صوفيا هليكن

صوفيا هليكن

8 0

استيقظ "أوتو" في الصباح، وحمل صندوقه الخشبي الصغير الذي يحتوي على أدوات تلميع الأحذية: دهان، ملمّع، قطعة قماش، وأدوات أخرى خاصة بالتنظيف والإصلاح.

كان "بيير" يراقبه من فتحة صغيرة في ستارة نافذته، ثم تنفّس بعمق وعاد إلى النوم.

وبعد ساعات، كان "أوتو" يسير باحثًا عن مكان مناسب ليعمل فيه، حين سمع همسات الناس من حوله وهم يسرعون في خطواتهم.

انتبه، وسار باتجاههم، حتى وجد تجمعًا كبيرًا، وصوت رجل يصرخ بجنون.

حاول التسلل بين الحشود ليعرف مصدر الصراخ، فرأى في وسط الساحة شخصًا مربوطًا بعمود مرتفع، وكأنه مصلوب، وجسده يحترق دون نار.

دقق النظر فيه، فبدا غير بشري... أقرب إلى مصاص دماء، بعينين حمراوين وأنياب حادة، يصرخ من شدة الألم.

تملّكه الذهول، وسمع أحدهم يقول: "هؤلاء الأوغاد لا يحتملون حرارة الشمس."

وقال آخر: "لم أكن أصدق بوجودهم."

وأضاف ثالث: "لقد أمسك به الأمير آيرو."

ظل "أوتو" يحدق في المشهد حتى احترق الجسد بالكامل، ولم يتبقَّ منه سوى رمادٍ تلاشى في الهواء. غادر الجميع المكان، لكن "أوتو" بقي يراقب بصمت، وهو يتمتم خلف أحد الجدران: "أشعر أن شيئًا ما سيحدث."

في المساء، رأى امرأة برفقة طفلة صغيرة، لا تتجاوز الرابعة، تقتربان من الثياب المعلقة على العمود، وهي ما تبقى من ذلك المصاص.

انهارت المرأة بالبكاء، تحتضن الثياب وتضمها إليها وهي تقول: "عزيزي... أنا آسفة لأنني لم أستطع إنقاذك... آسفة جدًا."

بقيت تبكي بحرقة، ثم احتضنت ابنتها وغادرت.

راقبها "أوتو" حتى عرف أنها تسكن منزلًا بعيدًا عن المدينة.

في اليوم التالي، أحضر "بيير" معه، ووقفا بعيدًا عن المنزل.

قال "أوتو": "هذا هو منزلها... لنسألها، ربما تعرف سبب شكلك المخيف."

أجاب "بيير": "أجل، هيا."

استقبلتهما المرأة بعد أن أدركت أن "بيير" مصاص دماء مثلها، وأجلستهما على كرسيين، بينما كانت تنظف المنزل بهدوء.

نظرت إلى "أوتو" بمكر وقالت: "اسمي صوفيا هيلكن... غريب أن يكون لمصاص دماء صديق بشري."

قالا معًا: "لسنا أصدقاء."

ابتسمت.

قال "بيير": "إذًا، نحن نعيش على الدماء فقط."

نظرت "صوفيا" إلى طفلتها وقالت: "يبدو أنك مصاص دماء لقيط... بلا عائلة."

رد بجفاء: "يبدو ذلك... أخبريني كل شيء عن مصاصي الدماء."

نظرت إلى "أوتو" وقالت: "الرجال يفضلون دماء النساء، ونحن نفضل دماء الرجال، خاصة الطازجة منها... لكن أحيانًا نضطر للعكس."

ابتلع "أوتو" ريقه، فضحكت قائلة: "أمزح... أنا ضعيفة لدرجة أنني لم أشعر بأنك تتبعني، وصديقك قد يقتلني بسهولة."

"لسنا أصدقاء." كررا مجددًا.

قالت "صوفيا": "لكل مصاص دماء عشيرة، وأقواها عشيرتا ماروس وكواردوم. لا أحد يستطيع الوقوف في وجههما، حتى الأمير آيرو نفسه."

ثم أضافت بفخر رغم حالها: "وأنا من عشيرة كواردوم."

تشتت "بيير"، لكنّه سأل أخيرًا: "هل الأمير آيرو هو من قتل زوجك؟"

أجابت: "نعم. إنه يقتل من يُسمّون بالنقائض... وهم مصاصو دماء خالفوا العقد بين البشر ومصاصي الدماء."

"وما مضمون هذا العقد؟"

قالت: "يحصل مصاصو الدماء على الدم من تبرعات بشرية، سواء من المستشفيات أو بطرق غير قانونية... أو من خدم يمتصون دمهم دون قتلهم. أما من يقتل بشريًا، فيُعد نقيضًا."

قال "بيير": "لماذا يسمح البشر بذلك؟"

أجابت باستخفاف: "لأنهم يخافوننا... يخشون مواجهتنا."

ثم سأل: "من هما ماروس وكواردوم؟"

قالت: "زعيم عشيرتنا هو لوسيان، أما رافاييل فهو زعيم ماروس. هم من دولة أخرى، وقد نُفوا لأنهم يعيشون بوحشية ويمتصون دماء البشر دون قيد."

سأل "بيير": "كيف أعرف إلى أي عشيرة أنتمي؟"

"لا يمكنك... لقد تم التخلي عنك. فقط زعيم عشيرتك يمكنه أن يمنحك من دمه لتتمكن من الخروج نهارًا. عليك حضور طقوس توزيع الدماء."

قال: "لكنني أستطيع الخروج في النهار... إلا أنني أختبئ بسبب شكلي القبيح. هل دم الزعيم سيغير ذلك؟"

نظرت إليه بدهشة: "شكلك الآخر؟ لا أفهم."

"لدي هيئة أخرى... قبيحة."

هزّت رأسها: "لا أفهم حقًا."

بدأت الشمس بالشروق.

نظرت "صوفيا" إلى الخارج، ثم إلى "بيير"، الذي بدأ شكله يتغير تدريجيًا. اتسعت عيناها رعبًا، وصرخت: "اخرج من منزلي!"

كشّرت عن أنيابها، وارتجفت وهي تصرخ.

قال "بيير": "انتظري، أنا-"

احتضنت ابنتها وهي تصيح بذعر: "ابتعد عنا أيها اللعين!"

أخرجت أظافرها، لكنه تراجع. فجأة، تحطم باب المنزل، وخرجت من ظهرها جناحان، وطارت رغم ضوء الشمس.

راقبها "بيير" و"أوتو" وهي تبتعد.

قال "بيير": "ماذا حدث لها؟"

أجاب "أوتو" بعد صمت: "هل تستطيع الطيران؟"

"لا أعلم... لم أجرب."

غطى "بيير" وجهه بقلنسوته: "لنغادر."

عادا إلى المنزل، وجلسا يفكران.

قال "أوتو": "لم نستفد كثيرًا."

أزال "بيير" القلنسوة وقال بشرود: "أعلم أن شكلي مرعب... لكن خوفها لم يكن منه وحده."

"ماذا تقصد؟"

"أشعر أن مصاصي الدماء لا يتغيرون في النهار... لذلك خافت."

صمت "أوتو".

فجأة، رمى "بيير" كل ما على الطاولة، وهو يصرخ: "اللعنة! ماذا أكون أنا؟!"

قال "أوتو": "اهدأ..."

ركل "بيير" الطاولة وخرج.

بعد ساعات، صعد "أوتو" إلى السطح، فوجد "بيير" مستلقيًا.

قال: "هل تريد تجربة الطيران؟"

فهم "بيير" قصده، فوقف، ركض، وقفز...

صرخ "أوتو": "انتظر!"

لكن "بيير" سقط في الثلج.

قال "أوتو": "بهذا الشكل لن تطير!"

رد "بيير": "لماذا لم تقل ذلك؟"

"أحمق."

حاول مجددًا بعد الغروب... وفشل مرارًا.

جلس أخيرًا وقال: "لا أطير... وأتحول إلى شكل غبي... أي مصاص دماء أنا؟"

ابتسم "أوتو": "سنجد حلًا."

وقف "بيير": "المرة الأخيرة."

ركض وقفز... وسقط مجددًا.

.

.

في مكان آخر، كانت "صوفيا هيلكن" تحتضن ابنتها، تصرخ في سوق الدوقية:

"إنه حي! الطفل الملعون ما زال حيًا! اقتلوه قبل أن يدمرنا جميعًا!"

لكن أحدًا لم يكترث.

واصلت الصراخ: "لم يمت... سيقضي على عشيرتنا... الطفل الملعون لم يمت!"

.

.

هل يذكركم كلامها بشيء 😉

سنرى القراء الجيدون بهذا السؤال⚘⚘

شكرًا لدعمكم واتمنى ان البارت قد اعجبكم ❤❤

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ابناء العروش

المؤلف مـريـم الـرمـاحـي
2026/05/16 مستمرة
قائمة الفصول (10)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة