بين باب وحب

بين باب وحب

16 0

"تبدو البيوت أحيانًا كأنها ملاذٌ أبدي، حتى يُطرق بابها بما لا يُتوقع."

في بيتٍ يتنفس الطمأنينة، حيث يختلط عبق الشاي بدفء الضحكات، تبدأ الحكاية خلف الجدران الكريمية واللوحات الصغيرة، تنسج شمس يومها العادي بحيوية لا تخبو، بينما يدور عالمها الصغير بين أبٍ حنون وأمٍ لا تخفي غيرتها الطفولية، لكن حتى أكثر البيوت هدوءًا، قد يدق بابه طارئٌ يعكر صفو اللحظة، ويوقظ الأسئلة من سباتها.

دخلت فتاة في منتصف العشرينات، إلى البيت بوجه مشرق وابتسامة واسعة، حقيبتها معلقة على كتفها، تنبض بالطاقة والحيوية.

"مساء الخير والسكر على عيونك يا حجوج!"

قالتها شمس بحماس وهي ترمي حقيبتها جانبًا وتتجه نحو والدها.

رفع حسن نظره مبتسمًا، طيّ الصحيفة بين يديه: "مساء النور يا شموسة، عاملة إيه؟ طمنيني عليكِ."

"بخير الحمد لله، ويوم شغل طويل جدًا."

أجابت وهي تجلس بجواره، تمدد قدميها بتعب واضح، حذاؤها ذو الكعب الصغير ينزلق عن قدميها أثناء الجلوس.

لكن لم تمر سوى لحظات حتى خرجت فوزية من المطبخ، تمسك بمنشفة صغيرة تُجفف بها يديها، وهي تقول بنبرة تمثيلية محملة بالغيرة المصطنعة:

"أجيبلك اتنين لمون يا حسن؟ ولا عايز شمس تدلعك أكتر مني؟"

ضحكت شمس وهي تنظر إلى والدتها التي ترتدي مريلة مطبخ مطرزة، تقف أمامهما واضعة يدها على خاصرتها بنظرة ماكرة:

"إيه يا ماما؟ بتغيري عليا من بابا؟ ده أبويا يعني."

تقدمت فوزية بخطوات بطيئة، وعيناها تراقبان زوجها الذي كان يبتسم بلا توقف:

"ما هو قبل ما يبقى أبوكِ، كان جوزي. شوفي نفسك يا شمس، أنا هنا المدام."

انفجر حسن ضاحكًا، يُعدل جلسته على الأريكة:

"يا فوزية، هو إحنا في حرب أهلية؟ دي بنتك يا حبيبتي. "

ردت فوزية بنبرة مصطنعة، وهي تقلب عينيها نحو شمس: "ماشي يا حسن، خلي بنتك تتدلع عليك كده، بس لو نادتك حجوج تاني، هنسميها حجية شمس."

انفجرت شمس بالضحك، وقالت وهي تميل برأسها على كتف والدها:

"إنتي عارفة يا ماما إني بحبك جدًا، بس متقدرش تمنعيني أقول حجوج. ده بابا بتاعي."

وضعت فوزية يدها على جبينها بشكل مسرحي:

"شوفوا الكلام يا ناس! بابا بتاعها! وأنا ماليش حد؟"

ثم التفتت فوزية نحو حسن قائلة:

"هقوم أعملك شاي يا حجوج، علشان بنتك بتتكلم كأنها الهانم هنا."

بينما كانت فوزية تتوجه نحو المطبخ، تبادلت شمس وحسن النظرات وانفجرا في الضحك.

"ماما دي نكتة الموسم." قالت شمس وهي تكتم ضحكتها.

من المطبخ، جاء صوت فوزية، تتحدث بصوت عالٍ مع ضحكة مكتومة:

"سمعاكوا، بس استنوا أما أرجع وأشوف مين هيضحك على مين!"

شمس وضعت يدها على خدها وهي ترد بابتسامة: "عيل صغير يا فوز ده أنا زي بنتك وحسن زي جوزك برضو."

"ادخلي غيري هدومك يا حبيبتي وارتاحي شوية يكون الأكل جاهز."

"تمام يا حبيبي."

"اتلمي يا شمس علشان شكل الشبشب وحشك."

"أهون عليكِ يا فوز! ده أنا شمس حبيبتك." قالتها شمس بحزن مصطنع وهي تنظر نحو المطبخ.

جاء رد فوزية سريعًا، بنبرة أقرب للتهديد المازح:

"تحبي آجي أعرفك تهوني ولا لا بنفسي؟"

أجابتها شمس وهي تضحك، ترفع حقيبتها عن الأرض: "لا وعلى إيه، أنا هدخل أرتاح شوية لغاية ما تجهزي الأكل."

توجهت شمس نحو غرفتها التي كانت تعج بالكتب والروايات.

الغرفة تُشبه مكتبة صغيرة؛ الجدران مُزينة برفوف خشبية مرتبة بدقة، تحمل مئات الكتب بألوان وأحجام مختلفة، على طاولة صغيرة بجانب السرير، كان هناك كوب قهوة فارغ ودفتر ملاحظات مفتوح على صفحة مليئة بالكتابة.

على المكتب الخشبي الملاصق للنافذة، وُضعت مجموعة من الأقلام والمفكرات المزخرفة، بينما يتناثر عليها أوراق مليئة بخط يدها الذي يعكس أفكارها المبدعة.

قرب السرير، وقف مصباح قراءة دافئ يلقي نورًا خافتًا على كرسي مريح.

فوق السرير، لوحة جدارية مكتوب عليها بخط أنيق:

"القراءة حياة أخرى."

ألقت شمس بنفسها على الفراش الناعم، أغمضت عينيها للحظات ثم نهضت لتأخذ ملابسها وتتوجه إلى المرحاض، مستعدة لحمام دافئ يريح أعصابها بعد يوم طويل.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

أما على الجهة الأخرى أقترب حسن من فوزية التي تُعد الطعام

أنتِ زعلانة بجد يا فوز!

قالها حسن وهو ينظهر لملامح فوزية العابثة.

أيه اللي يزعلني، عادي خالص، فيها إيه يعني لما تحضن شمس وأنا لا.

أردفت بتذمر دون أن تنظر له.

"أنا وقلبي وحضني ليكِ يا فوز، دي الحقيقة اللي مفيش حاجة ممكن تغيرها."

هكذا أردف حسن وهو يحتضن فوزية من الخلف واضعًا ذقنه أحد كتفيها ويديه على خصرها.

"أيوة أيوة كل بعقلي حلاوة. "

قالتها فوزية في محاولة منها لعدم إظهار تأثرها بحديثه.

"دي الحقيقة إنه قلبي دق لأول مرة لما شاف عيونك، تخيلي واحد معندوش قلب قضى حياته كلها بين المجرمين، قبلك كنت قلبي حجر، كنت شخص قاسي، أنا مبقتش إنسان غير لما عرفتك يا فوز، تخيلي شخص الهزيمة مش موجودة في قاموسه، عيونك يا فوز عملت اللي مفيش مُجرم قدر يعمله، عيونك هزمتني يا فوز، وضحكتك أطاحت بقلبي وجبروتي."

قالها حسن بصدق بدى جليًا في صوته ونظراته لملامحها التي أصبحت تكسوها حُمرة الخجل.

كانت ستجيبه قبل يظهر صوت صفير

"الله الله يا سيادة اللواء، إيه الحلاوة دي."

التفت الاثنان نحو مصدر الصوت بصدمة مرددين في آن واحد:

"علي!"

وبينما كانت الضحكات تتصاعد في بيتٍ يعجّ بالدفء والحياة، وفي الزاوية الأخرى من المدينة،

كان هناك بيتٌ آخر مختلف في نبرته، بيتٌ لا تُسمع فيه ضحكات عالية، ولا تتراقص فيه الألوان، كل شيء فيه هادئ، مرتب بدقّة، كما لو أن الزمن يمشي فيه على أطراف أصابعه، الستائر المصفّفة بعناية، الأرائك التي لا تحمل آثار الجلوس، والجدران التي تكتفي بالصمت.

في هذا الصمت، صدر صوت المفتاح وهو يدور في الباب، انفتح البيت على نَفَس جديد.

انفتح الباب ببطء، ودخلت معه نسمات خفيفة كأنها تنبّه الجدران الهادئة بأن شيئًا سيتغيّر

خطى واثقة عبرت العتبة، تبعتها رائحة عطر مألوف، خافتة، لكنها قادرة على إيقاظ الذكريات من سباتها من المطبخ، التفتت الأم فجأة، يدها المغموسة في الدقيق توقفت عن الحركة، وعيناها اتسعتا بدهشة امتزجت بالحنين، لم تقل شيئًا في البداية، فقط نظرت، وكأن عينيها لا تصدّقان ما ترى، ثم سقطت المنشفة من يدها، وركضت نحوه بخطوات سريعة لم تعهدها من نفسها منذ سنين

احتضنته بقوة، ودموعها تنزلق على وجنتيها دون خجل

"نور البيت، نور قلبي!"

قالتها بصوت مرتجف وهي تُمسك بوجهه بين كفيها كأنها تخشى أن يكون حلمًا

قبل أن يرد، سُمع صوت خطوات مسرعة من السلم

"ماما، أنا وصلت!"

جاء الصوت من فتاة في بداية العشرينات، ترتدي فستانًا أسودًا، ويزين رأسها خمارًا بذات اللون، تحمل في يدها حقيبة ظهر صغيرة، خلت إلى الصالة، وعلى وجهها تعب واضح، لكنها توقفت فجأة، وعيناها تجمدتا على المشهد أمامها

سقطت الحقيبة من يدها

"إنتَ؟!"

قالتها بصوت خافت، لا يُصدّق، بين شكٍّ ويقين، بين فرحٍ وارتباك

ظلّت واقفة مكانها، بينما نظراتها تتنقّل بين والدتها التي لا تزال تحتضنه، وبينه

كأن عقلها يحاول ترتيب الفوضى العارمة التي اجتاحت صدرها في لحظة

"في بعض اللحظات، يكفي أن تفتح الباب لتكتشف أن الحياة كانت تخبئ لك خلفه أكثر مما كنت تتوقع، أشياء لم تُكتب بعد، لكنها موجودة في الزمان والمكان، تنتظر لحظة ظهورها."

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

قائمة الفصول (8)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة