الفصل الرابع: الباب الذي لم يكن موجودًا
ساد صمت ثقيل…
ذلك النوع من الصمت الذي يجعل نبض القلب مسموعًا.
طَق…
عاد الصوت.
أوضح هذه المرة.
ليس وهمًا.
ليس تمدد خشبٍ قديم.
بل طرقة حقيقية…
آتية من مكان في أسفل البيت.
قالت يُسرى، بصوت خافت:
"قل لي إنني أتخيل."
ردّ سليم، وعيناه مثبتتان على الأرض:
"لو كنتِ تتخيلين… فأنا أتخيل معك."
أما ريان…
فكان مختلفًا.
هدوء الطبيب داخله تحوّل إلى يقظة رجل شمّ رائحة خطر.
أعاد قراءة آخر سطر في رسالة أبيه:
"لا تفتحوا القبو."
ثم رفع رأسه ببطء وقال:
"أبي لم يكن يكتب عبثًا."
سألته يُسرى:
"لكن… أين القبو أصلًا؟ عشنا هنا عمرًا كاملًا، ولم نرَ قبوًا."
نظر الثلاثة حولهم.
هذا البيت يعرفونه حجرًا حجرًا:
المطبخ القديم الذي كانت أمهم تغني فيه بهدوء وهي تُعد الشاي.
غرفة الجلوس حيث كان أبوهم يجلس كل مساء، ومصحفه قربه.
الممر الطويل المؤدي إلى الغرف.
مكتبة عمر، الممتلئة بكتب الفلسفة والتفسير والتاريخ.
ولا شيء…
أبدًا…
يشير إلى قبو.
طَق… طَق…
هذه المرة....
جاء الصوت من جهة المكتبة.
التفتوا جميعًا.
ببطء.
قال سليم نصف هامس:
"جميل… حتى بيتنا اختار أكثر غرفة كآبة ليبدأ منها."
رمقته يُسرى بنظرة سريعة:
"هل هذا وقت مزاح؟"
ردّ وهو يبتلع ريقه:
"حين أخاف… أمزح. هذه عادتي."
تقدّم ريان أولًا.
دخل المكتبة.
كانت الغرفة ساكنة كما تركها الزمن:
كرسي عمر الخشبي قرب النافذة.
نظارته القديمة فوق كتاب مفتوح.
رائحة ورق قديم ممزوجة بخشب معتّق.
وصورة صغيرة لبيسم داخل إطار أسود، موضوعة قرب المصحف.
ثم.....
طَق.
جاء الصوت من الجدار الخلفي.
اقترب سليم.
مرّر يده على رفٍ طويل من الكتب.
وفجأة....
توقفت أصابعه.
بين الكتب…
كان هناك مجلد ضخم، جلده مختلف عن البقية، لا عنوان له.
أخرجه قليلًا.
فصدر صوت خفيف:
تك.
واهتزّ الرف كله.
ثم....
تحرّك الجدار.
ببطء.
كاشفًا عن باب خشبي قديم، أسود من الزمن، تتوسطه نفس العلامة:
زيتونة سوداء… تتوسطها عين مفتوحة.
شهقت يُسرى:
"يا الله…"
وقف الثلاثة يحدّقون.
باب مخفي…
في بيت عاشوا فيه عمرًا.
خلف مكتبة أبيهم.
قال سليم بصوت مبحوح:
"إذن… كان هنا طوال الوقت."
اقترب ريان.
وعلى الباب، بخط محفور بعمق، كانت عبارة واحدة:
"من يفتح هذا الباب… لن يعود كما كان."
ابتسم سليم ابتسامة متوترة:
"رائع. رسائل تشاؤمية، باب سري، وتحذيرات غامضة. أبي… ماذا كنت تخفي عنا؟"
لكن قبل أن يلمس أحد المقبض.....
رن هاتف يُسرى.
رقم مجهول.
نظرت إلى الشاشة مترددة.
ثم أجابت:
"ألو؟"
جاءها صوت رجل هادئ… مخيف في هدوئه:
"مساء الخير، الآنسة يُسرى عبوري."
تجمّد الدم في عروقها.
"من أنت؟"
قال:
"أنا شخص يفضّل أن لا تفتحوا الباب."
سقط صمت بارد.
ثم أكمل:
"لأن ما خلفه… لا يخصّكم وحدكم."
همست:
"كيف عرفت؟"
ضحك ضحكة خفيفة بلا روح.
ثم قال جملة جعلت يدها ترتجف:
"قولي لسليم…
إن والده الحقيقي عاد ليأخذ ما له."
وانقطع الخط.
…
رفع سليم رأسه ببطء.
وعيناه....
لم تعودا عيني الرجل الذي عرفاه.
كان فيهما شيء جديد…
شيء مظلم استيقظ للتو.
يتبع…
سطور تائهة