الفصل السادس: حيث بدأت الحكاية… وبدأ الصيد
في الليل…
بدت مدرسة الفلسفة القديمة كأنها قطعة من زمن منسي.
الجدران العالية التي شهدت خطوات عمر يومًا، والممرات التي مرّت منها بيسم وقلبها يخفق لأول مرة، والساحة التي حملت ضحكاتٍ، وأسئلةً، وبدايات حبٍّ نقيّ....
كل شيء فيها كان ساكنًا…
لكن السكون هذه الليلة لم يكن سلامًا.
كان انتظارًا.
وقف ريان أمام البوابة الحديدية، يحدّق فيها طويلًا.
همس:
"هنا بدأت قصة أبي وأمي…"
ردّ سليم، وهو يراقب الظلال حوله:
"واليوم… يبدو أن قصة أخرى تُكتب."
أما يُسرى…
فكانت تشعر بانقباض غريب.
كأن المكان يهمس باسمها.
دخلوا.
خطواتهم فوق البلاط القديم كانت الصوت الوحيد.
مرّوا قرب القاعة التي كان عمر يدرّس فيها.
توقفت يُسرى فجأة.
على الباب الخشبي القديم…
كان هناك شيء جديد.
ورقة صغيرة، مثبتة بدبوس.
اقتربت.
قرأت بصوت منخفض:
"الحقيقة لا تُسلَّم دفعة واحدة…
بل تُنتزع قطعةً من قلب من يبحث عنها."
أسفلها....
رمز الزيتونة السوداء.
قبض سليم على الورقة ومزقها.
قال بحدة:
"كرهت هذه الشجرة."
لكن ريان كان ينظر إلى الداخل.
إلى السبورة القديمة.
وعليها، بخط أبيض واضح، جملة كُتبت حديثًا:
"هل الإنسان ابنُ دمه… أم ابنُ اختياره؟"
ساد الصمت.
لأن السؤال…
لم يكن فلسفيًا فقط.
كان موجهًا إلى سليم مباشرة.
تقدم نحو السبورة ببطء.
حدّق في السؤال.
ثم قال بصوت منخفض:
"أبي أجابني عنها قبل موته."
أشار إلى صدره.
"هنا."
ثم التفت.
وفي اللحظة نفسها.....
انطفأت الأنوار.
غرق المكان في ظلام كامل.
شهقت يُسرى.
جاء صوت ريان:
"لا تتحركوا!"
ثم....
صوت خطوات.
سريعة.
تحيط بهم.
من كل الجهات.
وصوت رجل خرج من العتمة:
"أبناء عمر عبوري…"
صمت لحظة.
ثم أكمل:
"كم انتظرت هذا اللقاء."
أضاءت فجأة دائرة ضوء واحدة في منتصف القاعة.
وظهر رجل.
طويل.
شعره غزاه الشيب عند الأطراف.
وجهه يحمل ندبة قديمة قرب عينه.
ونظرته…
تشبه نظرة سليم بشكل مرعب.
قال سليم بصوت أجش:
"كمال رفيق."
ابتسم الرجل.
ابتسامة لا دفء فيها.
"إذن… حدّثك عمر عني."
ردّ سليم:
"لا. لكن وجهك يحدّثني بما يكفي."
ضحك الرجل.
ثم نظر إلى ريان.
ثم إلى يُسرى.
ثم عاد بعينيه إلى سليم.
وقال:
"جئت لآخذ ابني."
اقترب ريان خطوة:
"هو ليس ابنك."
ردّ ببرود:
"الدم لا يكذب."
قال سليم، بعينين ثابتتين:
"والرجال لا يُقاسون بالدم."
تبدلت ملامح كمال قليلًا.
كأنه رأى عمر في وقفة سليم.
ثم قال:
"هذا ما ربّاك عليه. وهذا ما سأنتزعه منك."
صفق مرة واحدة.
وفجأة.....
ظهر رجال من الظلام، ملثمون، يحيطون بالمكان.
لكن قبل أن يتحرك أحد....
دوّى صوت آخر:
طلق ناري في السقف.
وتوقف الجميع.
خرجت من الظلام امرأة.
ترتدي معطفًا أسود طويلًا.
وجهها نصفه مغطى.
وفي يدها مسدس موجّه نحو رجال كمال.
قالت بصوت هادئ… حاد:
"ابتعدوا عنه."
نظر إليها كمال بدهشة نادرة.
"أنتِ؟"
خفضت غطاء وجهها قليلًا…
فظهرت عينان رماديتان، باردتان… وجميلتان على نحو خطير.
ثم قالت:
"جئتُ لأقتل سليم…
لكن لا أحد يلمسه قبلي."
وتجمدت عينا سليم عليها…
لأنه شعر، لسبب لا يفهمه.....
أنه يعرفها.
رغم أنه لم يرها في حياته قط.
يتبع…
سطور تائهة