الفصل الأول: صباحات آل عبوري
في سطيف…
حين ينساب الفجر على البيوت بهدوءٍ يشبه الدعاء، كان بيت آل عبوري يستيقظ على حياةٍ لها نكهة خاصة؛ لا هي صاخبة كبيوت كثيرة، ولا هي صامتة حدّ الوحشة… بل كانت تحمل ذلك التوازن العجيب بين الوقار والدفء، بين النظام والفوضى الجميلة التي تصنعها العائلة حين تكون متماسكة.
في المطبخ، كان صوت غليان الشاي يسبق الجميع.
وفي غرفة الجلوس، كانت أشعة الشمس الأولى تتسلل عبر الستائر، فتداعب صورًا مؤطرة على الجدار:
صورة عمر شابًا، بعينين عميقتين وابتسامة خفيفة.
وصورة بيسم، بضحكتها التي تشبه الربيع.
وصورة عائلية قديمة، تضم ثلاثة أطفال صغار، متشابكي الأيدي، يلتفون حول أبوين ينظران إليهم كما لو أن العالم كله اختُصر فيهم.
لكن الأطفال…
لم يعودوا أطفالًا.
كبروا.
وصار لكل واحدٍ منهم عالمه.
أولهم....
ريان عبوري.
الابن الأكبر.
كان يشبه أباه إلى حدٍّ يجعل من يراه لأول مرة يلتفت مرتين؛ نفس الهيبة الهادئة، نفس الصمت الذي يخفي بحرًا من التفكير، ونفس النظرة التي توحي بأن صاحبها يرى أكثر مما يقول.
لكنه ورث من أمه شيئًا آخر....
رحمةً واسعة.
لهذا اختار الطب، لا لأن المهنة مجد، بل لأنه حمل في قلبه وعدًا قديمًا قطعه وهو طفل:
أن يقف يومًا في وجه المرض الذي خطف أمه.
وفي صباح ذلك اليوم، كان ريان واقفًا أمام المرآة يرتب ياقة قميصه الأبيض، يستعد للذهاب إلى المستشفى، حين سمع صوتًا من الخارج:
"ريان! قل لأختك أن تكفّ عن الكذب التاريخي!"
تنهد مبتسمًا.
هذا الصوت…
يعرفه جيدًا.
سليم عبوري.
آخر العنقود، وأكثرهم شبهًا ببيسم في الضحكة، وأكثرهم شبهًا بعمر في الذكاء، وأكثرهم خروجًا عن التوقعات.
رجلٌ إذا رأيته قلت: أستاذ فلسفة.
وإذا تحدث، قلت: ممثل مسرحي.
وإذا صمت، قلت: هذا الرجل يخفي شيئًا.
كان طويل القامة، حاضر النكتة، سريع البديهة، يملك قدرة غريبة على قراءة من أمامه، حتى إن كثيرين كانوا يشعرون بعدم الارتياح حين ينظر إليهم طويلًا، كأنه يعرف ما لم يقولوه.
وقف في وسط الصالون، يشير إلى شاشة التلفاز باعتراض طفولي:
"كيف تقولين إن الأبيض الملكي أعظم فريق في التاريخ وكأنها حقيقة علمية؟!"
فجاءه صوت ساخر من الأريكة:
"لأنها حقيقة، يا فيلسوف آخر الزمان."
وكانت تلك....
يُسرى عبوري.
الابنة الوسطى.
وريثة قلب أمها الكامل.
كاتبة، رسامة، وصاحبة خيال واسع يجعلها ترى في الأشياء ما لا يراه غيرها.
شعرها الطويل غالبًا مبعثر فوق كتفيها لأن ذهنها مشغول دائمًا بفكرة جديدة، وقلمها لا يهدأ، ودفترها لا يُغلق.
كانت تشجع الأبيض الملكي بجنونٍ يثير إخوتها، وتعتبر أي نقاش كروي قضية شخصية.
أما ريان، فكان أكثر هدوءًا، لكنه يميل إلى تشجيع برشلونة فقط ليستفزها أحيانًا.
بينما الشيء الوحيد الذي اتفقوا عليه جميعًا....
هو عشق شبيبة القبائل.
ذلك حبٌّ موروث، تركه عمر في البيت كما يترك الرجل إرثًا لا يموت.
وفي زاوية الصالون…
تحت إطار كبير لصورة عمر وبيسم…
كانت هناك خزانة زجاجية صغيرة.
داخلها:
مصحف قديم.
دفتر أسود مهترئ الأطراف.
ووردة يابسة بين صفحاته.
لم يكن أحد يلمس تلك الأشياء كثيرًا.
لكنهم جميعًا كانوا يشعرون.....
أن روح البيت تسكن هناك.
اقتربت يُسرى من الخزانة، ولمست الزجاج برفق.
ثم قالت بصوتٍ أخف من المعتاد:
"أتعرفون؟ حلمتُ بأمي ليلة أمس."
ساد صمت لطيف.
حتى سليم، الذي لا يفوّت فرصة للمزاح، سكت.
سألها ريان بهدوء:
"ماذا قالت؟"
ابتسمت ابتسامة صغيرة، فيها حنين:
"لم تقل شيئًا… فقط كانت تبتسم، وتقف خلفها شجرة زيتون مزهرة."
نظر الإخوة الثلاثة إلى بعضهم.
شيءٌ غريب مرّ في المكان…
نسمة لا تُرى، لكنها تُحسّ.
ثم.....
رنّ جرس الباب.
تبادلوا النظرات.
قال سليم:
"ننتظر أحدًا؟"
هزّ ريان رأسه:
"لا."
تقدمت يُسرى وفتحت الباب.
فوجدت أمامها رجلًا مسنًا، أنيقًا، يحمل ظرفًا بنيًا قديمًا، وعيناه تحملان شيئًا من الماضي.
قال بصوت وقور:
"هل هذا بيت المرحوم عمر عبوري؟"
أجابته بخفوت:
"نعم… أنا ابنته."
نظر إليها طويلًا…
ثم قال جملة جعلت شيئًا باردًا يمرّ في عروقها:
"إذن… حان الوقت لتعرفوا من كان والدكم حقًا."
وسلّمها الظرف.
ورحل.
أما على الظرف…
فكان مكتوبًا بخط قديم:
"لا يُفتح… إلا إذا عاد الظل."
وفي داخل البيت....
بدأ الصمت…
يتكلم من جديد.
يتبع…
سطور تائهة