الفصل الثامن: بيت الزيتون… والباب الذي لا يعود منه أحد كما كان
لم ينم سليم تلك الليلة.
كيف ينام…
وفي جيبه قلادة تحمل اسمه، منقوشة لامرأة يقول إنه لم يعرفها قط؟
كيف ينام…
وصوت ليلى ما زال يرن في رأسه:
"لا تثق بأحد… حتى بنفسك."
جلس قرب نافذته حتى الفجر.
عيناه على السماء…
وعقله يغرق في أسئلة ثقيلة.
من ليلى؟
من كمال رفيق حقًا؟
وما معنى تلك الذكريات الممزقة التي بدأت تظهر كأنها شظايا زجاج داخل رأسه؟
وحين أذّن الفجر…
قام.
توضأ.
وصلى طويلًا.
كان يحتاج إلى سكينة تعيد ترتيب الفوضى في داخله.
وبعد الصلاة…
اتخذ قراره.
سيذهب.
وحده.
---
في الصباح…
لاحظ ريان صمت أخيه غير المعتاد.
قال وهو يسكب القهوة:
"أنت لست بخير."
ابتسم سليم ابتسامة باهتة:
"أنا فقط أفكر."
تدخلت يُسرى:
"في المرأة الرمادية العينين؟"
رفع حاجبه:
"تراقبين كثيرًا."
ضحكت بخفة:
"أنا ابنة كاتبة… نحن نقرأ ما لا يُقال."
لكن خلف المزاح......
كان القلق واضحًا في عينيها.
قال ريان بجدية:
"مهما كان ما يحدث، نحن معك."
نظر إليهما سليم طويلًا…
وشعر بوخزة ذنب.
لأنه سيكذب.
قال:
"لن أذهب بعيدًا… فقط عندي بعض الأمور."
قال ريان:
"أمور… أم أسرار؟"
ردّ سليم:
"حين أفهمها، سأخبركما."
لم يعجبهما الجواب.
لكنهما احترماه.
---
مع غروب الشمس…
وصل سليم إلى المكان المذكور.
بيت الزيتون.
كان منزلًا قديمًا على أطراف سطيف، تحيط به أشجار زيتون كثيفة، كأنها حراس صامتون.
الباب الخشبي كان نصف مفتوح.
كأن البيت كان ينتظره.
دخل.
الهواء في الداخل بارد، يحمل رائحة أوراق قديمة ومطر عالق في الذاكرة.
ثم سمع صوتها:
"تأخرت سبع دقائق."
التفت.
كانت هناك.
ليلى صفوان.
هذه المرة دون قناع.
وجهها واضح.....
جميل بطريقة حزينة.
لكن في ملامحها قسوة صنعتها الأيام.
قال سليم:
"أنتِ تعرفينني."
أجابته:
"أكثر مما تعرف نفسك."
"إذن تكلمي."
صمتت لحظة…
ثم قالت:
"اسمك ليس فقط سليم عبوري."
تجمد مكانه.
"ماذا؟"
اقتربت خطوة.
"أنت كنت مشروعًا."
انعقد حاجباه.
"أي مشروع؟"
قالت:
"مشروع لصناعة عميل مثالي.
عقل فلسفي…
جسد مدرّب…
وقلب يُمنع من الحب كي لا يضعف."
سكتت.
ثم أكملت بصوت أخفض:
"وأنا… كنت المشروع الموازي لك."
اتسعت عيناه.
"هذا جنون."
ردّت بمرارة:
"بل حقيقة قذرة."
ثم أخرجت ملفًا قديمًا.
رمته أمامه.
فتح أول صفحة…
فوجد صورة طفل صغير.
هو.
لكن ليس باسم سليم.
بل باسم:
آدم رفيق
…
ارتجف صدره.
قال بصوت مبحوح:
"لا…"
أشارت إلى صفحة أخرى.
تحاليل.
صور.
أختام.
وثائق.
ثم صورة....
لكمال رفيق يحمل طفلًا صغيرًا.
وكان الطفل…
هو.
تراجع سليم خطوة.
كأن الأرض لم تعد ثابتة.
"أبي… عمر…"
قالتها روحه قبل لسانه.
رفعت ليلى نظرها إليه وقالت بثبات:
"عمر عبوري ليس والدك بالدم…
لكنه الرجل الوحيد الذي كان والدًا لك فعلًا."
سقط سليم على الكرسي خلفه.
لم يبكِ.
لم يصرخ.
فقط شعر أن حياته كلها أعيدت كتابتها في ثانية.
ثم رفع رأسه.
وسأل السؤال الأصعب:
"وأنتِ… من أكون لك؟"
هنا…
اهتزّ صوت ليلى لأول مرة.
وقالت:
"كنتَ الشيء الوحيد الجميل في المكان الذي تربينا فيه."
ثم سكتت.
وأضافت بصوت مكسور بالكاد خرج:
"وكنتَ أول من وعدني يومًا… أنك لن تتركني وحدي."
ساد صمت ثقيل.
ثم دوّى انفجار عنيف خارج البيت.
اهتزت الجدران.
وانطفأت الأنوار.
وفي الظلام....
أمسكت ليلى يد سليم فجأة.
وقالت بصوت حاد:
"لقد وجدونا…
والآن، إمّا أن تهرب معي…
أو تموت هنا."
وفي الخارج…
كانت سيارات سوداء تحاصر بيت الزيتون.
وفي مقدمتها…
وقف كمال رفيق.
يبتسم.
يتبع…
سطور تائهة