كان صباحًا دافئًا، الشمس تنسلّ بين ستائر الشرفة برفق، كأنها لا ترغب في إزعاج أحد. استيقظت شمس متأخرة، ولأول مرة منذ أسابيع، لم تسرع في ارتداء البالطو الأبيض، ولم تسمع رنين هاتف المستشفى أو نداء الطوارئ.
مدّت يدها نحو فنجان القهوة، وجلست على طرف السرير تقلب أفكارها، لكنها قطعتها بنفسها قائلة:
"مش هفكر في حاجة النهاردة، يوم أجازة يعني أجازة."
التقطت هاتفها وقامت بالإتصال بسارة، التي أجابت بتثاؤب:
"يا بنتي انتي صحيتي بدري كده ليه؟ مش يوم أجازة ولا أنا واهمة؟"
شمس:
"بدري إيه؟ دي الساعة عشرة ونص!"
سارة:
"آه صح، أنا نسيت نفسي في النوم، بس كويس إنك فوقتيني. هنخرج؟"
شمس:
"هو أنا اتصلت ليه غير كده؟ لبسي وتعالي، نفسي أمشي على الكورنيش، نغيّر جو شوية."
ــــــــــــــــــــــــــ
خرجت شمس من شقتها، وغادرت إلى حيث يلتقي الصمت مع البحر، وفي دقائق معدودة كانت قد وصلت إلى الكورنيش كان الهواء اللطيف يعانقها برفق، ويهدئ أعصابها التي اعتادت على الصخب.
عند الكورنيش، كان البحر يتلاطم برفق على الصخور، وصوت الأمواج يحمل شيئًا من الطمأنينة. جلست شمس بجانب سارة سارة على السور الحجري، كل واحدة تحمل كوب عصير، والهواء يلعب بخصلات شعرهما.
سارة:
"عارفة؟ لما بنبعد عن المستشفى بحس إن فيه حاجات تانية في الحياة، ناس عايشة، وضحك بجد، مش إحنا اللي طول الوقت بنجري ورا الجروح."
ابتسمت شمس، لكنها لم تُعلّق، واكتفت بالنظر إلى البحر، حيث تلاشت كل الأفكار المزعجة في فضاءاته الواسعة.
ثم، وفي لحظة مفاجئة، قالت سارة:
سارة:
"هو عمرو بعتلك رسالة امبارح؟"
شمس: "عمرو؟ لا، ليه؟"
سارة: "كان بيقول إن سامح اتخانق معاه تاني، وده بعد ما مشينا إمبارح، شكله مضغوط أوي اليومين دول."
أطرقت شمس قليلًا، تأخذ وقتها لتفكر في كلمات سارة. ثم قالت بهدوء:
"هو دايمًا كده ساكت بس شايل الدنيا على دماغه، ومش بيرمي همه على حد."
ساد الصمت لدقائق قبل أن تلتقط شمس هاتفها وتلتقط عدة صور للبحر والسماء
"آسو، تعالي نتصور يلا"
"أيوة بقى أرجعي لشمس اللي نعرفها". أردفت بها سارة بسعادة قبل أن تنهض رفقة شمس ليلتقطا عدة صور معًا.
" علي رجع من السفر وملحقتش أقعد معاه بسبب الشغل "
" طيب ليه نزلتي؟ كان أفضل لو قضيتوا اليوم سوا"
"مرجعش من شغله، في الوقت اللي رنوا عليا من المستشفى طلع هو وبابا علشان الحادث نفسه تقريبًا، سمعت علي بيكلم صاحبه وبيقول ليه يروح على المكان ويتقابلوا هناك"
ساد الصمت لثوانٍ قبل أن يتبادلا النظرات قبل أن تردف سارة بابتسامة تحمل الكثير
"بتفكري في اللي بفكر فيه؟!"
ابتسمت شمس ابتسامة شيطانية لا توحي بالخير بتاتًا:
"على بركة الله"
تبادلا النظرات قبل أن تردف سارة:
"هنلبس إيه في الحفلة؟"
"نشوف أسماء وسها وننزل سوا يوم الجمعة"
"مش مصدقة إنه كلها شهر وهتكون الذكرى التانية لتأسيس المستشفى" أردفت بها سارة وهي تنظر للسماء
"حققنا نجاحات كتير أوي، بس محدش غيرنا يعرف اللي فيها. "
"أنتِ ماسكة في النكد ومتبتة فيه ليه، صح مرينا بحاجات كتير صعبة، لكن بصي لنص الكوباية المليان"
ابتسمت شمس وهي تردف:
"معاكِ حق، من غير المواقف الصعبة مكناش وصلنا لحاجة دلوقتي، الله عليا بقول حكم. "
لتردف سارة بضحك
"طيب يا أختي يلا قومي كفاية كدة الشمس ولعت في دماغي، نتحرك على البيت عندك علشان فوز عندنا وأنتِ عارفة إجتماع أمي وأمك بيكون عامل أزاي"
ضحكت شمس بصخب:
"دة احنا هنشوف أيام عنب الفترة الجاية، وأنا أقول فوز راحت فين على الصبح، لا وكمان مجهزة ليا القهوة، والله اشتقتت لخططهم"
"خالتي مجهزة ليكِ القهوة وسابتك نايمة؟!"
أردفت بها سارة بصدمة قبل أن تصيح بشمس متسائلة:
"أنتِ مش هتبيعيني بفنجان قهوة ونومة يا شمس صح"
"يعني...بصراحة العرض مُغري، وبعدين أنتِ تطولي تتجوزي المقدم علي الجبالي. "
" أنا وعلي سوا؟! لا لا مستحيل. "
"الحركتين دول تعمليهم عليهم مش عليا يا آسو يا حبيبتي"
نظرت سارة للبحر أمامها ورددت بتعلثم:
"تـ تقصدي إيه بكلامك دة؟"
نظرت لها شمس بخبث قبل أن تردد وهي تنهض:
"قصدي أنتِ فهماه كويس."
"أنتِ كلامهم أثر عليكِ أكيد" أردفت بها سارة وهي تصعد في سيارتها.
"ممكن، بس طالما أنتِ مش بتقولي إنه مفيش حاجة يبقى هخليهم يغيروا الخطة"
أردفت شمس باستفزاز وهي تراقب الأخرى.
"الخاسر ينفذ كلام التاني لمدة 24ساعة". أردفت بها سارة بعدما قامت بتشغيل السيارة.
"جهزي نفسك لتنفيذ طلباتي"
صاحت بها شمس وهي تراقب سيارة سارة وهي تتحرك أمامها قبل أن تتبعها هي بسيارتها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"يعني إيه تسيب شغلك في نصه وترجع يا سيادة المقدم" صاح بها حسن وهو يضرب بكفه على المكتب بغضب.
"بس أنا مسبتش شغلي في نصه، أنا معرفش إيه اللي اتقال ليك، بس أنا عملت الصح. " أردف بها علي بهدوء.
"الصح! وهو من امتى الصح إنك تخالف الأوامر؟!"
نهض علي من على مقعده، وقد طفح به الكيل ليردف بحدة:
" الموت أهون عليا من تنفيذ الأوامر اللي مقابلها هتخلى عن ضميري وأخسر نفسي، وأخلف بالقسم اللي قطعته يا سادة النقيب. "
كاد أن يتحدث حسن بغضب قبل أن يُفتح باب الغرفة وتتجه أعينهم نحوه بتلقائية
"في إيه؟! صوتكم جايب لآخر لآخر الشارع ليه. "
قلبت عينيها بينهما قبل أن تقترب من أخيها
"من أمتى وصوتك بيعلى على بابا يا علي، أنت أتجننت؟!"
أشاح علي ببصره عنها، ومن ثم تخطاها وخرج من الغرفة دون أن ينطق بحرف واحد.
نظرت في أثره بعدم استيعاب، قاطع شرودها صوت والدها:
"جهزي حاجتك علشان هنسيب البيت"
"نسيب البيت ليه؟ هو إيه اللي حصل يا بابا؟ "
وها هو والدها يتركها دون إجابة واضحة ويخرج كما خرج أخاها من قبل.
نظرت في أثرهما بصدمة وهي تردف
"مالهم دول!"
قاطع ذهولها صوت الضحكات التي ملأت أنحاء الغرفة:
"يا الله، هموت، منظرك وأنتِ بتتكلمي ويسيبوكي ويمشوا"
نظرت لها شمس نظرة ألجمتها
"هتسيبوا البيت ليه؟ " أردفت بها سارة بغباء.
نظرت لها شمس قبل أن تتركها وتذهب نحو غرفتها.
أردفت سارة وهي تراقب رحيل شمس:
"هو إيه البيت اللي بيجاوب على الأسئلة بالنظرات دة!"
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"عمرو، عمرو، أنت يا غيبوبة أصحى "
"أعععع في إيه؟ المستشفى بتغرق يا نهار أسوح"
"دة منظر دكتور دة، عليه العوض ومنه العوض"
هكذا أردف عمار بحنق.
عمرو بغيظ:
"عايز إيه يا زفت، بتصحيني ليه بدري، النهاردة أجازتي ومش هقطعها لأي سبب كان"
أنهى جملته ووضع الوسادة فوق رأسه وعاد للنوم مجددًا، بينما الآخر رمقه بقلة حيلة قبل أن يخرج من الغرفة.
في تلك اللحظة دق الباب بعنف، توجه عمار نحو الباب وهو يتوعد للطارق بهذا الشكل فتح الباب وكادت لكمته أن تُصيب وجه الطارق، ولكن تلك الجملة جعلت يده مُعلقة في الهواء:
"بكرة خطوبة سيلان على المنافق"
كانت تلك الجملة التي استطاعت أن تجعل ذاك النائم ينهض عن فراشه مُسرعًا، وفي ثواني معدودة كان يمسك بذاك الطارق من ياقة قميصه:
"سيلان مين؟ أنت واعي للي بتقوله يا سامح؟!"
أردف سامح وهو يحاول تنظيم أنفاسه، بعدما نفض يديّ عمرو عنه:
"وهو أنا لو مش واعي إيه اللي يخليني آجي على ملى وشي، أوعى إيدك كدة خليني آخد نفسي."
أنهى جملته وقام بإنزال يد عمار المُعلقة في الهواء، ومن ثم أبعد عمرو عن طريقه وتوجه للداخل، ليُلقي بجسده فوق الأريكة وهو يصيح بهاذان اللذان لم يخرجا من صدمتهما بعد:
"مش وقته صدمة الله يستركم، لازم نتحرك."
صاح بهم عمرو بغضب:
"مستنيين إيه؟ يلا بينا على هناك."
أجابه سامح وهو يجذبه للداخل:
" استنى، أنت رايح فين! احنا ممنوعين من الدخول"
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
جلست شمس على فراشها بعدما انتهت من وضع ملابسها داخل الحقائب تتنفس بعمق.
"حتى خالتو متعرفش حاجة عن موضوع إنكم هتسيبوا البيت" أردفت بها سارة التي دلفت للغرفة للتو.
"كدة كدة مش هنعرف اللي بيحصل، فكك كدة وتعالي نروح البيت عندكم؛ لأنه نيرو وحشتني"
"اشطا على الأقل أفضل من الحيرة دي، كمان هتباتي معايا وننزل المستشفى سوا"
"على ذكر المستشفى، دكتور فادي وكتور عدي تفتكري بيعملوا إيه دلوقتي؟" أردفت شمس بتساؤل
سارة بضحك:
"مش عارفة بصراحة، لكن متأكدة إنهم ندمانيين على تفكيرهم في الانضمام لينا"
نهضت شمس وهي تردف:
"يلا يا آسو؛ علشان منتأخرش، الساعة بقيت 4 العصر "
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كان الطريق خاليًا، وكأن لا حياة في هذا المكان، حتى شقت سيارة سوداء الطريق، توقفت على أحد جانبي الطريق، أما هو ظل بداخلها يراقب غروب الشمس والسماء التي تلونت باللون الأصفر المائل للحمرة.
مرت دقائق قبل أن تتوقف سيارة أخرى بالجانب الآخر للطريق وترجل منها رجل يرتدي سترة سوداء جلدية وبنطال جينز أسود ونظارة شمسية سوداء، توجه نحو السيارة:
"جميل غروب الشمس، بس مش وقته يا جو يا حبيبي"
فُتح باب السيارة ليظهر منها بحلته التي تشبه حُلة الذي يقف أمامه:
"سيبني استمتع باللحظة، بذمتك في حد يسيب الغروب علشان يحقق في قضية ويتعامل مع مجرمين؟ "
"بصراحة لا، أنا ڪ علي أقتنعت، أطلع بقى خلينا نشوف شغلنا" أردف بها علي مجيبًا على حديث يوسف المتذمر.
يوسف بتذمر:
"هو أنت مش بتقول أقتنعت! سيبني ارتاح بقى"
علي وهو يتقدم ليقف أمام السيارة:
"ياعم بقولك أطلع المنظر من برة أفضل من العربية"
يوسف بمرح وهو يخرج من السيارة:
"إذا كان كدة ماشي"
جلس يوسف بجانب علي على مقدمة السيارة، وهم يُراقبون مشهد الغروب، ذلك المشهد الذي يسلب العقول، ويُريح النفس.
"ظلمكم اللي دخلكم كلية الشرطة والله. "
نظر الاثنان لذاك الذي تحدث وهو يترجل من فوق دراجته النارية، ومن ثم نطق علي وهو يعيد نظره للسماء.
"حمدلله على السلامة يا هدهد باشا، تعالى تعالي المنظر هيريحك"
تقدم إليهم وهو يتحدث بغضب:
"هو أنا هشوف راحة طول ما أنتو في حياتي، أنا مش عارف مين اللي دخلكم شرطة"
"أبويا" هكذا أردف الاثنان في الوقت ذاته.
وقف يطالعهم بشر قبل أن يقوم بتسديد لكمة لعلي:
"دي علشان اسمي اللي استبدلته بهدهد، أنا المقدم هادي الهمداني يتقالي هدهد!. "
حك علي أنفه وهو يردد باستفزاز:
"ما أنا عارف إنه اسمك هادي عبد الهادي المهدي هدية الهمداني. "
نظر له بشر وكاد أن يلكمه مجددًا، ولكنه تصنم مكانه وهو ينظر للخلف.
وقبل أن تتوجه أنظار علي ويوسف لما ينظر إليه، حدث ما جذب أنظار الثلاثة للجهة الأخرى.
𝑵𝒂𝒅𝒂 𝑴𝒂𝒎𝒅𝒐𝒖𝒉 "𝑶𝒓𝒊𝒂𝒏𝒂