معًا تجتمع بعينيها ما الذي فعلته هي بنفسها وبعائلتها ؟ ما الذي فعلته ؟ دقيقة أخرى ، وجاءه صوتها مجددًا _ رامي .. قاطعها صائحًا بغضب جحيميّ مجددًا : _ متنطقيش اسمي ، مش عاوز اسمعه منك ، مش عاوز اسمع صوتك .. اخرسي ليتوالى صوت رنة هاتفه مع آخر كلماته برقم أصاب تاچ بصاعقة ، ولم تستوعب بعد كيف أتى رقم ظافر على هاتف رامي أمسك رامي الهاتف موقفًا السيارة وقد بدأ قلب تاچ يدق بعنف من خوفها ، فتح رامي الخط واضعًا الهاتف على أذنه بعد أن رمض تاچ بنظرة جحيمية ثانيتان وانقلب وجه شقيقها أكثر بينما هي مرت عليها الثانيتان كسنوات وجدت شقيقها ينزل الهاتف عن أذنه فاتحًا مكبر الصوت ليصلها صوت ظافر بما شل حركتها : _ لم تقل لي ما رأيك بالصور ، سيادة الرائد .. بالطبع أعجبتك ، فـ "تاچك" كانت تبدو رائعة اليوم ، يؤسفني أنه سيكون آخر لقاء بيننا لأنني ما عنت سأمتع نظراتي بذاك الجمال أنت لم تستمع لي من قبل .. قلت لك سأكسر عنقك ، وسأجعل رأسك في الوحل ، وأنني أمسك زمام كرامتك بين يديّ ، ولكنك استهنت بي .. هذا كان انتقامًا صغيرًا منك ، وصدقني استمتعت كثيرًا في تنفيذه .. يومًا سعيدًا ، سيادة الرائد قالها ضاغطًا على حروف آخر كلمتين .. ليُغلَق الخطّ ، ولم يتبقى سوى نظرات تاچ المصدومة ، وعينيّ رامي التي يعتصرهما بقوة وقبضة غاضبة على هاتفه في محاولة مستميتة للسيطرة على أعصابه فاضت الدموع من عينيّ تاچ بغزارة وقد بدأت شفتاها ترتجف ، فتنظر إلى وجه شقيقها فتشفق على حاله فتحت تاچ فمها على نية الكلام ثم أغلقته مرة أخرى ، لتعيد فتحه متحدثةً برجاء : _ أنا كنت رايحة عشان أنهي كل ده والله ، أنا غلطت أنا عارفة بس انا فوقت والله وندمت ، أنا روحت اصلا عشان انهي المهزلة ديه والله ، يمكن عشان كدة هو قالك ، بينتقم مني لو كنت لسة مكملة معاه مكانش قالك .. ده أكبر دليل انه معتش بيننا شئ يُذكَر أصلًا .. رامي صدقني أنا بقول الحقيقة صاح بها باستنكار : _ أصدقك ؟ أصدقك صح انتِ عاوزة كدة ؟ شايفاها حاجة بالبساطة ديه ؟ زادت دموع عينيها مجيبةً إياه : _ أنا عارفة انه صعب ، بس انا والله ندمت ورجعت عن غلطي وانتَ بتقدر تعرف إذا كان كلام اللي قدامك فيه مصداقية ولا بيكذب ، انت ذكي .. أرجوك صدقني ، أنا مش وحشة والله ، أنا لسة تاچك ، ولسة ضميري بيحكمني نظر لها رامي نظرة ساخرة على أثر آخر جملتين أصابتها في مقتل .. لقد سقط مقامها عنده ، أكدت لها نظرته هذا .. وهذا أمرٌ هي لن تتحمله تدرك أنه ما كان ينتظر غدرًا منها هي .. حلا _على ما هي من حقد اتجاهها_ على حق .. ضربتها هي ستكون قاضية ، أشدّ ألمًا وقسوة .. فالخيانات موجودة في كل مكان ، لكن تلك التي تأتيك ممّن تراهن على من لو أعطيته ظهرك تاركًا في يده السلاح ستظلّ في ظلال ذلك آمنًا مطمئنَّا ، هي الأسوء عاد شقيقها مشغلًا المحرك ، مكملًا في طريقه وقد صارت تتجنب النظر إليه ، فما عادت تشعر بقدرة عينيها على ذلك وطوال الطريق تئن عيناها ووجهها ألمًا وندمًا وحسرة دقائق وكان كلاهما أمام باب البيت ، لتفتح لهما أمهما الباب ، لا يبدو من تعابير وجهها أنها تعلم بشئ لم يخبرها ؟! ثوانٍ وكان رامي يغادر من أمامهما متجهمًا صاعدًا إلى غرفته دون النطق بكلمة ! فتظلّ هي وأمها قبالة بعضهما وعلامات الجهل تحوم حولها متسائلة فتجيبها تاچ بنبرة مختنقة بأنهما تشاجرا ، وتهرب من أمامها إلى غرفتها لتعطي لدموعها الأريحية في التعبير ، فحبسها يوجع بشدة ، ربما أكثر من سبب حزنها نفسه تاركين أمهما وحدها بالأسفل ، ولا تفهم ما الذي حدث بينهما قبل استقرارهما أمام هذا الباب ! 🥀________________________🥀 في اليوم التالي ، صباحًا _ إلى متى ستظل هناك كنان ، هل سأظل وحدي ؟ _ أمي العزيزة ، أرجوكِ لا تقولي هذا .. إنني مضطر أقسم _ أعرف ذلك ، ولكن .. إلى متى ستمكث هناك ؟ _ يؤسفني القول بأنه لأشهر غالبًا تنهدت أمه بأسًى وقد عبس وجهها ، نظر كنان لها بحنان وحزن لانعدام حيلته ، عمله يضطره للسفر لأذربيجان لشهور ، لا يدري متى ستنتهي مهمته هناك ، ولا يدري أيضًا كيف ستبقى أمه كل هذه المدة وحدها ، إنها تهاب الوحدة ، وهو ابنها الوحيد ووالده تُوفّيَ منذ ثلاثة أعوام كان من الممكن أن يقترح عليها أن تذهب للمكوث عند السيدة رباب وأبناء أخيها ، ولكن .. كيف سيحدث هذا في وجود باريش وألب ؟ حتى وإن قلنا بأنها ستظل بحجابها طوال الوقت في المنزل وفي محاولة عدم الاجتماع بهما كثيرًا .. ستظل هنالك وخزة في قلبها اتجاه باريش .. هو في النهاية أتى في حياتهم كزوج وأُنسٍ لرباب بدلًا من خاله .. وهذا لن يلبث دون شوكٍ ستشعر به في حلقها طوال فترة وجودها هناك _ ما رأيك أن تقترحي على تاچ أو بيجاد أن يأتيا ويمكثا معكِ ؟ سيسعدان كثيرًا .. لن أقترح رامي بالطبع لأنه حرام علينا ، فأمه لم تشبع من رؤيته بعد .. أما تاچ وبيجاد فعلاقتهما برامي مؤخرًا معروفة .. ليست أفضل ما يكون .. لذا لن يكون لديهما مانع من المجيء _ لا أريد تحمل مسؤولية بيجاد ، كنان .. إنك تعرفه ، هو متهوّر .. أي كارثة سيقوم بها وهو في بيتي ستكون في رقبتي أنا .. أظن تاچ خيارًا أفضل ، أنا متأكدة أنني لو عرضت عليها لن تتردد وستأتي _ نتصل بـ تاچ إذًا .. هل أحضر لكِ هاتفك ؟ _ حسنًا ، بنيّ .. أحضره عاد لوجه أمه طيف الابتسامة الجميلة من جديد .. كم يعشق ابتسامتها ! كاد يتحرك من مكانه لإحضار الهاتف ولكن أوقفه صوت رن هاتفه الملقيّ أمامه على سريره بجوار حقيبة السفر المفتوحة ، والتي لم ينتهِ من جمع أغراضها بعد _ حماتك تحبك .. كنّا نتحدث في سيرتك الآن قالها كنان بمرح وابتسامة وجه بشوش كعادته ، بعد أن أمسك هاتفه وأجاب على اتصاله .. جاءه صوت رامي والذي لم يأته مزاج لمجاراته في المرح على ما يبدو : _ لماذا ؟ _ إنني مسافرٌ غدًا إلى أذربيجان لأجل العمل ، سأبقى لبضعة أشهر ، وعمتك كما تعرف لا تحب البقاء وحدها .. كنا نقترح أن يأتي أحدٌ من ثلاثتكم للمكوث مع أمي ، وقع الترشيح على تاچ .. ما رأيك ؟ _ للأسف كنان ، لا يمكن .. تاچ وبيجاد غير متاحين أبدًا للذهاب لأي مكان هذه الفترة .. وأنا لا أقدر على مغادرة البيت للبيات في مكان آخر ، بسببهما _ هل تحبسهما في المنزل ؟ قالها باستنكار وقد توقع ما يرمي إليه ، انتبهت أمه إلى تساؤله بقلق .. ما عساها تكون فعلة كل منهما حتى يضطر رامي لحبسهما في البيت ! _ نعم .. للأسف _ أيها المتسلط ! .. هل هذا ما تقدمه لهما في أول بضعة أيام تمكثها معهما بعد غياب عامين .. حرامٌ عليك يا رجل ! _ بالأصل قل لهما هذا الكلام .. هما من يحتاجان كلماتك تلك .. ليس أنا صمت كنان بتوجس .. ولفهمه لشخصية رامي ، يدرك أنه طالما لم يقل له السبب من تلقاء نفسه ، ولم يطلب حتى مقابلته والجلوس معه لبعض الوقت .. إذًا فهو لا يرغب بأن يعلم أحد .. لذا لم يسأله عن أسبابه ، وآثر الصمت .. بل وغيّر الموضوع _ كنت سآتي اليوم لزيارتكم ، قبل سفري .. هل الأحوال تسمح ؟ فمن كلامك أشعر أن الوضع متوتر في البيت كثيرًا _ طبعًا .. منذ متى وأنتَ بحاجة لاستئذان ، كنان ! .. يمكنك المجيء بأي وقت وإن كان البيت منقلبًا رأسًا على عقب .. ثم إن أمي ستحزن لو رحلتَ دون أن تودعنا ، وأنا أيضًا بالطبع .. لو كنت فعلتها لأتيت لأسحبك من ياقة قميصك من المطار جرًّا إلى هنا ابتسم كنان بمرح مردفًا : _ إذًا اتفقنا ، نلتقي مساءًا 🥀___________________________🥀 _ إلى أين أنت ذاهب ؟ قالها رامي وهو يرى بيجاد يغلق باب غرفته خلفه بملابس توحي أنه على وشك الخروج _ سأتمشى قليلًا _ لن تخرج من البيت .. لم يعد يمكنني ائتمانك .. أنت لا تعتّب البوابة حتى إلا عندما تثبت أنك شخصٌ عاقل رزين يمكنه الخروج وحده دون جلب مصيبة عند إيَابه .. لن تخرج بعد الآن إلا إذا كان برفقتي أو برفقة باريش هو ليس غبيًّا لكي لا يستغل شعور أخيه بالذنب في إعادة تأهيله أولًا وتقريبه _بعد سفره الذي أبعد قلبه عنه أميالًا_ إليه من جديد ومن باريش ثانيًا وكما توقع رامي فعلى عكس طبيعة بيجاد المتمردة ، هو لم يعقّب ! ذنوبه الأخيرة وخاصةً ما اقترفته يداه ليلة أمسٍ كسرت عينه أمام شقيقه وأمامهم جميعًا .. الآن مهما سيتخذون من إجراءات اتجاهه فلهم الحق ، لذا لا يلقي لومًا على أخيه ، ولا يشعر بأحقّيته في معارضته بل على العكس تمامًا امتثل لأوامره متسائلًا : _ حسنًا .. وإلى أين تذهب أنت ؟ بدأ احساس الفضول يتملكه اتجاه معرفة الحكايات المختبئة في حياة أخيه ، والتي أخذت الحياة كلًّا منهم حتى غفلوا تمامًا عن ما يدور فيها ، وربما أخذهم غضبهم أيضًا _ ذاهبٌ إلى الملجأ ، لي زيارتان هناك كل عام كما تعلم ، التهيت منذ عودتي ولم أقم بها بعد .. هل تريد المجيء ؟ كان يعلم بيجاد أن خروج أخيه سيكون ذا قيمة ، هو يعرف أنه لا يخرج من البيت إلا إن كان ذاهبًا لفعل شئ مفيد ، على عكس أسباب خروجه الشبابيّ هو مع أصدقائه والذي يكون عديم الأهمية غالبًا لا طالما كان يشعر أن حياة شقيقه ذات قيمة ، على عكسه هو ، يعيش لأن أنفاسه لم تتوقف فقط .. أما رامي يعيش لأنه ذو أهمية في حياة أناس كثر ، حياته ذات قيمة .. وقد بدأ يشعر هو بالفضول اتجاه حياته تلك يريد أن يشعر أن أنفاسه ذات أهمية مثل شقيقه ، بدلًا من سيره الضال في دروب الحياة يعيش بلا هَدْيٍ أو هدف أو قيمة ، يعيش لأنه _فقط_ لم يُكتب له الموت بعد _ حسنًا .. سآتي وها هي الخطوة الإيجابية الأولى ، لقد أحسن رامي استغلال الوضع لصالحه ، ضرب عصفورين بحجر واحد ، حمدًا لله أن حنّن له قلب شقيقه وهداه .. يرجو أن يستطيع مساعدته وانتشاله من بركة الخطايا العَكِرة تلك التي سقط فيها ولا يستطيع الخروج دقائق مرت وكان كلاهما يركب بسيارة رامي ، ليدير الأخير المفتاح ويتخذ طريقه نحو وجهته .. خمسة عشرة دقيقة تقريبًا ، وكان رامي يركن سيارته في مكان مناسب ، ترجل منها متخذًا خطوات متزنة مع شقيقه للداخل لم يكن يعرف بيجاد سبب ذهابهما ولا ما سيفعلان ، حتى رأى كمّ الهدايا والحلوى الموجود بمكتب إحدى السيدات اللاتي يعملن هناك ويبدو أنها تعرف شقيقه ، وعلم فيما بعد أن رامي هو من تكفّل بثمنها جميعًا .. وُضعت الأغراض في عربتين أمسك بهما هو وشقيقه يقودانها في الممرات برفقة تلك المرأة بين غرف الأطفال المختلفة ، كلما انتهيا من غرفة بدءا بأخرى كان يظن بيجاد الأمر سيكون مملًّا ، ولو كان مكان شقيقه لدفع المال وترك أمر توزيع الهدايا ذلك على العاملين بالملجأ ، لَمَا قام بالأمر بنفسه لكن على عكس ما ظنّ .. فكان توزيع الهدايا والحلوى لما يحمل من ضحكات وصرخات مبتهجة للأطفال وركضٍ لحضن كليهما بسرور ومجالسة كلٍّ منهم لبعض الوقت لذة ليس كمثلها أخرى .. مميزة ذات مذاق حلو متفرّد ! شعر به لأول مرة في حياته هل يشعر به شقيقه مرتين كل عام على مدار الأعوام السابقة ! لو كان يعلم مدى لذة مذاقها لَمَا توانى عن إيجاد وظيفة لنفسه خصيصًا للمقدرة على تخصيص جزء من ماله لأشياء كهذه لقد مرت الساعات سريعًا حتى شارف النهار على المُضيّ ، ما قطعهما سوى الآذان الذي أخذ شقيقه بيده للمسجد لتلبية ندائه ثم عادا لجنة الله على الأرض في هذا الملجأ الذي صار مغمورًا بالبهجة الدافئة ، والتي تصب كلها في ميزان حسنات أخيه و _من نعمة الله عليه رغم إحساسه الدفين أنه لا يستحقها_ ميزانه أيضًا لم يشعر أبدًا بعدد الساعات التي قضياها هنا ، لقد شارفت الشمس على المغيب ولم يفعل شيئًا في يومه سوى الصلاة وهذا النشاط المبهج ، يشعر أن بطارية "الحياة" الفارغة عنده قد أُعيد شحنها بطاقة إيجابية وضّاءة ، لا يذكر متى آخر مرة قضى بها يومه في شئ مفيد ذي قيمة يستحق العناء حتى عاد منه بروح غير التي أتى بها ، تجعلك تضع رأسك على الوسادة ليلًا بطاقة مستهلكة وروح مشحونة الحياة ، تجعلك تنام وابتسامة تلقائية منبعثة من قلبك ترتسم على وجهك هذا المكان وهكذا نشاط من الأشياء التي تُخرجك بقلبٍ غير الذي دخلت به مثلُ هذه الأمور هي التي لا تندم على فَناء يومك كله وطاقتك فيها .. بل خسارة الوقت والطاقة بها هو مكسبٌ عظيمٌ بحدّ ذاته ، بل هو حتى لا يجرؤ على إطلاق عليه مُسمّى خسارة توقف كل هذا في لحظة ما سمعا بها صوت بكاء طفلة بنبرة واضحة ، ويبدو أنهم فقدوا السيطرة عليها تتبّع رامي الصوت وبيجاد خلفه ، حتى وصلا لمصدره ، ليُدهش رامي مما رآه .. الفتاة الصغيرة التي كانت برفقة روڤان ، اختها الصغرى كانت تبكي دون توقف ، يقف عددٌ من المسؤولين حولها في الممر يمنعون خروجها ، وقد فهم من الوضع أنها حاولت الهروب ، تبكي دون توقف مطالبة بأختها تقدم رامي منها سريعًا طالبًا إفساح الطريق ، جالسًا على ركبتيه بالقرب منها مردفًا بلطف : _ صغيرتي التفتت الطفلة إلى الصوت ، لتنظر له بذهول وما هي إلا ثوانٍ تعلقت بعدها بعنقه وكأنه طوق نجاة وألقِيَ أخيرًا إليها حمدًا لله فأخيرًا وجدت أحدًا هنا تعرفه وتطمئن له _ أنا أعرفك ، أنت من أنقذت أختي يوم حريق المطعم .. أرجوك أعِدني لها أنا خائفة قالت الصغيرة بنهنهة وبكاء ، وجهها أحمر وعيناها متورمتان ، يبدو أنها لم تقضِ ليلة هانئة مسّد رامي على ظهرها محاولًا طمأنتها ، أردفت الصغيرة ولم تهدأ نوبتها : _ أرجوك أخبرها أن تأتي وتأخذني ، لقد تركتني هنا أمس .. كنت مريضة وقالت أنها ستجلبني إلى هنا لأكون أفضل ، وتركتني رغمًا عني .. أخبرها أنني لن أبكي أو أصرخ مجددًا .. أريدها فقط أن تأتي وتأخذني ، رجاءًا أعدني لأختي ويلديز _ ششش ، اهدئي صغيرتي ، اهدئي .. أعدك ، سأعيدك لها .. لا داعي للخوف ، اسمعي ، هذا المكان على ضمانتي ، إنك هنا بأمان ولا داعي للخوف .. يمكنك المكوث هنا بطمأنينة ريثما أصل لأختك ، حسنًا ؟ لا داعي لهذه الدموع _ لا لا ، لا أريد خذني معك ريثما تجدها ، أنا لا أعرف أحدًا هنا ، إنني خائفة ، أنا لم أعتد البقاء في مكان دون روڤان أو تميم أو يلديز ، أرجوك خذني من هنا وأعدني لها نظر رامي للمسؤولة بقلة حيلة والفتاة تبكي بانهيار على كتفه ، فنظرت له وأشارت بأن أمرًا كهذا غير ممكن ، وأنه ضد قوانين المكان تنهد رامي بحزن وأسًى على حال الصغيرة ، كان يعرف أن روڤان في وضع كهذا لن تستطيع الاعتناء بطفلة في السابعة أو الثامنة ، الأمر كان شبه مستحيل ولكن ما أثار تعجبه ، هل حقًّا فضّلت أختها وضْع شقيقتها بملجأ على طلب المساعدة منه وبطاقة رقمه معها ! هل هي مجنونة ؟! ولكن هذا لم يكن وقته الآن ، عليه التصرف مع هذه الصغيرة التي لا ذنب لها بكل هذه الأحداث أبعد رامي الفتاة عنه قليلًا فيصير وجهها الصغير قبالته ، ليتوقف لسانه عن النطق لثوانٍ ، وقد لاحت ذكراها على باله .. لاڤندره .. صاحبة حجر القمر ! إن سن تقوى مقارب للسن الذي قابل زهرة اللاڤندر فيه أول مرة ، كما أنها _على اختلاف لون بشرتها_ تشبهها إلى حدّ كبير ! عاد رامي بذهنه لأرض الواقع سريعًا ، محاوطًا وجه الصغيرة بيديه الكبيرتين متحدثًا بحنان : _ صغيرتي ، اسمعيني .. أنا لست من دمك ، لذا لا حق لي بأخذك من هنا ، لن يسمحوا لي .. على شقيقتك أن تأتي لتأخذك بنفسها ، وأنا سأخرج من هنا للبحث عنها .. أعدك سأفعل كل ما أستطيع وما لا أستطيع لأعيدك لحضنها ، والآن لا داعي للخوف ولا حتى البكاء ، كوني واثقة من أنك بأمان ، وأنك لو احتجتي أي شئ في أي وقت ستجدينني هنا بجوارك ، اعتبريني مثل تميم ، حسنًا ؟ نظرت الصغيرة بيأس أخذ منه قلبه وقلب بيجاد أيضًا ، وهي تخفض وجهها وعينيها الصغيرتين بحزن وهمّ ثقيل من المؤسف رؤيته في عينيّ من هم في مثل سنّها وهذه المرة وجد بيجاد فرصته ، ليحاول فعل شئ مفيد يكون ذا أهمية لأحدهم ، وليكون هو ذا أهمية لأول مرة بحياته ، فيقف بحزم غلفته العاطفة بجوار شقيقه محدثًا الطفلة وهو ينحني لها بجذعه : _ وأنا سأمكث معكِ هنا حتى المساء ، حتى أطمئن أنك نمتِ بسلام .. سنأكل الحلوى ونلعب ونصبح أصدقاء ، وسنظل هكذا كل يوم حتى ذلك اليوم الذي تعودين فيه لشقيقتك إن شاء الله .. حسنًا ، صغيرتي ؟ هل تمانعين في اتخاذي صديقًا لك ؟ رفعت الصغيرة عينيها ماسحة دموعها مجيبةً ببراءة : _ أمي قالت لي أن لا أصاحب الأولاد اتسعت ابتسامة رامي رغمًا عنه بينما ضحك بيجاد مردفًا : _ أمك تقصد عندما تكبرين ، صغيرتي .. أما الآن فأنتِ طفلة لا حرج عليكِ ، لا بأس في أن نكون أصدقاء .. كما أنني مهذب لا تقلقي _ حسنًا .. موافقة قالتها الصغيرة بطيف ابتسامة وجد طريقه لثغرها الصغير المبتلّ بالدموع كباقي وجهها ، طالعها بيجاد بحنان آخذًا بيدها مردفًا : _ والآن أول خطوة علينا فعلها هو غسل هذا الوجه الصغير فالدموع لا تليق به .. يليق به الابتسام تبسمت الصغيرة أكثر ذاهبةً معه لتغسل وجهها ، بينما اعتدل رامي واقفًا محدثًا المسؤولة : _ إن احتاجت إلى أي شئ أو هناك مشكلة ما فلا تتوانَيْ في الاتصال بي ، ورقمي تعرفينه بالطبع ، إن أرادت الصغيرة حضوري فلبّوا لها رغبتها واتصلوا بي ، ولا فارق إن كانت الساعة تجاوزت منتصف الليل حتى أو كانت هذه المرة المئة التي تريد الاتصال فيها ، حسنًا ؟ _ إن شاء الله .. ولكن .. هل ستستطيع حقًا إحضار شقيقتها إلى هنا ؟ هل تستطيع الوصول لها ؟ _ لم أستطع إخبار الصغيرة أنني لا أملك أدنى فكرة عن مكانها ، وأنني بمثابة من سيبحث عن إبرة في كومة قش ولن أستطيع إعادتها لها بهذه السرعة ، ولكن .. كان عليّ إخبارها بهذا كي تهدأ نوبتها .. سأبذل قصارى جهدي .. وأرجوكم أنتم أيضًا ، مهما افتعلت من مشاكل ألا تقسو عليها و .. _ لا داعي لوصاية كهذه ، كابتن رامي .. ليست أول مرة نتعامل فيها مع أطفال أتو إلى هنا رغمًا عنهم بسبب الظروف ، الفتاة في أعيننا .. وأرجو أن يوفقك الله وتجد شقيقتها في أقرب وقت ، لأجلها _ أرجو من الله هذا 🥀_________________________🥀 مساءً .. _ سبق وقلت لكِ عرضي ، روڤان .. أنا لن أسكنكن وحدكن بهذا البيت ، ماذا لو استغل أحدهم عدم وجود رجل معكن وتهجم على المنزل وحدثت فاحشة ؟ لن أسمح بجلب الكوارث لبيتي اندهشت روڤان ويلديز من الجرأة التي يحدثهما بها .. كيف يجرؤ ! ياله من وقح منعدم الحياء ! عقدت روڤان حاجبيها بغضب وعلى وشك شعرة من فقد أعصابها والصياح به أمام باب منزله ، ولكن سبقها هو بسؤاله الفضولي : _ ثم لما أتيتما وحدكما ؟ أين تركتما تقوى وحدها ؟! _ ولما تسأل ؟! ما شأنك ؟ قالتها روڤان بغيظ مكتوم ، جاءها رده الداعي للسخرية بالنسبة لهما : _ الحق عليّ ؟ لقد قلقت عليها .. تساءلت أين تركتماها أو لربما ضاعت منكما ، قلت لأقدمِ المساعدة _ آه نعم أنا أعرف بأن قلبك علينا كثيرًا أشكرك ، أنت تسأل من باب الفضول فقط ، ذاك الفضول الذي هو من النوع الأسوء على الإطلاق ، الفضول اتجاه كل شئ لا يخصك ردت روڤان بسخرية لاذعة فنظر لها أردال وعيناه تشتاطان غضبًا ، لسانها لم يسكت له قطّ ، إنه يلزمه حدّه في كل مرة .. وهو يكره هذا لما ليست من نوع الفتيات التي تأكل القطة ألسنتهن في مواقف كهذه ؟ تستسلم لوقاحة غيرها دون دفاع .. لسانها لا يرحم من لا يستحق الرحمة ، هي تعرف كيف تأخذ حقها ممن هم مثله ودون أن تلوث حتى لسانها بألفاظ وسُبابات بذيئة _ هل تظن بأنك ستذلنا ؟! أتينا إليك لأن هذا قد يكون أسرع طريق لنا ليس إلا ، ليس لأن هذا هو الطريق الوحيد ، لا تسرح بخيالك فتظن هذا هيّا بنا ، روڤان .. لنرحل قالت يلديز ساحبة روڤان من يدها مبتعدتين تمامًا عن ذاك الحقير .. وإن جئنا للصراحة ، هنّ لا يملكن أدنى فكرة عن أين سيذهبن ، لكنها قالت ما قالت لحفظ ماء الوجه فقط ، هذا الأردال آخر من كان من المفترض أن يتوقعن منه الإنصاف ، لكنهن قلن أن يجربن ، أن يتمسكن بأي أمل أخير تابع أردال مغادرتهما ناظرًا بعينين ضيقتين : _ ستعودين ، روڤان .. أعرف أن لا مكان تذهبن إليه ، فتيات مثلكن وفتاة اعتادت على حياة مليئة بالرفاهية مثلك أنتِ طوال أربع سنوات ، لن تحتمل حياة الشارع .. ستعُدْن هناك شئ ما يحدث بشأن تقوى تخبئانه ، وسأعرفه 🥀______________________🥀 في زاوية متفرعة من إحدى الشوارع العمومية _ ألا زلتِ حقًّا تأبين طلب مساعدة من ذاك الشاب المهذب الذي أعطاكِ بطاقته في حين قبلت على نفسك طلبها من أردال ؟ أأنتِ جادّة روڤان ؟ صمتت روڤان ولم تنمّ ملامحها عن شئ جديد فقد ظلت على رسمة الحزن خاصتها التي اعتادتها تحركت يلديز عدة خطوات حتى صارت أمامها متحدثة بصرامة هذه المرة لا تقبل النقاش : _ أعطني بطاقته .. لن أسمح لكبريائك اتجاه طلب المساعدات من الناس أن يضيّعنا أكثر من هذا ، الله أرسل لكِ هبة حقيقية من عباده لتنتشلك من الظلمات إلى النور ، وأنتِ لم تتوانَي للحظة عن ركلها بقدميكِ .. في حين طلبتِ من أردال شحيح الأخلاق أن يعيد لكِ بيتك وقابَلنا بالإذلال كان هذا الشاب الخلوق أَولى بالثواب الذي سيطاله منا جرّاء مساعدتنا ، والتي أثق أنه ما كان ليبخل ولا ليتوانى في تقديمها _ من أين أتيتِ بكل هذه الثقة به ، يلديز ؟! .. إنه في النهاية غريب .. نحن لم نقابله سوى مرتين أو ثلاثة _ لأنه هو صاحب حجز الفندق _ ماذا ! قالتها روڤان وقد ارتفع حاجباها بدهشة كمن أصابتها صعقة كهربية لثانيتين ، تساءلت روڤان : _ هل كنتِ تعرفين منذ البداية ؟ _ أنا من أخبرك بمكان الفندق ، عندما دخلتِ إحدى المحلات التجارية لشراء طعام لتقوى أتاني ذاك الشاب وقد علمت أنه كان يتعقبنا ، ويعلم بحالنا ويودّ المساعدة ، بل مُصرٌّ عليها .. أتاني أنا بعد أن علم أنه لا رجاء منكِ ، وأنا في النهاية وافقت على وعد بأن أرد له جميله .. وافقت لأجل تقوى ، روڤان .. ولأجلنا نحن أيضًا فلا مأمن لأي فتاة بعد منتصف الليل دون رجل يرعاهنّ وسط ذئاب الشوارع ، وكنت أعلم أنكِ قد يصل بكِ الأمر لأنْ تُفضلي قضاء الليل على الرصيف وتصنعي من حضنك سريرًا لتقوى على أن تقبلي المساعدة منه ، لذا لم أخبركِ بشئ كادت روڤان تهتف بها ولكن عقد لسانها كلام يلديز الصارم : _ اسمعي روڤان ، ما فعلتُه كان الصواب .. لولا الله ثم هذا الرجل وتواصلي معه لَكُنّا أشبه الآن بالمتسولات ، هذا إن بقينا على قيد الحياة ، لهذا الشاب الفضل بعد الله أن بقينا أسبوعًا كاملًا نبيت في أمانٍ لا نحمل مئة هم فوق همومنا من أن ينقض علينا مجرم فجأة ويسفك دماءنا أو ينتهي المال المحدود الذي لدينا فنموت ونحن نتضوّر جوعًا .. فعلتُ الصواب ولن أتهاون في فعله مرة أخرى لأرضي غرورك ، والآن أعطني بطاقة رامي لأتصل به ، دعيه يجد لنا عملًا عنده ومكان مَبيت آمنًا ، إن لم يكن لنفسك فلأجل الصغيرة أن تعود للبيات بحضنكِ في أسرع وقت ، أنا متأكدة أنها لم تتوقف عن البكاء منذ ذهبَت هناك ابتلعت روڤان غصة مريرةً في حلقها وقد طغت جملة يلديز الأخيرة عن تقوى على كل مشاعرها في تلك اللحظة ، هي تعلم ، لكنها كانت تحاول تناسي الأمر ، لكن يبدو بأن يلديز لم تسمح لها فقد ألقت في وجهها الحقائق المريرة بعنف لتفيقها للواقع وما تسببت به ، بالفعل لا بد من أن تقوى مفطورة من البكاء الآن ، والأكثر إيلامًا أنها لا تجد ما تفعله لأجلها ، صارت مقيدة بأغلال أصلب من الصلب لا فكاك منها ، حتى ما تقوله يلديز ليس بـ حلّ لأنها ... _ تخلصتُ من بطاقته بعد ذهابنا للفندق ، أقسم بالله ليست معي _ ماذا فعلتِ ؟ صاحت بها يلديز وهي تكاد تفقد عقلها من الجنون ناسيةً حتى أنهما بالشارع وقاربت الساعة على منتصف الليل ، صديقتها ستصيبها بنوبة قلبية ، هي متأكدة من ذلك _ هل جننتِ ؟؟! كيف فعلتِ هذا ؟! كيف فعلتِ هذا بنا روڤان ؟!! بأي عقل بل وأي جرأة تخلصتِ من بطاقة التي تمثل طوق النجاة الوحيد الذي ألقاه الله لنا ؟! انهارت روڤان صارخةً بها من بين دموعها التي لم تكد تجف على تقوى حتى تنهمر مرة أخرى عليها وعلى حالهم وعلى ما أدركت الآن أنها تسببت به : _ كنتُ مشوشة ، لم تلتقِ بصيرتي بالواقع بشكلٍ صحيح ، كنت أتخيل أن أسبوعًا ضمنّا بقاءه في الفندق سيكون كافيًا لإيجاد عملٍ وسكنٍ مناسبين ، ظننت أنني ما عُنتُ بحاجة إليه وتخلصت من بطاقته حدثتها يلديز ولم تهدأ نوبتها بعد : _ مجددًا حاولتِ إرضاء غرورك ، مجرد أن التمستِ اقتراب فرصة للنجاة أردتِ التخلص من كل أثرٍ لشخص عرض عليكِ المساعدة لكي تشعري بأن عزة نفسكِ عادت لكِ من جديد ، عليك أن تفهمي وتستوعبي جيدًا أن قبول المساعدات أو حتى طلبها ليس إذلالًا للنفس ولا بتحقير ، وأن لو كل شخص فكر مثلكِ لمَا كان أحدهم سيُقبل على وظيفة لكي لا يُذكَر أنه بحاجة إلى المال ، ولَمَات أيتام وهم يتضورون جوعًا لأنهم يأبَوْن أن يتكفلهم أحد ، ولَظَلّ ذوو الظروف الصحية راقدين في الفراش حتى الموت لأنهم لا يرضون بأن يخدمهم أحد .. لتوقفت الحياة بالكامل ، ما من أحدٍ لا يمر طوال عمره بأزمات يحتاج فيها ليد العون ، وهو ليس عيبًا وإنما سنة الله في الكون ، لتظل العلاقات ذات المشاعر الإنسانية والأجور المتبادلة بين الناس قائمة .. أنتِ لم تُخلقي في هذا الكون وحدك صمتت يلديز لثوانٍ شعرت فيها روڤان باسترداد قلبها لها ، ليُرفع أخيرًا الستار عن عينيها مدركة حقيقة الحياة ، بالفعل يلديز معها حق ، لكن يلديز لم تتوقف عن تلقينها لها الدرس عند هذه النقطة ، وياليتها توقفت _فكري بغيرك قليلًا وتنازلي عن كبريائك بشكلٍ معقولٍ وغير مهينٍ متذكرة أن هناك أرواحًا أخرى مسؤولة منك وليس الأمر مقتصرًا عليك وحدك ، خاصة إن كانت تلك الروح روح طفلة .. لو استمعتِ لي منذ البداية لما كانت الفتاة ينفطر قلبها من البكاء الآن ، لو كنتِ تنازلتِ قليلًا فقط من أجلها .. انظري إلى حالنا ، تائهتان في شوارع إسطنبول بعد منتصف الليل دون هَدْي أو مكان نذهب إليه ، تقوى ليست معنا الآن ولا نعرف ما حالها ولا كيف يعاملونها وأنتِ الوحيدة المذنبة فيما وصلت الصغيرة ووصلنا إليه صاحت بها روڤان بانهيار : _ كَفى ، كَفى يلديز كُفّي عن جَلدي ، أنت لا تعرفين كيف أشعر ، أعرف أنك غاضبة مني حد الجحيم لِمَا فعلته مع تقوى ومعكِ حق ولكن كُوني رؤوفة بي أنا أيضًا قليلًا ، جرحي نحو تميم لم يبرأ بعد وها أنا أحمّل نفسي ذنب تقوى وقلبي ينفطر عليها ، فعلى الأقل تميم قد ارتاح وما حدث له قضاء وقدر ، أما تقوى فلا أعرف كيف حالها ، وما حدث لها أنا السبب فيه ، لم أستطع إنقاذ أخي وأفلتت من بين يديّ أختي وقلبي لم يعد يحتمل فكُفّي عما تقولين ، منذ متى وأنتِ قاسية هكذا ! نهضت روڤان تاركة إياها متجهة نحو الشارع العمومي لعلها تلتقط بعض أنفاسها الضائعة ، لعل برد الشارع يطفئ قليلًا من نار قلبها المحروق بينما ظلت يلديز واقفة في مكانها ما بين نار لوعة على حلم حياتها الذي ضاع قبل أن تلتمسه واقعًا حيًّا بين يديها ، ونار قهر يعتصر قلبها كلما تتخيّل كيف بها قد تكون تقوى ، ونار ذنبٍ على قسوتها على روڤان فهي بالتأكيد بحالة نفسية لا تقل عنها سوءًا ، بل ربما هي أسوء منها لذا ما كان منها سوى أن جلست على الرصيف واضعة رأسها بين كفّيها تبكي بحرقة ، منتظرة أن تهدأ نار روڤان ونارها هي الأخرى لتستطيع الاعتذار لها ومراضاة خاطرها ، وبالطبع لن تنسى بذل كل ما آتاها الله من قوة لإيجاد رامي ، طوق النجاة الوحيد أمامها 🥀_______________________🥀 _ أين تاچ ؟ ولا تخبريها أنني اسأل _ لم تخرج من غرفتها منذ أتيت بها قالتها رباب لرامي بوجه مظلم ، لقد غابت كل أنوار الدنيا عن وجه أمه منذ تلك الهيئة التي أتيا بها للمنزل ، كانت تظن أن بيجاد فقط هو من يكنّ عداوة كتلك لأخيه ، وأن تاچ ليست بقدره ، لربما رأفت بحالها وقلبها كأم فلم تشأ جلب حسرة أخرى لقلبها على العلاقة بين أبنائها .. ولكن حتى ابنتها لم تتوانى عن قذف السهام في ظهرها ولم تكن تدري أنها القاضية _ لم تأكل شيئًا ؟ _ لا .. ما الذي حدث بينكما رامي ؟ أنا أوقن بأن تاچ هي المخطئة ، فأنت لا تتوانى في محاولة تقريبهما منك وإصلاح ما فسد بينكم ، ولن تخاطر بهدّ كل هذا عن طريق افتعال مشاكل معها تنهد رامي بتعب مبعدًا عينيه عن أمه ، قبل أن تتحدث فيلتفت لها من جديد _ ما هذه الانتكاسة الثلاثية التي أصابت أبنائي كلهم في آنٍ واحد ، رامي ؟ حتى تاچ يبدو أنها لا ترأف بقلبي كأم ، حتى هي تفعل ما يؤلمني ، كيف أهون عليهم بأن يضغطوا عليّ كلهم هكذا ويفعلوا ما يحزنني ؟ ما الذي فعلته أنا لهم ؟ أشعر بأنني تهت عن هوية أبنائي الثلاثة نفس هذه الغصة موجودة في صدره أماه ، غصة مريرة المذاق مؤلمة وأشدّ إيلامًا من خاصتك ، فما تعرفينه ليس كل شئ وكأن أصحاب الضلال والفتن تكالبوا على أقسام قلبه الثلاثة ، تاركين لهم حزمة سهام لقَسم ظهر أحبابهم ، فلم يتوانَ ثلاثتهم على تسديدها لهم تِباعًا دون رحمة ! حتى تاچ .. "تاچه" لم ترأف بحالهم عصت ربها وأهانت نفسها وكسرت أعناقهم ، وعاونت العدوّ على التلذذ بالشماتة فيهم ، حتى "تاچه" لم ترحمهم ! يعلم من أول نظرة نظرتها له بعينيها أن لوعة الندم والذنب تنهش قلبها ربما كان أحد أسباب تركه لها والتستّر على ذنبها _حتى من عينيّ أمها_ حتى الآن ، ودون ردة فعل على رغم اكتواء قلبه بغدرها بهم _والذي لو ترك نفسه لتأثيره لَمَا رحمها_ هو تلك اللوعة التي رآها في عينيها ، هو عِلمه بأن تَرْكها مع نفسها ولجلد ذاتها ، وأنّ ترْكها لأفكارها وقلبها دون إلقاء بالٍ _ظاهريًّا_ لها هو أكبر عقاب لو كان رأى إصرارها على الذنب ، عنادها ، تصميمها على حبها لذاك الحقير ، وقناعتها الباطلة بأن ما اقترفته لم يكن بخطيئة .. لكان جُنّ جنونه عليها ولفقد ما تبقى من اتزانه وثباته ، لاختلفت ردة فعله كل الاختلاف ، هو متأكد أنه كان سيخرج من داخله شخصٌ آخر لم يعرفه هو ذاته يومًا ، لانقلبت ردة فعله إلى شئ لم يعجبها ، ولم يكن ليعجبه لآلت العلاقة بينهما لدمار شامل بحقّ لكن من رحمة الله بها أنه اكتشف الأمر في الفترة التي بدأت نفسها اللوامة تقوم بعملها في صدرها ، في الوقت الذي قررت فيه وضع حدٍّ لكل هذه المهزلة والتراجع عنها وإنهائها من رحمة الله بها 🥀_______________________🥀 _ أنا آسفة قالتها يلديز وهي تستقر خلف روڤان الجالسة أرضًا على الرصيف ، كما كانت آخر مرة .. جاءها ردها هادئًا بعد أن التفتت لفتة صغيرة لها ثم عادت لوضعيتها : _ لا داعي يلديز .. أنا لست في هذا الابتلاء وحدي ، أعرف أنك أيضًا تشعرين بضغط وثُقل وهمّ لا يوصف ، وأعرف أن همك هو سلامة تقوى ونفسيتها .. لذا لا داعي لاعتذارك ، أختي جلست يلديز بجوارها تشد على عضدها بدعم ، مردفة بابتسامة ارتسمت على وجه مرهق واهن : _ سنخرج من هذه المحنة سويًّا ، روڤان .. سنجد بيتًا يؤوينا ، ووظيفة تطعمنا وتسقينا ، وستعود تقوى لأحضاننا آمنة مطمئنة إن شاء الله ارتسم شبح ابتسامة على وجه روڤان مردفة : _ الكلام سهل يلديز ، كلانا نعرف مدى صعوبة هذا .. إلى متى سنصمد برأيك بقضاء نهارنا في حر الشمس ومسائنا على الرصيف وليلنا في المسجد ؟ إلى متى ؟ نظرت يلديز لها ولم تجب ، أبعدت عينيها عنها متنهدة بعمق ، أملها الوحيد الآن هو إيجاد رامي ، ولكن كيف ؟! طال صمتهما كثيرًا حتى قطعه صوت يلديز بـ : _ سأذهب لأطمئن على تقوى قبل أن تغلَق مواعيد الزيارة للّيلة ، هل تأتين معي ؟ _ لا قدرة لي على وضع وجهي بوجهها ، لن أتحمل أن أعطيها ظهري مجددًا مغادِرةً تاركة إياها وحدها هناك ، يلديز .. لن يتحمل قلبي سماع بكائها وتوسلاتها ، وهي _لصغر سنها_ لا تدرك مدى خطورة بقائها معي ، ولا تستوعب بعد مدى الخطر الواقع علينا .. هي لا تراني الآن سوى مذنبة بحقها ، لا تفهم اضطراري لما فعلت .. لذا لن أتحمل مواجهتها _ لكنك وعدتها بزيارتها باستمرار _ ولكنني اكتشفت بأنني لن أقدر ، والله وبالله لن أقدر ، لم أكن أدرك حين وعدتها أن الإيفاء بوعد كهذا سيكون صعبًا لهذا الحد .. لن أتحمل إعطاءها ظهري مجددًا والذهاب ، لن أذهب إليها إلا إن كنت سأرحل ويدها ممسكة بيدي صمتت يلديز قليلًا فأتاها رجاء روڤان : _ إن طال الوضع هكذا ، واضطررنا لتركها هناك أكثر ، فدورك في كل زيارة لها أن لا تدعيها لأفكارها في أمري ، حاولي جعلها تدرك الوضع ، حنني قلبها عليّ باستمرار لكي لا تكرهني ، يلديز _ لا أحد يكره أخته أو أخاه لأجل خطأ اقترفه ، روڤان .. لن تصل لهذا الحد .. قولي لكي لا تغضب منك أو تأخذ على خاطرها فقط ، وأنا سأفعل ما بوسعي ، هذا وعدٌ مني لكِ ابتسمت روڤان ببعض الارتياح فتبتسم لها يلديز ثم تحتضنا بعضهما بأخوّة غير زائفة ، قبل أن تبتعد عنها وتنهض يلديز مودعة إياها ذاهبة للملجأ عند تقوى ، ثم تنهض روڤان بدورها ، ذاهبةً كالعادة للمسجد الذي صار نجدتهما في عتمة الليل وأخطارها ، مسجد "آيا صوفيا" 🥀________________________🥀 _ أووه لقد غلبتني هذه المرة _ أنت من تركتني أفوز ، أدرك هذا .. تميم كان يفعل هذا ليفرحني قالت الأخيرة بدهاء طفوليّ وسعادة ، قبل أن تعود ذكرى تلك الليلة لمخيلتها ، وتتذكر حقيقة أنها لن ترى تميم ثانية في حياتها عبس وجه الصغيرة تدريجيًّا بعد أن كانت تضحك ، فيفهم بيجاد السبب _ ما رأيك بلعب دور جديد ؟ _ لا ، لم أعد أريد _ حسنًا ، لا بأس .. لنفتح ما تبقى من الحلوى ، سآكل المارشميلو كله وحدي ولن أترك لكِ شيئًا قالها في محاولة للفت انتباهها ، وبالفعل نجح الأمر ، لذا ما لبثت أن سمعت جملته حتى هتفت به باحتجاج مطالبة بحقها جاراها بيجاد في النهاية معطيًا إياها حلواها واكتفى بأخذ قطعة واحدة قاطع هذه الأحداث صوت باب الغرفة يُطرق ثم فُتح الباب _ تقوى حبيبتي ، هناك ضيفة جاءت لأجلك _ أحقًّا ؟ هل أختها ؟ قالها بيجاد ناهضًا عن الأرض سريعًا ، لم يتخيل أن الأمر سيحصل بهذه السرعة ، ظن أنه وشقيقه سيعانيان في إيجادها لكن جاءه ردها : _ ليست الآنسة روڤان ، بل فتاة تُدعى يلديز _ أختي يلديز قالتها تقوى بلهفة وفرح طفوليّ ، فسألها بيجاد : _ هل هي أختك بالفعل ؟ _ إنها صديقتنا ، ولكننا نعتبرها كأختنا أومأ بيجاد برأسه بتفهم ثم سأل : _ هل تستطيع الأخت يلديز إيصالنا لشقيقتك روڤان ؟ _ لا أعرف ، ولكن أعتقد .. إن يلديز كانت معنا طوال الأيام الماضية ، كما أنها كانت تعيش معي طوال الفترة الماضية أومأ لها بيجاد .. حمدًا لله ، هذه الفتاة هي من ستوصلهم لروڤانَ إذًا _ بعد إذنكِ هل يمكنني المجيء معها ، والإبقاء على الأخت يلديز هنا حتى وصول أخي ، سأتصل به الآن _ لا مشكلة ، سيد بيجاد .. أي شئ من أجل مصلحة تقوى نحن موافقون عليه بالطبع أومأ بيجاد بسعادة وأمسك يد الصغيرة ذاهبين للغرفة التي تنتظر بها يلديز ، وما إن أطلت تقوى بوجهها من الباب حتى وقفت يلديز بسعادة وركضت تقوى لحضنها ، جلست يلديز أرضًا محتضنة لها بشوق دقيقة وأبعدت الصغيرة وجهها عن يلديز متسائلة بعقدة حاجب حزينة : _ أين روڤان ؟ لما لم تأتِ معكِ ؟ _ روڤان تبحث عن بيت لتأخذ تقوى من هنا معها إليه في أقرب وقت ، لأنها حزينة أن تقوى حزينة قالتها يلديز وهي تمسح على وجه تقوى بحنان ، انفكت عقدة حاجبيّ الصغيرة قليلًا ، يبدو أن كلام يلديز أرضى نفسيتها اتجاه أختها بعض الشئ _ كيف حال معدتك ؟ ألازالت تؤلمك ، حبيبتي ؟ _ لا لم تعد _ الحمد لله ، صغيرتي .. إن ربي لطيفٌ لما يشاء .. الحمد لله تقوى .. روڤان اضطرت لإحضارك إلى هنا لأجل هذا ، لكي لا تتألمي ، كان عليها الأخذ بهذا السبب لعلاجك .. هذا سبب إحضارها لكِ إلى هنا وليس أي شئ آخر ، فلا تظني بأختك الظنون صمتت الصغيرة ولم تعقّب ، حمحم بيجاد ليلفت نظر يلديز ، فوجهت الفتاة تركيزها إليه ، كانت تظنه يعمل هنا وهذا سبب وقوفه مع تقوى والموظفة ، لكنها فوجئت بقوله بما أثلج صدرها ، وكأنما هبطت عليها معجزة _ آنسة يلديز .. أُدعى بيجاد محمد العماوي .. أخي يُدعى رامي العماوى ، علمت من أخي أنه كان يعرض المساعدة عليكن منذ يوم حريق المطعم ، وأن الآنسة روڤان ردّته عدة مرات ولكن ها هنا الآن فالوضع مختلف ، أرجو منك أن تظلي جالسة هنا حتى وصول أخي للتحدث معكِ بشأن عرضه السابق لكنّ ، فهو لا زال عنده ، ولن يتراجع حتى وإن أبيتنّ أنتن هذه المرة ، لأجل سلامة تقوى طلب مني إبلاغ حضرتك بهذا حتى وصوله رفعت يلديز حاجبيها ناهضة عن الأرض ناظرة إليه ، كغريق وجد أخيرًا طوق النجاة : _ أنت أخ كابتن رامي ؟ _ نعم _ في الواقع أنا من كنت أبحث عنه ، من كانت ترفض عروضه هي روڤان وليس أنا ، ولكننا الآن أنا وهي متفقتان أننا بحاجة لمساعدته ، وخاصةً كما قلتَ لأجل تقوى .. متى سيأتي شقيقك ؟ _ حسنًا هذه علامة جيدة .. حمدًا لله أنك قلتِ هذا .. حدثت أخي عبر الهاتف .. سيترك كل ما في يده ويأتي إلينا الآن .. إن شاء الله سيصل في أقرب وقت تعالت أنفاس يلديز وقفصها الصدريّ يعلو ويهبط كمن كان في سباق عدو والآن حان وقت التوقف ، وأخْذِ استراحة محارب ارتسمت الابتسامة على وجهها مردفة بامتنان حقيقي للطف الله بهن : الحمد لك يا ربي .. الحمد لله رب العالمين .. الحمد لله أخذت يلديز يد تقوى وجلست معها على إحدى الأرائك في انتظار وصول طيّار نجدتها ، ونجدتهن جميعًا .. حمدًا لله دقائق مرت .. ووجدوا هاتف بيجاد يرن ، فيخرج بعدها ليأخذ شقيقه من الممر لمكان الغرفة الذي ما كان يعرفه ثوانٍ فقط ، وكان يطل بطوله الفارع وهيبته التي لا تليق بسواه ليلقي السلام الذي يحافظ على نطقه في كل دخول ويتقدم بخطوات منتظمة من يلديز وتقوى ماسحًا على شعر الصغيرة بحنان مرحبًا بها بحميمية ودِفء ، ثم يومئ ليلديز بابتسامة مهذبة مرحبًا فتبادله إياها ، قبل أن يجلس على إحدى المقاعد حوار دار بينهما علمت فيه يلديز كيف التقى بتقوى وأنه كان يبحث عنهن منذ يوم خروجهن من الفندق .. عتاب طفيف على عدم إخبارها له مكانهن رغم أن بطاقته الشخصية معهن فأخبرته السبب ، وهو ضياعها .. وأنها تبحث عنه منذ مدة هي الأخرى ، وأن روڤان ندمت على ردّها ليد العون التي مدها لهنّ ، وأنها آسفة ، لكي لا تُشعره بحرج فيما يخص كرامته _ سأوفر لكما منذ الغد وظيفة في المطار ، سأحرص أن يكون راتبكما كافيًا ويفي بالغرض لأنني أعرف ظروفكن ، ولكن هذا سيتطلب بالطبع جهدًا وعدد ساعات إضافية حتى تحللا لقمة عيشكن ، لأنه لن يكون من العدل أن نرفع رواتبكما عن غيركما من العاملين في المطار وأنتما لا تبذلان سوى نفس مقدار جهودهم ، ولكي لا يكون علينا ذنب _ بالطبع بالطبع ، معك حق .. لديّ سؤال في الواقع .. هل أنت مدير المطار ؟ _ ليس أنا ، بل جدي .. أنا موظف هناك ، أعمل طيارًا .. لكن رحلاتي متوقفة الآن ، نظرًا لأنني عدت لتوّي من السفر بالفعل .. لكن سأعود على رأس عملي قريبًا إن شاء الله أومأت يلديز بتفهم ثم كادت تشكره ، ولكن قطع أفكارها شئ مهم كانت قد غفلت عنه ، فأردفت بتوجس : _ آآ .. وتقوى ؟ .. إن كنا سنعمل أنا وروڤان أغلب اليوم ، من سيعتني بها ؟ _ من الذي كان يعتني بها من قبل ؟ _ أنا .. كنت أعمَل ببيتهم ، وكانت مهمتي الأساسية هي الاعتناء بتقوى ، كان هذا سبب تواجدي بالبيت من أول لحظة منذ عام تقريبًا .. لأن تميم _ رحمه الله _ كان يمكث أغلب الوقت في العمل خارج المنزل ، والداهما مسافران لأن والدهما يتلقى العلاج ، وروڤان كانت مسافرة للدراسة ولا تعود إلا ثلاثة أشهر في العام أما الآن .. من سيمكث معها ؟ لاحظ رامي العبوس على وجه تقوى ، ربما شعرت أنها عبء عليهما ، رغم أن هذا لم يكن قصد يلديز من الكلام .. لذا سرعان ما تدارك رامي الموقف مردفًا : _ يمكنها المكوث ببيتنا مع أمي وأختي ، وبيجاد سيقضي أغلب وقته في البيت أيضًا .. لتبقى معهم ، وعندما ينتهي دوامكما تعالا لأخذها .. وكوني واثقة من أنها في بيتنا في أيدٍ أمينة حسنًا لم يكن هذا رأي بيجاد أيضًا .. يبدو أن شقيقه نسي وجود العروس المشؤوم في المنزل ، وأن لا أمان يُذكر في منزلهم في ظل وجودها فيه ، لكن بالنظر من جهة أخرى .. لا خيار الآن أفضل من هذا .. ليدعُ أن يمر الأمر بسلام _ أنا واثقة من هذا بالطبع ، ولكن .. هناك شئ أكثر خطورة .. أين سنمكث نحن ؟ فكر رامي قليلًا قبل أن يقترح : _ سآخذ فندقًا لكُنّ .. ولا حرج في هذا صدقيني .. وإن أردت فليكن دَينًا عليكما .. وقتما تتحسن الظروف يمكنكما رده في أي وقت _ أشكرك كثيرًا ، كابتن رامي ، ولكن .. _ ولكن ماذا ؟ تنهدت يلديز مفصحة عن إحدى الأمور التي حبستها في صدرها عن الجميع ، وتفصح عنه الآن : _ نحن لن نكون بأمان في أي سكن خارجيّ وحدنا كالفنادق وسكن الموظفين _ لما تقولين هذا ؟ _ في إحدى الليال التي قضيناها في الفندق .. جاء إلينا شاب حقيرٌ كان جارًا لنا في بيتنا القديم ، والده كان صاحب البيت ، وهو يُدعى أردال .. إنه شاب سئ الأخلاق ، تطاوله علينا بالكلام يوم وفاة تميم رحمه الله كانت السبب في تركنا للمنزل ، وبالأصح هو أيضًا لم يسمح لنا بالبقاء فيه .. كان يتعقب أثرنا طوال تلك الأيام ، حتى وصل إلى مكاننا بالفندق ، لم أسمح بالتقائه بروڤان كما كان يطلب وطردته وقلت للأمن بالأسفل ألا يدخله مرة أخرى أنا لا أحبذ بقاءنا بفندق ولا حتى بسكن عمل .. هذا الفاسد لن يتركنا وشأننا ، قد يأتي ويتسبب لنا هذه المرة بفضيحة بالفندق لكي يجبرنا على الخروج منه مطرودين فلا يعود أمامنا سوى بيته _ لكنك قلت الآن أنه هو من أخرجكن منه ، لما يريد لوي ذراعكن للعودة ؟ صمتت يلديز بتحفظ قليلًا على سرهنّ ، ويأخذها التردد اتجاه الإفصاح عنه ولكنها تشعر بالأمان التام اتجاه رامي ، تشعر أن إخباره قد يكون لصالحهن لا ضدهن _ يشترط علينا للعودة للمنزل الزواج من روڤان ، وهي ترفضه رفع رامي حاجبيه قبل أن يعيد إنزالهما ، اندهش الأخوان من عديم الكرامة والنخوة ذاك ! هل لا زال يوجد رجال من هذه النوعية بالفعل ؟! والإجابة للأسف "نعم" ، يوجد جميع نوعيات البشر على الأرض ، باختلاف درجات الصلاح والطلاح ، وهذا كان من الدرجة المنحطة _ تعرفين ما معنى كلامك ؟ أنتن لن ينفع حتى أن تبقَين ببيت للإيجار وحدكن ، فما يجعله يطاردكن حتى فندق أو سكن عمل ، واستعداده لافتعال فضائح لكنّ لتُطردن من المكان ، يجعله لن يتوانى عن فعل نفس الشئ مع أي شخص سيؤجر لكنّ بيتًا تنهدت يلديز مومئة له بأنه على حق .. فكر رامي قليلًا ، وكذلك بيجاد حتى نطق الأول بابتسامة صغيرة بدهاء وقد وجدها : _ لديّ حل لكنّ سيرضي أطرافًا عِدّة ، في الواقع سنكون ضربنا عصفورين بحجر واحد .. أمر سكنكنّ والاعتناء بتقوى اتسعت ابتسامة بيجاد مردفًا بذكاء هو الآخر ، وقد فهم ما يفكر به شقيقه : _ أعِد حساباتك ، في الحقيقة هم ثلاثة عصافير ، وليس اثنان أومأ رامي بهدوء وابتسامة : _ بالفعل .. معكَ حق تبادلت يلديز النظر بينهما ولم تفهم ما يرميان إليه فتساءلت : _ ما قصدكما ؟ ساءلها رامي بسعادة آملًا أن توافق على عرضه : _ هل لديكنّ مشكلة في المكوث مع امرأة خمسينية _كالسكرة_ في بيتها ؟ وليس معها رجالٌ في المنزل ، وعلى ضمانتي سيكون ذاك البيت ملاذًا آمنًا لَكُنّ ، وستكنّ تحت عيني أنا ، ولن يتجرأ أي كلبٍ على الاقتراب منكنّ ومسّكنّ بأذًى بعون الله .. ها ؟ ما قَولك ؟ 🥀______________________🥀 انتهى بحمد الله اللاڤندر السابع رأيكم؟
ArwaMahmoud38