الفصل السادس || حين تقترب الظلال من الضوء
.
.
.
كان الممر المؤدي إلى مكتب فالنتين ساكنًا، لكن خطوات سايمون كانت تحمل ثقلًا لا يشبه أي خطوة حارس عادي.
في ذهنه، كلمات الرجل العجوز تتردد:
"احمِ أليكس... من نفسه."
يعرف سايمون أن أليكس ليس من النوع الذي يُحمى.
هو من النوع الذي يحمي… أو يدمّر.
توقف أمام باب جانبي في نهاية الممر، طرقه طرقًا خفيفًا، ثم فتحه.
الغرفة كانت مظلمة إلا من وهج شاشة الحاسوب الكبيرة.
جلس أليكس على المقعد، عيناه مثبتتان على الخريطة الرقمية.
النقطة الحمراء… توقفت مجددًا قرب حدود الغابة الشرقية.
قال سايمون بهدوء:
أتتعقبها؟
أجاب أليكس دون أن ينظر إليه:
أراقب.
اقترب سايمون، نظر إلى الشاشة، ثم قال:
هي لا تعرف.
أغلق أليكس الشاشة فجأة، استدار نحو سايمون، عيناه رماديتان باردتان:
وهذا ما يجعل الأمر أكثر خطورة.
صمت للحظة، ثم أضاف:
هناك من يتواصل معها من الداخل.
من الداخل؟ تقصد…؟
أقصد أن أحدًا ما يعرف أرقامهم، تحركاتهم، حتى نقاط ضعفهم… ويستغلها.
سايمون تقاطعت حاجباه:
ومن تظن أنه يملك هذه القدرة؟
أليكس نهض، أخذ معطفه:
نفس الشخص الذي يعرف أننا… لسنا مستعدين.
---
كانت أوليفيا تجلس على الأرض، ظهرها مسنود إلى السرير، الورقة أمامها، وكلماتها تكاد تحرق عينيها:
"ثقي به... أو أخسري كل شيء."
همست لنفسها:
ثقة؟ بمن؟
رفعت رأسها نحو النافذة… ورأته.
هناك، في الحديقة السفلية، بين الأشجار، ظل طويل يقف ثابتًا، وكأنه يراقب جناحها مباشرة.
لم تتحرك.
لكن قلبها تسارع.
مدت يدها ببطء إلى الستارة… وأغلقتها.
في تلك اللحظة، جاء صوت طرق على بابها.
قفز قلبها.
من؟
أنا… لونا.
تنفست بارتياح، لكن ما إن فتحت الباب، حتى لاحظت شحوب وجه صديقتها.
قالت لونا بصوت منخفض:
هناك من كان يقف عند سور الحديقة… ينظر إلى نافذتك.
تبادلت الاثنتان نظرة صامتة، قبل أن تقول أوليفيا بصرامة لم تعهدها في نفسها:
كفى صمتًا، لونا. أخبريني… ماذا تعرفين عن "دم السلالتين"؟
لونا تراجعت خطوة، ترددت، ثم قالت:
إذا أخبرتك… لن تعودي كما كنتِ أبدًا.
---
كانت شوارع المدينة تبتلع أضواء السيارة السوداء التي يقودها أليكس بصمت.
الليل بارد، والمطر الخفيف على الزجاج الأمامي يضرب بإيقاع ثابت، يكسر صمته فقط صوت محرك السيارة.
رنّ الهاتف المثبّت على لوحة القيادة.
اسم المتصل: «مايلز».
ضغط أليكس على زر الإجابة:
تفضل.
جاء صوت مايلز مشدودًا، كما لو كان يلهث قليلًا:
وجدناه.
أليكس شدّ قبضته على المقود:
من؟
مايلز:
الشخص الذي كنتَ تبحث عنه… أو بالأحرى، الشخص الذي يتبع الآنسة أوليفيا منذ ثلاثة أيام.
صمت أليكس لحظة، قبل أن يسأل بنبرة منخفضة لكن ثقيلة:
أين هو الآن؟
مايلز:
قرب التلة الشرقية… نفس المكان الذي توقفت فيه هي اليوم.
لكن الغريب… أنه لم يقترب منها أبدًا، فقط يراقب من مسافة، وكأنه ينتظر إشارة.
أليكس:
وصفه.
مايلز:
طويل، يرتدي معطفًا رماديًا، لا يرفع رأسه كثيرًا… لكن…
تردد مايلز للحظة:
لكنني متأكد أن هذا الرجل… ليس غريبًا عنك.
تغيرت ملامح أليكس، وصوته انخفض أكثر:
ماذا تقصد؟
مايلز:
أعتقد أنك رأيته مرة… في جنازة قديمة جدًا.
أليكس أبقى عينيه على الطريق، لكن سرعة السيارة زادت دون أن يشعر.
همس وكأنه يحدّث نفسه:
إذن… بدأوا بإرسال الأشباح.
مايلز:
أوامرك؟
أليكس:
لا تقترب منه.
لكن أبقِ عينيك عليه… وأخبرني إن تحرك.
ثم أنهى الاتصال، وأشعل سيجارة، والدخان يتصاعد ببطء…
وعيناه في المرايا، وكأنه يرى وجهًا من الماضي يبتسم بسخرية في الظلام.
..
.
.
---
كانت أضواء القصر خافتة، والجناح الشرقي شبه مظلم، إلا من بقايا نور القمر المتسلّل من النوافذ الطويلة.
خلعت معطف الدراجة وألقته على الأريكة، لكن إحساسًا ثقيلًا كان يجثم على صدري… إحساس أنني لست وحدي.
فتحت درج المكتب الصغير بجانب السرير، أخرجت دفتر الرسم، وحاولت أن أبدأ بخطوط عشوائية… لكن القلم توقف فجأة بين أصابعي.
سمعتها.
خطوات.
هادئة جدًا… لكنها ليست خطوات أحد من الخدم.
كأن أحدهم يتعمد أن يتحرك على أطراف أصابعه في الممر.
نهضت ببطء، وقلبي بدأ يخفق بقوة.
اتجهت نحو باب الغرفة، فتحته قليلًا، وتطلّعت إلى الخارج.
الممر خالٍ… لكن ستارة طويلة في نهايته تتحرك ببطء، رغم أن النوافذ مغلقة.
شعرت بقشعريرة تسري في ظهري.
اقتربت خطوة… ثم توقفت فجأة.
رأيت ظلًا ينسحب من وراء الستارة، ويتلاشى نحو السلالم الخلفية.
قلت في سري:
أنا لست مجنونة… هناك أحد هنا.
أغلقت الباب بسرعة، وأحكمت القفل.
عدت إلى السرير، نظري على الورقة التي وجدتها سابقًا:
"ثقي به… أو أخسري كل شيء."
ابتلعت ريقي، وقلت بصوت مسموع رغم وحدتي:
من هو "هو" بالضبط؟
لم أكن أعلم… أن الجواب عن هذا السؤال، كان يراقبني من خارج نافذتي تمامًا، خلف الظلال، معطف رمادي… وعينان لا ترمش.
---