وقف "بيير" وكأنه لم يُصَب بأذى؛ حتى الكدمات وضربات "ستيفنز" اختفت تمامًا.
تأمل نفسه في المرآة، ثم نظر إلى الفوضى التي تركها خلفه البارحة بعدما عاد ملطخًا بدمائه.
غيّر ملابسه ونزل إلى صاحب الفندق، فوجده جالسًا عند طاولة الاستقبال كعادته.
قال وهو يهمّ بالخروج: "ليُنظّف أحدهم غرفتي قبل عودتي."
نظر إليه صاحب الفندق بملل دون رد.
وقف "بيير" في أحد الأزقة، يراقب المارة.
يتفحّص الوجوه العابرة، يتجاهل الرجال والأطفال، ويركّز على النساء.
بعد فترة، لمح شابة تمشي وحدها.
تبعها بصمت، حتى خلت الطريق من الناس. عندها خرج أمامها من زقاق مظلم.
تراجعت فزعة: "يا إلهي... من أنت؟!"
تحولت عيناه إلى الأحمر، وحدّق فيها مباشرة وقال بهدوء: "تعالي معي."
خارت قواها فجأة، وقالت بطاعة: "حاضر."
أمسك بذراعها وسارا معًا كأنهما يعرفان بعضهما منذ زمن، تفاديًا لأي شك من المارة.
وصلا إلى الفندق.
راقبهما صاحبهما وهما يصعدان إلى الغرفة.
اقترب الابن من والده وقال: "لا أفهم كيف تأتي النساء معه، وهو لا يزال غرًا."
أجابه الأب: "هذا الفتى غريب في شكله وطباعه. كانت غرفته مليئة بالدماء... ولولا أنه يدفع الأجرة لطردته."
سأله الابن: "تظن أنه ضمن عصابة؟"
هزّ رأسه: "لا... أنا متأكد أنه يقوم بأمور سيئة."
وبقيا يراقبان "بيير" حتى دخل غرفته وأغلق الباب خلفه.
جلست الفتاة على السرير، مطيعة تمامًا.
كانت الغرفة بسيطة: سرير، مطبخ صغير، وحمام.
قال لها ببرود: "لا تتحركي... سينتهي كل شيء بسرعة."
لم تتحرك.
اقترب منها، وجلس قريبًا، ثم غرس أنيابه في عنقها.
تمدد فوقها وبدأ يمتص دمها، بينما بقيت ساكنة، بلا صوت أو مقاومة.
وبينما يرتشف، تمتم لنفسه:
"هذه العيون... هي ورقتي الرابحة.
اكتشفت ذلك قبل سنوات... عندما تحولت عيناي إلى الأحمر، وكانت أمامي طفلة صغيرة تلعب.
قلت لها إنني جائع، فسألتني كيف تساعدني...
طلبت منها أن أمتص دمها... فاقتربت مطيعة.
امتصصت دمها حتى ماتت بين يدي.
ومنذ ذلك اليوم... عرفت أنني أستطيع السيطرة على الآخرين."
ابتعد عنها، ونظر إلى جسدها المستلقي كدمية فارغة.
مسح فمه، رتّب ملابسه، ثم اصطحبها إلى الخارج.
أعادها إلى المكان الذي وجدها فيه، وحدّق فيها بعينيه الحمراوين:
"أنتِ حرة."
استعادت وعيها، ونظرت حولها بارتباك: "ماذا حدث؟"
وضعت يدها على عنقها متألمة: "لماذا يؤلمني عنقي...؟ تبًا."
كان "بيير" يراقبها من بعيد، قبل أن يدير ظهره ويعود إلى غرفته لينام.
(( "عزيزي!"
فتحت عينيّ، ورأيت امرأة جميلة ذات شعر بني طويل تنام بجانبي.
قبلتني بحبٍ وقالت: "الأولاد ينتظرونك على المائدة."
"الأولاد؟!"
نهضت من الكرسي الهزاز، وفجأة اشتعلت النيران أمامي.
غطيت وجهي بذراعيّ وأغمضت عينيّ... ثم فتحتهما لأراها تحترق، تصرخ من الألم وتنظر إليّ:
"أنقذني! أرجوك... أنقذني!"
استيقظت فجأة.
كان مجرد كابوس... كما يحدث دائمًا.
أشخاص لا أعرفهم... ونهاية واحدة: الحريق. ))
جلس "بيير" يلتقط أنفاسه، والعرق يتصبب منه.
لكن إحساسًا ثقيلًا لم يفارقه... أن هذه الكوابيس ليست صدفة.
.
.
في اليوم التالي، جلس "بيير" مع رفاقه الأربعة في زقاق ضيق وقذر.
كانوا يراقبونه وهو ينظف سكينه، بينما قال: "لا تظنوا أنني استسلمت لعصابة "ستيفنز".
الأمر لم ينتهِ.
أفكر في العودة والانتقام. أعلم أن عددهم كبير... لكن هذه المرة سنهاجم بعد المغيب.
أنا أقوى ليلًا... لا تسألوني لماذا."
وأثناء حديثه، لاحظوا شيئًا غريبًا.
تبادلوا النظرات بقلق، وملامحهم تتغير تدريجيًا.
رفع يده إلى رأسه وكأنه يشعر بصداع عابر، ثم تابع حديثه...
لكنهم كانوا يرون شكله يتبدل أمام أعينهم.
تجمدوا في أماكنهم، وجوههم شاحبة.
توقف "بيير" وقال باستغراب: "ما بكم؟ كأنكم ترون شبحًا."
لمس عنقه، وصوته يتغير: "لماذا أصبح صوتي خشنًا...؟ ماذا يحدث؟"
ابتلع "فيل" ريقه: "بيير... هناك شيء غريب فيك."
همس "جايسون" برعب: "اللعنة..."
ثم ركض هاربًا.
صرخ "بيير": "ما بكم بحق الجحيم؟!"
لكن البقية فرّوا أيضًا.
وقف وحده، متوترًا، يحاول إخفاء خوفه: "أيها الجبناء... ماذا يحدث لي؟!"
خطا خطوتين، ثم توقف فجأة.
استدار نحو مرآة مهترئة معلّقة في الزقاق.
نظر... فتجمد.
لم يكن ذلك هو.
اقترب ببطء، وأنفاسه تتسارع.
رأى وجهًا مشوهًا:
عينان سوداوان بالكامل، بشرة شاحبة كالدقيق، عروق داكنة تمتد من عينيه، شعر أبيض، وفم مشقوق كأنه انتزعت الخيوط من طرفيه للتو وبأسنان حادة.
همس مرتعبًا: "من هذا...؟"
تراجع: "هذا... ليس أنا."
صرخ: "ماذا يحدث لي؟!"
أمسك رأسه وسقط على ركبتيه، قلبه يخفق بعنف.
"لماذا أنا...؟!"
رأى انعكاسه مرة أخرى في قطعة مكسورة من المرآة... فصرخ بيأس.
ثم اندفع هاربًا نحو غرفته، وأغلق الباب على نفسه.
جلس على سريره، محدقًا في المرآة، خائفًا من رؤية انعكاسه.
"مصاص دماء؟... وحش؟
أيّهما أنا؟
كلاهما أسوأ...
ربما مجرد كابوس... نعم... مجرد كابوس."
دفن رأسه بين ركبتيه.
ومع غروب الشمس... حدث ما كان ينتظره.
عاد إلى شكله الطبيعي.
وقف، يحدّق في نفسه بدهشة، ثم قال بفرح مشوب بالانهيار: "لقد عدت..."
اندفع خارجًا.
وصل إلى الحانة حيث يجلس رفاقه.
وقف أمامهم بابتسامة متعبة: "لقد عدت... كما كنت."
نظروا إليه بتردد.
تنهد وقال: "ما بكم؟"
قال "جيف": "اجلس."
جلس بصمت.
قال "جايسون": "سنتحدث بصراحة..."
توقف قليلًا، ثم أكمل: "وجودك بيننا صار خطرًا."
سكت "بيير".
أضاف: "أنت لم تعد شخصًا يمكن الوثوق به."
قال "فيل" بتردد: "أرِنا جرحك... سيختفي كالمعتاد، أليس كذلك؟
بيير... أنت لست بشريًا."
تلقى الكلمات بصمت.
قال "كارل" بحزن: "لم نعد نريدك زعيمًا... ولا معنا أصلًا."
أغمض عينيه، تنفس ببطء، ثم وقف وغادر دون أن ينظر إليهم.
خرج من الحانة، يختنق بمشاعره.
كاد يبكي... لكنه تماسك.
قال لنفسه: "لماذا تؤلمك الحقيقة... وأنت تعرفها؟
وحش أو مصاص دماء... لا فرق.
هذا أنا، وهذا هو كابوسي اللعين"

توقف، ونظر إلى السماء مع بدء المطر.
"جيد... أنها تمطر."
مـريـم الـرمـاحـي