في القاعة الكبرى لقصر الدوق "لوسيان"، حيث احتشد آلاف الأشخاص من عامة الشعب؛ بعضهم من الأثرياء، وآخرون من المعدمين...
كان الجميع يتدافعون بجنون محاولين الظفر بمكانٍ في الصفوف الأمامية، مكانٍ يتيح لهم رؤية زعيمهم الجالس على العرش، تحيط به عائلته.
ورغم وجود سورٍ ذهبي قصير مثبتٍ على عجلات، إضافة إلى الجنود الذين يمنعون الفوضى، فإن بعض الحاضرين كانوا يفقدون صوابهم طمعًا بالاقتراب أكثر، فيقوم الجنود بجرّهم بعنف وإلقائهم خارج القاعة الواقعة في السراديب تحت القصر.
وقف المنادي قرب منصة العرش وصاح: "هدوء!"
فساد الصمت أرجاء القاعة.
ثم أردف بصوتٍ متفاخر: "الزعيم والإمبراطور لوسيان، وزوجته الإمبراطورة السيدة ليندا، وابنهما الأمير ألكسيس، وشقيق الإمبراطور الدوق ألبرت، وزوجته الدوقة مارثا، وابنهما النبيل آندريك."
دخلت العائلة المالكة وسط هيبةٍ طاغية.
جلس "لوسيان" وزوجته على المنصة العليا، بينما جلس أسفلهما "ألكسيس" إلى اليسار، وعلى اليمين جلس "ألبرت" وعائلته.
أما الناس، فكانوا يقفون على بعد ثمانية أمتار تقريبًا من المنصة.
تقدم رجل يرتدي زيّ طبيب، وبرفقته ممرضتان تدفعان عربة تحمل عشرة أكياس دم فارغة ونظيفة، إضافة إلى حقنة ومعدات طبية.
وقف الطبيب بجوار "لوسيان" وقال باحترام: "جلالتك."
رفع "لوسيان" كمّ قميصه بهدوء، فأمسك الطبيب ذراعه وقال: "أعتذر منك، سيدي."
غرز الإبرة في وريده، ثم ثبت القنية الطبية ووصلها بأنبوب رفيع بالكيس الأول.
وبدأ دم الزعيم يملأ الأكياس واحدًا تلو الآخر.
وبعد امتلائها جميعًا، نزل الطبيب والممرضتان إلى الناس، وبدأ الجنود بتنظيم الحشود في ثلاثة طوابير.
تقدم أول رجل، وكان يبدو ثريًا، وجلس أمام الطبيب. سحب الطبيب بعض الدم باستخدام الحقنة، ثم نزع رأس الإبرة ووضع ثلاث قطرات في فم الرجل.
وبين الحشود، كان رجلان يتحدثان.
قال الأول: "ما الذي يفعلونه؟"
نظر إليه الآخر باستغراب: "هل أنت مصاص دماء متحول حديثًا؟"
"أجل، لقد حوّلني أحد مصاصي الدماء، لكن لماذا تسأل؟"
قال الرجل: "فقط المتحولون الجدد يجهلون هذه الطقوس."
ثم نظر نحو "لوسيان" وأردف: "الشخص الذي يحصل على الزعامة يخضع لطقوس خاصة لا يعلم أسرارها سوى هو ومجلس الشيوخ. يضيفون إلى دمه مادة معينة تمكنه من تحمل الشمس، وبعدها يصبح قادرًا على توزيع دمه على شعبه ليتمكنوا هم أيضًا من الخروج نهارًا."
اتسعت عينا الرجل الأول بإعجاب: "هذا مذهل! إذًا جميع مصاصي الدماء يستطيعون الخروج في النهار؟"
ضحك الآخر بسخرية: "يا لك من أحمق... كل قطرة تمنح صاحبها سنة واحدة فقط تحت الشمس."
"وكم قطرة سنحصل عليها؟"
"بما أننا من العامة، فسنحصل على قطرة واحدة مقابل مبلغ ندفعه، أما الأثرياء فيحصلون على ثلاث قطرات."
"ومتى نستطيع الحصول على المزيد؟"
"يقيم الزعيم لوسيان هذه الطقوس مرة كل ثلاث سنوات، ويوزع خلالها عشرة أكياس من دمه. أما والده، فكان يقيمها كل خمس سنوات، وكان سعر القطرة مرتفعًا للغاية لدرجة أن الطبقة الفقيرة لم تكن تحلم بها."
ثم نظر إلى الطبيب والممرضتين وقال: "يقال إن طاقة الزعيم تضعف بشدة كلما منح دمه لشعبه... لذلك يُعد دمه أثمن من الألماس بالنسبة لنا."
كان الأثرياء يتوجهون إلى الطبيب، بينما يتجمع أبناء الطبقتين الوسطى والفقيرة عند الممرضتين.
وفجأة، دوّى صراخ امرأة وسط القاعة وهي تحاول الإفلات من الجنود: "ابتعدوا عن طريقي! أريد التحدث إلى الزعيم! دعوني!"
انتبه "لوسيان" إلى الضوضاء ونظر إلى تابعه.
فقال الحارس بحزم: "أمرك، سيدي."
وفي لحظة، ظهر خلف الجنود دون أن يشعروا به.
تراجعوا فور رؤيته، لتنكشف المرأة وهي بحالة مزرية؛ ملابس ممزقة، وشعر أشعث يغطي وجهها حتى بالكاد ترى.
قال الحارس ببرود: "تقدمي."
سارت نحوه بخوف شديد، ثم سمح لها بالتقدم أكثر حتى وقفت أمام درجات منصة العرش.
قال "ألبرت": "ما الذي تريدينه من الزعيم؟"
ابتلعت المرأة ريقها، وارتجفت بعنف وهي تتمتم: "إنه... إنه..."
أمسكها الحارس من ذراعها بعنف وقال: "ارفعي صوتك."
صرخت فجأة: "إنه حي!"
ثم أفلتت ذراعها واندفعت نحو المنصة تصيح بجنون: "الطفل الملعون ما زال حيًا!"
انتبهت العائلة المالكة بأكملها.
قالت "ليندا" باستخفاف: "ربما تكون مجنونة... اطردوها فحسب."
لكن "ألبرت" قال: "لحظة... عمَّ تتحدثين؟"
صرخت المرأة: "لقد رأيته قبل خمس سنوات! رأيت الطفل الملعون بعيني! الأمير كلاودو ما زال حيًا!"
نزل وقع كلماتها كالصاعقة على "لوسيان" وزوجته، وكذلك على "ألبرت" و"مارثا"، وحتى بعض الجنود القدامى والطبيب بدوا مذهولين.
ساد الصمت.
ارتبك "لوسيان" للحظة، ثم أعطى إشارة لحارسه.
ومن بين الحشود، كانت طفلة في التاسعة تضع يدها على فمها وتبكي، بينما ترى الحارس يستل سيفه استعدادًا لقطع رأس والدتها.
لكن "ألبرت" صاح: "انتظر."
توقف الحارس.
ثم قال "ألبرت": "إذا سمح لي الزعيم... أود تعذيب هذه المرأة لمعرفة من يقف خلفها."
أجاب "لوسيان" بلا اكتراث: "افعل ما تشاء... المهم أن تموت في النهاية."
سحب الجنود المرأة بالقوة وهي تصرخ: "أقسم أنني رأيته! لقد تحدثت معه!"
وبعد ذلك، استؤنفت مراسم توزيع الدماء وكأن شيئًا لم يحدث.
.
.
في منتصف الليل، كان الشاب الأبيض الشعر "ألكسيس"، ذو الثمانية عشر عامًا، يسير في أحد الممرات حتى توقف أمام غرفة ما.
طرق الباب، ففتحت له إحدى الخادمات.
دخل ليجد خادمات أخريات يهتممن بأناقة والدته الجالسة أمام المرآة.
ابتسمت "ليندا": "ما الأمر يا عزيزي ألكسيس؟"
أشار للخادمات بالخروج، ففعلن بانحناءة محترمة.
ثم قال بهدوء: "أمي... أريد أن أسألك عن شيء حدث في المراسم."
قالت وهي تنظر إليه عبر المرآة: "لم أفهم، عزيزي."
"من هو كلاودو؟"
ارتعشت "ليندا" فجأة، ثم التفتت إليه بحدة: "إياك أن تسأل عنه مجددًا. انسَ ما حدث."
وقفت واتجهت إلى السرير، لكن "ألكسيس" تابع: "أريد أن أعرف من يكون. بدا والدي مرتبكًا، وعمي أيضًا-"
"هذا يكفي!" صرخت في وجهه.
تجمد "ألكسيس" في مكانه.
ثم قالت بنبرة مخيفة: "إياك أن تنطق اسمه داخل القصر. وإن سمعك والدك، فسيعاقبك دون أن يمنحك أي إجابة."
غادر "ألكسيس" وهو منزعج.
وأثناء سيره، سمع صوت "آندريك" يتحدث مع شخص ما داخل إحدى الغرف: "لماذا تخافين من إخباري؟"
استغل "ألكسيس" حاسة سمعه القوية، فأنصت جيدًا.
فسمع "مارثا" تقول بتوسل: "أرجوك يا بني... لا تسأل عن هذا الأمر. لأجلي هذه المرة."
بعدها خيّم الصمت، فعرف أن "آندريك" قد استجاب لرجاء والدته.
.
.
في سوق المدينة الكبير، حيث يتوافد الناس من كل مكان، كانت "مارثا" تتسوق برفقة خدمها وحراسها.
وفجأة، اندفع كلب وخطف حقيبتها.
ارتبكت قليلًا، فركض ثلاثة من الحراس خلف الكلب، بينما بقي اثنان معها.
وفي لحظة انشغال الجميع، اقتربت فتاة صغيرة من "مارثا" ووضعت ورقة في يدها قبل أن تهرب.
فتحت "مارثا" الورقة وقرأت: "بعد نصف ساعة... خلف حديقة أوملن... وحدك."
رفعت رأسها تبحث عن الفتاة، لكنها اختفت.
وفي المكان المحدد، وقفت "مارثا" وحدها، ثم ظهرت الفتاة أمامها.
ركعت الفتاة فورًا وقالت: "أنا آسفة لأنني استدعيتك إلى هنا يا سيدتي... لكن-"
وقفت وأكملت بحزن: "اسمي ماري، وأنا ابنة المرأة التي سُجنت البارحة... صوفيا هيلكن."
قالت "مارثا" بتساؤل: "حسنًا؟"
انفجرت "ماري" بالبكاء: "أرجوكِ ساعديني... سيقتلون أمي!"
قالت "مارثا" بأسى: "لا أظن أنني أستطيع فعل شيء."
صرخت "ماري": "سأثبت أن كلام أمي صحيح! سأثبت أن كلاودو حي!"
اتسعت عينا "مارثا" بصدمة: "اصمتي! إن سمعك أحد سيقطعون رأسك!"
قالت "ماري": "أنا أثق بأمي... أرجوكِ، امنحيني بعض الوقت، وسأحضر كلاودو إلى الزعيم."
استدارت "مارثا" مغادرة، لكن "ماري" ركعت مجددًا وهي تبكي بحرقة: "أرجوكِ... أخبرتني أمي أن ألجأ إليكِ إذا سجنوها أو قتلوها. قالت إنك الوحيدة التي ستكون سعيدة لأن الأمير كلاودو ما زال حيًا."
انقبض قلب "مارثا".
وفي ذهنها ظهر وجه امرأة فائقة الجمال؛ بشعر أسود طويل ولامع، وبشرة بيضاء ناصعة، وعينين ذهبيتين واسعتين.
خفضت رأسها وقالت: "شهر واحد فقط. إذا لم تحضريه... فسيقطعون رأسها."
ارتجفت "ماري": "شهر واحد..."
"لكن لا تتعلقي بالأمل كثيرًا... ربما لن يوافقوا أصلًا على إبقائها حيّة."
أخرجت "ماري" جناحيها وقالت: "أعدكِ بأن أحضره خلال شهر... شكرًا لكِ."
غادرت "مارثا"، بينما كانت "ماري" تحلق عاليًا في السماء.
.
.
في قصر الدوق "لوسيان"...
طُرق الباب، ثم سُمح له بالدخول.
دخل "ألكسيس"، فوجد والده واقفًا أمام مكتبه الكبير.
قال "لوسيان": "تفضل بالجلوس يا ألكسيس."
جلس بهدوء، بينما قال والده: "عشيرتنا معروفة بالقوة والصلابة."
كنت أنصت ورأسي منخفض.
تابع: "قوة الرجل في عشيرتنا قد تظهر مبكرًا أو متأخرًا. جدك ظهرت قوته في الخامسة، وأنا ظهرت قوتي في العاشرة، أما عمك ألبرت فلم تظهر حتى بلغ العشرين... وأظنك مثله."
ساد الصمت للحظات.
ثم قال "ألكسيس" دون أن يرفع نظره: "وماذا لو لم تظهر قوتي عندما أبلغ العشرين؟"
أجابه "لوسيان" بنظرة حادة: "حينها ستمثل أمام مجلس العشائر... وسيجبرون قوتك على الظهور، أو تموت."
ارتجف داخله.
"مجلس العشائر... السبب وراء كل الحروب على العروش... لن يعرفوا قوتي مهما فعلوا."
لكن أفكاره توقفت عندما قال والده: "وحتى تبلغ العشرين، سيكون تابعك مادورو برفقتك منذ اليوم."
رفع "ألكسيس" رأسه: "مادورو؟"
جلس "لوسيان" خلف مكتبه: "ستجده بانتظارك في الخارج."
"لا أستطيع الرفض... إنه يبحث عن أي فرصة لتوبيخي."
انحنى باحترام وغادر.
في الخارج، وجد شابًا في منتصف العشرينيات ينحني أمامه: "سيدي، أنا خادمك الجديد، واسمي-"
"مادورو." قالاها معًا.
نظر "مادورو" إليه، بينما تنهد "ألكسيس" وبدأ بالسير، ليتبعه الآخر بصمت.
شعر بالضيق وهو يرمقه بطرف عينه.
"هذا مزعج... سيلتصق بي طوال الوقت."
ثم أعاد نظره إلى الطريق بتنهيدة خافتة.
"عليّ أن أعتاد على الأمر."
مـريـم الـرمـاحـي