ظل ونور

ظل ونور

18 0

الفصل الخامس ||حين لا تعود الصدفة عابرة

كنت أظنّ أن التلّة ستبتلع ضيقي.

لكن يبدو أن بعض الغضب لا يُدفن في الأرض... بل ينبت أسئلة.

لونا كانت صامتة، تداعب بيدها عشبًا جافًا على طرف السياج،

بينما كنت أراقب الأفق... وأحاول أن أصدّق أن هذه حياتي فعلاً.

قاطعنا الصوت...

نغمة هاتف لونا.

أخرجته بتكاسل، ثم فجأة... ارتبكت.

قلتُ لها:

من المتّصل؟

قالت وهي تنظر إلى الشاشة:

رقم مجهول... لا أعتقد أن-

ثم فتحت الخط، وضعت الهاتف على أذنها.

"نعم؟"

سكتت.

عيناها اتسعتا فجأة، وأومأت لي أن أصمت.

ابتعدت عني خطوات، وأنا أراقبها.

همست:

"كيف حصلت على رقمي؟ ... لا، لسنا مهتمتين... من أنت أصلاً؟"

ثم صمتت.

وبعد لحظة، نظرت إليّ، وبصوت أقرب للصدمة، قالت:

"أوليفيا... يريد التحدث إليكِ."

نهضت، اتسعت عيناي:

من؟!

لم تجب، بل ناولتني الهاتف بصمت.

أخذته.

رفعتُه إلى أذني... وبصوت بارد، رخيم، وهادئ بشكل مُريب... قال:

"لقد خرجتِ عن الدائرة... أسرع مما توقعنا، آنسة أوليفيا."

شعرتُ بأن قلبي توقف لوهلة.

سألته بحدة:

من أنت؟ وما الذي تتحدث عنه؟

ضحك بخفة:

"أخبريني... هل بدأتِ تحلمين بالدم؟"

ثم... انقطع الاتصال.

وقفتُ هناك، الهاتف لا يزال في يدي، لكن أنفاسي لم تعد كما كانت.

نظرتُ إلى لونا، قلت بصوت خافت:

"لقد بدأ الأمر، أليس كذلك؟"

وهي لم تجب.

لكن نظرتها أكدت ما كنت أخشاه.

أن ما بيني وبين أليكس...

ليس مجرّد عقد زواج.

بل بداية لشيء أعمق...

وأخطر بكثير.

.........

الساعة كانت الرابعة وسبع عشرة دقيقة، حين رصدتها الكاميرا تخرج من الباب الخلفي.

أوليفيا.

غضبها لا يُشبه أي شيء آخر...

صامت، جامح، ومُربك بشكل لا أفهمه بعد.

راقبتُها تُركب الدراجة، تدفعها بعنف نحو الطريق الطويل...

كأنها تهرب من شيء لا يُرى.

جلست على كرسي المكتب، سيجارتي لم تنطفئ بعد.

وبين أصابعي، ملفها الشخصي... ذلك الذي لم تُشاهد منه شيئًا.

"لا تعرف بعد.

وهذا خطر."

قالها فالنتين بصوته الهادئ البارد، في اجتماعنا الأخير.

"حين تبدأ بالشك... ستبحث.

وحين تبحث... إما أن تُنقَذ، أو تُحطّم."

وأنا؟

أنا لا أحب الحطام... ولا يُعجبني الهرب.

فتحتُ درج المكتب، أخرجت جهازًا صغيرًا.

شريحة مراقبة... موضوعة منذ أشهر، بأمر من جدّي، لا منّي.

"لا تُراقبها... احمِها."

قالها لي... وهو يُوقّع عقد الدم، دون أن يرتجف.

وأنا لم أفهم الجملة بعد.

كيف تحمي أحدهم... من نفسه؟

راقبتُ الإشارة على الخريطة الرقمية.

توقفت على تلة ألتونا.

طبعًا. نفس المكان... نفس التوقيت.

لكن الغريب لم يكن هروبها.

بل الاتصال الذي ورد لهاتف لونا.

رقم غير معروف.

نغمة لم تُسجل من قبل.

وكلمات... مشفّرة، لكنها مألوفة.

"هل بدأتِ تحلمين بالدم؟"

من هذا؟

ومن أطلق الشطر الأول... من لعنة ما كان يجب أن تُفتح؟

أطفأتُ السيجارة.

وأنا أتمتم في سري:

"الوقت يضيق يا أوليفيا...

إمّا أن تثقي... أو أن تسقطي."

.......

كان الهاتف لا يزال في يدي، والشعور في صدري لا يشبه الغضب هذه المرة.

كان أشبه بخيط مشدود بين صدري ورأسي... يتناوب بين الحرق والبرد.

التفتُّ إلى لونا، نطقتُ بكلمتي المعتادة، رغم أنني لم أعد أؤمن بها:

أنا بخير.

قالت بعينين مائلة إلى الحزن:

أنتِ تكذبين.

قلت بابتسامة قصيرة:

بالطبع.

ثم التفتُّ، عدّلتُ سترة الدراجة، وركبتُ.

لم أقل شيئًا آخر... ولم أكن أملك طاقة لأي سؤال.

الطريق كان صامتًا، أكثر مما يحتمل عقلي.

أراقب الأشجار، الطرقات، الدخان الخفيف الذي يخرج من فمي في الهواء البارد...

وأتمنّى أن أستطيع نسيان ذلك الصوت.

"هل بدأتِ تحلمين بالدم؟"

أكره الجمل المبهمة.

وأكره أكثر... أن تكون عني.

وصلنا القصر، كان الهدوء مخيفًا كأنه ينتظر حدثًا.

دخلنا من البوابة الخلفية، نفس المدخل الذي أهرب منه دائمًا.

لونا وضعت يدها على كتفي وقالت:

أنا ذاهبة إلى غرفتي... ستتحدّثين غدًا، أليس كذلك؟

قلت وأنا أفتح باب الدرج:

ربما.

صعدت وحدي.

الممر الطويل المؤدي إلى جناحي بدا وكأنه أطول من المعتاد.

كنت أريد أن أصل بسرعة، أغلق الباب، أسحب الستائر، وأرسم شيئًا يعكس كل ما لا أستطيع أن أقوله.

لكن حين وصلت أمام باب غرفتي... توقّفت.

لم يكن الباب مغلقًا تمامًا.

دُفع قليلاً... كأن أحدهم خرج منه لتوّه.

قطبت حاجبي، مددت يدي... دفعت الباب.

ودخلت.

الغرفة كما تركتها... تقريبًا.

ما عدا شيء واحد.

كانت هناك ورقة موضوعة بعناية على سريري، ملفوفة بشريط أسود رفيع.

اقتربت منها ببطء،

مددت يدي،

أمسكت بها... وفتحتها.

كان هناك سطر واحد فقط مكتوب بخط أنيق حاد:

"ثقي به... أو أخسري كل شيء."

...

قلبي ارتجف.

لكنني لم أُظهر ذلك.

بل قلت بصوت خافت... وأنا أعيد طي الورقة:

كل هذا من أجل زواج؟

أم أن هناك حربًا لم يخبرني بها أحد... بعد؟

---

داخل المكتب المغطّى بأرفف الكتب الثقيلة والستائر الداكنة، كان أليكس واقفًا أمام النافذة، يداه خلف ظهره، والسيجارة تحترق بين أنامله بصمت.

جلس السيد فالنتين خلف مكتبه، يرتدي بدلته السوداء وكأن الساعة ما تزال مساءً... رغم أن الفجر يوشك أن يشرق.

قال أليكس بنبرة هادئة، لكنها محمّلة بالضجر:

الاتصال لم يكن عشوائيًا.

رفع فالنتين نظره عن الورقة التي كان يكتب عليها:

أعلم.

سكت أليكس للحظة، ثم أردف:

من سمح بتسريب رقم لونا؟

ردّ الأب ببرود:

الذي أراد أن يوصل لها الرسالة... لا يحتاج إذنًا.

أليكس أدار رأسه ببطء:

تتحدّث وكأنك تعرف من هو.

أجابه بهدوء:

لأنني أعرف تمامًا من سيكون أول من يتجرأ على كسر الصمت قبل أوانه.

اقترب أليكس من المكتب، أطفأ سيجارته في المنفضة الثقيلة المصنوعة من الرخام، وقال:

أوليفيا ليست مستعدة بعد.

ردّ الأب دون أن يرفع نبرة صوته:

ولن تكون... ما دامت تنظر إلى هذا الزواج كقيد، لا كدرع.

أليكس شبك أصابعه:

هي لا تعرف شيئًا عن ماهية هذا "الدرع".

قال السيد فالنتين، بصوت أبطأ:

جدّها... لم يُوقّع تلك الوثيقة عن جهل.

كان يعلم أنّ دم العائلتين يجب أن يتوحّد، ليس من أجل المال، ولا من أجل النفوذ...

بل لأجل ما هو أعمق.

سكت أليكس، ثم نظر إلى أبيه بنظرة حادة:

إنها ليست لعبة ورق يا أبي.

هي ليست مجرد وريثة.

فقال فالنتين، بنظرة اخترقت صمت الغرفة:

أعرف.

هي الخاتم الأخير في السلسلة.

وأنت... أنت المفصل الذي لا يجب أن ينكسر.

وقف أليكس للحظة، عينيه على المكتب، ثم همس:

أحيانًا... أشعر أنها تشبه النور أكثر من اللازم.

فقال فالنتين دون أن يبتسم:

ولذلك نخشى عليها من الظلال.

ولذلك أيضًا... لا يُسمح لك أن تضعف.

حتى أمامها.

خرج أليكس من المكتب بعد لحظات.

ولم يسمع كلمات أبيه الأخيرة، التي تمتم بها وحده:

"إن عرفَت... كل شيء سيتغير."

---

أُغلق الباب بهدوء خلف أليكس، وساد صمتٌ ثقيل، لا يكسره سوى صوت عقرب الساعة.

السيد فالنتين بقي جالسًا خلف مكتبه، يداه متشابكتان أمامه، ووجهه لا يحمل أي تعبير واضح.

تمتم، كأنه يحدث ماضيًا لا شخصًا:

"يشبهه أكثر مما اعترف."

ثم أخرج من درج المكتب علبة قديمة من الخشب الأسود، نقشٌ باهت في وسطها، يشبه الشعار المختوم على العقد الدموي بين العائلتين.

فتحها ببطء.

داخلها... خاتمٌ عتيق، محفور من حجرٍ داكن لا يشبه أي حجر آخر، تلتف حوله نقوش باللاتينية القديمة.

رفع الخاتم، نظر إليه طويلًا، ثم همس:

"حين تصل الدماء إلى هذه المرحلة... لا يعود هناك تراجع."

لحظات، ثم طُرق الباب.

قال ببرود:

ادخل.

فُتح الباب، ودخل سايمون.

شاب في أواخر العشرينات، عيونه رمادية حادة، ومظهره الرسمي لا يُخفي طبيعة عمله الحقيقي:

الحماية... والتنفيذ.

انحنى قليلًا، ثم قال:

استدعيتني، سيدي.

أشار فالنتين إلى الكرسي أمامه:

اجلس.

جلس سايمون بصمت، يترقّب.

قال السيد فالنتين وهو يُغلق العلبة الخشبية:

أليكس بدأ يشكّ.

وأوليفيا... تم جرّها إلى العمق أسرع من المتوقع.

سايمون سأل بهدوء:

هل هناك تحرّك من "الجهة الأخرى"؟

أومأ:

الرسالة وصلت للونا.

ثم لأوليفيا.

قال سايمون ببطء:

إذن... لقد كسروا صمتهم.

رد السيد فالنتين:

ولن يتوقفوا.

لذلك ستقوم بشيء واحد الآن يا سايمون...

نظره تغلغل في عيني الشاب وهو يُكمل:

"احمِ أليكس... من نفسه."

**

سايمون لم يتكلم.

لكن في عينيه ظهر شيء يشبه الشك.

همس:

وهل سيقبل هو بذلك؟

أجاب السيد فالنتين بنبرة صارمة:

هو لا يحتاج أن يعرف.

نهض سايمون، انحنى بخفّة، ثم خرج.

وبقي فالنتين وحده في الغرفة، يحدّق إلى نقطة مجهولة في الجدار، وهو يتمتم:

"حين تبدأ اللعبة... لا يفوز من يعرف القواعد.

بل من يتوقّع متى ستنقلب الرقعة."

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

Blood curse || لعـنة الدمـاء

المؤلف Sadan Sarahneh
2025/07/31 مستمرة
قائمة الفصول (8)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة