الفصل الثاني: الظرف الذي تنفّس غبار السنين
ظلّت يُسرى واقفة عند الباب…
والظرف بين يديها أثقل من وزنه بكثير.
لم يكن كبيرًا، لكنه حمل ذلك الثقل الذي لا تصنعه الأوراق… بل الأسرار.
أغلقت الباب ببطء.
التفتت نحو أخويها.
وكان الصمت هذه المرة مختلفًا....
ليس صمت بيت هادئ…
بل صمت بيتٍ دخلته ريح من زمن بعيد.
اقترب سليم أولًا، وقد اختفت من وجهه خفة ظله المعتادة.
نظر إلى الظرف، ثم قال:
"لا يعجبني هذا."
ردّ ريان بصوت منخفض:
"ولا أنا."
لكن يُسرى لم تتكلم.
كانت تحدّق في العبارة المكتوبة بخطٍ متآكل:
"لا يُفتح… إلا إذا عاد الظل."
رفعت رأسها ببطء.
ثم قالت:
"ما معنى… عاد الظل؟"
لم يجب أحد.
لأن السؤال نفسه…
كان أكبر من جواب سريع.
جلس الثلاثة في غرفة الجلوس، تحت الصورة الكبيرة لعمر وبيسم.
وكأن عيني الوالدين تراقبانهم بصمت من فوق.
وضع ريان الظرف على الطاولة بحذر، كما لو أنه شيء هش… أو شيء قد ينفجر.
مرّر يده على الورق القديم، ثم قال:
"هذا قديم جدًا… ربما من زمن أبي."
سليم عقد حاجبيه.
"لكن لماذا الآن؟ ولماذا قال: حان الوقت لتعرفوا من كان والدكم حقًا؟"
قالتها يُسرى بصوت يكاد لا يسمع:
"وهل كنّا لا نعرفه؟"
ساد صمت ثقيل.
لا أحد يشك في عمر....
الرجل الذي ربّاهم بحنان، وعلّمهم الصلاة، والصدق، والصبر، وحمل حزنه وحده كي لا يثقل عليهم.
لكن…
كل إنسان يحمل وجوهًا لا يعرفها حتى أقرب الناس إليه.
مدّ سليم يده نحو الظرف.
ثم توقف.
وسحبها.
نظر إلى صورة أبيه فوقهم، وقال نصف مازح، نصف جاد:
"إن كان في هذا الظرف ما سيجعلني أكتشف أن أبي كان قرصانًا أو جاسوسًا أو ملكًا ضائعًا… فأرجو أن يكون شيئًا يليق بهيبته."
ابتسمت يُسرى رغم قلقها.
أما ريان…
فلم يبتسم.
لأنه كان يحدّق في شيء آخر.
شيء صغير في زاوية الظرف.
ختمٌ أحمر باهت.
رسمته لم تكن واضحة بالكامل…
لكن جزءًا منها ظهر كفاية ليتجمد مكانه.
همس:
"هذا مستحيل…"
نظر إليه سليم:
"ماذا؟"
أشار إلى الختم.
"رأيت هذا الرمز من قبل."
"أين؟"
رفع عينيه إليهما، وصوته صار أثقل:
"في المستشفى… قبل أسبوعين."
اقتربت يُسرى بسرعة:
"في المستشفى؟ كيف؟"
تنفس بعمق.
ثم قال:
"جاء مريض مصاب بطلق ناري. هوية مزيفة. رفض أن يكشف اسمه. وكان على كتفه وشم صغير… نفس هذا الرمز."
سليم شبك ذراعيه:
"رمز ماذا؟"
قال ريان:
"شجرة زيتون سوداء… تتوسطها عين مفتوحة."
…
تجمدت يُسرى.
شجرة زيتون.
نفس الرمز الذي رأته...
في حلمها مع أمها.
ارتعشت أنفاسها قليلًا.
"هذا… لا يمكن أن يكون صدفة."
نظر إليها سليم.
ولأول مرة، لم يسخر من حديث الأحلام.
لأن قلبه قال له:
هناك شيء يتحرك.
شيء قديم.
شيء بدأ يستيقظ.
مدّ ريان يده أخيرًا.
فتح الظرف.
وفي داخله…
كانت هناك ثلاث رسائل.
واحدة باسم ريان.
واحدة باسم يُسرى.
وواحدة باسم سليم.
لكن تحتها…
كانت هناك صورة قديمة.
أبيض وأسود.
لرجل يقف بجانب عمر الشاب.
وجه الرجل نصفه في الظل…
لكن ما ظهر منه كان كافيًا ليجعل الدم يبرد في عروقهم.
لأنه....
كان يشبه سليم… بشكل مخيف.
نفس العينين.
نفس زاوية الفك.
نفس النظرة التي تخفي شيئًا خلفها.
رفع سليم الصورة بيد مرتجفة، وهمس:
"من هذا؟"
ثم قلبها.
وكان مكتوبًا خلفها:
"إلى ابني… الذي لم أعرفه."
…
وسقطت الصورة من يده.
يتبع…
سطور تائهة