الفصل الخامس: شيءٌ في داخله استيقظ
بقي الهاتف في يد يُسرى…
لكن أصابعها فقدت الإحساس به.
أما الكلمات التي سمعتها.....
فلم تبقَ كلمات.
تحولت إلى ثقلٍ بارد استقرّ في صدرها.
رفعت عينيها نحو سليم.
فتوقفت أنفاسها.
شيء ما تغيّر فيه.
لم يكن غضبًا.
ولا خوفًا.
بل سكون غريب…
ذلك النوع من السكون الذي يسبق العاصفة.
كان واقفًا أمام الباب الخشبي، وكتفاه مستقيمان، ونظرته ثابتة على رمز الزيتونة السوداء، كأنه يقرأ شيئًا لا يراه سواه.
قال ريان بحذر:
"سليم."
لم يجب.
اقترب خطوة.
"سليم، انظر إليّ."
أدار وجهه ببطء.
وهنا.....
شعر ريان بقشعريرة حقيقية.
عينا أخيه…
كان فيهما بريق حاد، بارد، محسوب… لا يشبه خفته المعتادة، ولا دفء روحه، ولا ذلك المزاح الذي يملأ حضوره.
كأن رجلًا آخر…
ينظر من خلف عينيه.
قال سليم بصوت منخفض جدًا:
"هذا الصوت…"
سألت يُسرى:
"ماذا به؟"
أغمض عينيه للحظة.
ثم وضع يده على صدغه، كأن رأسه يؤلمه فجأة.
"أنا… أعرفه."
نظر إليه ريان بحدة:
"مستحيل. كيف؟"
فتح عينيه.
لكن نظرته كانت ضائعة بين زمنين.
وقال ببطء:
"لا أدري… لكنني أعرفه."
ثم.....
ومضت في رأسه صورة خاطفة:
غرفة مظلمة.
رائحة دخان.
صوت رجل يقول:
"العقل سلاح… لكن القلب نقطة ضعف. اقتل الثانية، تعش بالأولى."
انتفض سليم للخلف.
تنفس بسرعة.
يده ارتجفت.
قال:
"ما هذا؟"
أمسكت يُسرى ذراعه:
"ماذا رأيت؟"
نظر إليها مرتبكًا.....
ثم عاد سليم الذي يعرفانه قليلًا.
الخوف عاد إلى وجهه.
"رأيت شيئًا… ليس من ذاكرتي."
قال ريان:
"بل ربما من ذاكرتك فعلًا."
صمتوا.
لأن هذه الفكرة…
كانت مرعبة.
اقترب ريان من الباب السري، لكنه لم يلمسه.
قال:
"أبي كتب: لا تفتحوا القبو. هذا ليس خوفًا… بل وصية."
ردّ سليم، وقد عاد بعض تهكمه المرّ:
"وأنا اكتشفت قبل ساعة أن لي أبًا آخر، وصوتًا مجهولًا يتصل بي في رأسي، ورجلًا هاتفيًا يعلن عودته… هل ما زالت الوصايا أولوية؟"
قالت يُسرى فجأة:
"لا."
نظر إليها أخواها.
كانت تحدق في صورة أمها الصغيرة الموضوعة قرب المصحف.
ثم قالت:
"أبي لم يكن يخفي شيئًا ليؤذينا… بل ليحمينا. إذا قال لا تفتحوا، فلن نفتحه الآن."
سألها سليم:
"والاتصال؟"
رفعت رأسها.
وفي عينيها شيء من قوة بيسم التي سمعوا عنها كثيرًا:
"ننتظر. نراقب. ونفهم أولًا."
ابتسم سليم ابتسامة قصيرة:
"منذ متى أصبحتِ أنتِ العاقلة في هذا البيت؟"
ردّت ببرود لطيف:
"منذ اكتشفت أن أحدنا ابن رجل غامض، والثاني يدفن نفسه في المستشفى، والثالث....."
قاطعتها ضحكة خفيفة من ريان.
ضحكة قصيرة…
لكنها كسرت ثقل اللحظة قليلًا.
ثم فجأة.....
رنّ هاتف ريان.
نظر إلى الشاشة.
وتبدل وجهه فورًا.
قال:
"المستشفى."
ردّ.
وجاءه صوت مضطرب:
"دكتور ريان! المريض المجهول… اختفى."
تجمد.
"كيف؟"
"لا نعرف… لكن ترك شيئًا في غرفته."
"ماذا؟"
جاءه الجواب، كضربة:
"ترك ورقة كتب فيها:
قولوا لابن عمر… أنا أنتظره الليلة، حيث ماتت الحقيقة أول مرة."
وأُرفقت الرسالة بعنوان مكان.
مكان يعرفه ريان جيدًا…
فتّسعت عيناه.
همست يُسرى:
"أين؟"
نظر إليهما.
وقال بصوت ثقيل:
"مدرسة الفلسفة القديمة… حيث التقى أبي وأمي أول مرة."
وفي الجهة الأخرى من المدينة…
في سيارة سوداء تقف تحت الظل…
كان رجل يراقب بيت آل عبوري من بعيد.
وجهه نصفه في الظلام.
وعلى كتفه.....
وشم الزيتونة السوداء.
ابتسم.
وقال:
"بدأت اللعبة، يا أبناء الهامش."
يتبع…
سطور تائهة