"بعض الغياب حين ينتهي، لا يُنهي الشوق، بل يبدأه من جديد."
فُتح الباب ببطء، ودخلت معه نسمات خفيفة،
خطى واثقة عبرت العتبة، تبعتها رائحة عطر مألوف، خافتة، لكنها قادرة على إيقاظ الذكريات من سباتها من المطبخ، التفتت الأم فجأة، يدها المغموسة في الدقيق توقفت عن الحركة، وعيناها اتسعتا بدهشة امتزجت بالحنين، لم تقل شيئًا في البداية، فقط نظرت، وكأن عينيها لا تصدّقان ما ترى، ثم سقطت المنشفة من يدها، وركضت نحوه بخطوات سريعة لم تعهدها من نفسها منذ سنين
احتضنته بقوة، ودموعها تنزلق على وجنتيها دون خجل
"نور البيت، نور قلبي،حمدلله على السلامة يا نور عيني."
قالتها بصوت مرتجف وهي تُمسك بوجهه بين كفيها كأنها تخشى أن يكون حلمًا
قبل أن يرد، سُمع صوت خطوات مسرعة من السلم
"ماما، أنا وصلت،النهاردة المحاضرات كانت كابوس حرفيًا."
جاء الصوت من فتاة في بداية العشرينات، ترتدي فستانًا أسودًا، ويزين رأسها خمارًا بذات اللون، تحمل في يدها حقيبة ظهر صغيرة، خلت إلى الصالة، وعلى وجهها تعب واضح، لكنها توقفت فجأة، وعيناها تجمدتا على المشهد أمامها
سقطت الحقيبة من يدها
"إنتَ؟!"
قالتها بصوت خافت، لا يُصدّق، بين شكٍّ ويقين، بين فرحٍ وارتباك
ظلّت واقفة مكانها، بينما نظراتها تتنقّل بين والدتها التي لا تزال تحتضنه، وبينه
كأن عقلها يحاول ترتيب الفوضى العارمة التي بداخلها.
"راجعة من الكلية ولا من معركة يا ندى؟" هكذا أردف وهو يفتح لها ذراعيه قبل أن تركض نحوه بفرحة كبيرة:
"مش مصدقة… أنت جيت إمتى؟!"
"لسه داخل، كنت ناوي أفاجئكم."
"وأنا داخلة عليك من الباب! ده حتى المفاجأة ملحقتش!"
ضحك الثلاثة قبل أن تجذبه من يده نحو السفرة:
"طيب تعالى شوف ماما كانت هتعمل لنا ملوخية، الحق نفسك قبل ما أخلصها."
أمه قالت وهي بتضحك:
"هو ده أول ما يدخل لازم ياكل؟"
رد يوسف:
"أنا راجع من سفر، يعني ده حقي القانوني!"
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"علي! "
خرجت الكلمة من شفاه والدته بتلهف، بينما كان والده يردد اسمه في همسات مغمورة بالعاطفة، كان صوتهم يلتقي في نفس اللحظة، كما لو كانا يعبران عن نفس الشعور، شعور مليء بالشوق والسعادة والحب.
"مفاجأة مش كدة."
انهى جملته وهو يذهب لوالدته يحتضنها بشوق كبير، ثم والده.
"عامل إيه؟ أنت كويس صح؟ رجعت امتى؟ اختفيت فين الفترة دي من غير ما تعرفني؟"
ابتسم على وهو يجيب:
" أهدي يا فوز خليني أتنفس الأول، وبعدين أنا قدامك أهو كويس الحمدلله متقلقيش."
لحظات من الصمت يدور بعينيه في المكان قبل أن يردف:
"البيت هادي، شمس مش هنا ولا إيه؟"
"في أوضتها، لسه جاية من برة. "
"هشوف شمس، كملوا الرومانسية دي ولا كأنه حاجة حصلت."
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
خرجت من المرحاض وبيدها منشفة صغيرة تُجفف بها شعرها قبل أن تبصر ذلك الجسد الذي يقف أمام مكتبها الخاص يعبث بأغراضها موليًا ظهره لها.
توقفت في مكانها، لا تعلم من هذا، وما الذي يريده من غرفتها، وكيف دخل هنا من الأساس، وقفت تنظر حولها في الغرفة لثواني قبل أن تمسك بالغطاء الموضوع فوق السرير وبحركة سريعة كانت تُلقيه فوقه، ومن ثم جذبته لتوقعه أرضًا وهي تصرخ:
"حراااامي، جاي تسرقنا؟ لا وجاي تسرق كتبي دة أنت ليلتك مش فايتة."
"يا بنت المجانين، حرامي مين يا هبلة أوعي كدة."
"كمان بتشتمني، طيب أنا هوريك."
أنهت جملتها وهي تقوم بضربه ضربات متتالية ومن ثم قامت بعضه، في نفس اللحظة التي فُتح باب الغرفة ودلف والداها اللذان نظرا بدهشة لما يحدث.
حيث كان جسد يختفي تحت غطاء السرير، وشمس تحتجزه بين جسدها والمكتب، وتغرس أسنانها بيده الظاهرة من أسفل الغطاء.
"أنتِ بتعملي إيه؟!"
حركت شمس عينيها تجاه والدتها التي تحدثت للتو، بينما ما زالت أسنانها عالقة بكفة يده.
"بعُض الحرامي علشان ميفكرش يلمس كتبي بإيده مرة تانية، ومحدش هيرحمه مني، مش علشان حرامي، لكن علشان لعب في مكتبي وترتيب كتبي."
أنهت جملتها وهمت بضربه مجددًا قبل أن يتوجه والدها يبعدها عنه قبل أن يسقط أرضًا من شدة الضحك.
نظرت شمس لوالدها ومن ثم والدتها التي يبدو أنها لم تستوعب شيئًا مما حدث بعد، ومن ثم نظرت نحو ذلك اللص الذي يحاول الفرار من ذاك الغطاء الذي يحتجزه.
وقبل تتحدث بحرف رأته ينزعه عنه يُلقيه على وجهها وهو يعني يصيح بها:
"حرامي إيه اللي هيدخل بيتنا، وبعدين حرامي أيه اللي هيسرق كتب دة"!
" حرامي كُتب."
قالتها دون وعي قبل أن تنظر له بصدمة كبيرة، وكأنها للتو استوعبت هوية ذاك الذي يقف أمامها.
"علي! أنت بجد ولا كدة كدة؟"
أنهت جملتها ومن ثم أغمضت عينيها عدة مرات، تحاول إستيعاب حقيقة وقوفه أمامها الآن بعد غياب دام لمدة عام.
لتأتيها أجابته مؤكدًا لها أنه بالفعل يقف أمامها الآن:
"أعتقد إني حقيقي وجدًا كمان."
لم يكد يُنهي جملته حتى وجدها تُلقي بجسدها بين أحضانه تتحدث من بين شهقانها:
"علي! لو دة حلم مش عايزاه ينتهي، أنت وحشتني أووي، هونت عليك ازاي الوقت دة كله متكلمنيش؟ أنن حتى مودعتنيش قبل ما تمشي."
وعند هذه الفكرة أرتد جسدها للخلف بعنف تبتعد عنه:
"ابعد عني متلمسنيش، معرفتنيش إنك هتسافر، سبتني من غير ولا كلمة، كنت عارف إنك هتمشي يا علي ومكلفتش نفسك تعرفني."
ابتعدت عنه لتجلس على حافة الفراش، تحاول تنظيم أنفاسها المضطربة كمشاعرها وأفكارها، اشتعل الصراع بداخلها، صراع ما إن اندلع تكون أنت الخاسر الوحيد به، صراع يدور بين رغبة قلبها في نسيان كل شيء والاكتفاء بعودته، وعقل وضع أمامها كل ما مرت به منذ علمت برحيله، كيف قضت أيامها وهي تنتظر منه اتصالًا بعدما يأست من الوصول إليه، كيف قضت ليالٍ تبكي رحيله دون أن يكلف نفسه جهد إخبارها حتى نال الجفاف من عينيها، لقد قضت أيام وليالٍ عجاف منذ رحيله، والآن عاد بكل بساطة وكأنه لم يفعل شيئًا قط، هانت عليه وهذا سبب كافي لتكبت رغبتها ورغبة قلبها داخلها، لن ترضى بهذه السهولة.
كادت والدتها أن تتحدث، ولكن وجدت زوجها يسحبها للخارج بهدوء هامسًا لها:
"بلاش نتدخل، سيبي علي هيعرف يتصرف."
أما الآخر كان واقفًا يراقب رجفة جسدها من الخلف، يعلم ما تعانيه الآن، يدرك أنها عالقة في المنتصف بين طرفيّ الصراع داخلها، أقترب منها ببطئ حتى جلس القرفصاء أمامها، واضعًا كفتيه على كفتيها.
"ابعد عني، متلمسنيش."
خرجت منها تلك الكلمات وهي تجذب كفيها بسرعة من أسفل كفيه، تحاول الابتعاد عنه.
"أهدي يا شمس، مش هلمسك، بس علشان خاطري أهدي وخليكِ مكانك."
خاطري! اللعنة على هذه الكلمة التي أجبرتها على الجلوس، فمن هي لتكسر خاطره، منزعجة، غاضبة، تتألم، ولكنها لن تكسر خاطره قط، غالٍ خاطره كما هو تمامًا، لا أحد يستحق أن يُكسر خاطره مهما حدث، فكيف إن كان هو؟
"آسف، غلطت في حقك وهقبل عقابك أيًا كان إلا نظرتك دي وبعدك عني، كان لازم أبعد، مقدرتش أقول ليكِ، مكنتش هتوافقي لو عرفتي قبلها، كنتِ هتعيطي وكنت هلغي كل حاجة لأجل دموعك، ومع كل دة نويت أعرفك والله، لكن وقت السفر اتقدم يومين، يومها بعد ما دخلنا ننام لقيت بابا بيصحيني وبيعرفني إنه لازم نتحرك دلوقتي، مكنتش فاهم حاجة وقتها، أو ليه المعاد اتقدم يومين، حقك عليا، كنت مفكر إني هقدر أتواصل معاكِ من هناك، لكن كان ممنوع استخدام أي وسيلة تواصل في مقر التدريب، متعيطيش يا شمسي، مفيش حاجة تستاهل دموعك."
"خدني في حضنك. "
كانت هذه الكلمات الثلاثة التي نطقت بها إعلانًا عن انتصار رغبة قلبها في هذه الجولة، لم تمر ثواني حتى وجدته يُحيط جسدها الصغير بذراعيه، لم يخرج حرف من كليهما، كانت كمن وجد ضالته بعد ركضٍ طويل أصابها بالفتور، أما هو فأراد أن ينعم بقربها هذه اللحظات، يقسم بداخله أنه سيعوضها عن كل لحظة لم يكن بها بجانبها فيها.
استمر الوضع هكذا حتى شعر بثقل رأسها، وانتظام أنفاسها؛ ليدرك أنها ذهبت لعالم أحلامها، ومن ثم قام بحملها برفق واضعًا جسدها فوق الفراش قبل أن يُلقي بجسده بجانبها، ينظر لدموعها العالقة في أهدابها بأسف شديد قبل أن يُغلق عينيه مُستسلمًا لرغبته في أن ينال بعض الراحة بالقرب منها، ولما لا وهي صغيرته وتوأم روحه، نصفه الثاني الذي لا يمكنه أن يحيا بدونه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نايمين
خرجت هذه الكلمة من حسن بعد أن خرج من غرفة شمس مُتجهًا نحو زوجته يجلس بجانبها.
إيه اللي بيحصل يا حسن؟ كان عندك علم بنزوله صح؟
لو كنت أعرف مكنتش هخبي عليكِ، سبب نزوله بدري هنعرفه منه لما يصحى، مفيش داعي للخوف دة كله.
هزت رأسها بالإيجاب قبل أن تتحرك صوب مكانها المُفضل تاركة إياه خلفها، ليغرق في بحر أفكاره، يتمنى أن يكون كل شيء بخير
قاطع حبل أفكاره صوت هاتفه ليجيب عليه سريعًا:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلًا معالي الوزير.
مسافة السكة وأكون في المكتب.
أغلق هاتفه وتوجه للغرفة ليبدل ملابسه سريعًا، لم تمر دقائق وكان يخرج من الغرفة تزامنًا مع خروج شمس من غرفتها يلحق بها علي:
رايحة فين دلوقتي، وبابا أنت كمان رايح فين؟
حالة طوارئ في المستشفى/ الوزير في المكتب. هكذا أردفت شمس تزامنًا مع والدها.
ومن ثم نظروا لبعضهم البعض بملامح يشوبها القلق.
أنا جاي معاك، وشمس تعالي هنوصلك في طريقنا يلا.
انهى جملته وتحرك صوب الخارج وخلفه كلا من شمس ووالدها، بينما وقفت فوزية التي خرجت من المطبخ للتو على صوتهم تحمل الطعام، لتراهم يخرجون من المنزل، ومن ثم نظرت للطعام الذي بيديها تارة، وتارة أخرى للباب
أومال أنا عاملة الأكل دة لمين، يلا مش هضيع تعبي هاكل أنا، تسلم إيدي والله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"خد يمكن الشاي يفكلك لسانك شوية." قالتها ندى وهي تجلس بجانبه.
أردف يوسف بعدما أخذ منها ما تحمله إليه بابتسامة صغيرة:
"لساني متعقد كده؟"
ندى:
"مش متعقد، بس عينك حكاية لوحدها، من ساعة ما جيت، وانت شايل جبال على صدرك."
يوسف بيتنهّد، وبيبص قدامه:
"كانت حاجة أكبر مني، أكبر من اللي اتدربنا عليه. شُفت ناس بتموت عشان الوطن، وناس بتبيع بلدها برخص التراب."
ندى (بقلق):
"إنت اتصبت؟"
يوسف بيهز راسه:
"لا بس كنت على حافة الموت أكتر من مرة. وفي لحظة، كنت هضطر أختار بين ضميري... وبين أوامر لازم أنفذها."
ندى (بصوت منخفض):
"يعني خُنت الأوامر؟"
يوسف يلف لها بهدوء، وعينه مليانة وجع:
"لما تلاقي طفل ماسك حجر بيحاول يدافع عن بيته، وأنت المفروض تبلّغ عن مكانه ساعتها بتفهم إن الأوامر ساعات بتتعارض مع إنسانيتك."
صمتت ندى لثوانٍ قبل أن تردف:
"اللي عملته كان صح، حتى لو حد تاني شايفه غلط. بس متكتمش جواك، الكلام بيريّح، حتى لو مش بيحل."
يوسف يبتسم ابتسامة باهتة:
"عارفة يا ندى... كنت في لحظة محتاج صوتك. كنت بفتكر ضحكتك لما أدوّخك في السواقه، وكلامك عن حلمك تبقي كاتبة مشهورة، كنت محتاج الحاجات الصغيرة دي عشان أفتكر أنا ليه بقاتل."
ندى بتأثر:
"وإحنا كنا محتاجينك ترجع... مش مهم إزاي، المهم إنك معانا دلوقتي."
"إيه ده؟! دي خربوشة من قطة ولا من مهمة سرية؟"
يوسف يضحك بخفة:
"قطة؟! دي من سلك شائك وأنا بهرب من فوق سور."
ندى ترفع حواجبها وتقول بتريقة:
"آه يعني كنت بتهرب من المدرسة ولا إيه؟"
يوسف:
"ما هو فعلاً شبه مدرسة، بس بدل المدرسين فيه قناصة!"
ندى تضحك بصوت عالي، وبعدين تقوله وهي بتحط إيدها على قلبها:
"يا لهوي، طب كنت بتهرب ليه؟ مفيش خروج إلا بإذن ولي الأمر؟"
يوسف يقلد صوت جاد:
"لازم تجيبي ورقة من المخابرات وتوقعيها من المأمور والمأذون!"
ندى:
"طب ما تنقل شغلك عندنا في الكلية، عندنا دكتور اسمه نبيل، لما بيشرح بحس إني في مهمة سرية عشان أفهمه!"
أردف يوسف ضاحكًا :
"طب والله ده أخطر مني! أنا على الأقل العدو قدامي، إنما الدكتور نبيل عدوه اللغة العربية!"
ندى وهي تمسك بطنها من كثرة الضحك:
"أنا هسكت عشان هتنفّضلي حضور المحاضرات الجاية!"
يوسف يقوم بسرعة ويوجه كلامه بجدية مصطنعة:
"قومي جهّزي العشاء، دي أوامر من القيادة العليا!"
ندى وهي بتسحب المخدة وتهدد بيها:
"قيادة إيه يا عم؟! ارجع مكانك قبل ما تترقى لمريض بالعناية المركزة!"
يوسف يضحك ويمسك المخدة التانية ويبدأوا يتخانقوا بيها في هزار خفيف، ووسط الضحك، يدخل عليهم صوت أمهم من أوضة النوم:
"قوموا ناموا، بقى هو ده اللي رجعت عشانه من الموت؟ عشان تلعبوا مخدات؟!"
ندى بصوت واطي وهي تضحك:
"رجع من المهمة السرية عشان ياخد علقة سرية!"
يوسف (يهمس وهو يضحك):
"بس يا مجنونة دي أمي مش القائد الأعلى!"
أغلق هاتفه، ووضع يديه على رأسه وقال بضيق:
"مش قادر أرتاح حتى دقيقة، الدنيا دي بتدور ولا أنا اللي بلف فيها، كل شوية شغل يوسف يوسف، حد قال ليهم إني ريبوت. "
"يعني يا يوسف، مفيش يوم بيمشي من غير ما تلاقي نفسك في مأزق؟ "
"مآزق مش مأزق واحد"
"تروح وتيجي بالسلامة يا حبيبي، خلي بالك من نفسك، متتأخرش"
يوسف (وهو بيضحك بحزن):
"الله يسلمك يا غالية، بس مش عارف إذا كنت هقدر أرجع في نفس اليوم ولا هيكون عندي كتاب جديد: كيف تبقى معلق بين الحوادث."
ربما لا يُشفى القلب بالعودة، لكنه على الأقل يتوقف عن النزيف."
𝑵𝒂𝒅𝒂 𝑴𝒂𝒎𝒅𝒐𝒖𝒉 "𝑶𝒓𝒊𝒂𝒏𝒂