بما لا تشتهي السفن

بما لا تشتهي السفن

15 1

️ _ رِبا ؟! صاح بها رامي بانفعال وهو ينتفض واقفًا أمام كرسيّ شقيقه ، لم يجد منه ردًّا فتولّى هو زمام إبقاء الجدال قائمًا : _ ناهيك أنه يندرج تحت بند الأمور التي تهدد اقتصاد الدولة مما يجعله كفيلًا بسَجنك ! ألا تعلم كيف ستحاسب عليه في آخرتك أشدّ حساب ؟! هل فقدت عقلك !؟ استمر الصمت من طرف بيجاد قائمًا دون انحلال انعقادة حاجبيه الطفيفة ، جعل رامي يشد شعره للخلف بانفعال مكتوم إن نفّث عن أجيج نيرانه ستحرقهم جميعًا ، شقيقَه وأصدقاءَه المتورطين معه أو بعبارة أصحّ عصابته اتخذ رامي خطواته متجولًا في الغرفة في محاولة للسيطرة على أعصابه وتهدئة ما يجتاح صدره من انفعال ، كوّر يده على شكل قبضة يعتصرها بكل قوته حتى برزت عروقها ، يحاول ألّا يفعلها ، يحاول ألّا يكون الجلّاد لأخيه على أخطائه الشنيعة ، يحاول عدم جعله ينفر منه أكثر ، أن يكون الأخ المحتويَ ولكنه _رغمًا عنه_ يُساق بواسطة أخويه إلى الجنون ، وخاصةً هذا الـ"كارثة" الجالس معه التفت رامي إلى بيجاد ولا يزال الأخير يتجاهل وجوده بعدم إلقاء بالٍ له ، فأردف الأول بنبرة آمرة : _ ستبات الليل هنا إن لم يكن يريد تأدية عمل الجلّاد ، فـ على الأقل سيولي هذه المسؤولية لسجّانه ، لا خيار آخر ، إن مرّ الأمر مرور الكرام فـ لن يشعر حتى بأنه مذنب ، ولن يتوانى _إن سنحت الفرصة_ في تكرار الخطأ من جديد ارتفع حاجبا بيجاد وفي ثانية انقلب الحال ليتطلع إلى أخيه منجذبًا بكل حواسه ، متسائلًا باستنكار : _ أأنت تمازحني ؟ _ الذي يفلت من الذنب دون عقاب لا يتوانى في اقترافه مرة أخرى صمت هنيهة قبل أن يكمل بجمود : _ اعتبره إنذارًا بيجاد ، لتعلمَ أني لا أتهاون في الحق ، لو كان خطؤك في حقي لسامحتك ، ولكنه في جنب الله ، وهذا لا أتساهل فيه ، ولعلّ قضاء الليلة في السجن يعينك على الاستفاقة ، ويمحو ذنبك .. إن حاولت إحداث المشاكل فسأمد من فترة مكوثك هنا طالعه بيجاد بذهول قبل أن ينتفض من مكانه بغضب واقفًا قبالته بشموخ : _ ليس لديك الحق بمعاقبتي ، هذا الأمر غيرُ متروكٍ عليك _ بل لديّ الحق بالفعل بيجاد ، لو كان أبي موجودًا لكان سيفعل ما فعلت ، شاء الله أن يفارقنا في سن مبكر ، لذا فزمام هذا الأمر متروك عليّ الآن _ لا تدّعي كونك مكان أبي ، لا أب يترك عائلته ويرحل لبلد آخر لمدة عامين دون خبر سعيًا خلف أحلامه الوردية ، وإن فعل فيوازن بين اهتمامه بهم واهتمامه بحلمه .. لا تدعي كذِبًا بأنك مثله يبدو بأن شقيقه بدأ ينفث عن بعض نيران روحه ، لم يُصدم رامي من كلامه ، وإنما شعر ببعض العجب من اختياره لتوقيت ومكان إفصاحه عنه .. ولأنه يعلم أنه ليس وقته ، آثر الصمت ظلّا واقفين قبالة بعضهما بعضًا ، رامي بنظاته الجامدة التي ما تخلو من نسائم من الحنان _كعادته منذ الصغر_ وإن كانت بالنسبة لشقيقه لا تُرى ، وبيجاد بتعابير وجهه المنتفخة بانفعال ، وصدره الذي يعلو ويهبط بعنف وكأنه في سباق عَدْو _ لن أجيب على كلامك الآن بيجاد ، ولكن عليك العلم بأنه .. شئت أم أبيت أنا سأظل شقيقك الأكبر ، ولي حقّ الولاية عليك في الحدود التي لا تؤذيك _ وهل أنت الآن لا تؤذيني ؟! أنت على وشك إدخالي السجن ! _ لست أنا ، بيجاد .. بل أنت .. لن تفهم قيمة ما أفعله الآن ، ربما عندما تكبر وتنضج قليلًا وتفهم طريقة سير الحياة وطبيعة النفس البشرية بشكل صحيح ، فتفهم ما هي أهمية العقاب ، وتتوسع بذهنك أكثر فتفهم بالتالي ما الحكمة من خلق الله للجنة والنار .. ولتحمدْ الله أن الله عَجّل بحسابك ومعاقبتك في الدنيا ، ولم يترك هذا الأمر ليوم الحساب ، فوالله ، وبالله ، وتالله ما كنت لتقدر طالعه رامي أثناء حديثه وبعد صمته بنظرة جمعت بين معاني الأخوة ، الشدة ، الحنان ، والقسوة مما أعطى نظرة تربويّة في مرآة عينيه سبحان ما وهبه إياها في مواقف كتلك استدار رامي خارجًا من مكتب الشرطيّ تاركًا شقيقه وصدره يتأجج بنيران غضب وتمرد فترة المراهَقة المعهود ، وما يثير اشتعالها أكثر أن شقيقه لم يترك له أجنحة إلا وقصّها فما عاد بإمكانه التحليق ، وأن لم يترك له خلفه شيئًا سوى راية الاستسلام 🥀______________________🥀 اقتحم إعصار غرفة الجلوس القابعة بها حلا ، صاحت بها تاچ بانفعال : حـلا ، أيتها الوغدة أعطني الصور أعرف أنك من فعلتها نظرت لها حلا بلامبالاة متسائلة : _ أيّ بلاء وقعتِ به تحاولين إلقاءه عليّ الآن ؟ عن ماذا تتحدثين ؟ _ لا تتصنّعي ، قد تستطيعين خداع ألب ، وأمي وباريش وربما حتى رامي أما أنا فلا ، أنا أكثر من يفهمك بهذا البيت ، حيلك لن تنطلي عليّ نهضت حلا أخيرًا من جلستها واقفة قبالتها متحدثة بنبرة عادية لا توحي بشئ : _ أخفضي صوتك ، ستفضحيننا ، ليس من مصلحة أيّ منا أن يسمع أحد ، والآن اهدئي وأخبريني ما الذي حدث ؟ تحدثت تاچ بانفعال مكتوم من تحت أسنانها : _ لا ترسمي هذه الملامح وتتصنعي النبرة البريئة ، أنتِ تعلمين جيدًا ، أقسم سأجعلك تندمين _ حسنًا يمكننا البقاء هنا حتى الصباح تقسمين أنني من فعلها وأنا لا أدري حتى ماذا حدث معك ، اسمعي يا فتاة .. انا عندما أقوم بأمر لن أختبئ خلف خوفي منكرةً أنني الفاعلة ، خاصةً إن كان الطرف الآخر هو انتِ ، أنتِ لستِ مخيفةً لي لهذه الدرجة تاچ ، لو أنا فعلت لكِ شيئًا من خلف ظهرك فقبل أن تكتشفيه سأكون أنا من يعلمك به ، والآن بهدوء أخبريني ماذا حدث ، عن أيّ صور تتكلمين ؟ صمتت تاچ لثوانٍ ، هذه الفتاة بمثابة حرباء متلونة ، إنها تضعها في حيرة من أمرها ، من جهة فبالفعل إن كانت هي من فعلتها لأخبرَتها وجهًا لوجهٍ ، لتظلّ تمسك سلاحًا ضدها تبتزها به ، ورغبةً في إعلان نصرها عليها في معركة جديدة ، لذا يمكنها تصديق أنها ليست من فعلها .. ومن جهةٍ أخرى لا أحد غيرها كان يعلم بمقابلتها لظافر ، لذا لا توجد خيارات أخرى فبالتأكيد هي الفاعلة ! نظرت لها تاچ بحيرة فهمتها حلا من عينيها ، وعندما طال صمت تاچ استأنفت حلا : _ أعلم أنك كنت مع ظافر ، لكن أثناء ذلك كنت أنا في البيت ، بالتأكيد إن حدث لك شئٌ هناك فمن المنطقيّ لست أنا الفاعلة _ تستطيعين تأجير أحدٍ لإيذائي ، ليست بعيدة عليكِ أجابتها تاچ بشراسة هرة تكشر عن أنيابها ، فأجابتها حلا وهي تعقد ذراعيها : _ معكِ حق ، لكن كما قلت لكِ ، لو فعلتُ شيئًا لكنت أول من يصارحك به لابتزازك ، ثم أنني لم أكن في ظروف تسمح لي بتأجير أحدهم ورسم خطة بهذه السرعة ، شقيقك حفظه الله لم يعطني فرصة كهذه فقد قلب الحال كله هنا رأسًا على عقب _ أي أخ ؟ _ بيجاد ، بعد رحيلك بوقت وجيز كانت الشرطة تطرق الباب للقبض عليه ، وعندما لم يجدوه أخذوا والد زوجي للتحقيق صعقت تاچ مما سمعت ، فأكملت حلا : _ لكنك وبسبب نيرانك المتقدة فكل ما رأيته عند دخولك البيت هو أنك تريدين إيجادي لمحاسبتي ، لم تلاحظي حتى اختفاء كل أفراد عائلتك _ أكلهم في المخفر ؟ أومأت حلا مكملة : _ عدا زوجي رفعت تاچ حاجبيها بدهشة قبل أن تهتف بها بانفعال : _ أنتِ السبب بهذا ، أنا واثقة ، ما كان ألب ليترك باريش في وضع كهذا لولاكِ ، تُرى أي سموم أدخلتها في قلبه نحو عائلته ؟ _ أكرر كلامي الذي أمليته عليك بالأمس ، ألب ليس طفلًا ، حتى إن كنت ألقي على مسامعه شيئًا فليس ذنبي أنه يستمع ، هو المخطئ الأول والأخير هنا قالتها بخبث فطالعتها تاچ بازدراء قبل أن تجيب على كلامها : _ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم سيقولها الشيطان يومًا ما لأصحاب النار بعد أن كان سبب سقوطهم فيها ، متبرئًا منهم ومن أفعالهم بهذا ، بالفعل أنت كمثل الشيطان حلا كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ صمتت حلا تطالعها دون تعابير حتى ما استشفت تاچ ما يدور بقلبها ، جاءتها الإجابة بعد قليل ، على نفس وضعها : _ لا تمثلي عليّ الالتزام تاچ ، كنتِ مع رجلٍ أجنبيّ عنكِ قبل قليل لا يربط بينكما رابط خطبة أو زواج ، لستِ أنتِ من سيعلمني الدين ، أنتِ ضربتِ بكل تعاليم الدين عرض الحائط منذ قبولك دخول علاقة معه ابتعدي عن طريقي ، وعليكِ بنفسك دفعتها حلا خارجةً من المكان تاركةً تاچ تتخبط دواخلها بعنف ، ما بين قلب يخشى الله وقلب عاشق حتى النخاع ، لا تخفيكم سرًّا ، هي وإن كانت تفعل الذنب ، لكنها لا تنكر كونه ذنبًا ، بل ربما أقرب للكبائر فاختلاط الرجل بالمرأة عند الله دون إطار شرعيٍّ ليس بهيّن ، ولكنها تخاف أن تترك ظافر في نهاية المطاف فلا يتزوجها ، أن يظن أنها تركته لأنها لا تحبه وليس خشيةً لله ، فهو _من الكارثيّ_ لا يرى من الأساس أن ما يفعلانه أمرٌ خاطئ ، هي تدرك جيدًا كيف يفكر ليس لديها إذًا سوى أن تجعله يتقدم لشقيقها لخطبتها ، وإن كان دينها يُحرّم عليها أمرًا كهذا حيث يقلل من قيمة المرأة وكرامتها كأنثى مسلمة أن تطلب من رجلٍ تقدمه للزواج منها دون أن يُقبل على الخطوة بنفسه ، ولكنها من وجهة نظرها _الخاطئة_ أن ذنبًا كهذا أهون من أن تستمر علاقتهما في إطار غير شرعي بهذه الطريقة ، وأما عن عِزتها فهي _للأسف_ تفضل إهانة نفسها والتنازل عن كرامتها على خسارته للأبد وتخشى أن تدفع ثمن هذا التنازل غاليًا 🥀_____________________🥀 شطبة ! تاريخٌ جديد لم يجد فيه لاڤندره ، الأمر قد يبدو غريبًا .. انتظاره كل هذه المدة دون زواج لأنه يبحث عن فتاة رآها مرة في الثالثة عشرة من عمره تركت في نفسه أثرًا عظيمًا ناهيكم عن بحثه عن إبرة في كومة قش ، إن الأكثر غرابةً هو انتظاره إيجادها بنفس روحها التي أحبها بها قبل ستة عشر عامًا ستة عشر عامًا .. من فتاة في الربيع الرابع إلى أنثى بالغة في العشرين ، وينتظر منها عندما يجدها أن تكون بنفس القلب وتحمل ذات الروح ، أو على الأقل شبيهة لها ! الأمر أشبه بمعجزة ! من يدري كم مرة تغيرت شخصيتها خلال تلك المراحل ! من يدري أتغيُّر للأفضل أم الأسوء ؟! ورغم ذلك يتشبث بآخر أمل كمن يتشبث بعود قشّ .. وقت العاصفة سيخذله ليهوي به من الحافة .. من عالم الأحلام لأرض الواقع المرير ! يشعر أنه إن حدث فسيفقد قلبه إلى الأبد ، ذاك شعوره .. عندما تأتي سيرة الزواج تخطر هي كأول خاطرة على باله ، صورها التي رسمها لها في مخيلته وهو يتوقع كيف ستصير الطفلة ذات الأربعة أعوام صاحبة تلك الملامح إذا بلغت العشرين ، يحاول رسم صور تقريبية في خياله لا أكثر ، لربما حتى تساعده أن يتعرف عليها إذا رآها لا يملك اسمها ولا يعرف شكلها ولا علم له بعنوان بيتها ولا إلى أيّ عائلة تنتمي ولا حتى جنسيتها الأصلية ! ويبحث عنها .. رائع ! إنه مخبولٌ بالفعل كان يقلّب حجر القمر "خاصتهما" في حضن يده ، كم يطرب لهذه الخاطرة التي تمرّ عليه ، كنسيم لطيف يداعب القلب بنعومة قبل الجسد .. حجر القمر "خاصتهما" ، كم هي جميلة الكلمة ! هو حافظ عليه بحياته ، هل ضيعته هي يا تُرى ؟ لا يتمنى هذا أبدًا ، وإن حدث فلا يودّ تصديقه سمع صوت طرقات على الباب فوضع الحجر في صندوقه الذي يخصصه لحمايته وأذِن للطارق ، كان يعلم أنها هي دلفت أمه تجرّ وراءها خيبة أملها في ابنها ، بالأمس ألب واليوم بيجاد ، ماذا بعد ؟ هل تفعل تاچ بهم هذا أيضًا ؟ هل تصيب أمها بسهام الغدر الثالثة ؟ لا .. تاچ لا تفعلها ، تاچ هي "تاچهم" ، هي ليست بهذا الطيش ، ليست بالقسوة التي تجعلها ترى أمها في أشد فترات إحساسها بالخذلان مِن مَن حولها فتفعل ما يصيبها برصاصة خيبة أخرى _هل ستظل متشبثًا هكذا بالحبال الواهية ، رامي ؟ قالتها وهي تتبادل نظرة بينه وبين الصندوق الذي تحفظه عن ظهر قلب وتعلم كم يعني ما بداخله له تنهد رامي قبل أن يردف : _ بالتأكيد هناك سبب وراء أن الله لم يخرجها من قلبي وعقلي منذ ذاك اليوم ، أنا لا أؤمن بالصدف ، الله لا يحرك ورقة على شجرة دون سبب ، ليس عبثًا _حاشا لله_ فما بالك بقلبٍ كامل ؟ تنهدت رباب مردفةً : _ وما أدراك أنه ليس إلا ابتلاءًا كأي ابتلاء في الدنيا ، ابتلاء خيبة أمل وتمحيص ورفع درجات ؟ _ ربما .. ولكنني في هذه الحالة فائز أيضًا قالها بثقة فأجابت ببسمة طفيفة حاولت رسمها على ثغرها رغم كل تلك الهموم : _ أخشى فقط أن تتألم ، اسألني أنا ، خيبات الأمل ليست سهلة شعر رامي بغصة في قلبه من مغزى كلام أمه عن ما يَركزُ من مرارة في قلبها ، استكملت هي بالسبب الرئيسي لمجيئها له : _ قلبي يؤلمني كثيرًا ، رامي .. أهذان الاثنان هما من ربيتهما ؟ أهما ابنائي ؟ أم أنني أخطأت في العنوان ؟ _ سيكونان بخير إن شاء الله ، أثق بهذا .. مجرد زلات فقط وعندما يتذوقان عاقبة كل منها سيعودان لرشدهما _ كيف تستطيع الوثوق في من هدم ثقتك فيه مرّة بهذه البساطة ؟ _ هناك قلوبٌ نعرفها جيدًا ، على الإنسان أن يستطيع التفريق بين ما إذا كان هذا القلب صالحًا يحمل نبتةً طيبة في الأصل وخطأه ما كان إلا زلة يحتاج من يمسك بيده لينتشله منها إلى النور ، وما إذا كانت الخطيئة هي شيمة ذاك القلب من الأساس ، فلا يستحق منا شرف منح الثقة من جديد هذا من الأعمال التي أجد أن إضاعة الإنسان سنين من عمره في تعلمها هو بحدّ ذاته مكسب لا يُقدّر بثمن صمتت رباب متأملة كلامه بتعمّق ، ثم أجابته : _ معك حق ، بنيّ .. معك حق ، وقد أحسنتَ صنعًا بتركك بيجاد هناك ، عليه أن يتذوق مرارة عواقب أفعاله .. من أمِن العقاب أساء الأدب ابتسم رامي لها قبل أن يتحرك من جلسته ليصبح جوارها مقبلًا ظهر يدها لتنظر له نظرة رضًا بادلها بابتسامة حنونٍ _كعادته_ وهو يحاول بثها طمأنينة افتقدتها ، ويعلم أنها قدمت إليه لأنه أفضل من يبثّ أيًّا كان إياها ، حتى مجرد وجوده في مكان ما لَهُوَ مصدر أمانٍ حقيقيّ لمن حوله لقد وهب الله ابنها هبات عِدّة في شخصيته ، وهذه منها .. هباتٌ لو ظل كلٌّ منهما يحمد الله عليها أبد الدهر ما أوفوه _سبحانه_ حق شكره هي أشياءُ لا تُشترى 🥀_______________________🥀 بدأ وجهها يتصبب عرقًا ونفسها يضيق كأنّ هناك من يطبق عليه ، بدأت تتحرك في مكانها حركات تعطي إيحاءًا بأن ما تراه ليس بهيّن ، خائفة ، بل مذعورة .. تهرب من شئ أو إلى شئ ربما .. لا تدري حاولت يلديز إيقاظها برفق بعد ملاحظة وضعها ، لتبدأ تتمتم بما لو لم تسمعه يلديز لتوقعته : _ تميم استمرّ النداء بتمتماتها عدة مرات تحت محاولات يلديز لإيقاظها بإشفاق : _ روڤان ، روڤان حبيبتي استيقظي ، إنه مجرد كابوس ، اهدئي ظلت حركات روڤان في السرير تشتد وتعابير وجهها تحكي عن آلام عِدة ، قلقت يلديز عليها كما لاحظت بدء انهمار دموع تقوى بخوف ، فلم تجد حلًّا سوى أن هزت روڤان بشدة تحاول إفاقتها من كل ذلك فتحت روڤان عينيها فجأةً وأخذ نفسُها يعلو ويهبط وكأنه انحبس لفترة ، وهو بالفعل كذلك انتفضت في مكانها جالسة تطالع الغرفة حولها تحاول استيعاب ما كان وما يكون ازدردت روڤان ريقها بصعوبة قبل أن تنهمر دموعها وإحساس القهر يلازم قلبها لترتمي بحضن يلديز التي أخذت تبكي هي الأخرى دون صوت ، أخذت شهقات روڤان ترتفع وأصعب مشهد في حياتها يلازمها للمرة الثانية كأسوء كوابيسها ، يمر عليها مرور شرائط الأفلام إلى متى كلما سيراودها النعاس سيُعاود ذاك المشهد الكرّة في ذهنها ؟ كم مرة كُتب عليها عَيشه بكافة تفاصيله كاملةً ووحدها ؟! تزحزحت تقوى على السرير تقترب من روڤان تحتضنها تريد منها الأمان ، تودّ لو تطمئنها أنها بخير ، أنها لن تخسرها هي الأخرى ورغم أن ما كانت هي في حالة تسمح بـ بثّ الأمان لأحد بل هي في أمس الحاجة إليه بالكامل ، لكن هذه في النهاية طفلة لا ذنب لها ، لذا عليها ألا تدع الظروف تؤثر على اهتمامها بها وبصحتها النفسية والجسدية ، حاولت ضم رأسها لها بإحدى ذراعيها تمسح عليها وتكاد لا تشعر بيدها ، لكنها فقط تحاول .. من أجلها أخذت يلديز تدعو بصوت منخفض نسبيًّا مردفة : _ ربنا أفرغ علينا صبرًا ثم استكملت : _ الآن فقط استشعرت السبب في أن علّمنا الله قول "أفرغ علينا" ، وليس قول "صبّرنا" فحسب ، نحن لا نحتاج صبرًا عاديًّا ، لا .. نحتاج إليه أن يُصبّ علينا صبًّا صبَّا فاللهم أفرغ علينا صبرًا ، اللهم صبرًا على ما لم نحط به خُبرَا 🥀________________________🥀 بعد أسبوع .. في غرفة الجلوس .. زفرت حلا بضيقٍ هامسةً لألب _الذي قرر الجلوس معهم على الفطور لأول مرة منذ زواجه_ : _ هل سنظل هكذا دائمًا ، انا صبرت في البداية لكن الوضع صار لا يطاق التفت لها ألب مستفسرًا : _ عن ماذا تتحدثين _ نظام الأكل هنا ، هذه لا ترتقي لكونها عيّنات ، إنها عوينات طعام .. هذا لا يسمن ولا يغني من جوع  أجابها وهو يرفع حاجبيه باستيعاب : _ ها .. تقصدين الكميات ، هذه هي الوجبات الصحية ، اعذرينا فلدينا أخصائي تغذية هنا في البيت وهو مُولعٌ بمجاله ، حتى بعد زواجه من أمي رباب لم يستطع أحدٌ التغيير من هذا النظام الغذائي الصحّي .. غيريه أنتِ إن استطعتي _ ولكن هذه ديكتاتورية ، كيف لرجل راشد في سنك أن يسمح لوالده بالتحكم بحياته لهذه الدرجة وحتى وصولًا إلى طعامه ؟ والآن صار على زوجته تقبل هذا النظام أيضًا صمت ألب لثانيتين يمضغ طعامه قبل أن يبتلعه مجيبًا : _ أنا أيضًا قرأت في مجال التغذية من قبل ، وأحببت الأمر ، حتى صرت أحبّ ذاك النظام الذي نتبعه في البيت بعد أن كنت أمقته .. تستطيعين أن تقولي أن الأمر يساير رغباتي _ ها .. حسنًا لا نستطيع فعل شئ بشأن هذا إذًا _ يمكنكِ اختلاس بعض الوقت في المطبخ ليلًا بعد التأكد من نومه لتأكلي شيئًا إن شعرتِ بجوع _ حسنًا حبيبي ، يبدو أنه عليّ تقبل الأمر ، يكفي أنك تحبه .. اعذرني فيما قلتُ في السابق فقد ظننت أن والدك يرغمك على هذا قسرًا كنوع من التحكم كما يضع يده على كل شئ في حياتك اعتصر ألب ذراع الشوكة الممسك به بيده وقد تملك منه الغيظ أثر جملتها ، لتبتسم ابتسامة صغيرة بخبث سرعان ما أخفتها لتكمل تناول طعامها كأن شيئًا لم يكن بينما من جهة رامي فقد كان يراقب الوضع بينهما بعينيّ صقر لا يغفل ، وقد فهم تقريبًا محوى الحوار مما أغضبه من تلك الفتاة وأغضبه أكثر من أخيه الساذج .. وبشدة حتى أنه غفل عن تلك التي شردت في عالمٍ آخر لا يشغلها سوى شئ واحد ، علاقتها بظافر .. تضع شجار رامي مع بيجاد الأخير ومقاطعته له أمام عينيها بعد أن عرف أن من جرّه في هذا الطريق هو فتاة تدعي مارلين ذات أصول روسية اتخذها صديقة له كما يدّعي لا تتخيلون كم أغضب رامي مسمى "صديقة" ذاك لقد فعل هذا ببيجاد الذي يتوقع منه كل شئ .. ما عساه سيفعل بها هي وهو يعتبرها كما يقول "تاچه" ، يعتبرها الحدود الآمنة التي لن يمسه منها أيّ أذًى ! فعل هذا مع بيجاد الذي قال له أنها "صداقة" ، جُنّ جنونه من مسمى "صداقة" فقط .. فما بالكم بها هي إن علم أن الأمر غير مقتصر على صداقة بل تعدّى ذلك بكثير ، بل حب ومحادثات ومقابلات ووعدٌ من خلف ظهره بالزواج ! إنه لواحد من أسوء كوابيسها أن تخيّب أمل أحد أحبابها بها ، وهذه ستكون صفعة قوية منها ليس لرامي فقط ، بل لهم جميعًا ولكنه قلبها الذي أحبّ الشخص الذي فضل الارتباط بها رغم وجود وضع شرعيّ يُسمى خطبة .. قلبها الذي سيجرها انصياعها لرغباته إلى حافة الهاوية شعرت تاچ بالاختناق ، وخوفًا من هُطول دموعها أمام أحد قررت الانسحاب إلى غرفتها فتستأذن مغادرة قبل أن تسمع حتى ردًّا ولجت تاچ إلى غرفتها جالسة على سريرها وعيناها تتشبعان بالدموع وصدرها يضيق أكثر وأكثر بالكتمان لقد صارت في حيرةٍ من أمرها اتجاه صدق مشاعره نحوها أليس من صدَق حبّه صدَق سعيه ؟ أليست هذه إحدى المقولات المعروفة عن الحبّ ؟ كيف يحبها هو إذًا ولم ترَ منه سعيًا صادقًا يرضي الله عنهما ! كيف يحبها وهو يقبل عليها اعتصار ضميرها تأنيبًا كل ليلة ! كيف يهون عليه تشكيك الناس في أخلاقها وشرفها عند سيرها في إحدى الشوارع بجواره ! كيف هان عليه جرّها إلى علاقة لا ترضي ربهما ثم لا ترضي أهلها وتخدش نخوة رجال بيتها ! كيف يقبل عليها رعشة خوفٍ كتلك من آخرتها ودنياها ! كيف يرضى بلحظات ذعرٍ كهذه تصيبها في كل مرة تشعر باقتراب كشف أمرها ! كيف يرضى لها إحدى تلك المشاعر الـ"مؤذية" ! ما مفهوم الحب في قاموسه ؟! 🥀_____________________🥀 روڤان وهي تحمل حقيبتها عقب إغلاقها : _ لم أكن أعرف أن إيجاد عمل مرهقٌ هكذا _ نعم ، روڤان .. ها قد انتهى أسبوعنا في الفندق دون إيجاد عمل يكون وسيلة لإيوائنا في مكان آخر أو إطعامنا حتى _ لقد احتفظت بالطعام الذي تبقى منا أمس وقبل يومين ، آمل أن لا يفسده بقاؤه خارج الثلاجة ، لعله ينفعنا اليوم وغدًا _ أحسنتِ صنعًا ولكن ، هو في الغالب لن يصمد حتى الغد تنهدت روڤان مردفة : _ هذا في الغالب ، ولكن أحاول الأخذ بكل الأسباب .. بمناسبة الحديث عن الفندق ، أودّ كثيرًا نعرفة من هذا الذي تكفل ببقائنا هنا أسبوعًا كاملًا صمتت يلديز لثانية قبل أن تجيبها بخفوت : فليجازه الله خيرًا نظرت لها روڤان بشك لثوانٍ قبل أن تجيبها : _ آمين خرجت تقوى من المرحاض فأردفت روڤان تحاول رسم البهجة على وجهها : _ نعيمًا أومأت الصغيرة بشبح ابتسامة سرعان ما اختفت ، شكلها تغير تماما عن قبل رحيل تميم ، لقد انطفأت الطفلة الصغيرة كليًّا ، بالطبع فحتى الأسبوع الذي قضَينه في الفندق رغم الخدمات الرائعة لكنه لم يكن بهيّن ! لقد هذا ثاني أسوء شئ عشنه بعد ليلة موت شقيقها ! تخشى أن يكون شحوب وجهها ليس فقط حزنًا وإنما علامة الإصابة بشئ ما ، لقد بدأت تشتكي مؤخرًا من معدتها ولا تدري السبب ، طعام الفندق نظيف جدًّا فلا تعتقد أن السبب منه .. تأمل أن يكون ظنها خاطئًا نظرت روڤان ليلديز نظرة ذات مغزى قبل أن تمسح الأخيرة على رأس الطفلة ثم تنحني لتحمل إحدى حقيبتيها تاركة للصغيرة الأخرى ، ليخرجن من باب الغرفة ومنها إلى خارج الفندق ولا تدري أيٌّ منهم إلى أين ! ما المحطة التالية ؟ لا يعلمها إلا الله كل ما سيحاولن فعله الآن هو البحث عن عمل يوفر لهن سكنًا ولو لقمة من الطعام .. سيحاولن .. مجددًا ليس لديهنّ خيارات أخرى 🥀__________________________🥀 أغلق رامي الخط مع أحد معارفه من إحدى مزارع كويوجاك بإسبرطة .. مجددًا .. لا أثر أخرج رامي دفتر التقويم الخشبي خاصته ليعلن فيه عن خسارة معركة جديدة حالت دون إيجاد لاڤندره ، صاحبة حجر القمر ليعبر عن خسارته بشطبة جديدة على تاريخ هذا اليوم عقد رامي حاجبيه بتذكر محدثًا نفسه : _ ايه ده ؟! هو عدّى كام يوم ؟ وضع رامي إصبعه على إحدى التواريخ التي شطب عليها بلون مختلف ليظل متذكرًا يوم حجز الفندق ، وأخذ يعد الأيام المارة حتى الآن إنه اليوم السابع ! لقد انتهت إقامتهن ولم يتذكر الذهاب إلى الفندق ليتتبعهن إلى أين سيذهبن كما كان ينوي .. ما فعله بيجاد شوّش عقله تمامًا طوال الأيام الماضية انتفض رامي عن السرير آخذًا مفاتيح سيارته وهاتفه دون حتى تغيير ثيابه أو هندمة شعره المبعثر بعشوائية ، يؤنب نفسه ألف مرة في الثانية على نسيان أمرهن .. ماذا لو رحلن بالفعل ؟ ماذا لو لم يستطع الوصول إليهن ؟ ماذا لو لم يجدن عملًا أو مأوًى بعد ؟ لن يسامح نفسه أبد الدهر ، لقد حمل نفسه مسؤوليتهن حتى يصلن لبرّ الأمان ، ولم يستطع الإيفاء بوعده لنفسه .. يرجو أن يحدث شئ يؤخر خروجهن من الفندق حتى وصوله .. يرجو هذا ركب رامي سيارته مشغلًا المحرك ليبدأ بتدوير عجلة القيادة ، ليطير في ثانيتين من أمام بيتهم ، ويقود بسرعةٍ مرعبة كما لم يقُد من قبل وصل في وقت قياسيّ بعد أن كاد يتعرض لحادثين على الطريق ، ليوقف السيارة في مكان مناسب مترجلًا منها راكضًا نحو باب الفندق .. ليلج إلى موظف الاستقبال متسائلًا على عجلة : _ روڤان علي رضوان ، كان هناك حجز باسمها ، هل رحلت أم لا تزال بالأعلى ؟ _ دقيقة من فضلك _ الدقيقة كثيرة همس بها لنفسه منتظرًا بحث الموظف على الحاسوب فتصله الإجابة الخاذلة : _ سلمت المفتاح قبل قليل ، سيدي .. لقد رحلت ارتخى كتفا رامي بخيبة أمل ، ثم تشبث بالأخير الذي يعلم بضعف احتماليته : _ هل تعلم إلى أين ؟ _ مع الأسف قالها الموظف محركًا رأسه بالنفي تنهد رامي بأسًى مردفًا : _ حسنًا ، أشكرك _ على الرحب تحرك رامي إلى الخارج يجر خلفه أذيال الخيبة ، تنهد بعمق وهو يرفع رأسه إلى السماء متحدثًا بمناجاة : _ لك في ذلك حكمة ، أعرف جيدًا .. لكنك _سبحانك_ أمرتَ بالسّعي ، وأنا على بابك لا أبرح حتى أبلغ أخفض رامي رأسه وقد شعر بطاقة إيجابية تعيد شحن صدره الذي كاد يفرغ من كل بصيص أمل كما اعتاد دائمًا في مناجاته مع بارئه ما عاد أمامه من حل ، سيبحث عنهن في الشوارع كل يوم ، وسيبدأ بالليلة .. فهذا هو السعي الذي بيده تحرك رامي نحو أحد الرجال الجالسين على كرسيّ بالقرب من باب الفندق ، والذي بدى له أربعينيًّا وسمته طيّبًا مما ذكره كثيرًا بباريش .. سأله رامي : _ سلامٌ عليكم التفت الرجل له مجيبًا : _ وعليكم سلام _ من فضلك أبي هل رأيت فتاتين تحملان حقائب ومعهما فتاة صغيرة بعمر الثامنة تقريبًا يمررن من هنا قبل قليل ؟ لقد خرجن من الفندق ، هل تعلم من أين ذهبن ؟ _ لست متأكدًا بنيّ ، هناك الكثير من الناس يخرجون ويدخلون من ذاك الفندق ، لا يمكنني التذكر ، حقيقةً _ حسنًا ، أشكرك تحرك رامي نحو سيارته ، ليركبها مشغلًا المحرك ويبدأ بالسير في شوارع إسطنبول الكبيرة دون هَدْي .. إنه يبحث عن إبرة في كومة قش ، تمامًا كما يفعل مع لاڤندره منذ ستة عشر عامًا ، يبدو أن قَدَره مع كلتيهما متشابه إلى حد كبير .. زهرة اللاڤندر صاحبة حجر القمر ، وهذه العنيدة التي يحول كبرياؤها بينها وبينه 🥀__________________________🥀 _ هيا مارلين ، لا تفعلي بي هذا ، أجيبي على ذاك الهاتف قالها بيجاد هامسًا وهو يتصل برقمها للمرة الرابعة ولا تجيب ، يحاول أن يتمسك بأي قشة أخيرة لعلها يكون فيها النجاة ، لا يريد أن يشعر بالغدر من أحد آخر .. لا يريد تذوق مرارة ذاك الشعور من جديد في المرة الأولى رامي ، والآن مارلين .. مارلين التي ظنها _كما وصفها إيمره_ ملاذًّا آمنا بديلًا للذي فقد ، ويبدو أنه _بالفعل_ حان وقت الاستفاقة _ من مارو هذا أو تلك ؟ هل هذه الحبيبة مارلين ؟ أعني صديقتك ؟ التفت بيجاد إلى الصوت الماكر الخارج ثغر مبتسم ، والذي جاءه من خلف الأريكة القابع فوقها ، ليجيب بوقاحة : _ وما دخلكِ أنتِ ؟ _ هل تتحدث مع الأكبر منك هكذا ؟ الفارق بيننا خمس سنوات لا تنسى ! قالتها حلا بنظرة خبيثة لم يرتح لها بيجاد مطلقًا لكن هذا الذي أمامها ليس بـ تاچ ولا حتى ألب .. إنه بيجاد على سنّ ورُمح ، يبدو بأنها دخلت المرمى الخطأ ، فلم يتوقف بيجاد عن تسديد الأهداف في شباكها لصالحه مردفًا بسخرية لاذعة : _ هل سئم ألب من لسانكِ السليط ولم تجدي تاچ لتخرجي همك بها كعادتك فأتيتِ ليَ الآن ؟ ألا تستطيعين العيش بدون بثّ سمومٍ ولدغ أحدهم كالثعابين ؟ ما بالكِ أيتها العروس المشؤوم ؟ شهقت حلا مردفةً بحنق : Stupid _ نعم ياختي ؟ انتِ هتعمليلي فيها مثقفة وجاية من حواري لندن ؟ فوقي يا ماما ما احنا عارفين البير وغطاه _ ماذا ؟! إنك تسبني بالمصرية مجددًا صحيح ؟ أثق بهذا .. أيًّا كان ما قلتَ فأنت وقح _ قد أكون كنت وقحًا بالفعل ، لكن ليس أوقح منكِ .. الوقح الحقيقيّ هنا هو الذي أتى إلى بيتنا قسرًا وبدلًا من أن يخجل من نفسه ويشعر بتأنيب الضمير أو يحاول إرضاء أهل المنزل وإصلاح ما اقترف صار يعتبر نفسه من أهل البيت له الحق في التلميح والتلقيح والإيقاع بين الأب وابنه والتدخل فيما لا شأن له به .. هذا هو الوقح الحقيقيّ _ طالما أنني زوجة أخيك فأنا فرد من أفراد هذا البيت مثلك تمامًا يا فتى ، وسأظل هكذا رغمًا عن أنوفكم _ امرأته .. امرأته وليس زوجته ، وشتّان بين المعنيَيْن لو تعلمين قالها بيجاد مصححًا لها ، فأجابته : _ لم أفهم ! كلاهما واحد _ لا ليس واحدًا ، الزوجة هي السكن والمسكن والودّ والرحمة لزوجها ، أما امرأته فهذا لا يتخطّى كون اسمها مقترنًا باسمه ظاهريًّا على ورق أمام الناس ، أما العلاقة المعنويّة الدافئة التي عادةً ما تكون بين الأزواج الصالحين المتحابين فنسبة تواجدها صفر وأنتِ مفاهيم الحب ، المودة ، الرحمة ، السكن والطمأنينة أبعد ما يكون عنكِ ، مُسَمّاكي لا يتعدى كونك امرأة أخي وليس زوجته ، لأنك شيطان على هيئة بشر ، ألم تقرئي القرآن من قبل فتدركي الفارق ؟ الفارق بين قول الله "وامرأة نوح وامرأة لوط" وبين "يا أيها النبيّ قل لأزواجك" والكثير الكثير من الأمثلة أوه آسف نسيت ، الشياطين لا يقرؤون القرآن خوفًا من الاحتراق ، لذته قد حرّمت عليهم .. آسف على سؤالي المحرج شعرت حلا كأن زلزالًا أصابها ، لقد أهانها ، هذا الفتى في كل مرة يأخذ حق أهله الذين آذتهم بكلماتها وأفعالها جميعًا ، لسانه لا يرحم من يستحق أن لا يُرحم ، ويبدو بأنه اتخذها ضمن قائمة من لا يستحقون منه الرحمة _ هل ستحدثني بالقرآن والسنة أنتَ الآخر ؟ إنك سئ بقدري أيها المرابي الـ.. قاطعها بيجاد بتحذير : _ إيّاكِ .. إيّاكِ أن تسول لك نفسك فتساوينني بكِ ، وإيّاكِ والتدخلَ في حياتي ، لا شأن لكِ بما أفعل ولا حق لكِ عندي بالتبرير قد تكون لديّ الكثير من الأخطاء ، لكنني لست كافرًا ! ليس معنى أنني ذكرت آيات من القرآن في حديثي عقب ذنوب اقترفتها أنني منافق ، الله وحده أعلم بالقلوب .. الحكم عليّ حقه غير متروكٍ لكِ طالما أنني لم أظلمكِ أو أوذيكِ في شئ صمتت حلا لثانيتين أثر كلامه ، أردفت بعدها : _ لي الحق أم لا ، لا فارق ، في كلا الحالتين أنا فردٌ من أفراد البيت ، أكبر منك بخمس سنوات وإن كنت لا تستطيع أن تُكنّ لي الاحترام فـ على الأقل أنت مجبور على تقبل وجودي من أجل أخيك قالتها حلا بـ غلّ فأجابها بيجاد من بين أسنانه : _ وإن يكن ، هذا لا يمنع أنني .. وأصدقائي ، وممتلكاتي ، وتصرفاتي وكل حياتي خط أحمر أمامكِ لن تستطيعي تجاوزه ، أنا لستُ طيبًا بقدر ألب وتاچ ، ما تفعلينه معهما لا ولن يحدث معي إن حاولتِ لعب لعبة معي فسأسحقكِ تحت أنقاضها ، ابتعدي عن طريقي ، وتوخَّيِ الحذر انعقد حاجبا حلا أكثر وقد غُمّ وجهها ، تحركت من موقعها ذاهبةً بعيدًا عنه وداخلُها يشطاط غيظًا أن هناك لأول مرة من استطاع إخراجها في هذا البيت من معركتها معه خاسرة ، والعجيب أنه أصغرهم ! 🥀________________________🥀 والآن عاد إلى نقطة الصفر ، وآب إلى حيث بدأ .. أمام باب الفندق صفّ رامي سيارته مستندًا بظهره على الكرسي .. مرت ساعات تقريبًا يبدو وكأنهنّ اختفين تمامًا من إسطنبول ، ربما يَكن خرجن منها إلى حيث لا يعلم وفقدهن للأبد بالفعل ! بدأ إحساس اليأس يتملك منه .. لقد فشل في إيجاد فتاة صغيرة قبل ستة عشر عامًا أخبرته إلى أين يترددون هي وأهلها كل عام .. مزارع لاڤندر بقرية كويوجاك بإسبرطة .. ورغم هذا مر ستة عشر عامًا ، ولم يمسك في يده خيطًا واحدًا من خيوط الوصول إليها حتى سلم أمرها كليًّا لله تعالى يدعوه دعاء المضطر الذي نفذت كل الحيل بين يده فما بالكم بفتاة رآها لأول مرة قبل أسبوع لا يملك لها أيّة معلومات ! يبدو أنه كُتب عليه أن لا يكون موفّقًا في عمليات البحث طيلة حياته رغم عمله كشرطيّ لسنوات ، بدأ يشعر بذلك .. والعجيب بأن أهم أحداث حياته تعتمد كُلّيةً على عمليات البحث .. التي هو فاشلٌ فيها ! تنهد رامي بعمق وهو يطالع لافتة الفندق الكبير بنظرة عميقة وتعابير وجهه توحي بألف تفسير لم يره إلا الله اتخذ القرار بعودته للبيت ، فقد أرهق قدميه وجسده كله في القيادة حتى أن رأسه بدأ يدور .. هو يحتاج قسطًا من الراحة كاد يشغل المحرك عائدًا إلى بيته ، لكن أتاه اتصال من باريش ، ليرد عليه فوجده يستدعيه لأمر ضروري في مكان عمله ، ويبدو من صوته أنه ليس أمر خير ، وكعادته لا يستطيع رد أحدٍ طلب شيئًا منه ، ليس في قاموسه تعلّم كيفية قول "لا" فلا يجيد استخدامها عادةً ، لذا رغم قدميه المتعبتين وذهنه الشارد قرر لفّ عجلة القيادة في طريقه إلى مقرّ عمل باريش 🥀______________________🥀 _ أعرف ، سيدي .. لا تقلق ، سأحاول حل الأمر أغلق باريش الخط مع مديره في العمل تزامنًا مع دخول رامي من باب مكتبه الزجاجيّ المفتوح ألقى رامي السلام فأجابه باريش ليشير له آذنًا بالجلوس ، اتخذ رامي موقعه في المجلس ليتساءل بودّ : _ كيف العمل ؟ _ نحمد الله على كل حال _ ماذا تقصد ؟ _ للأسف ، رامي .. سئ جدًّا عقد رامي حاجبيه متسائلًا لتصله إجابة باريش المفسرة وهو يحاول الحفاظ على ثباته الانفعالي ، والذي كانت محاولته واضحةً كثيرًا لرامي : _ لقد ترك ألب العمل ، استقال دون علمي ..تعلم أن رئيسي في العمل كلفني مسؤولية عمله هو وبضعة من الشباب ، إنهم يعملون تحت إمرتي وأنا أعمل تحت إمرة المدير ، واليوم فوجئت باختلال ركن من أركان الفريق ليتهاوى بنا ويهوي معه باقي ركائز الشركة والمصنع جميعها ألب كان يعرف جيدًا مدى التأثير الذي سيحل علينا وعليّ أنا بالذات إن تركنا في منتصف الطريق دون سابق إنذار ورحل ، لذا أنا أدرك جيدًا أنه يدرك ما يفعل ويقصده ، وأعرف أن هذه ليست عقلية ابني أنا لا يهمني الآن بره بي الذي آل به الأمر إلى عقوق حقيقي ، ولا كونه كالإنسان الآلي الذي تبرمجه حرباء ما كيفما تشاء .. كل ما يهمني الآن هو مصير الموظفين الذين لا ذنب لهم ، المسؤولين عن بيوت وعائلات كاملة وهو يحول مكاسبهم إلى خسارات هذه الشركة تعمل كالجسد الواحد ، إذا تداعى فيه عضو تداعى له سائر الجسد ، ما فعله هذا ظلم كبير لهم وقد يؤول إلى الإخلال بتوازن بيوتهم ، وخسارتي أنا أيضًا لوظيفتي التي تعتمد عليها أسرتنا وبيتنا .. كل ما أريده منك الآن هو أن لا تدع مشكلة ألب معي تكون سبب خراب أسر كاملة وألا تكون بمثابة عاصفة تُودي بنا جميعًا ألب يحبك كثيرًا ، ويكنّ لك احترامًا ولك عنده مكانة لا يمتلك مثلها غيرك ، أنا وإن تهت عن هوية ابني فهذا الملمح الوحيد من ملامح هويته الذي لا أتوه عنه أرجوك أن تتحدث معه ، أن تساعده أن يخرج من ذاك البئر الذي أوقعته حلا فيه ، أنا أخشى عليه عاقبة العقوق أكثر مما يخشى على نفسه ، وعّيه لـ ألا يكون كالرجال الذين يصيرون دمية بخيوط في أيدي أحدهم سواءًا زوجة أو صاحبًا أو حتى إخوةً أو أبًا أو أمًا فتُمحى شخصيتهم الحقيقية ، وهذا _مع أسفي الشديد_ يحدث مع ألب الآن ، فأنا أخبرك وأخبر نفسي بكل ثقة أن هذا ليس قلب ابني ولا هذا الطائش والعاق هو ، وأنت تدرك هذا أيضًا .. والأهم في الوقت الحاليّ أريدك أن تفتح قلبه لما يدور حوله وما هو متسبب فيه لأسرٍ كاملةٍ ولبيتنا نحن أيضًا إن استمر فيما يفعل كان رامي يستمع له بصمت ، هو _للعجب_ لم يشعر بالتأثير المعهود للصدمات هذه المرة ، يبدو أنه هيأ نفسيته لأي ضربة تأتي من أي أحدٍ بعدما قاسى مع أخوية منذ عودته ، وهذه إحدى مميزات الإصابة الأولى ، فعلى الرغم من شدتها ، إلا أنها تُكسب مناعة تقيك _بفضل الله_ الإصابة الثانية ! تحدث رامي إلى باريش : _ لا تقلق ، سأتحدث معه إن شاء الله .. آمل فقط ألا تكون حلا قد تمكنت تمامًا من قلبه ، محتلة إياه بالكامل فما تركت مساحة لصوت غير صوتها عنده _ وهذا ما أخشاه ، بنيّ .. ولكن ، علينا أن نجرب لنعرف ، وآمل ألا تكون تجربتنا مخيبةً للآمال ، حتى لا نكون فقدنا ابني لأجلٍ غير مسمّى _ وأنا أيضًا .. آمل ذلك 🥀__________________________🥀 _ ولكن أنا بحاجة لهذا العمل ، ثم أنني متخرجة من كلية الترجمة أنا مترجمة ، هذه الوظيفة ملائمة لي .. حسنًا على الأقل ، ألا يوجد أي وظيفة شاغرة أخرى في هذا الفندق ؟ قالتها روڤان برجاء غريب يتلهف لأي طوق نجاة يُقذف إليه ، هذه الوظيفة التي وجدت عليها إعلانًا على باب إحدى الفنادق جيدة جدًا ، راتبها سيكفي حاجاتهن وربما عما قريبٍ تجد سكنًا جيدًا ، حتى أنها يمكنها أن تسكن في بداية الأمر بإحدى غرف الفندق ريثما تحصل على أول راتب لها ، لكن هذا الذي أمامها صدم وجهها بحائط الواقع ليخبرها أن الوظيفة شغلتها فتاة غيرها بالفعل قبل ساعات صمت الموظف يفكر قليلًا قبل أن يخبرها : _ نحن بحاجة إلى عاملي نظافة هنا ، فقد استقال اثنان من الفريق منذ أيام ، هل الأمر مناسبٌ لكِ نظرت روڤان له بيأس قبل أن تردف بوهن : _ حسنًا أنا لا أستعر من العمل في مجال النظافة أبدًا ، العمل طالما لا يخالف الشرع فليس عيبًا ولكن ، هل كلّفتُ أهلي مصاريف الدراسة بجامعة خاصة بكندا لسنوات بكلية الترجمة حتى أصير مترجمة كما تمنيت دومًا لأعمل بالنهاية بمجال غير مجالي يمكن لأي أحد العمل به حيث لا علاقة له بنوعية الشهادة ؟ وكأنني ما فعلت شيئًا لسنوات وأن أموالهم التي حصلوا عليها بعد كدّ وتعب ذهبت هباءًا منثورَا ؟ _ أنا آسف لكِ أختي ، ولكن ليس لدينا مكانٌ شاغرٌ غير هذا _ كم الراتب ؟ تساءلت يلديز فأجاب : _ 700 ليرة في الشهر _ هل تمازحنا ؟؟ هذا لا يساوي ثمن تعب الشهر في هذا الفندق الكبير ! هتفت بها يلديز باستنكار فأجابها بدفاع : _ أدرك هذا بالفعل ، ولكن الآمر ليس بيدي ، أنا في النهاية مجرد موظف هنا ، لو كان بيدي لرفعت لكنّ الأجر أو حاولت إيجاد مكان شاغرٍ آخر لكنّ ، فليعِنكن الله على ضائقتكن ، آمل من الله أن تجدن وظيفة مناسبة في أقرب وقت _ آمين أمّن الفتاتان ثم تنهدت روڤان تنهيدة عميقة وقد اتخذن خطواتهن للخروج من المكان وقد أصبح اليأس رفيقهن عقب كل وظيفة يتقدمن لها ، كدن يخرجن من المكان لولا صرخة صمت الآذان خرجت من فم تقوى جلجلت قلبيهما وضعت الفتاة يدها على بطنها تئنّ ألمًا ووجهها يتغير إلى مئة لون مع صرخات متتالية لقد كانت تكتم ألمها منذ مدة ، حاولت أن لا تزيد هم روڤان ويلديز لهمّين ، أن تكون طفلة يافعة وبمثابة فتاة راشدة تتحمل مسؤولية نفسها دون أن تزيد هموم من هُم أكبر منها بينما هم في هذا الضيق ، لقد حاولت حقًّا ولكن رغمًا عنها خرجت الصرخات منها فما عادت تقدر ، الآلام صارت مبرحة لدرجة لا تُحتمل ، تشعر وكأن روحها تكاد تخرج منها هاربة من هذا الوجع وضعت الصغيرة يدها على بطنها جالسة على ركبتيها أرضًا فما عادت قدماها تحملانها ، برزت عروق وجهها بشكل كاد يوقف قلب روڤان من الفزع ربع ساعة مرّت حتى قدمت سيارة الإسعاف وحملت يلديز تقوى إليها نظرًا لأعصاب روڤان التي خارت وجسدها الذي تيبس تمامًا حتى أنها لم تعرف كيف حملتها قدماها ولا كيف وصلت إلى سيارة الإسعاف تجاور يلديز وصرخات شقيقتها يبدو أن ما تحمله الأقدار لها لا زال يحوي الكثير ، وأن موت شقيقها بهذه الفجعة وبقاءهن في الشارع دون مأوًى وجوعهن دون طعام وظمأهن دون شراب وسرقة ممتلكات والدها ليس كل شئ ويبدو أن الرياح لا زالت ستجري .. بما لا تهوى سُفنها ولا تدري على أي أرض وإلى أي قلب ستستوي هذه العاصفة بها ولكنكم برفقتها _فيما بعد_ ستعلمون 🥀_______________________🥀 انتهى بحمد الله اللاڤندر الخامس وها أنا لا زلت أخبركم .. بأنكم لم ترَوْ شيئًا بعد رأيكم حتى الآن؟ 🕀 أحبكم في الله ، ودمتم سالمين يا رب

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

لاڨاندري

المؤلف ArwaMahmoud38
2024/10/10 مستمرة
قائمة الفصول (15)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة