في الخارج، على الطريق المؤدي إلى المدينة، كانت السيارة السوداء تشقّ الظلام بهدوء.
أليكس كان جالسًا في المقعد الخلفي، ذراعه على حافة النافذة، وسيجارته تشتعل بين أصابعه.
الهواء الليلي البارد يمرّ عبر الزجاج المفتوح قليلًا، يلمس وجهه دون أن يثير فيه أي تعبير.
رنّ الهاتف الموضوع إلى جانبه، التقطه بهدوء، ضغط على الخط، وقال بنبرة جامدة:
"تكلّم."
جاءه صوت سايمون من الطرف الآخر، منخفضًا، لكنه مشحون بالتوتّر:
"السير فالنتين طلب أن أبلغك فورًا… هناك تحرّك حول الجناح الشرقي."
عينا أليكس ضاقتا قليلًا:
"أي نوع من التحرك؟"
"رجل مجهول الهوية، شوهد قرب نافذة جناح الآنسة أوليفيا. لم نحصل على وجه واضح من الكاميرات، كأنه كان يعرف زوايا العمى بدقّة."
أليكس سحب نفسًا طويلًا من سيجارته، ثم قال ببرودٍ خافتٍ يخفي وراءه الغضب:
"أرسل لي التسجيل فورًا، وفعّل الحراسة الداخلية. لا أريد أن يقترب أحد من غرفتها بدون إذني."
ردّ سايمون بسرعة:
"تمّ. هل ترغب أن أعود إلى القصر؟"
"لا. سأكون هناك خلال عشر دقائق."
ثم أغلق الهاتف، ألقى بالسيجارة من النافذة، ومال للأمام قائلًا للسائق:
"زد السرعة."
المحرّك زمجر، والسيارة اندفعت كرصاصة تخترق الليل.
في عيني أليكس انعكست أنوار الطريق المتقطّعة، ومع كل ضوء… فكرة واحدة كانت تتكرّر في رأسه:
إن كانوا تجرّأوا على الاقتراب منها… فليستعدّوا للدم.
---
في القصر، كانت أوليفيا ما تزال تجلس على طرف السرير، الورقة بين أصابعها.
لكن هذه المرة، لم يكن الصمت يريحها.
شيء ما في أعماقها كان يصرخ بأن هذا المكان يخفي أكثر مما يُظهر.
وقفت أمام المرآة الكبيرة، نظرت إلى انعكاسها وقالت لنفسها بهدوء:
"منذ متى بدأت أرتجف؟ أنا لا أرتجف."
ثم ابتسمت بسخرية، لكنها سرعان ما انطفأت تلك الابتسامة عندما لاحظت شيئًا في المرآة.
خلفها مباشرة… ظلٌّ يتحرك على الجدار، بسرعة خافتة، ثم يختفي كأن لم يكن.
التفتت بسرعة، الغرفة فارغة.
لكن المرآة… لم تعكس فراغها.
بل أظهرت شيئًا مختلفًا تمامًا: شكل غامض يقف عند النافذة، ينظر نحوها بثبات.
خطت إلى الوراء، صدرها يعلو ويهبط، ثم صرخت بصوت خافت:
"من هناك؟!"
لم يُجب أحد.
غير أن ورقة صغيرة، لم تكن موجودة قبل ثوانٍ، سقطت من حافة المكتب إلى الأرض.
اقتربت منها بخوف، التقطتها.
كانت بخط اليد نفسه… الحاد الأنيق.
"الظلال بدأت تقترب. لا تثقي بأحد."
تراجعت خطوة، وارتطم ظهرها بالجدار.
رفعت الورقة أمام عينيها، وقالت بصوت مبحوح:
"إذا لم أثق بأحد… فمن سيحميني؟"
وفي تلك اللحظة، عند بوابة القصر الخارجية، توقفت سيارة أليكس فجأة.
فتح الباب بقوة، ونزل منها بخطوات سريعة، ملامحه مظلمة، عيناه تلمعان ببرق الغضب.
نظر إلى الحارس وقال:
"أين هي؟"
ردّ الحارس متوترًا:
"في جناحها، سيدي، لكنها لم تخرج منذ ساعة."
رفع أليكس رأسه نحو النوافذ العالية، وفي داخله صوت واحد يتردّد بقسوة:
"لن أسمح لهم أن يلمسوها... حتى لو اضطررت لإشعال هذا القصر كاملًا."
.......
كان القصر غارقًا في سكونٍ ثقيلٍ، كأن جدرانه تعلم أن شيئًا على وشك الحدوث.
خطوات أليكس كانت ثابتة، باردة، لكنّ كل خطوة تحمل بين طيّاتها لهبًا من الغضب لا يراه أحد سواه.
صعد السلالم بخطواتٍ متزنة، دون أن يلتفت لأي من الخدم الذين انحنوا احترامًا عند مروره.
عندما وصل إلى الممر المؤدي إلى جناح أوليفيا، توقّف للحظة.
أخرج من جيبه مفتاحًا صغيرًا مزيّنًا بشعار عائلته، أداره في القفل بهدوء، ودفع الباب بيده.
كانت الغرفة شبه مظلمة، إلا من ضوء خافت من المصباح الجانبي، ينسكب على جسدها الجالس قرب النافذة.
أوليفيا لم تلتفت حين دخل، لكنها قالت بصوتٍ هادئٍ، متعبٍ، وكأنها شعرت به قبل أن تراه:
"من المزعج أن يدخل أحد غرفتي دون إذن."
صوته جاء من خلفها، عميقًا، وباردًا كحدّ النصل:
"وأكثر إزعاجًا أن تتجوّلي في قصرٍ يعجّ بالكاميرات كأنك تملكينه."
التفتت إليه ببطء، عيناها البنيتان التقتا بعينيه القاتمتين.
تبادل الاثنان نظرة طويلة… صامتة، لكنها أكثر حدة من أي جدال.
قالت وهي تعقد ذراعيها:
"ألم تتعب من المراقبة يا سيد فالنتين؟ أم أنك لا تعرف سوى أن تُخفي نفسك خلف عدساتٍ وكذبٍ أنيق؟"
اقترب منها خطوة بخطوة، كل خطوة تُذيب شيئًا من المسافة بينهما.
قال بنبرةٍ منخفضة، كأنها إنذار:
"لو تعلمين ما حولك... لما تكلمتِ بهذا الشكل."
ضحكت بسخريةٍ باردة:
"إذن، أخِفني. أخبِرني ما هذا العالم الذي يبدو الجميع فيه متآمرين عليّ."
رفع حاجبه، نظر إلى الورقة في يدها التي كانت قد نسيتها فوق السرير، ثم مدّ يده وأخذها منها بلا استئذان.
قرأ السطر القصير، ثم رفع عينيه إليها ببطء:
"من أعطاكِ هذه الورقة؟"
قالت متحدّية:
"كأنك لا تعرف. أنتم جميعًا تتحدّثون بالألغاز... أبي، أمّي، وحتى أنت."
اقترب أكثر، حتى أصبحت المسافة بينهما لا تتجاوز خطوة واحدة.
همس بصوتٍ خافت، لكنه مليء بالتحذير:
"لا تلعبي في ما لا تفهمينه يا أوليفيا. هناك أشياء... الدم وحده يقرّرها، لا اللسان."
حدّقت فيه، ملامحها عنيدة، رغم ارتجافٍ خفيفٍ في يدها.
قالت:
"وما ذنبي أنا؟ إن كان دمكم يختار حروبه، فدعوني خارجه."
تغيّر بريق عينيه للحظة… كأنها قالت ما لم يكن يجرؤ أحد على قوله.
قال بنبرةٍ حادةٍ مفاجئة:
"لو كان الأمر بيدي، لما كنتِ هنا من الأساس!"
تراجعت خطوة، لكنّها لم تخفض عينيها.
قالت ببرودٍ لاذعٍ:
"جميل، إذن نحن متفقان على الكراهية."
ساد صمت طويل بينهما، يتخلله صوت أنفاس متوترة، كأن الغرفة تضيق عليهما.
ثم قال أليكس أخيرًا، بصوتٍ منخفضٍ لكنه يحمل نارًا مكتومة:
"أنتِ لا تعرفين من الذي يتربص بكِ، ولا لماذا اختارك القدر تحديدًا. لكن تذكّري... إن اقتربوا منكِ، فلن ينجو أحد."
أدارت وجهها عنه، وقالت ببرودٍ متعمّد:
"تهديد جميل، أضفه إلى قائمة الأشياء الغامضة التي لم أفهمها اليوم."
نظر إليها للحظة طويلة، ثم ابتسم ابتسامة صغيرة، خطيرة، لا تحمل أي دفء.
قال وهو يدير ظهره متجهًا نحو الباب:
"لستُ هنا لأفهمك، بل لأبقيكِ على قيد الحياة... رغم عنادك."
وحين خرج، بقي عطره في المكان، ممزوجًا برائحة الدخان والحديد البارد.
وقفت أوليفيا وحدها، نظرت إلى الباب المغلق وقالت بصوتٍ خافتٍ متردّد:
"أيّ حياةٍ هذه... إن كانت كلها مراقبة؟"
ثم جلست، أمسكت الورقة مرة أخرى، وعادت لتقرأ الجملة ذاتها، مرارًا وتكرارًا.
"ثقي به... أو أخسري كل شيء."
لكنها لم تكن تعرف بعد… أن الجملة لم تكن تحذيرًا.
كانت وعدًا.
........
بعد ساعه
.....
خرجت أوليفيا من المقهى بخطواتٍ سريعة، والغضب لا يزال يشتعل في عينيها. كانت لونا تمشي خلفها تحاول تهدئتها، لكن أوليفيا لم تكن في مزاج يسمح بذلك. ركبت دراجتها السوداء مجددًا، أدارَت المحرّك بعنفٍ جعل لونا تتنفس بعمق قبل أن تركب خلفها.
في تلك اللحظة، كانت سيّارة سوداء تتبعهم من بعيد... يقودها أحد رجال أليكس، يبلّغ بكل تحركاتها.
في السيارة الأخرى، كان أليكس يُمسك سيجارته بين أنامله، ينفث دخانها ببطء بينما ينظر إلى الطريق أمامه من نافذة السيارة. رنّ هاتفه الخاص، ضغط على الزر وأجابه بصوتٍ منخفض:
"تكلّم."
جاءه صوت المساعد متردّدًا:
"سيدي... السيّدة أوليفيا خرجت من المنزل، وتوجّهت إلى الحيّ القديم... ليست وحدها، برفقتها فتاة تُدعى لونا."
تجمّدت ملامح أليكس للحظة، رفع حاجبه بحدة.
"الحيّ القديم؟! وحدها؟"
"نعم، سيدي. يبدو أنها كانت غاضبة... تقود الدراجة بسرعة، و—"
قاطعه بصوتٍ حاد:
"راقبها ولا تقترب... إذا حدث لها شيء واحد، لن أتركك تتنفس دقيقة أخرى."
ثم أغلق الهاتف بقوة، وأشار للسائق أن يغيّر الاتجاه فورًا.
أما أوليفيا، فكانت الرياح تعبث بشعرها البنيّ وهي تقود بسرعةٍ لا تليق بغضبها. توقفت أخيرًا قرب جسرٍ مهجور على أطراف المدينة، نزلت من الدراجة وألقت خوذتها أرضًا.
اقتربت لونا منها وهي تلهث:
"أوليفيا، إلى متى ستظلين تهربين بهذه الطريقة؟"
ردّت أوليفيا بعصبية:
"أنا لا أهرب، فقط أريد أن أفهم! كلّهم يتحدثون عن دم وسلالة وغموض وأنا لا أعرف شيئًا! حتى أمي تتحدث كأنني غريبة عنهم!"
كانت الكلمات تخرج ممزوجة بالحزن أكثر من الغضب.
تقدّمت لونا لتضع يدها على كتفها، لكن فجأة سُمِع صوت إطارات سيارة تتوقف بقوة.
التفتت الفتاتان، لتجدا سيارة أليكس السوداء تقف على بعد أمتار، والباب يُفتح ببطء.
نزل أليكس، خطواته ثقيلة وصوته منخفض لكنه يقطر بالغضب المكتوم.
"هل فقدتِ عقلك يا أوليفيا؟!"
رفعت رأسها نحوه بتحدٍّ واضح، رغم أن نبضها كان يتسارع دون أن تفهم السبب.
"لا شأن لك بما أفعل، لستَ وصيًا عليّ!"
اقترب منها بخطواتٍ بطيئة، كل خطوة منه كانت كأنها تكسر المسافة بينهما والهواء يثقل أكثر.
"طالما تحملين هذا الاسم، فأنا وصيّك، شئتِ أم أبيتِ."
ضحكت بسخرية قصيرة:
"وصيّي؟ منذ متى؟ لأن الجدّين قرّرا؟ أم لأنك تحب أن تتحكم بكل شيء من حولك؟"
ارتفعت زاوية فمه بابتسامةٍ باردة، ثم اقترب أكثر حتى كاد صوته يلامس أذنها:
"لأنني لا أطيق فكرة أن يلمسك الخطر، حتى لو لم أفهم السبب بعد."
نظرت إليه أوليفيا بذهولٍ خافت، للحظة شعرت أن قلبها خانها بخفقةٍ غير مبرّرة، قبل أن تهمس بعنادٍ خافت:
"أنت... تغار؟"
رفع حاجبه ببطء، تلك النظرة التي تحمل مزيجًا من التحدي والاعتراف المكتوم.
"ليس الغيرة ما يجعلني أفقد أعصابي، بل حماقتك."
استدارت عنه لتخفي ارتباكها، لكن لونا التي كانت تراقب المشهد ابتسمت بخبثٍ خفيف.
"أجل... أكيد حماقتها فقط، أليس كذلك، سيد أليكس؟"
لم يُجب، واكتفى بإشعال سيجارته مجددًا بينما يشيح بنظره عنها، لكن دخان السيجارة لم يكن قادرًا على إخفاء اضطرابٍ لم يعتده هو نفسه.
هل أكمّل من لحظة رجوعهم إلى القصر؟ أقدر أضيف لحظة توتر جديدة بينهم هناك، تزيد الغموض والغيرة أكثر.