في إحدى الحانات الكبيرة،
دخل شابٌّ آسر في السابعة عشرة من عمره، بشعرٍ أسود لامع، وملامح نضجٍ بدأت تظهر عبر زغب لحيته الخفيف، ونظرةٍ واثقة، وقامةٍ طويلة تلفت الأنظار.
جلس عند إحدى الطاولات، فما إن استقر حتى تجمّعت حوله خمس فتيات، تحاول كلٌّ منهن جذبه بما تظنه يميّزها، بينما كان يحاول التهرب منهن دون أن يحرج أيًّا منهن.
اقتربت الأولى، كاشفةً نصف صدرها العاري، وقالت برقة:
- "بيير"، أرجوك... تزوّجني.
قالت الثانية، وكانت سوداء البشرة، باستياء:
- اصمتي، أنا أعلم أنه يحب الفتيات ذوات البشرة السوداء، أليس كذلك أيها الوسيم؟
أما الثالثة، الشقراء، فألقت بنفسها عليه، تلامس وجهه وهي تهمس:
- مستعدة لأن أكون معك كل ليلة... دون أي مقابل.
تعالت أصواتهن بدلالٍ وضحكاتٍ متداخلة، لكن "بيير" لم يكن يتجاهلهن فحسب، بل كان ينظر حوله وكأنه يبحث عن شخصٍ بعينه.
وفجأة، وقعت عيناه على مبتغاه.
كانت امرأة في منتصف العشرينات، فاتنة الجمال، بشعرٍ أسود مجعد، وبشرةٍ بيضاء، ونظرةٍ حادة قادرة على إغواء أي رجل.
كانت تضحك بصوتٍ مرتفع، يحيط بها أربعة رجال.
قالت إحدى الفتيات بانزعاج:
- أوه... إنه يريد ملكة الخلية.
قطّب "بيير" جبينه، ثم ابتعد عن الفتيات، واختار مكانًا آخر بجوار الساقي، وعاد يتأمل المرأة المثيرة، بينما كان الرجال يحيطون بها ويتحرشون بها وهي تبتسم كمن اعتاد ذلك.
شعر "بيير" بانزعاجٍ خفي، فخفض رأسه وعاد إلى كأسه.
نظر إليه الساقي، وهو ينظف الأكواب بقطعة قماش، وقال:
- اذهب إليها وخذها منهم.
شرب "بيير" من كأسه دون أن يجيبه.
وفجأة، شعر بها تقف بجانبه، وقد لامست ذراعها العارية كتفه، وهي تخاطب الساقي:
- أحتاج كأسًا كبيرة يا "كريستو".
- لكِ ذلك يا عزيزتي.
اقتربت أكثر من "بيير"، وقالت بابتسامة خافتة:
- لقد أصبحت شابًا يا "بيير"... كم صار عمرك الآن؟
نظر إليها محمرّ الوجه، مرتبكًا، وقال بتلعثم:
- أظنني في السابعة عشرة.
- أوه...
قالتها بنبرة مغرية، ثم قربت وجهها من وجهه، وصارا ينظران إلى شفاه بعضهما، وهمست:
- ومتى تنوي النوم معي؟
ابتلع ريقه بصعوبة.
فعادت إلى جلستها وأخذت كأسها، قائلة:
- عليّ العودة إلى العمل... أراك لاحقًا يا عزيزي "بيير".
اقترب أحد الرجال منها، احتضنها وقبّل عنقها قائلًا:
- ملكة قلبي... "أنجيلا".
أبعد "بيير" نظره عنهما بانزعاج.
سارت "أنجيلا" مع الرجل، لكن "بيير" أمسك ذراعها فجأة وقال بجدية:
- تعالي معي الليلة.
نظرت إليه هي والرجل بدهشة.
قال الرجل ساخرًا:
- "بيير"، أيها الغر، هل تظن أنها ستتركني و...
- سأذهب معه.
قاطعته "أنجيلا" بابتسامة.
صُدم الرجل، وكذلك "بيير".
أبعدت "أنجيلا" الرجل عنها، فقال بغضب:
- "أنجيلا"، أتتركينني أمام هذا الوغد؟
اشتعل غضبه بعدما تحطمت كرامته، فانقضّ على "بيير" محاولًا لكمه، لكن الأخير ركله بقوة في بطنه، فسقط الرجل راكعًا وهو يمسك معدته متألمًا.
أمسكت "أنجيلا" يد "بيير"، وغادرا الحانة نحو أحد الفنادق.
جلست "أنجيلا" على السرير، تنظر إلى "بيير" الذي وقف على مسافة قصيرة منها.
- ما بك؟
أجاب مرتبكًا:
- لا شيء.
- هل هذه مرتك الأولى؟
قالتها بمللٍ واضح.
ابتلع ريقه، وفكر في نفسه:
"أنا أمتص دماء النساء... لكنني لم أعاشر إحداهن من قبل، ولا أريد السيطرة عليها الليلة."
ربّتت على السرير بابتسامة:
- اقترب... واترك كل شيء لي.
اقترب منها وجلس بقربها.
قرّبت وجهها من وجهه، بينما كانت دقات قلبه تتسارع بجنون. قبّلته قبلة خفيفة على شفتيه، ثم نظرا إلى بعضهما.
قالت وهي تمرر أصابعها على وجهه:
- أعلم أنك مغرم بي.
تأمل عينيها وملامحها الساحرة بجدية، ثم دفعها برفق على السرير، يقبّلها بشغفٍ وحب، بينما استسلمت له بابتسامة مثيرة.
•••
بعد ساعتين...
فتح "بيير" عينيه وهو مستلقٍ على بطنه فوق السرير، يغطي جسده بملاءة بيضاء.
نظر نحو الباب، وتذكر "أنجيلا" وهي ترتدي ملابسها قبل أن تغادر.
كانت قد التفتت إليه بابتسامتها الساحرة، ثم أغلقت الباب خلفها.
"ما الذي تعنيه تلك الابتسامة؟"
فكر "بيير".
عاد إلى منزله؛ بيت صغير يتكوّن من غرفتين، تتوسطهما غرفة جلوس ذات شرفة، وبالقرب من غرفة "بيير" يوجد الحمام، ثم المطبخ بجواره، فالمدخل الرئيسي.
دخل ليجد "أوتو" يقرأ قرب الشرفة.
اتجه نحوه وفتح ذراعيه بسعادة، مغمض العينين:
- "أوتو"، يا صديقي!
جلس قبالته، فأغلق "أوتو" كتابه، ورفع حاجبيه باستغراب من هذه السعادة المفاجئة.
أرخى "بيير" رأسه إلى الخلف وقال:
- أنصحك بأن تجد امرأة تملأ ذلك الفراغ الذي تعيش فيه.
رد "أوتو" بهدوء:
- ومن قال لك إنني لا أملك أنثى تفعل ذلك؟
نظر إليه "بيير" ساخرًا:
- وكأنني سأصدقك.
رفع "أوتو" كتابه وقال:
- الكلمات تملأ الفراغ الذي تتحدث عنه.
اعتدل "بيير" في جلسته:
- وهل تضاجع الكلمات؟
وقف "أوتو" وهو يحرك كتابه:
- إذا كنت ترى المضاجعة جسدية فقط، فأنصحك بتجربة مضاجعةٍ عقلية.
تنهد "بيير" بضيق:
- آه، توقف... وكأنني لم أقرأ كل هذه الكتب. القراءة عن الحب شيء، وممارسته شيء آخر.
وضع "أوتو" كتابه مع عشرات الكتب المتراكمة، ثم أشار بإصبعه نحوه وقال:
- لحظة... نحن نتحدث عن الحب الآن؟
صاح "بيير":
- تبًا! لقد أفسدت مزاجي بالكامل.
عاد "أوتو" إلى مكانه وسأله:
- هل هي "أنجيلا"؟
- أجل... وأخيرًا فهمتني.
قالها "بيير" بنظرات حالمة.
- وما بها؟
فتح ذراعيه بفخر:
- وأين تظنني كنت نائمًا؟
- هل سيطرت عليها؟
- لا.
رفع حاجبيه بثقة، ثم أكمل:
- لقد قضيت أجمل ليلة في حياتي.
أطلق "أوتو" نفخة ساخرة من أنفه، فنظر إليه "بيير" بانزعاج.
قال "أوتو":
- أنت تجلب النساء لكنك لا تنام معهن، والليلة فقدت عذريتك... فمن الطبيعي أن تكون أجمل ليلة في حياتك.
وقف "بيير" بازدراء:
- اللعنة عليك... المشكلة أنني لا أملك سواك لأتحدث معه.
ثم تركه ودخل غرفته، بينما ارتسمت ابتسامة عريضة على وجه "أوتو".
•••
في اليوم التالي، عاد "بيير" إلى الحانة.
توجه مباشرة إلى غرفة النساء، طرق الباب ثم دخل، فوجد "أنجيلا" مع خمس نساء يضعن الزينة على وجوههن.
قال مرتبكًا:
- مرحبًا يا آنسات.
فضحكن جميعًا بصوتٍ عالٍ.
التفتت إليه "أنجيلا" بابتسامة، وهي تدير كرسيها بعيدًا عن المرآة:
- تعال يا "بيير".
اقترب وجلس قربها، ثم أخذ يتفحص النساء بحذر حتى لا تنتبه إحداهن لما سيقوله، وهمس:
- تعالي معي الليلة أيضًا.
وضعت يدها على خده وقالت برفق:
- ليس الليلة.
قطّب حاجبيه باستغراب:
- لماذا؟ ألم أعجبك البارحة؟
ابتسمت ابتسامة واضحة:
- بل أعجبتني كثيرًا... لكن...
وفجأة فتح "كريستو" الباب قائلًا:
- "أنجيلا"، السيد "برايت" ينتظرك في سيارته.
- قادمة.
وقفت "أنجيلا"، وألقت نظرة أخيرة على زينتها وملابسها المثيرة.
وقف "بيير" خلفها، ناظرًا إليها عبر المرآة:
- سأعطيك ضعف ما يمنحك إياه ذلك الرجل.
ابتسمت بلطف، ثم استدارت نحوه:
- أنت تعلم أنني لا آخذ المال منك... لكن ليس الليلة يا "بيير". أراك غدًا، أعدك بذلك.
لامست وجهه وغادرت، تاركةً إياه يشتعل غيرةً.
غادر الحانة وعاد إلى منزله، يسرف في الشرب.
خرج "أوتو" من غرفته ونظر إليه بضيق:
- أنت تثير الفوضى في المنزل دائمًا... لقد مللت التنظيف خلفك.
ضرب "بيير" زجاجة الخمر بالأرض فتحطمت.
تراجع "أوتو" بدهشة.
صرخ "بيير":
- دعه كما هو! اللعنة... اتركه بقمامته، أنا أحبه هكذا!
ثم ركل الطاولة بعنف، ودخل غرفته وأغلق الباب بقوة.
تمتم "أوتو" ببرود:
- لا بد أنها السبب... أيها الأحمق.
•••
وفي الليلة التالية...
عاد "بيير" يبحث عن "أنجيلا"، فرآها بين ذراعي أحد الرجال، تسقيه الشراب.
اشتعل غضبه، فتقدم بسرعة وأمسك يدها بعنف، فوقع الكأس من يدها.
نظرت إليه بدهشة، لكنه لم يهتم، بل سحبها خارج الحانة، ثم دفعها برفق إلى الحائط وقال بغضب:
- توقفي عن العمل هنا وتعالي معي.
ابتسمت وقالت:
- وماذا سأفعل معك؟
ارتبك قليلًا، فاقتربت منه أكثر بينما قال:
- لا أحتمل رؤيتك مع الرجال.
- أعلم.
ثم قبّلته قبلة خفيفة، وأخرى بعدها.
- توقفي.
قالها بصوتٍ مرتبك.
همست بإغواء:
- قلت لك إنني سأكون لك الليلة... ماذا؟ هل غيرت رأيك؟
- بالطبع لا!
قالها بسرعة، قبل أن يقبّلها بشغف، ثم أمسك يدها وذهبا إلى الفندق ذاته.
بعدها، كانا مستلقيين على السرير، يتأمل كلٌّ منهما الآخر بصمتٍ هادئ.
قال "بيير" بصوتٍ منخفض:
- "أنجيلا"... أنا أحبكِ كثيرًا.
ابتسمت، ثم سحبت ملاءة السرير لتغطي جسدها، ونهضت قائلة:
- أنت الوحيد الذي أقضي الليل معه دون مقابل... أشعر أن حبك هو المقابل.
- "أنجيلا"...
ابتسمت له مجددًا وقالت:
- أراك لاحقًا يا "بيير".
ثم أخذت ملابسها ودخلت الحمام.
بقي "بيير" يتأملها بصمت، ولم يكن يرتدي سوى سرواله الداخلي.
نهض وأشعل سيجارة، وظل واقفًا حتى خرجت مرتديةً ملابسها.
اقتربت منه واحتضنته من الخلف، وكانت بطوله تقريبًا.
التفت إليها، لكنها اكتفت بابتسامة خفيفة قبل أن تغادر.
مرّ أسبوعان، و"بيير" يلتقي بـ"أنجيلا" كل ليلة.
وفي إحدى تلك الليالي الهادئة، بينما كانت نائمة فوق صدره، يغطّيهما غطاء السرير، كان "بيير" يمرر أصابعه بين خصلات شعرها الناعم.
قالت فجأة:
- "بيير"؟
- أجل.
رفعت رأسها قليلًا وسألته:
- لماذا لا أراك في النهار أبدًا؟
تفاجأ للحظة، لكنه أجاب بسرعة:
- أنا أعمل في النهار دائمًا.
- وما عملك؟
فكر بسرعة، ثم قال:
- في معمل.
- أي معمل؟
تذكر المعمل الذي يمرّ به دائمًا في أحد الشوارع، فقال:
- معمل لإنتاج القطن... لماذا تسألين؟
رفعت رأسها نحوه مبتسمة وقالت:
- أريد أن أعرف أي شيء عنك... عدا اسمك.
ابتسم بخفة وأجاب:
- فهمت.
•••
بعد يومين، وصل "بيير" إلى الحانة، فرأى "أنجيلا" تصعد إلى سيارة برفقة أحد الرجال.
اشتعل غضبه، فتقدم بسرعة وأمسك ذراعها قائلًا:
- ماذا تفعلين؟
سحبت ذراعها منه وقالت ببرود:
- ماذا تقصد؟ سأذهب الليلة مع السيد "فرانك".
- لقد اتفقنا أن أعطيك المال طوال الليل كي لا تخرجي مع الرجال.
كان السيد "فرانك" رجلًا أنيقًا في أواخر الثلاثين، أشقر الشعر ومرتب المظهر. نظر إلى "بيير" وقال باستغراب:
- ما الذي تفعله أيها الشاب؟
دفعت "أنجيلا" "بيير" بعيدًا عنها، ثم أغلقت باب السيارة قائلة:
- وأنت كذبت عليّ بشأن عملك... لا أحد يعرفك في المعمل.
تجمد "بيير" للحظة، ثم أمسك مقبض الباب بسرعة وقال:
- "أنجيلا"، سأخبرك بكل شيء... فقط اخرجي.
لكن السيارة انطلقت بقيادة "فرانك"، فسقط "بيير" أرضًا وهو يتجنب أن تسحقه العجلات.
ظل جالسًا خارج الحانة، مسندًا ظهره إلى الجدار، يحتضن ركبتيه المتباعدتين، وكأنه يجلس فوق أعصابه.
وبعد ساعات، رفع نظره إلى الساعة المعلقة على العمود في الشارع، وكانت تشير إلى اقتراب الثالثة فجرًا.
قطّب حاجبيه عندما رأى سيارة أجرة تتوقف، وتهبط منها "أنجيلا".
نظرت إليه لثانية واحدة، ثم تجاهلته واتجهت نحو الحانة.
لكن "بيير" أمسك ذراعها ودفعها إلى الحائط صارخًا بغضب:
- هل أنا كلبٌ حتى تتجاهليني هكذا؟!
أجابته بانزعاج:
- ماذا تريد مني يا "بيير"؟
حاول تهدئة نفسه، وقال بنبرة أكثر لطفًا:
- لماذا تركتِني وغادرتِ؟
- ولماذا لا أفعل؟
أبعدته عن طريقها، لكنه عاد وأمسك ذراعها برفق هذه المرة وقال:
- انتظريني غدًا... علينا أن نتحدث.
سحبت يدها بتعالٍ ودخلت الحانة.
رفع "بيير" رأسه نحو السماء، فرأى خيوط الفجر الأولى تلوح في الأفق.
ركض بسرعة عائدًا إلى المنزل، حيث وجد "أوتو" ينتظره بقلق.
قال فور رؤيته:
- تبًا... أين كنت؟
جلس "بيير" على الكرسي، وبدأت ملامحه تتحول تدريجيًا إلى هيئته المخيفة.
أجابه بهدوء شديد:
- اتركني وشأني الآن يا "أوتو".
جلس "أوتو" أمامه وقال بقلق:
- "بيير"، أرجوك... إذا اكتشف الناس حقيقتك فلن يتركوك حيًا. لا تقل لي إنك لا تموت، فلا بد من وجود شيء قادر على قتلك، لكننا لا نعرفه بعد.
أحكم "بيير" قبضته على ذراع الكرسي وقال بهدوء:
- حسنًا.
نهض "أوتو" وقال وهو يتجه نحو المطبخ:
- سأحضر الفطور... لا بد أنك جائع.
تركه "بيير" ودخل غرفته.
ظل "أوتو" ينظر إلى باب الغرفة بصمتٍ وقلق.
•••
بعد ساعات...
خرج "بيير" من غرفته، فوجد الفطور موضوعًا على الطاولة، وقد غطاه "أوتو" بقطعة قماش.
جلس وتناوله بهدوء.
وبعد مغيب الشمس، أسرع إلى الحانة.
بحث عن "أنجيلا" بعينيه، لكنه لم يجدها.
اتجه نحو "كريستو" بسرعة وقال:
- أين "أنجيلا"؟
نظر إليه "كريستو" بنظرات توحي بأنه يخفي شيئًا.
فصرخ "بيير" بغضب:
- أجبني يا "كريستو"!
•••
بعد دقائق، كان يصعد الدرج بخطوات سريعة، بينما تتردد كلمات "كريستو" في رأسه:
"إنها مع أحد الزبائن في الطابق العلوي."
حاول فتح إحدى الغرف، لكنها كانت مغلقة، فركل الباب بعنف وهو يصرخ:
- "أنجيلا"!
ابتعد خطوة، ثم أخرج مسدسه وصوبه نحو المقبض.
لكن الباب انفتح فجأة.
ظهرت "أنجيلا" أمامه، تغطي جسدها بالملاءة.
ارتبك وقال:
- "أنجيلا"... أنا...
وفي تلك اللحظة، خرج الرجل الذي معها، ولم يكن يرتدي سوى بنطاله، وقال بغضب:
- "بيير"، أيها السافل!
اندفع نحوه، لكن "بيير" لكمه مباشرةً في وجهه مستغلًا شروده، وحين حاول الرجل الرد، كان "بيير" أسرع؛ وجه إليه لكمةً قوية حطمت أنفه وأسقطته أرضًا، ثم ركله بعنف وهو يزمجر:
- "أنجيلا" لي وحدي!
وفجأة، شعر بصفعة قوية ترتطم بخده.
تجمد في مكانه، ونظر بدهشة إلى "أنجيلا" الغاضبة أمامه.
قال بصوتٍ مختنق:
- لماذا...؟
تركته ودخلت الغرفة، ثم أسقطت الملاءة وبدأت ترتدي ملابسها الداخلية.
اقترب منها "بيير" بحذر، متوقفًا على مسافة قصيرة.
- "أنجيلا"...
نظرت إليه بغضب، وقد ارتدت معطف نومها الحريري.
- ماذا تريد مني؟
قال بخجلٍ واضح، وقد احمرّ خداه:
- أنا أسرق الناس... هل هذا ما كنتِ تريدين معرفته؟
أطلقت ضحكة ساخرة وهي تكمل ارتداء ملابسها:
- وأنت اللص الوحيد الذي يسرق في النهار؟
ارتبك، فنظرت إليه بهدوء وقالت:
- أنا لا أريد الحقيقة منك. اكذب، اسرق، واقضِ الليل مع أي فتاة تريدها... لكن لا تطلب مني أن أكون لك وحدك. أنا لست زوجتك ولا حبيبتك.
تغيّرت ملامح "بيير"، وبدأت دقات قلبه تتسارع تدريجيًا.
أكملت:
- لا تتدخل في عملي... ولا يهمني ما تفعله أنت أيضًا.
سقط على ركبتيه أمامها، وقال بحزن:
- أنا أحبكِ يا "أنجيلا"... أحبكِ بشدة. لا أحتمل رؤيتك مع رجل آخر. أخبريني ماذا أفعل كي تكوني لي.
جلست أمامه، ولمست وجهه برفق قائلة:
- علاقتنا جسدية فقط يا "بيير"... وسأكون موجودة متى شئت.
وضع يده فوق يدها، وأسند خده عليهما هامسًا بحزن:
- أنا بحاجة إليكِ كثيرًا يا "أنجيلا".
- وأنا هنا يا "بيير". أعدك أنني سأكون معك متى شئت... لكن إن لم تكن موجودًا، فسأكون مع رجلٍ آخر.
قالتها وهي تغمز له بخفة.
رفع رأسه إليها وقال بسرعة:
- سأكون موجودًا كل ليلة... أعدك.
ابتسمت له بدفء، فدفعها برفق إلى الأرض، وراح يقبّل عنقها.
توقفت عيناه عند شرايينها النابضة تحت بشرتها البيضاء، وفكر بصمت:
"لماذا لا أشعر برغبة في شرب دمها... رغم كل هذا الحب الذي أحمله لها؟"
همست باستغراب:
- لماذا توقفت؟
نظر إليها بهدوء، ثم نهض وحملها بين ذراعيه عائدًا بها إلى السرير.
•••
بعد أسابيع...
دخل "بيير" الحانة وجلس أمام الساقي "كريستو".
أخرج سيجارته وقال:
- كأسًا يا "كريستو".
بدا "كريستو" متوترًا، يتجنب النظر إليه.
ضيّق "بيير" عينه وهو يسحب نفسًا من سيجارته:
- ما بك يا "كريستو"؟
ابتلع الرجل ريقه، ثم وضع ظرف رسالة أمامه بصمت.
نظر "بيير" إلى الظرف، ثم إلى "كريستو"، بعدم فهم.
قال "كريستو" بصوتٍ خافت:
- "أنجيلا" رحلت.
تجمّد "بيير" مكانه.
- أين هي؟
لكن "كريستو" لم يجبه.
سحق "بيير" سيجارته فوق الطاولة، ثم أمسك الظرف بيدين ترتجفان رغم محاولته التظاهر بالقوة.
فتح الرسالة أخيرًا، وقرأ الكلمات المكتوبة فيها:
《لقد أحببتك كثيرًا... أرجوك سامحني لأنك لن تراني مجددًا... آسفة... وداعًا يا حبيبي "بيير".》
أعلم أن البارت طويل لكن أحاول معكم الوصول إلى الأحداث الحماسية وهي بدأت تلوح الأفق 😉
شكرا لكم جميعا
مـريـم الـرمـاحـي