الدائرة المغلقة

الدائرة المغلقة

9 0

أشرقت شمسُ القاهرة بوجوهٍ ثلاث: خيطٌ ذهبيّ يُغري بالتفاؤل، وسمـاءٌ رماديّة تُذكّر باحتمال المطر، ومرايا سيّاراتٍ تعكسُ تَعبَ العاصمة.

جلست الدكتورة شَمس حسن خلف مقود سيّارتها تضبط جهاز الصوت، فصدح صوتُ فيروز: «رجعت الشتوية...».

تذكّرت أنّ الثلج الذي كان يسكن قصص طفولتها صار يتراكم اليومَ في صالات الطوارئ، لا على أغصان الزيتون.

دارت السيّارة. اهتزّ هاتفها في حقيبتها؛ رسالةٌ من رقمٍ مجهول:

«لو فضِّلتِ تدَوَّري، هتلاقي اللي ما تقدريش عليه.»

زفرت، ثم نسخت النص وأرسلته إلى علي:

«رقم غريب جديد، خليك صاحي.»

ولم يكد تمضي دقيقةٌ حتى جاءها ردُّه:

«عندي خيط بعد عشر دقايق، ما تقلقيش، ركّزي إنتِ في المستشفى.»

أغلقت الهاتف، وتركت شوارع القاهرة تبتلع ضجيجها وهي تشتَمُّ في خيالها قهوةً لم تشربها بعد.

عند الثامنة تمامًا، كان المقدم علي الجَبالي يقف أمام مبنى قسم «المفقودات» الذي نُقل إليه هو وزميله يوسف بعد سَحب قضيّة الطريق. رائحةُ الورق القديم والحبر الطازج تملأ المكان، كأنّ الأسرارَ ما تزال تتنفَّس بين الرُّفوف.

يوسف جلس إلى مكتبٍ متهالك، وعينه على شاشة لابتوب تُشغّل تسجيلاً صوتيًّا. لوَّح لعلي:

«اسمع يا صاحبي.»

انطلق صوتُ رجلٍ عجوزٍ مُبحوح عبر المكبّر:

«متَوَسّطين بنكون  أوّل ما الطيّارة تِهبط، الطريق يبقى فاضي.»

أوقف يوسف التشغيل:

«المكالمة دي من موبايل الراجل اللي قالوا عليه "شارب" متسجّلة قبل الحادث بساعة.»

علي قطّب حاجبَيه:

«وقفلوا التحقيق عَ إنه مقلب؟!»

يوسف هزّ كتفيه:

«واضح إن في لعبة أعمق.»

دخل الملازم هادي الهِمداني والغيظ مرسوم على جبهته:

«إنتو لسه في السيرة دي؟! اسمعوا الجديد، سيادة العقيد قال نراجع كل التهديدات اللي جت من الرقم اللي اتصل بيوسف، وكمان اللي بعت لشَمس.»

أشار هادي بسبابته:

«الاتنين متسجّلين في كشك واحد جنب البحيرة، والدِّفع كاش، والأحلى من كده إن الكاميرا جابت صورة واحد ببدلة رمادي في لاند كروزر سودا، الصورة هتبقى عندنا نص ساعة وتبقى جاهزة.»

ابتسم علي ابتسامة نصفية:

«أهو الباب الخلفي اتفتَح تاني.»

ــــــــــــــــــــــــ

في «مستشفى الحياة» رسمَت المريضةُ المجهولة التي جلبها الدكتور محمود فجراً منحنياتٍ متقلّبة على شاشة التخطيط، بلا بطاقة هوية ولا بصمةٍ مُسجَّلة؛ فقط وشمٌ عند أسفل كتفها: ثلاثُ دوائر متداخلة تشبه متاهةً ببابٍ واحد.

دخل عُدي  يرتدي أفرولًا أبيض فوق بنطالٍ جينز، وخصلاتُ شعره ما تزال رطبة:

«بابا نام أخيرًا، ضغطه كان عالي وهدّي شوية.»

ابتسمت شمس:

«كويس، وبالمرة خفّ إنت عن الخناق الصباحي التقارير أهم من العضلات يا دكتور.»

اقترب عُدي من السرير، تحدّق في الوشم:

«يا شَمس، الرمز ده أنا شُفتُه في كتاب  عن شعارات شركات أوروبيّة. هجيب الكتاب بعد الشغل.»

في فيلا فسيحة على النيل، جلست سيلان أمام المرآة بفستانٍ عاجيّ قصير الذيل، تُزيّنه طرحة دانتيل خفيفة. انحنت تينا تهمس:

«العريس مستعجل، الضيوف هييجوا خمسة.»

عضّت سيلان شفتها:

> «أنا قلبي مقبوض يا تينا.»

ربّتت تينا على كتفها:

«مجرد رهبة، وجودِك في الكوشة الليلة درع لينا كُلّنا.»

ــــــــــــــــــ

في غرفة الأطبّاء، وضعت شمس خريطة فيلا العريس على الطاولة:

«الحفل ستة بالتمام، إحنا معانا ساعتين نخطّط، سارة هتدخل كمصوّرة أفراح، سامح هيغطّي الطوارئ هنا تحسُّبًا، عُدي لازم يبقى قريب من المريضة.»

قهقه سامح:

«يعني هفوت الكنافة وأقعد جنب الجِبس!»

ردّت شمس:

«إدارة موارد بقى.»

لوَّح عُدي بالكتاب:

«الوشم بتاع البنت يخص مجموعة ألمانيّة–فرنسية اسمها Demetra جروب.»

سارة شهقت:

«يعني العريس ليه صِلة؟!»

أغلقت شمس الخريطة:

«وأنا هبلّغ علي ويوسف فورًا.»

ـــــــــــــــــــ

على طريق الفيلا

التقت سيارتا علي ويوسف عند الدائري القديم.

قال يوسف وهو يُقلّب أوامر الوزارة بيده:

«الأمر واضح: نبعد عن القضية. بس لو ديـمترا فعلاً ورا الموضوع، يبقى حد كبير بيغطي على فضيحة.»

علي حرّك المقود:

«هنروح حفلة كضيوف أمنيين. لو لقينا حاجة، نبقى أنقذنا رقاب كتير.»

أرسل يوسف رسالةً إلى ندى:

«خلي عينِك عَ شمس في الفرح، وأي حاجة غريبة بلّغيني.»

ـــــــــــــــــــــــــــ

عند السادسة، دخلت شمس وسارة من بوابة الخدمة. قدّمتا بطاقتين كفريق إسعاف احتياطي. في غرفة مُزينة بالستائر البيضاء جلست العروس شاحبة.

خارج القاعة توقّفت لاند كروزر سوداء؛ نزل الرجلُ بالبدلة الرماديّة وأبرز بطاقة: «ديـمترا سيكيوريتي». خلف شجرةٍ عند السور، التقط يوسف صورةً وأرسلها إلى علي:

«البدلة الرمادي وصل».

ـــــــــــــــــــ

في العناية، ارتجفت يدُ الفتاة المجهولة، ثم فتحت عينها اليسرى. اندفع سامح:

«نبضها رجع، بس بتقول حاجة»

شهقت الفتاة:

«دي… مِـترا…»

هتف سامح:

«ديـمترا؟!»

أومأت. بعث عُدي رسالة عاجلة:

«البنت نطقت اسم الشركة!»

ــــــــــــــــــ

بالقرب من الممرّ، صافح العريسُ الرجلَ الرماديّ التقطت سارة صورةً وأسرعت إلى شمس:

«الراجل ده متورّط، شكله مريب.»

في تلك اللحظة همس العريس للجديد:

> «البضاعة وصلت؟»

«اتعرقلت شوية، بنت وقعت في المستشفى بس هنرجعها قبل الفجر.»

ـــــــــــــــــــــــــــــ

في السابعة والنصف انطفأت الأنوار لدخول العروسين. لمح يوسف شخصًا خلف الزهور يُخفي بخّاخًا معدنياً. صرخ:

«علي! وراك!»

قفز علي، طرح الرجل أرضًا، لكن سحابةً بيضاء خرجت وأفسدت كاميرات القاعة. تعالت الصرخات، وتكسّرت الزينة.

سارة جذبت شمس للخلف. طرحة العروس انقطعت، وصرخت «تينا»:

«ارموا نفسكو عَ الأرض!»

كانت البودرة مجرّد مادة تُبهت الكاميرات، لكن الفزعَ أتمّ مهمته، أمسك الحرسُ بالرجل، حاول صاحبُ البدلة الرمادية تهريب العريس، لكن يوسف أسقط عليه صورة البحيرة:

«معانا إذن ضبط، يا باشا. اتفضّل معانا.»

كان علي يكذب، لكن التوتّر فعل ما يلزم؛ تلعثم الرجلُ وتعرّق.

رنّ هاتف شمس: رسالة من سامح:

«المريضة قالت أليفوم 7، وبتنزف تاني. العريس عارف مكان الملف، إلحقونا!»

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وفي مكان آخر، وقف عمار أمامها وهو يلهث، وينظر يمينًا ويسارًا، نعم، نجح في استغلال الفوضى التي تحدث في الخارج وقام بجذبها معه بعيدًا عن كل ما يحدث، وها هو الآن يقف أمامها عاجزًا عن النطق، ولكن عيناه نطقت بكل ما عجز اللسان عن قوله؟

«إيه اللي أنت عملته دة؟!» قالتها سيلان بحدة.

«أنا اللي المفروض أسألك السؤال دة، أنتِ إيه علاقتك بالناس دي؟» قالها عمار بغضب مكتوم.

سيلان بحدة:

«أعتقد إن دة شيء ميخصكش.»

عمار بغضب:

«لا يخصني، لما خطيبتي تختفي ومعرفش أوصل ليها، وبعد سنتين غياب ترجع مرة واحدة، لكن راجعة تتجوز واحد تاني، ومش بس كدة، دي هتتجوز واحد متورط في تهريب أدوية.»

«بس أنا مش خطيبتك يا عمار، اللي بينا انتهى من زمان.»

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

استقلت شمس وسارة سيارةَ الإسعاف الاحتياطية. قال علي وهو يسلّم المقبوض عليه:

«هتبقي كويسة؟»

ابتسمت شمس:

«لازم نوصل قبل ما البنت يحصل ليها حاجة.»

انطلقت السيارة، وشمس تضغط اللاسلكي:

«سامح، فكِّ الخط الوريدي وجهِّز بلازما AB!»

ردَّ سامح:

«أسْرعوا، الضغط بيقع!»

ـ

ـــــــــــــــــــــــــــ

على الطريق أدركت شمس سرّ الدوائر الثلاث: شعار معملٍ سرّي لديـمترا، والمركّب أليفوم 7 مُسكّن للأعصاب يُمحو به جزءٌ من الذاكرة. التفتت لسارة:

«ممنوع أي عيّنة دم تخرج من المستشفى، لو المركّب اتسرّب هنبقى في مصيبة.»

سارة تشدُّ المقود:

«قدّامنا دقايق ونوصل، اربطي أعصابك إنتي.»

في باحة الطوارئ، ارتسمت ظلالٌ حمراء على الجدران البيضاء، حُملت المريضةُ إلى غرفة العمليات الفرعية. قالت شمس للفريق:

«من دلوقتي الملف ورقي وبس. مفيش كمبيوتر، مفيش شبكة، وأي حد يسأل عنها يتحوّل لي أو للدكتور سامح.»

في الردهة كان علي ويوسف يراقبان الباب، وهادي يضبط سلاحه مبتسمًا بتعب:

«واضح إن الطوارئ عمرها ما هتبقى أجازة.»

  وللقصة بقيّة…

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

قائمة الفصول (8)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة