الفصل الثالث|| لعبة الشطرنج
.
.
.
"من السلالم... إلى حيث لا يُفترض أن نكون"
نظراته لم تتحرّك.
ولا نظراتي.
هو واقف فوق، كأنما نُحت هناك.
رفع حاجبه، كأنه يسأل سؤالًا لا يُقال.
فرفعت حاجبي بالمقابل… أن "ماذا تظن نفسك؟"
لم يكن هذا استسلامًا.
بل إعلان هدنةٍ قصيرة بين عدوين لم يُعلَنا بعد.
أنزلتُ بصري ببطء، وسرتُ إلى جهة أخرى من القصر.
ليس هروبًا… بل هدوءًا مُتعمّدًا قبل أن أنفجر.
خرجتُ إلى الشرفة الجانبية، حيث الهواء لا يُراقَب،
والليل لا يتدخّل كثيرًا.
وقفتُ هناك، أتنفّس، أراجع كل كلمة سمعتها منذ دخولي هذا القصر.
كل همسة. كل لمحة. كل تعبير غير مكتمل.
هل أنا هنا لأُسلّم نفسي لاتفاق لا أفهمه؟
أم أنني قطعة شطرنج لا تعرف بعد من يحركها؟
"هل يُزعجك الوقوف وحدك؟"
الصوت جاء من خلفي، هادئًا، مائلًا للسخرية.
التفتّ ببطء.
أليكس.
كان قد نزل من السلالم، وتجاوز الخط الفاصل بين الظل والنور.
أجبته ببرود:
يعتمد على من يُزعجني، لا على الوقوف.
ابتسم بزاوية فمه، وقال:
ذكية… على الأقل لن يكون الحوار مملًّا.
اقترب، وقف بجانبي، ولم ينظر إليّ، بل إلى حديقة القصر.
قال، بصوت منخفض:
"في الغالب، حين ينظر أحدهم إلى باب موصد… فإما أنه يُفكر بالدخول… أو بالهرب."
أجبته دون أن أُخفي حدّتي:
وهناك نوعٌ ثالث… مَن يقف عنده فقط ليكسر القاعدة.
نظر إليّ أخيرًا.
عيناه تلمعان بضوء المشاعر المكبوتة، أو شيء آخر لا أقدر على تسميته.
همس:
أوه… إذًا أنتِ من هذا النوع؟
سكتُّ لحظة، ثم قلت:
أنا من النوع الذي لا يجيب عن أسئلة لم تُطرح بوضوح.
اقترب خطوة أخرى.
كانت المسافة بيننا الآن تسمح للتوتر أن يتنفس بحرية.
قال:
العقود، الدماء، الأسماء… لا تعني شيئًا إن لم تكوني أنتِ موجودة فيها بطريقتك.
أجبت بسرعة، حادة:
ما الذي تقصده؟ أنا لا أفهم هذه التلميحات. ولا أعرف عن أي "دماء" تتحدثون بها همسًا وكأنها طقس سري.
نظر إليّ مطولًا، ثم قال ببطء:
ستفهمين. ولكن ليس الآن.
ليس قبل أن تقرري إن كنتِ حقًا ترغبين أن تعرفي.
ثم… استدار، كأنه أنهى النقاش.
لكن قبل أن يبتعد تمامًا، قال دون أن يلتفت:
بالمناسبة… لم تكوني تائهة تلك الليلة.
أنتِ فقط… كنتِ تطرقين بابًا خُلق ليُفتح لكِ وحدك.
وبقيتُ واقفة هناك.
الصمت بيننا كان أصدق من كل الأصوات.
ونظراته… حفرت في رأسي فكرة واحدة:
أنا لست في رواية حب.
أنا في لغز… ولا أعرف بعدُ إن كنت البطلة، أم الفخ.
---
وحين شعرت أن وجوده بدأ يُقلق هدوئي — أو على الأقل يُعكر رغبتي في اللامبالاة — استدرت وغادرت الشرفة.
عدتُ إلى الداخل، حيث السيدة فالنتين تُودّع أمي بنعومة مُصطنعة،
والسيد فالنتين يعلن أن الوقت تأخر، والضيوف لا بدّ أن يرتاحوا.
كل شيء بدا طبيعيًا جدًا…
وهذا بالضبط ما كان مُزعجًا.
خرجنا من القصر.
الهواء أبرد قليلًا مما دخلنا، لكنه لا يوقظ القلب كفاية.
وحين وصلتُ إلى السيارة، وضعت يدي على مقبض الباب، ثم… لا أعلم لماذا، رفعت نظري نحو الطابق العلوي.
وهناك… رأيته.
أليكس.
واقف في الشرفة العليا، يُدخّن بهدوء، وعيناه — كعادته — ثابتتان عليّ.
كأنّه يقول وداعًا لا يُقال بصوت،
أو كأنّه يراقب لعبة لم تنتهِ بعد.
وقفتُ للحظة، ثم نظرت بعيدًا… وركبت السيارة.
في الداخل، كان الصمت يملأ المقاعد.
لكني كسرته.
قلت، وأنا أركّز على الطريق أمامي:
أمي… أبي… ماذا كنتم تقصدون حين ذكرتم "الدم"؟
وما معنى "الوثيقة" التي تحدّثتم عنها مع السيد فالنتين؟
كل شيء بدا غامضًا أكثر من اللازم.
أمي التفتت إليّ، ابتسمت تلك الابتسامة الناعمة التي تسبق التهرب:
لا شيء مهم يا عزيزتي… فقط حديث كبار.
أبي قال دون أن ينظر إلي:
أحيانًا، يكون من الأفضل ألا تنشغلي بما يُقال بين جدران قديمة.
سكتُّ.
لكن قلبي لم يسكت.
ما الذي يحدث؟
ومن أنا… في هذه الحكاية الغامضة التي لا أحد يريد أن يخبرني بها؟
نظرت إلى النافذة.
كان القصر يبتعد في الخلف… لكنه لا يغيب.
كأنه يقول:
"ستعودين… ليس كضيفة هذه المرة."
........
استيقظت هذا الصباح متأخرة قليلًا… لكن لا أحد أيقظني.
وهذا وحده كان أمرًا غريبًا.
في منزل فالكون، حيث الروتين صارم، والبرامج اليومية لا تُترك للمزاج، أن أستيقظ وحدي… لهو ترفٌ غير مألوف.
جلست على حافة السرير.
الضوء يتسلّل عبر الستائر الحريرية، وعقلي لا يزال عالقًا في نظراته… في تلك السيجارة المشتعلة بين أصابعه… في كلماته المعلّقة كالطلاسم.
"لم تكوني تائهة... كنتِ تطرُقين بابًا خُلق ليفتح لكِ وحدك."
لم أفهم إن كان يُهددني… أم يُحذّرني… أم فقط يُسلّيني بكلمات ثقيلة.
نهضت، ارتديت فستانًا من الساتان الكحلي، تركت شعري كما هو — لست في مزاج الترتيب المبالغ فيه — وسرتُ إلى الردهة.
هناك كانت لونا جالسة، تلتهم قطعة كروسان بشراهة لا تليق بأناقتها.
قلت لها:
حقًا؟ أيتها السيدة المهذبة، أتأكلين وكأننا في نُزل وليس قصرًا؟
نظرت إليّ بعينين متّسعتين وضحكت:
إنها كروسان بالشوكولا، ولا قوانين فوق شوكولا الصباح.
جلست بجانبها، تنهدت، ثم قلت بصوت منخفض:
هل أبدو كمن فقد السيطرة؟ أم أنني فقط بدأت أفتح عيني؟
رفعت لونا حاجبًا:
بخصوص ماذا؟ أهو وسيم لهذه الدرجة؟
نظرت إليها بتأفف:
لا تسخري… أتحدث عن أشياء غريبة سُمعت، كلمات لا أفهمها… دم، وثائق، اتفاقات، وكل شيء يبدو كأنه كتب خلف ظهري.
قالت وهي تمضغ:
مرحبًا بكِ في قصر فالكون، حيث الأسرار جزء من الديكور.
ضحكت رغماً عنّي، ثم صمتنا لوهلة.
لكن قبل أن أفتح فمي مجددًا، دخلت الخادمة هامسة:
"آنسة أوليفيا… السيدة تطلبك في المكتب."
وقفت ببطء.
صوت قلبي كان أعلى من خطواتي.
هل حان وقت الحقيقة… أم وقت مواجهة جديدة؟
---