فضول

فضول

30 0

1- الفصل الأول || أجتماع السلالة

...........................

.

ليست جميع القصور صاخبة،

بعضها يهمس، وبعضها  كما قصر آل فالكون يتنفّس ببطءٍ مهيب،

كأنّه يحتفظ بأسراره بين جدرانه العالية ولا يجرؤ أحد على كسر الصمت.

في هذا القصر، لا يُسمع سوى خطى الخدم، وصفحات تُقلب في المكتبة،

وصوت الريشة… حين تمرّ على الورق بهدوء يشبه صلاة لا تُقال.

لم تكن أوليفيا فالكون ابنةً رحيمه ولا متمرّدة.

لكنها لم تكن أيضًا قطعة من هذا النظام.

كانت شيئًا آخر… أكثر هدوءًا من أن يُفهم،

وأقلّ خضوعًا من أن يُوجَّه.

تستيقظ مبكرًا، لا لواجب عائلي، بل لأنّ السكون هو وقتها.

تقرأ، ترسم، تكتب… وتُنصت لصوت أفكارها كما لو أنّها تعيش في طبقةٍ أخرى، بعيدة عن الضجيج النبيل الذي تُتقنه العائلات ذات الإرث.

ذلك الصباح، لم يكن مختلفًا.

لكن الريشة التي أمسكتها بيدها،

كانت على موعدٍ مع بداية… لم تخطّها هي.

---

.

.

في قصر مثل قصر آل فالكون، لا يُرفع الصوت عبثًا، ولا تُغلق الأبواب بلا قصد.

كل حركة فيه محسوبة، وكل صمت يحمل ما يكفي من الكلمات ليُفهم دون أن يُقال.

كنت أجلس في غرفتي كما أفعل دائمًا،

أمام لوحتي البيضاء، بريشتي المعتادة، أبحث عن معنى داخل اللون.

لم يكن ذلك يومًا هواية…

بل محاولتي الوحيدة للبقاء صادقة وسط عالم لا يسمح بكثير من الصدق.

صوت لونا لم يفاجئني حين قالت من خلفي:

"تحدّقين فيها منذ نصف ساعة… إن لم تُرسم وحدها، فلن ترسمها نظراتكِ، يا عزيزتي."

ابتسمت، دون أن ألتفت إليها، ثم قلت:

"أحيانًا، الورقة البيضاء أصدق منّا جميعًا.

هي على الأقل لا تدّعي شيئًا."

**

كانت لونا ممددة على الأريكة، بكسلٍ جميل لا يليق إلا بها.

أما إدوارد، فقد دخل علينا حاملاً فنجانين من القهوة، وكأنه يعرف تمامًا متى يأتي دون أن يُدعى.

قال وهو يضعهما أمامنا:

"جئتُ بالحلّ. قليل من الكافيين وكثير من المزاح.

أظن أن هذا هو ما ينقص هذا القصر المغلق."

ضحكت لونا وقالت:

"لا تأمل كثيرًا. أوليفيا لا تهتز بسهولة."

ثم نظرت إليّ بخبثٍ لطيف:

"أخبريني، متى ستكسرين هذا الجدار؟"

أجبتها بهدوء:

"ليس عليّ أن أُكسر شيئًا. الجدران تُرسم أيضًا."

**

لحظات الحديث بيننا دائمًا ما كانت قليلة،

لكنها تشبه الهواء النظيف… لا يُرى، لكن يُشعَر به.

قال إدوارد، وهو ينظر إلى إحدى لوحاتي:

"كل لوحة من لوحاتك تشبه بداية سؤال لم يُكتمل."

أجبته:

"لأني لا أحبّ الإجابات الجاهزة."

**

لم أكن أظن أن اليوم سيحمل ما هو مختلف.

كنت أظن أنني سأرسم، وأتحدث، وأتأمل… كما أفعل كل يوم.

لكن حين طرقت والدتي الباب،

وأدخلت معها تلك النبرة الهادئة التي تخفي شيئًا أكبر من الكلام،

أدركت أن الهدوء…

كان مجرّد تمهيد.

"أوليفيا تجهزي هناك عشاء مع آل فالنتين الليلة "

---

كانت والدتي لا تزال واقفة عند الباب بعد فتحه، تنتظر ردًا مباشرًا.

لكنني لم أكن في مزاج المراعاة.

رفعت رأسي ببطء، قلت ببرود محسوب:

"عشاء؟ رائع. هل أبدأ بالتصفيق أم بالتظاهر بالفرح؟"

عبست قليلًا، لكنها لم تُظهر انزعاجًا.

تعوّدت على ردودي التي لا تأتي كما تأمل.

قالت:

"ارتدي شيئًا لائقًا. لن نُطيل المكوث، لكنه لقاء رسمي."

عدت إلى لوحتي، أضفت لمسة أخيرة على ظلّ العيون في الرسم، ثم قلت:

"سأرتدي، لا تقلقي. لكن لا تتوقعي أن أرتدي نفسي أيضًا مع الفستان."

قالت وهي تغلق الباب خلفها:

"كما تشائين، أوليفيا... فقط لا تكوني نسخة عن عناد جدّك."

ضحكت داخليًا.

عناد جدي؟

لو عرفَت كم يشبهني، لغيّرت العبارة.

توجّهت إلى خزانتي دون استعجال.

الفكرة نفسها تزعجني.

الاجتماعات العائلية، التحالفات القديمة، إرث الدماء…

كلها تُشبه أحجية لا أرغب بالمشاركة فيها، لكن لا أملك خيارًا بالخروج منها.

انتقيت فستانًا طويلًا، أسود خالص، بكتفٍ واحد وقماش ينسدل بثقل،

تصميمه بسيط… لكنه يقول أكثر مما يتوقع أحد.

أحبّ هذه الأنواع. لا تحتاج إلى تبرير.

حين دخلت لونا مجددًا، نظرت إليّ طويلاً، ثم قالت بابتسامة جانبية:

"كنت أراهن أنكِ سترتدين اللون الأسود."

أجبتها وأنا أضع عطري:

"الأسود لا ينافق أحدًا."

قالت وهي تجلس على طرف سريري:

"هل ستستعملين وجهك الرسمي؟ أم ستفاجئيننا بجانب لطيف الليلة؟"

نظرت إليها في المرآة، قلت دون أن أغيّر ملامحي:

"اللطف ليس ما أُحضِره في الزيارات المرسومة.

سأحضِر ما يكفي كي لا يُنسى حضوري فقط."

ضحكت، ثم قالت:

"يا فتاة… أحيانًا أعتقد أن دمك نصفه نبيذ مثلج."

أجبتها:

"والنصف الآخر؟"

"كحل… داكن لا يُمحى."

أعجبتني العبارة، لكنني لم أُعلّق.

**

خرجت من الغرفة بعد دقائق، شعري مرفوع، خطواتي متزنة.

استقبلني والدي بنظرة فاحصة، ثم قال:

"أخيرًا ظهرتِ."

أجبته وأنا أضع يدي في جيب معطفي:

"كنت أختار سلاحي المناسب."

قال بنبرة خفيفة:

"عشاء، أوليفيا… لا معركة."

نظرت إليه دون أن أبتسم:

"كل طاولة مفاوضات… هي ساحة معركة صامتة."

ثم خرجنا.

السيارة كانت بانتظارنا.

والأدوار كُتبت مسبقًا…

لكنني لم أكن أنوي نطق أي سطر لم أكتبه بنفسي.

---

لم أحبّ المقاعد الجلدية أبدًا.

كانت دومًا باردة أكثر من اللازم، كأنها مصمّمة لناس لا يشعرون.

جلست بجوار أمي في الخلف، بينما تولّى السائق الطريق بصمت، ووالدي اكتفى بالنظر من النافذة.

لم يتحدث أحد.

ربما ظنوا أنني غاضبة. لكن الحقيقة أنني فقط... لا أحب الأوقات المعلّقة بين نقطتين.

لا أحبّ أن أُقاد.

نظرت إلى والدتي، كانت تمسح شيئًا غير مرئي عن طرف فستانها.

قلت بهدوء:

أتعنين أن أبدو مهذبة الليلة؟ أم جميلة؟ لا أستطيع أن أكون كلا الأمرين دائمًا.

نظرت إليّ بنصف ابتسامة:

أريدهما معًا. لا يبدو ذلك كثيرًا عليك.

أجبتها دون أن أنظر إليها:

أحيانًا يبدو القليل أكثر مما أملك.

ردّ والدي من مقعده الأمامي دون أن يلتفت:

كوني فقط كما يجب. فالنتين لا يحتملون العبث.

ابتسمت ابتسامة خفيفة لم يلاحظها أحد.

"كما يجب"؟ يا له من تعريف مرن.

أسندت رأسي إلى الزجاج البارد، وتابعت الطريق.

العشاء سيكون طويلًا.

وأنا… لا أتناول شيئًا بشهية إن كنتُ مجبرة على الجلوس.

لكنني سأجلس.

وأراقب.

وحين يصل دور الحديث… سأختار كلماتي كما أختار فرشاة لوحتي.

بهدوء.

وبدقّة.

---

وصلنا إلى البوابة الحديدية في تمام السابعة.

لا شيء مبالغ فيه… ومع ذلك، شعرتُ أن الحجر نفسه ينظر إلينا بانتظار.

الخادم فتح الباب الخلفي دون أن يقول شيئًا.

كل شيء كان منسّقًا كأننا ضيوف في مسرح قديم، أدوارنا محسوبة، ومواقعنا محفوظة.

ترجلت بثقة، تبعت خطوات والديّ دون استعجال.

الرواق الهادئ، اللوحات الكلاسيكية على الجدران، الأرضية النظيفة التي تعكس الضوء كما لو أنها تحذر الزائرين من ترك أي أثر…

كل شيء يهمس: هذا ليس مجرد قصر، بل تاريخ يمشي ببطء.

استقبلنا رجلٌ في منتصف العمر، بدا أنه السيد فالنتين بنفسه.

تحرّكت عيناه بيننا بتقييم هادئ، ثم قال بصوته الجاف:

أهلاً بآل فالكون. المنزل يُرحّب بكم كما اعتاد.

أومأت له برأسي بتحية قصيرة، دون أن أضيف كلمة.

في مثل هذه الأماكن، كثرة الكلام ضعف… أما الصمت، فهو لغة تُترجم على حسب من يسمعها.

قادنا إلى صالة الطعام.

الطاولة كانت ممتدة كأنها لا تنتهي، مزينة بالفضة والكريستال، وكل شيء فيها يلمع دون أن يصرخ.

الخادمات كنّ يضعن الأطباق بهدوء، لم تكن هناك ضجة، فقط خطوات ناعمة وأصوات ملاعق تُنظَّم.

جلست في مقعدي، بجوار والدتي، بينما جلس السيد فالنتين مقابلنا تمامًا.

بدأ الحديث سريعًا في مواضيع عامة: العمل، السياسة، البدايات القديمة بين العائلتين.

لم أتدخل كثيرًا، كنت أُراقب.

أحفظ الأوجه، أحسب الكلمات، أختبر الدقة في كل ابتسامة.

أنهينا العشاء بعد وقت بدا أطول مما ينبغي.

حين رفعت الخادمات الصحون، ساد صمت قصير، كأن الجميع ينتظر أن يقول الرجل شيئًا ما.

وفعل.

قال وهو ينظر إلى والدي:

لو حضر ابني هذه الليلة، لأراكم جميعًا. لكنه في الأعلى… فضل أن يستكمل بعض الأعمال العالقة.

لم أعلّق.

لكن الجملة استقرّت في ذهني أكثر مما توقعت.

---

استأذنت للذهاب إلى الحمام، فوافقت والدتي بإيماءة خفيفة.

خرجت من القاعة وحدي.

كان الرواق طويلًا وهادئًا، كأن كل جدار فيه يحتفظ بسرٍ صغير.

لكنني لم أُرد الذهاب إلى الحمام فعلًا.

الفضول أقوى من أي تربية.

نظرت إلى السلالم المؤدية للطابق العلوي.

كانت خالية، والهدوء الذي يلفها يشبه نداءًا لا يسمعه سواي.

وقفت أمام أول درجة… فكّرت.

ثم صعدت.

ببطء، دون ضجيج، ودون نية واضحة.

لكنّ قلبي أخبرني أن الطابق العلوي… ليس فقط أعلى من حيث الموقع، بل أقرب إلى شيء لا أعرفه بعد.

شيء… يشبه الحقيقة التي لا تُقال في قاعة الطعام.

أريد رؤيته..

---

.

.

.

.

نكمل الروايه ولا لا ..؟

شاركوني برأيكم....

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

Blood curse || لعـنة الدمـاء

المؤلف Sadan Sarahneh
2025/07/31 مستمرة
قائمة الفصول (8)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة