"أبي.."
نظر حوله، فرأى نفسه في مكانٍ يشبه حديقةً خضراء جميلة، والوقت يقترب من العتمة. أمامه طفلٌ جميل في الرابعة من عمره، ذو شعرٍ أسود قصير جدًا، يركض نحوه بسعادة وهو ينادي: "أبي.."
وفجأة، تحوّل المكان إلى نيرانٍ ملتهبة، وهو لا يزال يركض.
توقف فجأة، فرأى الطفل داخل غرفةٍ محاصرًا بألسنة اللهب، فصرخ:
"أبي.. ساعدني!"
وسرعان ما ابتلعت النيران جسد الصبي.
انتفض "بيير" من مكانه صارخًا بغضبٍ عارم: "بيكن!"
.
.
وجد "أوتو" أمامه، وعلى وجهه ملامح رعبٍ واضح.
قال "أوتو" بقلق:
"ما بك؟ صراخك كان عاليًا جدًا."
أغمض "بيير" عينيه قبل أن تنهمر دموعه، وقال بتردد:
"إنه... مجرد حلم."
تنفّس "أوتو" بشيءٍ من الراحة:
"يبدو أنك بخير."
همَّ بالمغادرة، لكن "بيير" أمسك بطرف بلوزته. نظر إليه "أوتو"، فرآه مطأطئ الرأس بحزن.
قال "أوتو":
"تعال لتناول الطعام."
سار "أوتو" وترك "بيير" في مكانه. وقف الأخير ينظر إلى انعكاسه في المرآة، يتأمل شكله المخيف.
في الخارج، كان "أوتو" يرتجف خوفًا، يحاول التماسك وهو يتمتم:
"بضعة أيام فقط..."
خرج "بيير" من الغرفة، ممسكًا بملابسه الملطخة بالدماء، فألقاها في كيسٍ بلاستيكي ثم رماها في القمامة.
قال "أوتو" بتردد:
"هل أنت بخير حقًا؟"
أجاب "بيير" بهدوء:
"أجل."
جلسا إلى الطاولة وبدآ الأكل.
قال "أوتو":
"هل ترى الكوابيس دائمًا؟"
أجاب "بيير" وهو يطأطئ رأسه كي لا يرى "أوتو" ملامحه المرعبة:
"أجل."
لاحظ "أوتو" تهرّب "بيير" من النظر إليه، فحاول ألا يزعجه أو يحدق فيه.
.
.
في إحدى المكتبات الكبيرة في العاصمة...
كان "ألكسيس" يتصفح عناوين الكتب، متذكرًا ما حدث قبل ساعة عندما قال له والده:
"هناك تجمع للشباب في مركز التأهيل، ويريدون الاستفادة من خبرة "أندريك"، لكنه لا يستطيع الحضور... اذهب مكانه."
استمر "ألكسيس" في تقليب الكتاب بلا اكتراث، وقال في نفسه:
"المكتبات أفضل الأماكن بالنسبة لي... هادئة، ولا تؤذي حاسة السمع القوية لدي."
فجأة، سمع صوت رجل من بعيد يقول:
"إنه هناك، اذهبي إليه."
تجاهل الأمر، لكن صوتًا رقيقًا جاء من خلفه:
"سيد أندريك؟"
التفت، فرأى أجمل فتاة يمكن أن تقع عليها عيناه؛ بشرة بيضاء، شعر قرمزي طويل، وعينان بلون الخزامى، ترتدي فستانًا ورديًا فاتحًا يجعلها تبدو كزهرة متفتحة.
قالت بخجل وهي تقدم له كتابًا:
"هذا الكتاب هدية مني إليك، سيدي... أتمنى أن يعجبك."
احمرّ وجهها، وهمّت بالمغادرة.
قال "ألكسيس":
"انتظري."
نظرت إليه، فأردف:
"لم أعرف اسمك."
تشابكت يداها باحترام، وانحنت قليلًا:
"اسمي كلارا، من عشيرة فاسيليا."
غادرت، فنظر "ألكسيس" إلى الكتاب، ثم عاد إلى غرفته.
جلس على مكتبه، وأمسك الكتاب مجددًا، متذكرًا كلماتها.
فكّر:
"عشيرة فاسيليا تملك أجمل النساء... ووريثتها ستكون زوجة وريث عرش عشيرة كواردوم، كما هو متعارف عليه."
فتح الكتاب، فرأى جملة بخط اليد:
"إلى عزيزي أندريك."
أغلقه بهدوء، ووضعه جانبًا، ثم تنهد، ليستمع إلى شجار والديه في الغرفة البعيدة.
وضع يديه على أذنيه، وأغمض عينيه، والدموع تنساب.
.
.
في المساء...
توجه "بيير" إلى أحد الأزقة، وانتظر قدوم امرأة. استطاع السيطرة عليها بعينيه الحمراوين، وبينما كان يمتص دمها من عنقها، فكّر:
"استطعت السيطرة عليها... لماذا لم أستطع معه؟ هل المشكلة فيه؟"
عاد بعدها إلى المنزل، حيث ساعده "أوتو" في حمل أكياس الطعام.
حوّل "بيير" عينيه إلى اللون الأحمر، ونظر إلى "أوتو" الذي تراجع قليلًا:
"ما الأمر؟"
قال "بيير":
"اقفز."
استغرب "أوتو":
"لماذا؟"
أعاد "بيير" عينيه لطبيعتهما متذمرًا:
"تبًا."
قال "أوتو":
"هل تستطيع السيطرة على الآخرين حقًا؟"
لم يُجب.
.
.
دخل "بيير" إلى غرفته قائلًا:
"لا توقظني لأي سببٍ كان."
بقي "أوتو" يفرغ ما في الأكياس من طعامٍ وخبز.
وعند الظهيرة، خرج "بيير" وجلس مع "أوتو" إلى المائدة.
قال "أوتو":
"تناول بعض الدجاج، إنه لذيذٌ جدًا."
جلس "بيير" بهدوء، وتناول أول ملعقةٍ من الحساء. شعر بلذة الطعم، فنظر إلى "أوتو"، فوجده يراقبه بشيءٍ من الحزن قبل أن يتظاهر بالأكل.
قال "بيير" بصوته الخشن:
"ألستَ خائفًا؟"
ابتلع "أوتو" ريقه دون أن ينظر إليه، ثم قال:
"بل أفكر... كيف عشت هكذا؟ وحيدًا، ولا أحد يعرف عنك شيئًا."
انتبه "بيير" لكلامه.
تابع "أوتو" بهدوءٍ غير معتاد:
"كيف صرت هكذا؟ ماذا يطلقون عليك؟"
أجاب "بيير" دون اكتراث وهو يتناول طعامه:
"مصاص دماء... ألم تسمع عنهم؟ هذا كل ما أعرفه."
قال "أوتو":
"سمعت عنهم، لكنني لا أعرف الكثير... هل كل مصاصي الدماء يمتلكون شكلين؟ ماذا عن والديك؟"
ردّ "بيير":
"لم أرهما في حياتي."
قال "أوتو":
"هل تم التخلي عنك لأنك مصاص دماء؟ عندما كنت في الميتم، كنت أسمع أشياء عنهم... أنهم يشبهوننا، لكن عيونهم تتغير أحيانًا."
أجاب "بيير" بهدوء:
"هذا صحيح."
تردد "أوتو" قليلًا، ثم سأل:
"وهل يموت من تمتص دمه؟"
قال "بيير":
"لا... او احيانا، لكن شكلي هذا لا يطيق الدماء. أشعر أن كل ما فيه بشري. الطعام لذيذ... لكن شكلي الآخر يكرهه."
قال "أوتو":
"هذا غريب حقًا... ألم تقابل أحدًا مثلك؟"
"لا."
ساد الصمت للحظات، ثم عادا إلى تناول الطعام.
قال "بيير":
"عندما تتحول عيناي إلى الأحمر، أستطيع السيطرة على أي شخص... ولو أمرته أن يقتل نفسه، سيفعل فورًا."
نظر إليه "أوتو" بدهشة:
"حقًا؟"
أردف "بيير":
"لكنك الوحيد الذي لا أستطيع السيطرة عليه."
تجمّد "أوتو":
"ماذا؟ لماذا؟"
قال "بيير":
"وهذا ما يحيرني... لماذا لا أستطيع السيطرة عليك؟"
تبادلا النظرات بصمت.
.
بعد أيام...
خرج "أوتو" من الحمام، فوجد "بيير" ينظف سلاحه.
قال:
"من أين لك هذا السلاح؟"
رد "بيير" فجأة:
"سترحل؟"
سكت "أوتو" للحظة، ثم قال:
"أجل."
نظر إليه "بيير"، فأكمل "أوتو":
"لكنني لم أنتهِ من تعليمك القراءة بعد."
تنفّس "بيير" بعمق، ثم وقف وهو يعيد السلاح خلف ظهره:
"غادر... وحسب."
دخل غرفته، وبقي واقفًا خلف الباب.
نظر "أوتو" إلى الباب بهدوء، ثم أنزل رأسه.
شعر "بيير" بحزنٍ غريب، وسمع صوت الباب يُفتح ثم يُغلق... فعلم أن "أوتو" قد رحل.
نظر إلى الأرض وهمس:
"وماذا كنتَ تتوقع؟"
.
.
تذكّر ما حدث قبل فترة...
عندما كان عائدًا إلى المنزل، رأى رجلًا يحمل صورة "أوتو"، ويسأل المارة عنه.
تبعه "بيير" حتى أصبح الرجل وحيدًا، فخرج له.
تحولت عيناه إلى الأحمر، وسيطر عليه.
قال:
"لماذا تبحث عن هذا الفتى؟"
أجاب الرجل:
"لأعيده إلى الميتم... وأحصل على المال."
سأله "بيير":
"ماذا يفعلون بالفتيان هناك؟"
قال الرجل:
"يربّونهم ليتم تبنيهم من الأغنياء مقابل المال."
"وهل يعذبونهم؟"
"أجل... يجلدونهم أحيانًا، أو يتركونهم بلا طعام."
فهم "بيير" الحقيقة... وتأكد أن كلام "أوتو" كان صحيحًا.
قال للرجل ببرود:
"غادر هذا الحي... ولا تعد إليه. لن تجده هنا."
"حاضر."
وغادر الرجل.
.
.
في الحاضر...
خرج "بيير" من غرفته، فوجد المنزل هادئًا على غير عادته.
تنفّس بعمق، ثم خرج إلى الشارع، كعادته... يبحث عن ضحية.
.
.
بعد أيام...
كان "بيير" يسير بسرعة، يدخن سيجارته، وكأنه متجه إلى مكانٍ محدد، يراقب من حوله.
فجأة، سقط أمامه صندوق تلميع أحذية.
نظر نحو الزقاق، فرأى شابين يحاصران "أوتو" عند الحائط.
قال أحدهما:
"هيا، أخرج ما لديك من نقود!"
قال "أوتو" منزعجًا وهو يغمض عينيه:
"اتركاني وشأني."
قال الآخر:
"خذ منه كل شيء... ولنضربه حتى لا يعود لهذا الشارع!"
قال "بيير" بهدوء قاتل:
"ابتعدا عنه."
نظر الشابان إليه.
قال "أوتو" بدهشة:
"بيير؟!"
قال أحدهما:
"ابتعد يا صغير... وإلا قطعت عنقك."
قال "بيير" ببرود:
"قلت ابتعدا... قبل أن تتأذيا."
هجم أحدهما عليه وهو يخرج سكينه:
"تبًا لك!"
تحرك "بيير" بسرعة، أمسك معصمه، ثم وجه له ركلة قوية.
لكن الشاب أفلت، ولوّح بسكينه، فخدش ذراع "بيير".
تغيّر وجه "بيير"... واشتعل غضبه.
أخرج سكينه، وبحركةٍ خاطفة... نحر عنق الشاب.
سقط جثةً هامدة.
تجمّد الآخر من الرعب... ثم هرب.
جلس "بيير" بهدوء، ومسح سكينه بملابس القتيل.
قال "أوتو" بصدمة:
"هل كان عليك قتله؟!"
رد "بيير":
"هذا جزاء من يحاول قتلي."
قال "أوتو":
"أنت بلا قلب!"
رد ببرود:
"وهكذا تشكر من أنقذك؟"
صرخ "أوتو":
"لم أطلب منك ذلك!"
اقترب "بيير" قليلًا وقال:
"الضعيف لا مكان له في هذا العالم... القوة هي التي تنتصر."
رد "أوتو" بمرارة:
"ولهذا... لا أحد يبقى معك."
تجمّد "بيير" للحظة... ثم أدار ظهره ومضى.
"بيير!"
توقف.
قال "أوتو" بتردد:
"هل... يمكنني العودة للعيش معك؟"
تفاجأ "بيير".
تابع "أوتو":
"لا أملك مكانًا... حاولت، لكن العالم قاسٍ... لا أحد يرحم أحدًا..."
قاطعه "بيير":
"يمكنك البقاء."
تردد "أوتو":
"ألا تخاف أن أخونك؟"
قال "بيير":
"افعل... القتل سهل بالنسبة لي."
اقترب "أوتو" منه بسرعة، وقال بصوتٍ مرتجف:
"لن أفعل... أعدك."
ثم عانقه.
تردد "بيير"... وكاد أن يبادله العناق، لكنه توقف وقال:
"لنغادر."
.
.
في اليوم التالي...
قال "بيير":
"هل وجدت عملًا؟"
قال "أوتو":
"أعمل إسكافيًا."
سكت "بيير" لحظة، ثم قال:
"أنا أسرق الناس... هل تريد العمل معي؟"
قال "أوتو" بحدة:
"لا."
ثم أضاف:
"لن أعيش من أذى الآخرين."
قال "بيير" بلا مبالاة:
"كما تريد."
.
.
في المساء...
جلسا يعدّان ما جمعاه من مال.
أخرج "بيير" مئات الدولارات، بينما وضع "أوتو" بضعة جنيهات.
ابتسم "بيير" بسخرية:
"عملك لن يفيدك، عليك ان تدفع الايجار معي"
رد "أوتو":
"وأنت... اطبخ ونظف مثلما أفعل."
تنهد "بيير":
"لا يهم."
قال "أوتو":
"وجدت فرصة... سأعمل خادمًا."
استغرب "بيير":
"خادمًا؟! تعال للعمل معي ايها الغبي"
"لا،لن اعمل الا بعمل اتشرف به... وأريدك أن تعلمني القتال."
نظر إليه "بيير":
"القتال؟"
"أجل... أريد أن أكون قويًا."
تنهد "بيير":
"حسنًا... كما تريد."
مـريـم الـرمـاحـي