الدوقيةالكبرى

الدوقيةالكبرى

12 0

المكان: العاصمة مارين - الدوقية الكبرى

تُعدّ الدوقية الكبرى واحدة من أوسع مناطق العاصمة، يملكها الدوق "لوسيان"، ويتوسطها قصره الفخم الذي يهيمن على المكان بهيبته.

• قصر الدوق "لوسيان"

تحت أشعة شمسٍ مشرقة،

وقف فتيان بملابس أنيقة متناسقة، يحمل كلٌّ منهما سيفًا خشبيًا.

الأول، في الخامسة عشرة من عمره، بشعرٍ أشقر يميل إلى البني، وملامح وسيمة تتناقض مع حدّة عينيه.

أما الثاني، فكان أصغر سنًا، في الثانية عشرة، أقصر قامة، ذو شعرٍ أبيض لافت، ووجهٍ طفولي جميل.

رفع الاثنان سيفيهما، وتلامسا بخشونة خفيفة، معلنين بداية النزال.

اندفع الفتى الأصغر أولًا، مهاجمًا بسلسلة ضربات متتابعة أجبرت خصمه على التراجع خطوة بعد أخرى.

وعند أحد أسوار الحديقة، جلس رجلٌ بهيّ الهيئة، يرتدي ملابس مزخرفة بخيوط ذهبية، يحتسي قهوته بهدوء ويراقب المشهد بابتسامة خفيفة.

اقتربت منه امرأة جميلة، ذات شعرٍ أبيض يشبه شعر الفتى الأصغر، ونظرةٍ متعالية.

قالت بهدوء: "لقد تحسن قتال الكسيس بفضل تدريبات آندريك."

نظر إليها الرجل بسخرية، وهو ذاته الذي ألقى "بيير" من أعلى المنحدر سابقًا، ثم قال: "ما زال أمامه وقت طويل."

في تلك اللحظة، باغت "آندريك" خصمه بركلة قوية دفعته إلى الخلف، ثم أتبعها بركلة خلفية سريعة. تمكن "الكسيس" من صدها بذراعه، لكنه تزحلق وسقط أرضًا من شدة القوة.

نهض الرجل من مقعده، واستدار مغادرًا، وقال بنبرة تحذيرية: "ابنكِ لطيف... لدرجة أن قتله سيكون مؤلمًا. علميه من هم أعداؤه الحقيقيون."

ثم نادى: "آندريك، لنغادر."

بقيت المرأة مبتسمة، دون أن تبدي أي اكتراث.

نظر "آندريك" إلى والده، ثم إلى "الكسيس"، وسأله بلطف: "هل أنت بخير؟"

رفع "الكسيس" رأسه، وأجاب بثباتٍ ممزوج بلطف: "أنت قوي جدًا... يا أخي."

هدأت ملامح "آندريك"، واستدار مغادرًا، لكن "الكسيس" استوقفه قائلًا: "في المساء سنحضر أنا ووالداي مسرحية كلاسيكية، هل ترغب بمرافقتنا؟"

أجاب دون أن يلتفت: "لا."

ومضى في طريقه.

ابتسم "الكسيس" رغم الحزن الذي مرّ في عينيه، وهو يتابعه حتى اختفى.

.

.

• مساء اليوم ذاته - مسرح "كلبرت الكبير"

في إحدى الشرفات الخاصة بالنبلاء، جلس "الكسيس" مع والديه يشاهدون عرضًا مسرحيًا كلاسيكيًا في هدوء.

ومع انتهاء العرض، وقفوا وصفقوا تصفيقًا رتيبًا، تعبيرًا عن رضاهم.

جلسوا مجددًا، يراقبون الممثلين وهم ينحنون للجمهور.

قال الدوق "لوسيان"، بهدوءه المعتاد: "ما رأيك بالعرض؟"

أجاب "الكسيس" دون أن يشيح بنظره: "جيد."

تسللت إلى ذهنه ذكرى قديمة...

حين كان يقف إلى جانب "آندريك"، يصفقان بحماسٍ صادق.

عاد إلى واقعه عندما قال والده مبتسمًا: "لو كان آندريك هنا، لكان سعيدًا جدًا."

في تلك اللحظة، انزاحت الستارة، ودخل مدير المسرح بانحناءة احترام: "الدوق لوسيان، نحن سعداء جدًا بحضور جلالتك."

راقب "الكسيس" الحوار بينهما، بينما غرق في أفكاره:

"الدوق لوسيان... أحد أعظم رجال الأعمال في العاصمة، لكنه في الحقيقة زعيم أقوى عشيرة مصاصي دماء-عشيرة كواردوم. البشر يعلمون بحقيقته، وقد أُبرم صلحٌ معهم... لكن لماذا لا يقاتلوننا؟"

وقف "لوسيان" قائلًا: "كنا سنلبي دعوتك يا سيد آرثر، لكن لدينا موعدًا آخر مع البارون روبرت."

"كان شرفًا لي لقاؤك، سيدي."

.

.

• في المطعم

انتقلت العائلة إلى أحد أفخم المطاعم، حيث التقوا بعائلة البارون "روبرت"، برفقة زوجته وابنتهما "إديث"، فتاة لطيفة في عمر "الكسيس".

تبادلت "إديث" النظرات مع "الكسيس" بابتسامة، بينما صرف هو نظره بهدوء، متظاهرًا بالانشغال بطعامه.

.

.

• في السيارة

جلس "الكسيس" بين والديه.

قال "لوسيان": "هل أعجبتك إديث؟"

أجاب فورًا: "لا، يا والدي."

تدخلت والدته بابتسامة مصطنعة: "سألتقي بالسيدة إلين لترتيب لقاء مع ابنتها كلارا."

رد "لوسيان" بسرعة: "كلارا من نصيب آندريك."

تصلبت نظرتها: "لكنها وريثة عشيرة فاسيليا... ووريث كواروم يجب أن-"

قاطعها بحدة: "ومن قال إن الكسيس هو الوريث؟"

ساد الصمت.

"هذا يكفي." والده.

خفض "الكسيس" رأسه، وقد بدا عليه الضجر من تكرار هذه المشاحنات.

.

.

• في مكتب "ألبرت"

كان "آندريك" يقف أمام والده، يتصفح أوراق الدوقية.

قال "ألبرت": "عليك أن تعرف كل شيء... فهذه ستكون لك عندما تصبح الزعيم."

سأل "آندريك" دون تفكير: "وماذا لو لم أرد ذلك؟"

تجمدت الأجواء.

وفي لحظة، اندفع "ألبرت"، ممسكًا بعنقه، ودفعه بقوة إلى الحائط حتى تصدّع.

سال الدم من رأس "آندريك"، بينما ظل والده يخنقه.

قال ببرود مرعب: "إن لم تصبح الزعيم... سأقتلك. أنت ووالدتك الحقيرة تلك. "

بصعوبة: "فهمت..."

تركه ليسقط أرضًا.

ثم تابع، وهو ينظر من النافذة: "لا تدع عاطفتك تدمرك."

رأى وصول عائلة لوسيان "توأمان كان الاكثر عزيمة هو الوريث بينما الاخر الغبي الذي ظن ان عائلته اهم من العرش قد خسر كل شيء"

فهم "آندريك" المقصود.

.

.

في الممر، التقى "الكسيس" بـ"آندريك"ورأى الدماء على ملابسه.

"هل أنت بخير؟"

"لا شيء، سنلتقي غدًا في التدريب؟"

"بالتأكيد." الكسيس بلطف

.

.

في صباح اليوم التالي، وقف الاثنان مجددًا.

لكن هذه المرة...

كان كل شيء مختلفًا.

في الأعلى، خلف زجاج النافذة، كان "لوسيان" و"ألبرت" يراقبان بصمتٍ بارد.

تحركا في اللحظة ذاتها.

لكن...

لم يكن هذا كأي تدريب سابق.

منذ الضربة الأولى، أدرك "الكسيس" ذلك.

اندفع "أندريك" نحوه بسرعة لم يعتدها-أسرع، أثقل، بلا تردد.

ضربة تلتها أخرى، ثم أخرى... دون إيقاع يمكن التنبؤ به.

تراجع "الكسيس" خطوة.

ثم أخرى.

رفع سيفه ليتصدى.

لكن الضربة جاءت من زاوية لم يرها.

ارتجفت ذراعه.

"ما الذي...؟"

لم يُكمل فكرته.

ركلة إلى بطنه قطعت أنفاسه.

قبضة إلى كتفه زلزلت توازنه.

ثم ضربة منخفضة كادت تُسقطه.

حاول الرد.

فشل.

لم يعد يقاتل...

بل يحاول فقط ألا يسقط.

تسارعت أنفاسه، وتشوشت رؤيته،

وكلما ظن أن الهجوم انتهى..

جاءته ضربة أخرى.

وكأنه...

لم يعد خصمًا.

بل هدفًا.

"آندريك...؟"

تمتم بها بالكاد، صوته أضعف مما أراد.

لم يتلقَّ جوابًا.

فقط... قبضة.

لكن هذه المرة-

ارتعشت حولها خيوط ضوءٍ باهتة، كوميض برقٍ خافت،

تجمّعت عند مفاصل يد "أندريك".

للحظة، التقت أعينهما.

وكانت كافية.

لم يكن هناك تردد.

ولا حتى أثر لذلك الدفء الذي عرفه.

ضُرب.

ارتفعت الأرض من تحته، أو ربما هو من سقط عنها.

لم يعد يميز.

ثم.

اصطدم.

الصوت كان بعيدًا، كأنه لا يخصه.

بقي مستلقيًا، جسده لا يستجيب،

والسماء فوقه تدور ببطءٍ ثقيل.

خطوات، اقتربت.

توقفت عنده.

فتح عينيه بصعوبة.

رآه.

واقفًا فوقه...

هادئًا.

باردًا.

قال بصوتٍ خالٍ من أي شيء: "لم أتوقع... أن تكون بهذا الضعف."

حاول "الكسيس" أن يتحرك.

لم ينجح.

"آ... ندريك..."

خرج الاسم مكسورًا.

تغيرت نظرة "أندريك"-لا غضب، لا سخرية...

بل شيءٌ أسوأ.

لا مبالاة.

"لا تنادِني هكذا."

صمت قصير.

ثم، ببطءٍ متعمّد:

"لستُ أخاك."

سكنت الكلمات في الهواء، أثقل من أي ضربة.

أكمل، دون أن يشيح بنظره:

"وإياك... أن تقف في طريقي."

انحنى قليلًا، صوته يهبط أكثر:

"وإلا... سأقتلك."

استقام.

استدار.

وغادر.

بقي "الكسيس" على الأرض، لا يحاول النهوض.

لم يكن الألم في جسده...

بل في تلك اللحظة

حين نظر في عيني "آندريك"...

ولم يجد الشخص الذي يعرفه.

ضمّ ركبتيه إلى صدره،

وأخفى وجهه بين ذراعيه

كما لو أن بكاءه...

شيءٌ لا يُغتفر.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ابناء العروش

المؤلف مـريـم الـرمـاحـي
2026/05/16 مستمرة
قائمة الفصول (10)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة