ندى، وهي تتثاءب وتعدل جلستها:
"شكلي صحيت على الفاضي، كنت عايزة أعيش اللحظة وأكتب عنها، بس اللي حصل يخليني أكتب كوميديا مش تحقيق."
ضحكت شمس وهي تفتح هاتفها من جديد:
"طالما كده، خلينا نكتب مسلسل: (رجال الشرطة والنسوان)."
التفتت إليها ندى بحدة مصطنعة:
"نسوان؟! أنا مثقفة، كاتبة، مش نسوان يا شمس!"
"ماهو في الآخر اترمينا في شنطة العربية زي البطاطين، ما تفرقش كتير"، ردت شمس وهي تضحك بصوت عالٍ.
ندى بابتسامة باهتة وهي تُخرج دفترها من حقيبتها:
"بس بجد، في حاجة غلط، مش مقتنعة إن القضية خلصت كده، والتهديد؟ ليه اتبعت أصلاً؟ المقلب ده مقتنعتش."
شمس بفضول:
"بتفكري في ايه؟"
ندى وهي تضع أغراضها في حقيبتها:
"في إن لسه في حاجة ناقصة، بس كل حاجة هتبان."
شمس بتذكر:
"أنتِ مش عندك محاضرة الساعة 8؟
ندى:
" آه والمفروض إني هنزل دلوقتي. "
شمس وهي تأخذ أغراضها وتخرج من المنزل:
"حلو أوي كدة وأنا هروح المستشفى علشان لو اتأخرت هيعلقوني على باب المستشفى."
ندى:
"تمام، بس هنتقابل تاني أكيد صح؟"
شمس بابتسامة:
"أكيد طبعًا، يلا سلام"
دلفت شمس إلى سيارتها وقامت بإخراج تلك السماعة التي تضعها داخل أذنيها، ومن ثم قامت بتشغيل سيارتها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
خرجت من المرحاض وهي تجفف شعرها بالمنشفة، وما إن رفعت عينيها حتى شهقت بصدمة لتردف بزعر:
"بسم الله الرحمن الرحيم، ناويين تموتوني من الخضة، ينفع كدة يا خالتي اللي ماما بتعمله؟!"
نظرت لها الأخرى بإحراج وهي تردف:
"معلش يا آسو يا حبيبتي، مهما كان دي والدتك ولازم نتحملها."
نظرت لها الأخرى بتشنج وهي تردف:
"لا والله، دة على أساس إنه أنا اللي من الفجرية قدام الباب يعني ولا إيه، أنتِ هتلبسيهالي ولا إيه يا فوزية."
نظرت فوزية لتلك التي تقف بجانبها بحدة، بينما سارة نظرت لهما وعقدت يديها أمامها:
"كدة شكلكم مطولين شوية، هروح أجهز الفطار لجاسر وأرجع ليكم."
ألقت كلماتها وذهبت من أمامهم، ليصلها صوت والدتها وهي تقول:
"هتدخلي المطبخ! شكلك عاملة مصيبة، ربنا يستر ومتولعيش فينا."
"يعجبني فيكِ إنك فاهماني صح." أردفت بها سارة بصوت مرتفع حتى يصل لهما قبل أن تهبط الدرج.
توجهت للمطبخ لتجد من تقف وبدأت بالفعل بتحضير الفطور
سارة بتذمر:
"إيه رأيك تاخدي أجازة من تحضير الفطار النهاردة وتخليني أعمله أنا."
"عايزة أخوكي يبلعني صح!."
سارة بتساؤل:
"خلاص اعمليه أنتِ واقدمه أنا، هو جاسر هنا ولا لسه بيجري؟"
أشارت لها بعينيها لتنظر نحو الدرج، لتنظر لذاك الذي يهبط بحلته التي تخطف الأنفاس:
"صباح الخير يا آسو." أردف بها جاسر وهو يقف أمامها ويأخذ ذاك الكوب من يد الأخرى
"صباح الخير يا زمرد، عندنا إيه بعد الاجتماع مع الوفد الألماني؟"
زمرد بعملية:
"بعد الاجتماع بالوفد الألماني عندنا اجتماع مع فرع الشركة في فرنسا "
"تمام، يلا بينا علشان منتأخرش."
أنهى جملته وهو يحتضن كف يدها اليسرى بكفه الأيمن، بينما سارة تنظر في أثرهم، قبل أن تركض لغرفتها مُجددًا.
ـــــــــــــــــــــــــــ
دلف إلى الغرفة، وقام بفتح النوافذ سامحًا للضوء أن يمر بها، لتظهر جدرانها السوداء، كل شيء بها باللون الأود حتى الفراش الذي تململ من فوقه بانزعاج:
"اقفل الستاير، هو الإنسان ميعرفش ينام في البيت دة شوية!"
"كمل نومك كمل نومك، وأنا هنزل أقول لجوري عُدي نايم."
أردف بها محمود وهو يراقب ذاك الذي انتفض من الفراش ومن ثم أخذ ملابسه ودلف للمرحاض.
"مين قال أني نايم، أنا صاحي أهو."
محمود بصرامة:
"قدامك ربع ساعة وتكون في المستشفى لو اتأخرت دقيقة واحدة هخليك تفضل يومين متواصلين هناك من غير راحة."
أنهى جملته وخرج من المنزل بأكمله، تاركًا ابنه يستوعب أن والده احتال عليه مجددًا ليستيقظ، ولكن الآن هو حقًا ليس لديه وقت للتذمر أمامه فقط خمسة عشر دقيقة، وإلا سيبقى عالقًا ليومين كاملين كما قال والده.
أما عند محمود، فقد كان يقود سيارته حين رن هاتفه، وعندما كان يمد يده لالتقاطه، نظر بصدمة لذلك الجسد الذي ظهر من العدم ليصتدم بسيارته، ترك السيارة بهلع واقترب من تلك الممدة أرضًا وملابسها مُشبعة بالدماء، اتسعت عيناه من الصدمة، وكاد أن يخرج خافقه من بين أضلعه وهو يرى يديه تغطيهما الدماء، قام بحملها سريعًا ووضعها داخل سيارته، بينما صاح بهؤلاء الذين اجتمعوا ليشاهدوا ما يحدث دون أن يُحركوا ساكن؛ ليبتعدوا عن طريقه.
ـــــــــــــــــــــــــــ
كان يجلس الثلاثة داخل السيارة معًا أمام قسم الشرطة
"هو يعني إيه مليش علاقة."
"يعني القضية اتسحبت مننا وهيمسكها حد تاني، اتكلم يا يوسف قول ليه حاجة."
"ابعد عن يوسف خالص؛ علشان أنا لو اتكلمت هطربق الدنيا فوق دماغكم."
" بعدين ماله قسم المفقودات والله مُريح عن قسم التهريب ومكافحة الجرائم، كأنكم واخدين أجازة."
نظر له علي بغضب:
"أنزل يا هادي."
نظر له هادي قبل أن ينزل من السيارة ويدخل لمقر عمله، أما يوسف فقد ذهب لسيارته دون أن ينطق بكلمة واحدة، وتحرك كل منهما بسيارته لوجهته.
ــــــــــــــــــــــ
أما على الجهة الأخرى، تحديدًا في إحدى غُرف المستشفى، كان يقف أمام السرير يراقب تلك الممددة كجثة هامدة وتلك الأسلاك مُعلقة بها، عيناه مُثبتة على وجهها الشاحب والدماء التي على وجهها وجسدها، كل لحظة تمر يشعر باقتراب نهايته، مع كل محاولة للأطباء لإسعافها يشعر بأن روحه تُسحب منه.
في تلك اللحظة وصلت شمس وكذلك عُدى إلى الغُرفة بعدما علموا من إحدى الممرضات بما حدث، ووجدت أنهم قاموا بتعقيم الجرح وعلاجه، نظرت إلى عُدى الذي يقف بجانب والده وعيناه مُعلقة عليها.
شمس بهدوء:
"الجرح بسيط وتم تعيمه، مفيش داعي للخوف شوية وهتقوم، خد دكتور محمود لأوضته علشان يرتاح."
وجهت آخر حديثها لعدي الذي وافقها الرأي، وذهب بوالده من أمامها بعدما ألقى نظرة أخيرة على تلك النائمة، بيما شمش ذهبت لتطمئن على المرضى، وبعدما انتهت توجهت لمكتبها الذي يُعد مقر لهم داخل المستشفى، وجدتهم يجلسون يُخيم عليهم الصمت
"مالكم ساكتين، مش عوايدكم يعني."
سارة بتردد وخوف:
"أصل... يعني النهاردة خطوبة سيلان. "
شمس بابتسامة باهتة:
"طيب ما أنا عارفة، هما مقالوش ليكِ ولا إيه؟"
نظرت سارة لهؤلاء الثلاثة الذين يجلسون أمامها، لتجدهم يبتسمون لها ببلاهة، في نفس اللحظة التي دلف بها عُدي للغرفة وهو يردف بتذمر:
"خدوا بالكم اللي بتعملوه دة غلط، بتعاملوا ابن مدير المستشفى كأنه شغال عندكم، يومًا ما هطردكم وأخليكم تترجوني."
شمس باستفزاز:
"يومًا ما بقى، دلوقتي هات الفطار."
عدي بغيظ:
"باردة"
شمس ببرود:
"كلهم بيقولولي كدة."
سامح:
"طيب قررتوا هنعمل إيه وندخل ازاي؟"
"أنتو مش هتدخلوا، احنا اللي هندخل."
ألتفت الجميع ناحية الصوت، لينظروا لمن دلفت إلى الغرفة وأغلقت الباب خلقها
عُدي بعدم فهم:
"هو في إيه، حد منكم يفهمني."
شمس وهي تتخطى عُدي وتتوجه إليها:
"وصلتي لإيه يا جوري؟"
"النهاردة الفرح مش خطوبة زي ما الكل فاكر."
نظرت سارة لسامح بغضب ليردف مدافعًا عن نفسه:
"أنا اللي اعرفه إنها خطوبة، واتفاجأت زيي زيكم إنه الفرح. "
"استهدوا بالله كدة، هاتوا الأكل كدة، علشان أنا مش بفهم طول ما بطني فاضية."
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت تقف في الشرفة وعيناها مثبتة على من يقف في الأسفل يتحدث في هاتفه، دقات الباب هي ما جذب انتباهها، لتتوجه إليه وتسمح لمن بالخارج بالدخول.
لتردف بحدة:
"هو أنا مش منبهة عليكم تكونوا هنا الساعة 8؟!"
"المهم إنهم وصلوا يا سيلان، يلا يلا علشان تجهزي."
"وأنتِ كمان اتأخرتي ليه يا تينا؟"
"ادخلوا وكل واحدة فيكم تشوف شغلها، هي بس متوترة شوية."
قالت جملتها ومن ثم أغلقت الباب وجذبت الأخرى من يدها، ومن ثم أجلستها على الأريكة.
"أهدي خالص، هو مش هيهرب، أنا لغيت كل مواعيد اليوم."
نظرت لها سيلان بابتسامة وامتنان دون أن تنطق بحرف.
𝑵𝒂𝒅𝒂 𝑴𝒂𝒎𝒅𝒐𝒖𝒉 "𝑶𝒓𝒊𝒂𝒏𝒂