مستشفى الحياة بين التوتر والكوميديا

مستشفى الحياة بين التوتر والكوميديا

13 0

"عزيزي القارئ، مرحبًا بك في مستشفى الحياة، حيث اليوم سننطلق في جولة تجمع بين التوتر والكوميديا والغموض. استعد لأننا على وشك أن نكشف لك أسرارًا قد تكون أخف من الضحكة وأثقل من الحقيقة!"

الليلة طويلة، والمستشفى تغرق في سباق ضد الموت. أصوات أجهزة المراقبة الطبية تملأ الأجواء، والفرق الطبية تتنقل بسرعة بين الغرف، تحمل معها الأمل والخوف، وفي هذا المكان، لا مجال للتردد، ولا وقت للراحة. كل قرار قد يكون الفرق بين الحياة والموت، ولكن على الرغم من هذا، يشعر كل منهم بالثقل النفسي الذي يرافق كل لحظة.

وقفت شمس أمام باب غرفة العمليات، تتنفس ببطء، محاولةً السيطرة على ضربات قلبها المتسارعة، كانت تدرك تمامًا حجم المسؤولية التي تقع على عاتقها، ولكن القلق كان يتسرب إليها رغم محاولاتها المستمرة للتفكير في الأمر بشكل عقلاني، ماذا لو لم تنجح؟ هذا السؤال يراودها، ورغم أنها لم تسمح لنفسها بالاستسلام لهذا الشعور، كان كل شيء من حولها يضغط عليها، دخلت الغرفة حيث يرقد الرجل الخمسيني، وجهه شاحب، وجهاز تخطيط القلب يشير إلى تراجع سريع في مؤشراته الحيوية.

سامح (بصوت قلق):

"النزيف الداخلي مستمر، لازم نبدأ فورًا!"

شمس (بحزم):

"سكين جراحية… الآن!"

ولكن حين أمسكت بالسكين، شعرت يدها ترتجف قليلًا، لم يكن ذلك بسبب نقص الخبرة، بل بسبب الضغط الهائل الذي تعيشه، كانت تشعر بقلق داخلي رغم يقينها بأنها تفعل كل ما في وسعها، الوقت يمر بسرعة، بينما ذهنها يعمل بأقصى سرعة ليبقيها على قيد التركيز.

شقّت الجلد بسرعة ودقة، الدماء كانت تتدفق بغزارة، والضغط يتراجع بشكل خطير. سامح كان يراقب المريض وهو يزداد قلقًا، شمس، في تلك اللحظات، كانت تميل بكل جسدها نحو الطاولة الجراحية، وكأنها تتنفس مع المريض، تحاول بشدة أن تعيد له الحياة من خلال حركات يديها.

سامح:

"ضغطه بينخفض بسرعة!"

شمس (بتركيز شديد):

"لازم نوقف النزيف قبل فوات الأوان."

لحظات مرت كأنها دهر، جسدها كله كان يتألم من التعب، ولكن ذهنها كان يظل ثابتًا، تتحرك يدها بحذر تام في محاولات لوقف النزيف الذي قد يودي بحياة الرجل. حين نجحت في السيطرة على النزيف، شعرت بأن ضغطًا خفيفًا قد زال عن صدرها، لكنها كانت تعلم أن الطريق ما يزال طويلًا.

"النجاة من هذه المرة لا تعني نهاية المعركة," همست لنفسها.

ما إن خرجت من غرفة العمليات حتى استقبلتها الممرضة بوجه مذعور.

الممرضة:

"دكتورة شمس، الطفلة جويرية حالتها بتسوء! الدكتور المسؤول بيطلبك حالًا!"

ركضت شمس نحو الغرفة، وهنا بدأ شعور آخر يختلط في أعماقها: الإحباط، إنها لم تأخذ دقيقة واحدة من الراحة، وها هي مواجهة معركة أخرى، الطفلة الصغيرة على سرير العمليات، تتنفس بصعوبة، وجهها شاحب وعيناها نصف مغلقتين، الأشعة كشفت عن نزيف داخلي لم يكن ظاهرًا من قبل.

سامح:

"النزيف في منطقة خطيرة، لو تأخرنا لحظة، ممكن نفقدها!"

شمس لم تتردد للحظة، رغم التعب الشديد الذي بدأ يظهر على جسدها وعقلها، لقد كان هناك شيء عميق في داخلها يضغط عليها للاستمرار، رغم أنها كانت تشعر أن الطاقة قد استنفدت منها تمامًا. ولكن مهنتها لا تعترف بالراحة، بل بالمهمة التي يجب إنجازها.

بدأت العملية، ولكن لم يكن الوقت يمضي كما ينبغي. كانت كل حركة محكومة بدقة قاسية، قلبها يخفق بشدة، لكن عقلها كان يسير وفقًا لنظام معين، محاولًا فصل الشعور بالتعب والإرهاق عن العمل الذي يجب أن يتم. كانت كل ثانية تمضي تقترب منها من نقطة الانهيار، لكنها تمسكت بمسؤولياتها، لم تترك مجالًا للخوف أو للتردد.

شمس:

"خيط جراحي، بسرعة!"

كلما أغلقت وعاء دمويًا، كان هناك شعور بالارتياح يمر بشكل مؤقت عبر جسدها، ولكن شعورًا آخر من القلق يتسلل إلى قلبها، هل ستنجح في الوقت المحدد؟ هل ستتمكن من إنقاذ الطفلة الصغيرة؟ هذا السؤال يظل يطاردها حتى اللحظة الأخيرة.

بينما كانت تخرج من الغرفة، سمعت صوتًا آخر يناديها. التفتت فرأت الممرضة تركض نحوها مجددًا.

الممرضة:

"المريضة اللي استقبلناها من الحادث دخلت في غيبوبة! الأشعة أظهرت نزيف في الدماغ!"

حالة من التوتر والغضب الداخلي اجتاحت شمس في تلك اللحظة، كان من المفترض أن تكون قد حصلت على لحظة من الراحة، ولكن هنا كانت مريض آخر في حاجة ماسة لها، لم يكن هناك وقت للتوقف، ولكن الضغوط النفسية كانت تتراكم بشكل كبير عليها.

سامح (بقلق):

"شمس، إنتِ تعبانة، أنا هتولى العملية؟"

لكن شمس، رغم الإرهاق الشديد الذي كان يغمر جسدها وروحها، أجابت بحزم، وهي تعلم أن التراجع غير ممكن:

شمس (بحزم):

"لازم أكون هناك، جهّزوا الأدوات فورًا!"

حتى وهي تضع يديها على المشرط، كان عقلها يردد: "ماذا لو حدث خطأ؟ ماذا لو فشلت؟" لكن شمس كانت تدرك أنها لا تستطيع التفكير في الفشل الآن. كان عليها أن تبقى قوية.

"لا يا شمس مش هينفع، أنا هتولى العملية دي."

لكنها رفضت. كانت لا ترغب في أن تكون مجبرة على ترك المريض الذي بين يديها، حتى وإن كانت بحاجة للراحة. ضغوط لا تنتهي، وأبداً لا يوجد وقت للراحة الحقيقية.

"أنتِ تعبانة، روحي قسم الطوارئ، محتاجينك هناك، وأنا وسامح هنتولى الأمر في غرفة العمليات"

أومأت له شمس قبل أن تذهب من أمامه، بينما استعد هو لدخوله لغرفة العمليات.

بينما استعد عمرو للدخول إلى غرفة العمليات، كانت شمس تنصرف لتأخذ لحظة من التوقف النفسي داخل مكتبه، محاولًة أن تلتقط أنفاسها بعد يوم طويل حافل بالعمليات.

دخل إلى غرفة العمليات،اقترب من السرير الذي تتسطح عليه ، فتح الجمجمة بحذر، كل حركة كانت محسوبة بدقة، أدنى خطأ قد يكون كارثيًا.

عمرو (يراقب الشاشة):

"النزيف بيقل، استمر."

استغرقت العملية أكثر من ساعة، لكنهما نجحا، خرجا من الغرفة وهما يشعران بأن وزن العالم قد سُحب من على كتفيهما.

لكن الليلة لم تكن مستعدة للسماح لها بالراحة، لم تكد تبتعد بضع خطوات حتى سمعت النداء الأخير.

الممرضة (بفزع): "المريض اللي فاق من الغيبوبة دخل في سكتة قلبية!"

ركضت شمس نحو الغرفة، وهناك وجدت الفريق الطبي يحاول إنعاشه بالصدمات الكهربائية.

عمار (بقلق):

"ما فيش استجابة!"

لم تفكر شمس، أمسكت بجهاز الصدمات ووضعت الأقطاب على صدره.

شمس: "جاهزين؟ صدمة ثالثة، حالًا:"

انطلقت الصدمة الكهربائية، لحظة من الصمت، ثم ظهر النبض على الشاشة، عاد الرجل للحياة.

تنهدت شمس بعمق، ثم جلست على أقرب كرسي، وضعت رأسها بين يديها.

لقد كانت الليلة الأطول في حياتها، ثلاثة عمليات، ثلاثة معارك ضد الموت، ونجت فيهم جميعًا.

كانت تقف في شرفة مكتبها تتابع الفجر الذي اخترق الأفق بهدوء قبل أن تدلف صديقتها وهي تقول:

"أخيرًا قررتِ ترتاحي شوية!"

ابتسمت لها شمس وهي ترتشف بعضًا من كوب القهوة الذي أخذته من يد تلك المسكينة التي تنظر لها بصدمة:

"شكرًا على القهوة يا سوسو. "

لتجيبها سارة بحنق:

"بس دة بتاعي"

"وأنا أخدته، اعملي غيره"

أجابتها ببرود جعل الأخرى تنقض عليها تحاول أخذ الكوب منها

"وأنتِ متعمليش لنفسك ليه، اتشليتي مثلًا! "

وإثناء جدالهم هذا وبحركة سريعة وغير مفهومة، كانت محتويات الكوب بأكملها على الذي دلف للغرفة للتو:

"آه، وشي اتشوه، منكم لله، أنا كان مالي ومال الهم دة كله يا ربي"

برافو برافو يا سامح، بس القهوة مجتش ناحية وشك "

كانت تتحدث وهي تنظر تارة ليده التي سُكب عليها الكوب بطريقة غير مفهومة، بينما سارة أردفت وهي تنظر لوجهه:

"مين اللي عمل إعادة تشكيل لوشك يا سامح"

نظر لهم وكأنه تذكر للتو ما جاء لأجله ليقول بحنق:

"المختلين، ماسكين في بعض وحاولت أخلص بينهم، والنتيجة كانت زي ما أنتم شايفين"

ضحك الأثنتان بقوة حتى كادتا أن تسقطا أرضًا قبل أن تخرج شمس وهي تمسح وجهها بضيق من تصرفات هؤلاء الحمقى، بينما حدق سامح بغضب في تلك التي سقطت أرضًا من كثرة الضحك وهي تتخيل ذلك المشهد.

"عمرو، عمار عايزة الملفات دي تتراجع وتكون على مكتبي خلال ساعتين"

تلك الجملة التي نطقت بها شمس بجدية وصوت جهوري وهي تنظر لمن يتجادلان ولا يستطيع أحد التدخل بينهما.

بينما توجهت أنظار كلًا من عمرو الذي كان يغرس أسنانه بكف أخيه، وعمار الذي كان يجذب أخيه من خصلات شعره إلى شمس ومن ثم إلى تلك الجهة التي تشير عليها بيدها بصدمة.

ليردف عمرو وهو يحاول التخلص من قبضة أخيه:

"حاضر حاضر... بس فكوا شعري الأول!"

بينما كان عمار يصرخ:

"مش همشي إلا لما آخد حقي! عضني! والله العظيم عضني!"

نظرت شمس إليهما بنظرة حادة جعلتهما يتجمدان في مكانهما، ثم قالت بلهجة لا تحتمل النقاش:

"الملفات خلال ساعتين، ولا أنتم الاتنين تباتوا في المستشفى مش في بيوتكم!"

أسرع الاثنان بفك اشتباكهما، وأخذا الأوراق من يد سامح، الذي كان يقف يراقب المشهد كأنه يشاهد مسرحية هزلية، ثم انطلقا كالصواريخ إلى مكاتبهم.

سامح (بابتسامة ساخرة وهو يفرك يده المصابة):

"ما شاء الله... عندنا في المستشفى دي مش بس طب... ده ملاكمة كمان، مع مستشفى الحياة مش هتقدر تغمض عنيك."

ردت شمس وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها:

" في المستشفى دي، مهارة إنك تبقى دكتور وكمان تحكم بين المجانين مهارة إضافية مطلوبة."

ضحك سامح ضحكة مكتومة ثم قال:

"طيب، تسمحيلي أروح أعالج إيدي قبل ما أتحول لمريض كمان؟"

أومأت له شمس وهي تبتسم أخيرًا بعد ليلة طويلة جدًا، ثم نظرت إلى النافذة حيث كانت خيوط الشمس تتسلل بهدوء، وشعرت ولأول مرة أن الليلة انتهت، وأنهم رغم كل شيء استطاعوا الصمود.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مضى وقت قبل أن يجتمعوا في غرفة الاجتماعات كما طُلب منهم، يجلسون يظهر على كل منهم الإنهاك، آثار الليلة الماضية عالقة بهم، بعضهم صامت والبعض الآخر يتبادل أطراف الحديث، ولكن ما لفت إنتباههم هو دخول دكتور نبيل مدير المستشفى

نبيل بابتسامة مشجعة:

"بصراحة، ما فيش كلام يوفيكم حقكم، عملتوا كل حاجة ممكن تتخيلوها، وأنا مش عارف أقول لكم قد إيه أنا ممتن ليكم."

ثم وقف لحظة، وأخذ نفسًا عميقًا، وكأنما يتهيأ للحديث عن شيء مهم.

نبيل (بجدية):

"لكن... لكن في حاجة مهمة لازم أقولها. الموضوع هو... الإجازات."

فجأة، انتبه الجميع وتبادلوا النظرات، وكأنهم بدأوا يظنون أن نبيل على وشك أن يقدم لهم إجازة طويلة.

"بناءً على طلبكم إنكم عايزين أجازة، أنا موافق، لكن مش أسبوعين، هتاخدوا أجازة يوم واحد فقط."

فجأة، عادت الابتسامات الساخرة والضحك الخفيف يتناثر في المكان.

شمس (ضاحكة):

"يوم واحد؟ يعني لو رحت البيت وأخدت شاور، هكون رجعت لقيت المستشفى مليانة مرضى تاني؟"

سارة (بصوت ساخر):

"يا سلام، يوم واحد فقط؟ تعبناك معانا والله"

نبيل بابتسامه:

"لو مش عاجبكم أنا ممكن ألغيه عادي"

عمار (بمرح):

"أنا ماشي، هروح أستمتع بكوب من الشاي في البيت... بس في اللحظة دي، لازم أتأكد إن المستشفى مش هيتنكر لي كأنني هارب من أرض المعركة!"

نبيل بحنق:

"مش النهاردة يا عمار، الأجازة من بكرة، وقبل ما كل واحد فيكم يروح على شغله،اسمحولي أقدم ليكم دكتور عدي ودكتور فادي"

في اللحظة نفسها، فُتح باب القاعة، ودخلا بخطوات واثقة، لكن وجهيهما لم يكونا خاليين من التوتر.

ساد الصمت لثوانٍ بدت وكأنها دهور، الجميع يحدق بهما، وكأنهم مخلوقات فضائية هبطت على المستشفى فجأة، نظرات الاستغراب، الفضول، وعدم التصديق كانت واضحة، حتى أن أحد الممرضين كاد يسقط ملفاته من شدة المفاجأة.

أحد الأطباء (باندهاش): "لحظة... هما دول اللي هينضموا للفريق؟!"

ممرضة (بدهشة): "هو احنا في مستشفى ولا في فيلم أكشن؟!"

عمار مغمغمًا لسامح: "والله من أول نظرة ليهم عرفت إن اليوم مش هيعدي على خير."

سامح يضحك بصوت خافت: "اللي على اليمين وشه كله مقالب، واضح إن المستشفى على وشك تدخل مرحلة جديدة من الفوضى."

لكن قبل أن يتحول الاجتماع إلى ساحة استجواب، تقدم  فادي خطوة للأمام، محاولًا أن يبدو رسميًا قدر الإمكان.

فادي بهدوء وهو ينظر للحضور: "عارف أن دخول أشخاص جدد لأي مكان بيكون صعب، لكن أتمنى نتعاون مع بعض، في النهاية كلنا هنا علشان هدف واحد، إنقاذ الأرواح."

نظر إليه الجميع بصمت، ثم وأكمل بثقة:

"صح أحنا غرباء عليكم، لكن قريبًا جدًا، هنبقى زملاء مش بس في الشغل، لكن كمان في الكوارث اللي بتحصل هنا يوميًا."

عمرو ضاحكًا: "أخيرًا حد قال الحقيقة، المستشفى دي عبارة عن فيلم درامي لا ينتهي."

عمار موافقًا: "درامي وكوميدي وأحيانًا رعب، حسب وقت المناوبة الليلية."

ضحكت بعض الممرضات، وبدأ التوتر في القاعة يخف تدريجيًا، كانت تلك هي اللحظة التي قررت فيها شمس أن تأخذ زمام المبادرة عندما لاحظت توترهم.

شمس بابتسامة صغيرة:

"بما إنكم هتشتغلوا معانا، فخلوني أعرفكم على بعض زملائكم اللي هيكونوا مسؤولين عن إرباككم يوميًا."

التفتت إلى عمرو وأشارت إليه قائلة:

"ده الدكتور عمرو، طبيب أشعة وتحاليل، عنده قدرة خارقة على إنه يختفي وقت الشغل ويظهر وقت الأكل."

عمرو رافعًا حاجبيه:

"اعتراض رسمي! أنا مش بختفي، أنا بستغل وقتي في البحث العلمي!"

عمار ساخرًا:

"بحث علمي في إيه؟ أفضل نوع شاي بالمستشفى؟"

ضحك الجميع، قبل أن تشير شمس إلى عمار قائلة: "وده الدكتور عمار، دكتور عظام، لو لقيتوه مبتسم يبقى أكيد حد غلط في التقارير وهنشوف مجزرة قريبًا."

عمار متصنعًا الجدية:

"مش غلط، النظام أهم حاجة في المستشفى."

سامح متمتمًا بصوت خافت:

"قولها بصراحة، أنت بتستمتع بتوترنا."

ثم أشارت شمس إلى سامح قائلة:

"الدكتور سامح، جراح ماهر جدًا، لكن لو لقيتوه قاعد بيقرأ، غالبًا هيكون كتاب بعنوان 'كيف تتجاهل الضوضاء في غرفة العمليات'."

سامح متظاهرًا بالاستياء:

"إيه ده؟! ده تشويه لصورتي المهنية!"

سارة (بضحكة خفيفة): "الكتاب ده لو موجود فعلًا، فأنا عاوزة نسخة."

أخيرًا، التفتت شمس إلى سارة وقالت: "وأكيد لازم أقدملكم الدكتورة سارة، طبيبة الطوارئ العبقرية، لكن بلاش تزعجوها قبل القهوة الصباحية، لأنها بتتحول لوحش كاسر."

سارة (مبتسمة): "أخيرًا حد يقدر معاناتي!"

لكن بينما كانت الأجواء في القاعة مليئة بالمرح، دق جرس الطوارئ فجأة، لينهي تلك اللحظات الهادئة.

رفعت رأسها بسرعة، نظرت إلى الشاشة التي تعرض حالة الطوارئ، ثم التفتت إلى الفريق، كادت أن تتحدث لكن سبقها دكتور نبيل مردفًا

"أظن إن الترحيب انتهى، يلا عندنا شغل!"

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قسم الشرطة – مكتب المرور – وقت الظهيرة

في غرفة ضيقة تتكدس فيها الملفات على الأرفف، وقف علي يتأمل التخطيط المرسوم على السبورة البيضاء، بين يديه كان يحمل ملفًا سميكًا يقلب صفحاته بتركيز ظاهر.

جلس يوسف إلى جوار المكتب، يتصفح بعض الأوراق الرسمية، وعلامات التفكير العميق ترتسم على وجهه.

قال علي وهو يشير إلى التخطيط:

ــ "بص يا يوسف، التلت عربيات خابطة في بعض بشكل مش طبيعي، الزوايا مش راكبة على بعضها خالص."

أجابه يوسف دون أن يرفع عينيه عن الورق:

ــ "المعمل الجنائي بيقول إن الفرامل في العربية اللي في النص بايظة، ومش بسبب الحادث، يعني العطل قديم."

رفع علي حاجبيه بدهشة وقال:

ــ "يعني الراجل كان سايق وهو عارف إن الفرامل بايظة ولا إيه؟"

هز يوسف رأسه بتأنٍ وقال:

ــ "ممكن، وممكن لأ. مش هنفهم إلا لما نسمع شهادته بنفسنا."

وقف يوسف وجمع أوراقه بسرعة وهو يقول:

ــ "يلّا بينا قبل ما حد فيهم يفوق ويغيّر كلامه."

ارتدى علي سترته بسرعة، وقبل أن يتحرك صوب الباب، قال بجدية:

ــ "خليك صاحي كويس، الحادث ده مش حادث عادي. في حاجة مستخبية."

ابتسم يوسف ابتسامة خفيفة وقال وهو يفتح الباب:

ــ "ما أنا عارف... حاستك السادسة دي مبتظهرش في أي قضية إلا وتطلع صح."

تحرك الاثنان معًا نحو الخارج، والهواء مشحون بتوتر خفي، كأن أسرار الحادث تهمس خلف الجدران، تنتظر من يكشفها.

وصلا إلى بوابة المستشفى الرئيسية، ترجل علي ويوسف من السيارة بخطوات سريعة، تتقاذفهما أعين المرضى والزائرين وسط فوضى الممرات المزدحمة بروائح المطهرات والأنين المكتوم.

وقف علي عند مكتب الاستقبال، ألقى نظرة خاطفة على المكان قبل أن يتقدم نحو الممرضة الواقفة خلف المكتب.

قال علي بنبرة ثابتة بعدما أخرج بطاقته ليريها لها: ــ "المقدم علي الجبالي، جايين بخصوص حادث الطريق الصحراوي... فين المصابين اللي جم من هناك؟"

قالت وهي تشير بيدها إلى الداخل: ــ "أوضة خمسة وستة الممر اللي على اليمين، هما سبعة مصابين، بس اللي فايقين وبيتكلموا دلوقتي اتنين بس. الباقي حالتهم وحشة."

شكرها يوسف بإيماءة سريعة.

تبادل علي ويوسف نظرة سريعة، قبل أن يهمس يوسف: ــ "أنا هاخد أوضة ستة، إنت خليك مع الخمسة."

أومأ علي، وتوجها معًا نحو الغرف.

دلف علي إلى الغرفة الأولى، حيث كان شابٌ ممددًا على السرير، رأسه ملفوف بالشاش الأبيض وعيناه نصف مفتوحتين.

اقترب علي ببطء، جلس بجواره وقال بنبرة هادئة: ــ "مساء الخير يا معلم، خليك رايق كده، إحنا جايين نساعدك. ممكن تحكيلي اللي حصل معاك، براحتك خالص."

ارتبك الشاب للحظة، ثم بدأ يحكي بتوتر:

"كنت سايق عادي... فجأة اللي قدامي فرمل جامد، وأنا خبطت فيه، وبعديها حسّيت بضربة كبيرة من ورايا... وكل حاجة اتلخبطت."

دوّن علي ملاحظاته بهدوء، يتابع حركات الشاب بعينيه، وكأنه يلتقط ما هو أعمق من الكلمات.

في نفس اللحظة، كان يوسف قد دخل الغرفة الأخرى.

وجد مريضًا آخر بحالة سيئة، لكنه كان واعيًا بما يكفي لفتح عينيه والهمس ببعض الكلمات.

اقترب يوسف وقال بلطف: ــ "سلامات يا بطل، أنا الرائد يوسف التهامي، محتاج منك شوية تفاصيل بسيطة عن اللي حصل، على قد ما تقدر."

حاول المصاب أن يرفع رأسه قليلًا، ثم قال بصوت واهن: ــ "قبل ما الحادثة تحصل، كنت شايف حد بيجري بعيد عن الطريق، لابس جاكيت غامق."

سأل يوسف بتركيز: ــ "كان بيجري في اتجاه إيه؟ الشارع ولا الطريق؟"

رد الشاب وهو يلهث: ــ "كان رايح عالشارع، وبعدها بثواني حصل الخبطة."

تجمدت نظرات يوسف للحظة، ثم سارع إلى إرسال رسالة لعلي:

> "المريض شاف حد بيجري ناحية الشارع قبل الحادث."

أنهى علي حديثه مع المصاب الأول، وخرج مسرعًا ليلتقي بيوسف قرب الممر.

قال يوسف وهو يخفض صوته:

"في طرف تالت، في حد كان هناك، وممكن يكون ليه علاقة بكل اللي حصل."

شد علي قبضته بقوة، وقال بعزم:

"يبقى نبدأ ندور عالشبح ده ومش هنسيبه."

قبل أن يتحركا، رن هاتف يوسف فجأة.

رقم غريب يظهر على الشاشة.

فتح الخط بحذر، وجاءه صوت مشوش، خافت لكنه محمّل بالتهديد:

ــ "ابعدوا عن الموضوع ده، اللي بيتدخل، بيتدفن."

ثم أغلق الاتصال دون أن يترك فرصة للرد.

تجمد الاثنان في مكانهما، وكأن جدارًا من الخطر التفّ حولهما فجأة، الآن أصبحت شكوكهما مؤكدة وما خُفي خلف ستار الحادث أعظم

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

قائمة الفصول (8)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة