وهج

وهج

14 0

تجمّد الدم في عروق أوليفيا عند سماع اسم "لونا". سقط "دفتر الرسم" من يدها، وارتطم بالأرض ليفتح على صفحةٍ قديمة. نظرت إلى أليكس، وكان وجهه قد تحول إلى قناعٍ من الجليد الصلب، وعيناه اللتان كانتا تفيضان بالدفء قبل ثوانٍ، استحالتا إلى جمرٍ مستعر.

"لونا.." همست أوليفيا بصوتٍ مخنوق. "أليكس، لقد جرّوها إلى هذه القذارة بسببي.. لن أسمح لهم بإيذائها!"

أمسك أليكس بكتفيها بقوة ليثبتها: "أوليفيا، انظري إليّ! هذا هو فخهم الأخير. يريدون استدراجكِ إلى 'الإحداثيات الصخرية' حيث الأرض مكشوفة تماماً لقناصي المجلس. لونا هي الطُعم، وأنتِ الصيد الثمين."

نفضت يديه عنها بغضب يمتزج بالدموع: "وهل تريدني أن أبقى هنا أشاهد النار وهي تلتهمها؟ هل هذا هو 'الدرع' الذي وعدتني به؟ درعٌ يحميني بموت أعز صديقة لي؟"

ساد صمتٌ ثقيل، لم يكسره إلا صوت اللاسلكي المشوش. أليكس أغمض عينيه بقوة، ثم ضرب الحائط بيده. "سايمون! هل يمكنك تحديد عدد القوات هناك؟"

جاء صوت سايمون متقطعاً: "سيدي.. هناك فريق قناصة كامل، وسيد 'المنشقين' بنفسه موجود. لقد أعطوك ساعة واحدة.. إما أوليفيا، أو سيتم تطهير 'الشاهدة غير الضرورية'.. أي لونا."

التفت أليكس إلى أوليفيا، ورأى في عينيها تصميماً لم يره من قبل. لم تكن خائفة، كانت مستعدة للمواجهة. تنهد بمرارة وقال: "لن أذهب بكِ لتسلمي نفسكِ.. سنذهب لنحرق تلك الصخور ومن عليها."

فتح أليكس خزانة مخفية تحت أرضية الكوخ، أخرج منها معدات تقنية وسترات واقية. "ارتدي هذه. إذا انطلقت رصاصة واحدة، أريدكِ أن تنبطحي أرضاً. لا تحاولي أن تكوني بطلة، لونا تحتاجكِ حية."

{عند الإحداثيات الصخرية - ساعة الصفر}

كانت الرياح تعصف فوق القمة الصخرية، ولونا كانت مقيدة إلى عمود معدني قديم، وجهها شاحب وتحت عينها كدمة زرقاء، لكنها كانت تنظر نحو الطريق بكبرياء جريح.

أمامها، كان يقف رجل يرتدي معطفاً رمادياً طويلاً، يحمل خنجر "المجلس" في يده. "لقد تأخر فارسكِ يا آنسة لونا.. يبدو أن 'عقد الدم' أثقل مما توقع."

وفجأة، شقّ ظلام الليل وميضٌ قوي! لم تكن سيارة، بل كانت قنبلة ضوئية ألقاها سايمون من جهة الشرق لتشتيت القناصة.

في تلك اللحظة، ظهر أليكس من خلف الصخور كأنه شبحٌ خرج من الجحيم. بدأ إطلاق النار، وصوت الرصاص يمزق سكون الجبل. أوليفيا كانت تتحرك خلفه بدقة، قلبها ينبض مع كل طلقة.

"لونا!" صرخت أوليفيا وهي تحاول الركض نحوها، لكن أليكس جذبها خلف صخرة كبيرة بينما الرصاص يتطاير فوق رؤوسهم.

"سايمون، غطِّنا!" صرخ أليكس في جهازه.

استغل أليكس لحظة إعادة تعبئة القناصة لأسلحتهم، وانطلق نحو الرجل ذو المعطف الرمادي. اشتبكا في عراكٍ يدوي عنيف. كان أليكس يقاتل بوحشية، كل ضربة يوجهها كانت انتقاماً لكل لحظة خوف عاشتها أوليفيا.

تمكنت أوليفيا من الوصول إلى لونا، وبدأت تفك قيودها بيديها المرتجفتين. "أنا هنا.. أنا هنا يا لونا."

نظرت إليها لونا بدموع وقالت بضعف: "هربتِ من القصر.. لتقعي في هذا؟ أنتِ مجنونة يا أوليفيا."

"نحن مجنونتان معاً،" أجابتها أوليفيا وهي تساعدها على الوقوف.

لكن صوتاً حاداً قطع اللحظة.. "توقفا مكانكما!"

كان سيد المنشقين قد استعاد توازنه، ووجه مسدسه نحو أوليفيا، بينما كان أليكس ملقىً على الأرض يحاول النهوض بعد أن تلقى ضربة قوية.

"أليكس!" صرخت أوليفيا.

نظر الرجل إلى أوليفيا بسخرية: "موعد تنفيذ العقد حان.. بالرضا أو بالدم."

في تلك اللحظة، توقفت حركة الجميع. برزت العلامة على كتف أوليفيا بضوء أرجواني ساطع وحارق، وشعرت بقوة غريبة تسري في عروقها.. قوة لم تكن تعرف أنها تملكها.

أليكس، وهو يرى الوميض يخرج من أوليفيا، صرخ محذراً: "لا تفعليها يا أوليفيا! إذا استسلمتِ للقوة الآن، لن تعودي أنتِ!"

ساد صمتٌ خانق فوق القمة الصخرية، إلا من أزيز الرياح وتلك النبضات الأرجوانية التي بدأت تخرج من كتف أوليفيا لتلتف حول ذراعها مثل سلاسل من ضوء سائل. كان الألم حارقاً، لكنه منحها شعوراً بالسيادة لم تعهده من قبل.

نظر "سيد المنشقين" إلى الوميض برعبٍ ممزوج بالطمع: "هذا هو.. ميثاق الدم استيقظ قبل أوانه!"

أليكس، الذي كان يحاول النهوض وجسده مثقل بالجراح، صرخ بصوتٍ يملؤه الرعب: «أوليفيا! اقطعي الاتصال! دماء آل فالكون لا تتحمل هذا التدفق، ستحرقين روحكِ!»

لكن أوليفيا لم تكن تسمع سوى صوت الدماء في أذنيها. التفتت نحو الرجل ذي المعطف الرمادي، وكانت عيناها قد اصطبغتا بلمحة من اللون الأرجواني الداكن. رفعت يدها، ولم تكن بحاجة لسلاح؛ كانت الطاقة المحيطة بها كافية لجعل الهواء يغلي.

قالت بصوتٍ ليس صوتها تماماً، بل كان يحمل رنيناً قديماً ومهيباً: «لقد استخدمتم دمي كحبرٍ لعقودكم.. والآن، سأستخدمه لأكتب نهايتكم.»

في تلك اللحظة، انطلقت موجة صادمة من الضوء من جسد أوليفيا، دفعت سيد المنشقين وأتباعه بعيداً كأنهم ريشٌ في عاصفة. تحطم السلاح في يد الرجل، وتناثرت الصخور من حولهم.

لونا، التي كانت لا تزال ممسكة بكتف أوليفيا، شعرت ببرودةٍ مفاجئة رغم الضوء الحارق. صرخت بضعف: "أوليفيا.. توقفي! أنتِ تقتلين نفسكِ!"

أدرك أليكس أن أوليفيا لم تعد تسيطر على "اللعنة"، بل اللعنة هي من تقودها الآن. زحف نحوها متجاهلاً جراحه، متجاهلاً الرصاص الذي بدأ ينطلق بعشوائية من الأعداء المذعورين.

وصل إليها، وأمسك بيدها المتوهجة. في اللحظة التي تلامست فيها بشرتهما، صرخت أوليفيا بصوتٍ عالٍ؛ فقد حدث "التلاحم" الذي نص عليه العقد. بدأ الضوء الأرجواني ينتقل إلى عروق أليكس، ليختلط بضوءٍ أزرق بارد يخرج من قلبه.

همس أليكس في أذنها وهو يضمها بقوة، محاولاً امتصاص الفائض من تلك الطاقة المدمرة في جسده: «أنا القفل وأنتِ المفتاح.. لن أترككِ تحترقين وحدكِ. تذكري من أنتِ.. أنتِ أوليفيا، المتمردة التي لا تتبع أي قانون، حتى قانون هذا الدم!»

بدأ الضوء يتلاشى ببطء، والهدوء يعود للمكان. سقطت أوليفيا فاقدة للوعي بين ذراعي أليكس، بينما كانت العلامة على كتفها قد هدأت، لكنها تركت وشماً دائماً يشبه الخاتم.

سايمون وصل أخيراً مع فرقة الإسناد، ليجد القمة خالية إلا من بقايا المنشقين الهاربين، وأليكس الذي يجلس على الأرض حاملاً أوليفيا وكأنها أثمن ما يملك في الوجود، ولونا تجلس بجانبهما تبكي بصمت.

رفع أليكس نظره نحو سايمون، وكانت عيناه تحملان لمعة غريبة، وقال بصوتٍ متعب: «لقد كُسر الصمت يا سايمون.. وأوليفيا لم تعد مجرد وريثة. لقد أصبحت اللعنة والنجاة في آنٍ واحد. أخبر والدي.. أن العقد لم يعد مجرد ورقة، لقد صار قدراً محفوراً في جلودنا.»

استيقظت أوليفيا بعد ثلاثة أيام في غرفتها داخل الكوخ الجبلي السري. لم تعد تشعر بالحرارة، لكنها شعرت بثقلٍ جديد في صدرها. نظرت إلى يدها، لتجد خاتماً قديماً داكناً يطوق إصبعها.. لم يكن هناك، لكنه الآن جزءٌ منها.

دخل أليكس الغرفة، كان يرتدي قميصاً أسود، وعلامات التعب لا تزال على وجهه.

قالت أوليفيا بصوتٍ مبحوح: "هل انتهى الأمر؟"

جلس على حافة السرير، وأمسك يدها: "لا يا أوليفيا.. لقد بدأ للتو. العالم الخارجي يظن أنكِ ولونا اختطفتما، والمجلس يرتجف لأنهم رأوا ما يمكنكِ فعله. نحن الآن مطاردون من الجميع."

ابتسمت أوليفيا ابتسامة صغيرة، لكنها كانت حادة هذه المرة: "إذن.. لن نتوقف عن الهرب؟"

أليكس ردّ بابتسامة غامضة، ثم قبل يدها: «لماذا نهرب.. بينما يمكننا الآن أن نكون نحن من يطارد الظلال؟»

وصلت السيارة السوداء إلى بوابة القصر، لكن هذه المرة لم تفتح الأبواب بهدوء. أليكس كان يقود بسرعة جنونية، وأوليفيا تجلس بجانبه، يدها الموشومة بالخاتم الأرجواني تلمع كلما شعرت بالغضب.

ترجلا من السيارة. وقف الحراس في ذهول، لم يجرؤ أحد على اعتراض طريق أليكس وهو يسحب أوليفيا خلفه نحو المكتب الكبير، حيث يجلس "الرؤوس الكبيرة": السيد فالنتين والسيد فالكون.

دفع أليكس الباب المزدوج بقوة ارتطمت بالجدران.

كان والدا أوليفيا هناك أيضاً، ملامحهم شاحبة. السيد فالنتين كان يمسك بقدحه، لكنه تجمد حين رأى الوشم على كتف أوليفيا والبريق في عيني ابنه.

قال السيد فالنتين بصوت رخيم يحاول فرض السيطرة: «أليكس.. لقد تجاوزت الحدود. الهرب مع الوريثة وتفعيل الميثاق دون طقوس رسمية هو خيانة للمجلس.»

خطا أليكس خطوة للأمام، ووضع يده على المكتب، مال بجسده نحو والده وقال بفحيح مخيف: «المجلس مات في اللحظة التي قررتم فيها استخدام لونا كطُعم. الميثاق لم يعد ملككم.. لقد أصبح ملكاً لنا.»

وقف السيد فالكون (والد أوليفيا) مضطرباً: «أوليفيا، يا ابنتي.. أنتِ لا تفهمين العواقب. هذا الدم سيقتلكِ إن لم يخضع لسيطرة كبار العائلتين.»

ضحكت أوليفيا سخريةً، ضحكة باردة هزت أركان الغرفة. تقدمت حتى صارت في مواجهة والدها والسيد فالنتين. رفعت يدها، وبدأ الهواء في المكتب يتكاثف، والأوراق بدأت تتطاير بفعل طاقة غير مرئية.

قالت أوليفيا بنبرة حادة كالسيف: «أنا لستُ ابنتك التي تنتظر الإذن لترسم حياتها. أنا لستُ مفتاحاً في جيب أحدكم. لقد بنيتم ثروتكم وأسراركم على "اللعنة"، والآن حان وقت دفع الثمن.»

نظرت إلى السيد فالنتين وقالت ببرود: «العقد الذي وقعتموه بالدم؟ لقد مزقتُه بروحي في الغابة. إذا حاول أي منكم التدخل في حياتي أو حياة لونا مرة أخرى، سأحرق هذا التاريخ الذي تفتخرون به، وسأبدأ من رمادكم.»

ساد صمتٌ قاتل. السيد فالنتين، لأوليفيا المرة الأولى في حياته، رأى في عيني ابنه "أليكس" استعداداً كاملاً لقتله إذا اقترب من الفتاة.

قال السيد فالنتين وهو يجلس ببطء، مدركاً أن موازين القوى انقلبت: «إذن.. لقد اخترتما التمرد على السلالة.»

ردّ أليكس وهو يسحب أوليفيا نحو الباب: «لقد اخترنا أن نكون السلالة الجديدة. سلالة لا تُباع ولا تُشترى في مزاداتكم السرية.»

خرجا من القصر والشمس تبدأ بالشروق خلف الجبال، لونا كانت تنتظرهما في سيارة سايمون، مبتسمة رغم الجروح.

أوليفيا نظرت إلى القصر الكبير للمرة الأخيرة، ثم نظرت إلى أليكس. لم يعد هناك خوف، ولا ألغاز غير مفهومة.

قالت وهي تشابك أصابعها بأصابعه: «إلى أين الآن؟»

نظر أليكس إلى الأفق البعيد، حيث تنتظرهم معارك جديدة ضد "المجلس"، لكن هذه المرة، هما من يضع القواعد.

قال بهدوء: «إلى حيث لا يجرؤ أحد على اللحاق بنا.. إلى الحرية التي كُتبت بدمائنا.»

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

Blood curse || لعـنة الدمـاء

المؤلف Sadan Sarahneh
2025/07/31 مستمرة
قائمة الفصول (8)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة