---
الفصل الثاني
"أعلى من المسموح"
كانت السلالم صامتة بشكل مزعج.
كل خطوة ارتفعت بي، كأنها تدفعني إلى منطقة لا ينبغي أن أكون فيها… لكن هذا تمامًا ما أعجبني.
منذ متى كنت أطيق البقاء في مكان يُرسم لي حدوده؟
أنا لا أملك فضول الأطفال.
أنا أملك شغف كسر القواعد، ببطء، وبكعب عالٍ إن لزم الأمر.
حين وصلت إلى الطابق العلوي، استقبلني ممر طويل،
هادئ، نظيف… وبارد كأن أحدًا لم يمشِ فيه منذ سنوات.
حدّقت في الباب الأول، ثم الثاني…
أسماء محفورة على الأبواب، بعضها مغلق تمامًا، وبعضها موارب بخبث.
اقتربت.
كل شيء في هذا الطابق يوحي بالخصوصيّة.
بالأسرار.
لماذا لم يرافقني أحد؟
لماذا لم تُوضع لافتة "ممنوع الدخول"؟
ربما لأنهم لم يتوقعوا أنني سأجرؤ.
ابتسمت. يا لهم من أغبياء.
**
صوت خافت صدر من جهة الباب الثالث.
توقفت.
لم يكن صوتًا واضحًا، بل همسة… أو خشخشة أوراق…
أو حركة صغيرة لشخصٍ لا يريد أن يُسمع.
دقات قلبي لم تتسارع، لكنني شعرت بوخزة في الكتف، كأن الغريزة بدأت تتحرّك.
اقتربت أكثر.
اليد على المقبض…
ترددت.
هل أدخل؟
أم أكتفي بالنظر؟
هل أبدو متطفلة؟
لكن…
**
رفعت يدي، ودون أن أفتح الباب، وضعت أذني عليه.
لا شيء.
لكن الهدوء أحيانًا أشد من الضوضاء.
سمعت فجأة صوت خطوات… خلفي.
توقفت. لا، لم أتحرك. لم أتنفّس حتى.
الخطوات اقتربت…
ثم توقفت هي الأخرى.
أدرت رأسي ببطء.
لا أحد.
ربما خيال.
ربما أحد الخدم.
أو ربما… شيء آخر.
لكنني لم أتراجع.
مددت يدي إلى المقبض.
كادت أصابعي أن تلمسه…
لكن جاء الصوت، واضحًا، حادًا، من الأسفل:
أوليفيا، عزيزتي… أين أنتِ؟
تجمّدت لحظة.
أمي.
صوتها كان أقوى من أن أتجاهله، وأهدأ من أن أقاومه بوقاحة.
أدرت رأسي نحو الدرج، ثم نحو الباب.
ثانيتان فقط.
ثم سحبت يدي.
الفضول لم يُكسر، فقط… تأجّل.
عدت بخطى واثقة إلى الدرج، نزلت وكأن شيئًا لم يكن.
الهدوء لا يعني الطاعة، أحيانًا هو مجرد قناع مؤقت.
لكن ما لم أكن أعلمه… هو أن أحدهم لم يغمض عينيه.
**
تحديدا في أحد أبواب الطابق العلوي، خلف باب مكتب ضخم مغلق،
جلس رجل بظهر مستقيم ووجه لا يبتسم.
أليكس فالنتين.
كانت لفافة التبغ بين أصابعه، يتصاعد منه دخان كثيف لا يعلّق في الهواء، بل في العيون.
شاشة الكاميرات أمامه تعرض الممر في الخارج
رآها.
كل حركة، كل التفاتة، كل تردد.
لم يقل شيئًا.
لم يُحرّك شفتيه.
لكنه ابتسم، ابتسامة صغيرة… باردة… بالكاد تُرى.
ووضع الرماد جانبًا.
المسرح بدأ، والأدوار كُشفت أسرع مما توقّع الجميع.
---
حين نزلتُ الدرجات، كانت أمي واقفة تنتظرني قرب المدخل.
أين كنتِ؟ فتّشت الحمّام ولم أجدك.
ابتسمتُ بتصنّع بسيط، وقلت:
ضللتُ الطريق. لا أعرف كيف صُممت هذه القصور، كأنها مصيدة.
نظرت إليّ نظرة سريعة، كأنها لم تقتنع تمامًا، لكنها لم تسأل أكثر.
في تلك اللحظة، دخلت من الباب امرأة ترتدي معطفًا رماديًا فاخرًا، بعينين حادتين ونظرة كأنها لا تحتاج أن تُرحب بأحد، بل يكفي أن تصل.
السيدة فالنتين.
حيّت والدتي بلغة ناعمة ومختصرة، ثم التفتت إليّ:
أوه… لا حاجة لأن أُخمّن، لا بد أنكِ أوليفيا.
قلت لها وأنا أقف بهدوء:
أظنّ أنني الوحيدة هنا التي لا تحتاج إلى مقدّمة.
ضحكت بخفة، ثم قالت:
ذكاء مُبكّر. هذا جيّد.
لم أعلّق، فقط ابتسمت بابتسامة لا تقول شيئًا.
**
دخلنا الصالون، لا أبواب تُغلق، ولا جدران تكتم ما يُقال.
الفضاء واسع، لكن الجو… ضيّق.
جلس الرجال في أحد الأركان، أبواي، السيد فالنتين، والخادمة تصب الشاي بصمت أنيق.
لم أجلس قريبة منهم.
اخترت كرسياً جانبياً، قرب النافذة، وفتحت هاتفي.
لم أكن أقرأ، ولا أكتب.
كنت أستمع.
لكن كل ما قيل بدا وكأنه كلمات مُشفّرة، نُصفها حقيقة، ونصفها لغز:
"دم العائلتين..."
"عقد قديم لا بد أن يُستكمل..."
"هو يعلم، لكنها لا تعرف شيئًا بعد."
شعرت أنهم يتحدثون عنّي.
لكن بصيغة الغائب، كأنني حضورٌ مؤجَّل.
هل هناك اتفاق؟ لماذا يبدو كل شيء كما لو أنه مُتّفق عليه دوني؟
ولماذا لا يُقال شيء بصراحة؟
**
رفعت نظري إلى الأعلى، إلى السلالم التي تُطلّ على الصالون.
رأيته.
أليكس.
كان واقفًا هناك، بجسده القويّ، وملامحه التي تُشبه الهدوء الذي يسبق الكارثة.
يده تحمل سيجارة، والدخان يعلو ببطء.
عيناه عليّ مباشرة.
لم يبتسم. لم يُحرّك ساكنًا.
فقط… نظر.
وأنا؟
نظرتُ بدوري.
لم أُشِح نظري.
رفعت حاجبيّ قليلًا… سؤال صامت: "ماذا؟"
رفع حاجبه هو الآخر، كأنّه يقول: "وما الذي تظنّينه؟"
نظرة لا تفسير لها.
لا عداء… ولا ترحيب.
نظرة شخصين لم يفهما بعد قوانين اللعبة… لكن كليهما جاهز لها.
عدتُ بنظري لهاتفي، لكن الصورة انحفرت في رأسي.
هذا الرجل… لا يتحدث كثيرًا.
لكنه يرى كل شيء.
--