أوتو

أوتو

11 0

بعد ثلاث سنوات

"أن أكون منبوذًا من الآخرين أمرٌ اعتدت عليه. لا يمكنني الاستمرار بعلاقة، لا مع صديق ولا مع فتاة، وأنا لا أظهر إلا في المساء. بسبب شكلي الآخر... المروّع... صرت أحبس نفسي طوال النهار، منتظرًا أن أعود مجرد مصاص دماء طبيعي مع حلول الليل."

في إحدى الليالي الماطرة، عاد "بيير" إلى غرفته منهكًا. كان صدى المطر يضرب النوافذ بإيقاع ثقيل، كأن الليل يضغط عليه أكثر من المعتاد.

ما إن فتح الباب، حتى توقف.

فتى.

ممدد على الأريكة، غارق في نوم عميق، بثيابٍ مهترئة وشعرٍ أشعث، كأن الشوارع لفظته إلى هنا.

اقترب "بيير" بخطوات متثاقلة، ثم هزه بحدّة: "هيّ... استيقظ."

فتح الفتى عينيه ببطء، وجلس دون ارتباك يُذكر، حدّق فيه للحظة قبل أن يسأل بهدوء: "من أنت؟"

ارتفع حاجب "بيير" ببرودٍ متجهم: "هل أنت من يسأل؟ أنا من يجب أن يسأل. من أنت؟ وماذا تفعل في منزلي؟"

تنهد الفتى وكأن الأمر لا يعنيه كثيرًا: "وجدت الباب مفتوحًا... ظننت المكان مهجورًا."

اشتد انزعاج "بيير": "لم يكن مفتوحًا. أنا أقفلته بنفسي."

تلاقت أعينهما.

"كان مفتوحًا." قالها الفتى بلا اكتراث.

"لم يكن." ردّ "بيير" بحدة.

"كان."

"لم يكن."

صمت قصير... ثم تمتم "بيير": "تبًا."

نهض الفتى ببساطة: "سأغادر."

فتح الباب... لكن المطر في الخارج كان كستارٍ كثيف لا يُخترق.

وقف لحظة، ثم التفت: "هل يمكنني البقاء هذه الليلة فقط؟"

نظر "بيير" نحو النافذة. المطر لم يهدأ.

ثم أعاد نظره إليه.

" الليلة فقط."

بلا تردد قال الفتى: "أنا جائع."

قطّب "بيير": "هذا ليس فندقًا."

اقترب الفتى من الداخل: "أنظف المكان... وتطعمني."

ردّ ببرود: "يعجبني المكان هكذا. متسخ وفوضوي."

لم يجادله.

فتح الثلاجة، التقط علبة، نظر إلى تاريخها: "ستنتهي صلاحيتها بعد يومين."

توقف "بيير" عند تلك الملاحظة: "هل تجيد القراءة؟"

نظر إليه الفتى بسرعة، وكأن بابًا فُتح: "يمكنني أن أعلمك... إن سمحت لي بالبقاء."

صمت "بيير" لحظة، ثم قال بفتور: "لا أريد. غادر صباحًا."

"كما تريد." قالها الفتى، وبدأ بالأكل.

جلس "بيير" قبالته، يراقبه بصمت.

"ما عملك؟" سأل الفتى.

"لا شأن لك."

"تدبر نفسك جيدًا... هل يمكنني العمل معك؟"

رمقه بنظرة ضيقة: "لا تبدو ثرثارًا... لماذا تتكلم كثيرًا إذن؟"

"أبحث عن عمل. هذا كل شيء."

"ليس لدي عمل."

لم يبدُ الفتى مقتنعًا، لكنه لم يعلّق.

"كُل، ثم نم على الأرض." قال "بيير".

ردّ الفتى بهدوء: "هناك غرفة لك، وهذه أريكة... سأنام عليها."

توقف "بيير"، بحث عن كلمة، ثم قال: "أنت..."

"متطلب؟"

قطب حاجبيه: "ماذا تعني؟"

"أطلب أكثر من اللازم."

زفر بانزعاج: "مزعج."

صمتٌ قصير.

"هل يمكنني استعارة ملابسك؟"

نظر إليه باشمئزاز: "وقح."

ومع ذلك، أحضر له بعض الملابس.

ارتداها الفتى وجلس، بينما ظل "بيير" يراقبه.

تمتم مجددًا: "لم يكن الباب مفتوحًا."

استلقى الفتى، وغطى رأسه: "بل كان."

.

.

في الصباح، تسلل الفتى إلى المطبخ. بحث بلا جدوى، ثم انجذب نظره نحو باب غرفة "بيير".

تردد

ثم فتحه ببطء.

وتجمد.

الجسد على السرير لم يكن بشريًا.

جلد شاحب كالموت... شعر أبيض... وعينان تمتد منهما خطوط داكنة تنزلق على الخدين.

ثم... الفم.

واسع... مشدود بآثار خيوط ممزقة عند طرفيه، كجرحٍ أُجبر على البقاء مغلقًا.

اختل توازنه.

"من... هذا؟"

تراجع خطوة، قلبه يضرب صدره بعنف.

ثم انتبه.

الملابس.

ملابس "بيير".

تسارعت أنفاسه.

الغرفة بدت وكأنها تدور.

سقط أرضًا، وكاد الباب أن يُغلق بصوتٍ مرتفع، فأمسكه في اللحظة الأخيرة.

يداه ترتجفان.

ضغط عليهما بقوة، محاولًا استعادة نفسه.

ثم نهض... وركض خارج المنزل.

.

.

مع غروب الشمس، خرج "بيير" من غرفته بهيئته الطبيعية.

توقف.

المنزل... نظيف.

الطعام... مُعد.

والفتى... لا يزال هنا.

قطّب جبينه: "لماذا ما زلت هنا؟"

ارتبك الفتى، لكن لم يهرب: "دعني أبقى... أرجوك."

"مستحيل. اخرج."

"أسبوع واحد فقط... لن أزعجك."

"أريد أن أعود ولا أراك هنا."

"لن أغادر."

في لحظة، رفع "بيير" مسدسه: "سأفجر رأسك."

تصلّب الفتى، لكن صوته خرج مكسورًا: "أسبوع فقط... لن تشعر بوجودي."

"لماذا أسبوع؟!"

أغمض عينيه: "هربت من الميتم... إنهم يبحثون عني."

ثم تابع، أسرع: "سبعة أيام فقط... حتى ييأسوا.لن تشعر بوجودي، سأطبخ، أنظف... لن أكون عبئًا."

"لن يحدث."

خفض "بيير" سلاحه قليلًا: "ستموت إن عدت ووجدتك."

اقترب من الباب...

"أنا أعلم ما أنت."

توقف.

استدار ببطء.

"أنت... لست بشريًا."

في لحظة، اندفع نحوه، دفعه بقوة إلى الحائط، وفوهة المسدس على جبينه.

"لن أخبر أحدًا!" صرخ الفتى.

"أقسم! لن أقترب من غرفتك... لن أخرج... لن-"

احمرّت عينا "بيير": "انسَ كل ما رأيت... واغرب عن وجهي."

"لماذا عيناك-"

تفاجأ بيير وامره"عضّ لسانك!"

"ماذا؟"

صمت.

ثم... ارتبك "بيير".

تراجع خطوة.

"لماذا... لا أستطيع السيطرة عليه؟"

تَلمس الفتى عنقه ليتنفس.

عاد السلاح يُصوَّب نحوه.

"سأقتلك إذن."

"انتظر!"

صمت قصير.

"سأساعدك... بأي شيء."

تردد "بيير".

"أنت لا تخرج نهارًا، صحيح؟" تابع الفتى.

"تحتاج شخصًا يفعل ذلك عنك."

أنفاس "بيير" تثقل.

"لماذا؟" سأل بحدة.

"لأنهم يعذبوننا هناك...وغير ذلك لو اردت قتلي لفعلت منذ البارحة" قالها بصوتٍ مكسور.

"الخارج أسوأ منك."

صمت.

ثم... هدأ "بيير".

" سأتظاهر أنني أصدقك."

خفض سلاحه.

"لكن إن بقيت... لا تقترب من غرفتي. أبدًا."

أومأ الفتى بسرعة: "حسنًا."

"وتنظف."

"سأنظف."

"وتعلمني القراءة."

ابتسم لأول مرة: "سأعلمك."

نظر إليه "بيير": "اسمك؟"

"أوتو."

غادر بيير دون كلمة أخرى.

.

.

أسند "أوتو" ظهره إلى الحائط، وتنفس بعمق، كمن نجا للتو.

"لن أعود الى الملجأ... مهما حدث."

ارتجف صوته: "سيقتلونني... كما فعلوا مع كلاوس."

غطى وجهه، وسقط بدموع تنهمر: "أنا آسف..."

ثم همس: "سأبقى أسبوعًا... فقط.وسأغادر من هنا، ففي النهاية هو وحش وقد يقتلني في اية لحظة. "

.

.

قبل الفجر، عاد "بيير".

ومعه امرأة.

وكان اوتو ينام على الاريكة.

دخل غرفته.

أغلقت الأبواب.

تحولت عيناه إلى الأحمر.

وغاصت أنيابه في عنقها.

ببرود.

"الآن... سأسيطر عليه."

جلس على السرير، بعد أن انتهى.

"هذه المرة... لن يفلت."

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ابناء العروش

المؤلف مـريـم الـرمـاحـي
2026/05/16 مستمرة
قائمة الفصول (10)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة