عهد الخراب

عهد الخراب

22 0

الفصل الرابع || هروب

.

.

---

دخلت المكتب بخطوات حذرة، وصوت الباب وهو يُغلق خلفي بدا كأنّه يُغلق شيئًا آخر… لا أعلم اسمه بعد.

كانا هناك.

أمي تقف قرب النافذة، تنظر إلى الحديقة وكأنّها تتجاهل وجودي،

وأبي جالس إلى الكرسي الجلدي الداكن، يُقلّب بعض الأوراق ببطء.

قلت بهدوء، لكن بعناد صريح:

أحدهم طلبني.

لم يرفع أحدهما نظره.

لحظة كاملة صمت.

ثم التفتت أمي، بعينين لا تحملان دفئًا:

اجلسي، أوليفيا.

جلست.

بلا كلمة، بلا حذر، لكن قلبي لم يكن مطمئنًا.

أبي أغلق الملف، وأسند يديه إلى الطاولة.

قال، بصوته العميق المعتاد:

هناك أمور حان الوقت أن تعرفيها.

أجبته مباشرة:

عن "دم العائلتين"؟ عن "العقد"؟ عن زواج لا أحد شرح لي لماذا خُطط له من الأساس؟

تبادل والداي نظرة قصيرة.

ثم أجابت أمي، بنبرة ناعمة… لكنها أكثر جدية من المعتاد:

ما بيننا وبين آل فالنتين ليس أمرًا وليد اللحظة.

إنه قديم… من زمن أجدادنا.

وحين تتشابك السلالات القديمة، لا يكون الزواج خيارًا… بل واجبًا.

نظرتُ إليها باستغراب:

واجبًا على من؟ عليَّ أنا؟

ومن قال إنني أرغب بأن أكون جزءًا من إرث لا أفهمه حتى؟

أبي تدخّل هذه المرة:

القرارات المصيرية لا تُبنى على الرغبة، بل على الواجب.

وهذا… واجبك يا أوليفيا.

نهضت من مكاني، عيناي اتسعتا، ليس رعبًا… بل خيبة حادة.

قلت:

أنتم تُقرّرون عني… وتنتظرون مني أن أُبارك ذلك وكأنه أمر طبيعي؟

أمي اقتربت خطوة، وضعت يدها على كتفي، وقالت بصوت أكثر ليونة:

نعلم أن الأمر ليس سهلاً.

لكن أحيانًا… لا ندرك حجم الأقدار التي نحملها في دمائنا، إلا عندما نُجبر على فتح أعيننا.

لم أجب.

كل ما فيّ كان يشتعل، لكني كبحت النار داخلي.

نظرتُ إليهما، ثم إلى الملف المغلق فوق الطاولة.

سألتُ ببطء:

وهل أليكس… يعرف بكل هذا؟

أجابت أمي بعد لحظة صمت:

أكثر مما تظنين.

ثم ابتعدت.

وكأنّ كل شيء قيل… وانتهى.

لكن داخلي؟

لم يبدأ بعد.

......

خرجتُ من المكتب وقلبي يضرب صدري كطبول الحرب.

لم أكن بحاجة لمزيد من الكلمات… فقد قالوا ما يكفي ليفجّر رأسي.

صعدت إلى غرفتي بخطوات سريعة، لا أذكر عددها.

فتحت الباب، رميت الحقيبة جانبًا، ووقفت أمام الخزانة.

لم أكن أرغب في فستان، ولا قماش ناعم.

أردت شيئًا يُشبه حالتي: قاسٍ، سريع، لا يهتم.

ارتديت بلوزة سوداء ضيقة، وبنطالًا بلون الفحم.

لم أربط شعري، ولم أنظر إلى المرآة.

فتحتُ باب الغرفة… وخرجت.

لم أتوقف.

لم ألتفت لأي خادمة، ولا لأي تحيّة.

الهواء في القصر خانق…

أشعر وكأن كل جدار فيه يتآمر عليّ.

وحين وصلت إلى الباب الأمامي، كنت كالعاصفة.

"أوليفيا؟ إلى أين تذهبين؟"

كان صوت لونا خلفي.

لكنني لم أُجبها.

نزلت الدرجات الخارجية، والتفتّ إلى جهة الحديقة الخلفية.

كانت هناك.

دراجتي السوداء… كما تركتها منذ يومين.

ركبتها بسرعة.

وضعت يديّ على المقود، وقلبي لا يزال يغلي.

دستُ على الدواسات بقوة، وانطلقتُ.

الريح صفع وجهي، كأنها تحاول تهدئتي.

لكنني لم أهدأ.

بل تمتمتُ — لا، شتمت — بصوت منخفض:

"زواج؟ عقد دم؟ أنا قطعة شطرنج يُدفع بي إلى ساحة لا أختارها؟ أي عار هذا؟!"

كنت أضغط على الدواسات كأنني أركل الغضب نفسه.

أشجار تمر، طرقات تلمع تحت الشمس… وأنا لا أراها.

أفكاري تسبقني… وأنا فقط أهرب.

أهرب من اسم أُلقي فوقي، من رجل ينظر إليّ كأنه يعرفني، من دم لا أفهمه، ومن حكاية… لم أكتبها.

........

كنتُ لا أزال في الردهة، أتناول رشفة شاي بارد… عندما رأيتها.

أوليفيا.

نزلت الدرجات كأنها تفرّ من سجن، عيناها لا تريان من أمامهما، وخطاها تضرب الأرض بلا تردّد.

أعرف هذا المشهد.

رأيته مرارًا، وقرأته في عينيها حتى قبل أن تنطق.

رفعت فنجاني، وكأنني أتمتم لنفسي:

"ستذهب إلى هناك…"

رميت الفنجان على الطاولة، وركضت خلفها.

ما من خادمة تجرؤ على منعي، ولا أحد سيتجرّأ على سؤالي "إلى أين؟".

وحين وصلت إلى بوابة الحديقة، لم أفاجأ.

كانت تُركب دراجتها السوداء " — وتبتعد عن القصر بسرعة كأنها تودّ أن تُسقط كل اسمٍ أُلصق بها.

عدت مسرعة، خطفت سترتي الجلدية، وأخذت خوذتي.

دراجتي أنا؟ لا تقلّ عن خاصتها عنادًا.

وأنا؟ لست من يترك أوليفيا وحدها وهي تغرق.

الطريق كان واضحًا.

ليس لأنها تركت أثرًا، بل لأنني أعرفها…

حين تغضب، تذهب إلى نفس المكان دائمًا.

تلة ألتونا.

حيث الأشجار تتنحى جانبًا، والسماء تتسع كأنها مستعدة لتستمع.

أدرت المقود، زدت السرعة، وبدأ الهواء يشقّ خديّ وأنا أستعيد صوتها في ذهني:

"أنا لا أهرب يا لونا… فقط أختار مكانًا آخر للوقوف."

وحين وصلت إلى التلّة، رأيتها.

كانت واقفة قرب السياج الحجري، دراجتها مائلة إلى الأرض،

وشعرها يتطاير كأن الريح تعبّر عمّا بداخلها.

ترجلت بهدوء، واقتربت، قلت دون أن أرفع صوتي:

أليست هذه عادتي أنا… أن أهرب أولًا؟

نظرت إليّ.

لم تبتسم، لكن ملامحها هدأت قليلًا.

قالت:

ظننتُ أنكِ ستلحقين بي.

أجبتها وأنا أجلس قربها:

بل كنتُ أعرف أنكِ تنتظرين ذلك.

جلسنا هناك، صامتتين لدقائق.

ثم التفتت نحوي وقالت:

أشعر أنني قطعة في رقعة شطرنج.

وكل من حولي يعرف القواعد… إلا أنا.

قلتُ بهدوء:

ومن قال إنهم يلعبون بعدل؟

نظرت إليّ… وللمرة الأولى منذ أيام، شعرتُ أنها ليست وحدها تمامًا.

لكن ما لم أقله لها… هو أنني سمعت بعضًا من تلك الهمسات.

وأنني خائفة — ربما أكثر منها — مما سيأتي.

---

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

Blood curse || لعـنة الدمـاء

المؤلف Sadan Sarahneh
2025/07/31 مستمرة
قائمة الفصول (8)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة