كان المطر قد بدأ يشتد، يضرب الأسفلت بصوتٍ متتابع، والضباب يتصاعد من بين السيارات المحطمة كأنه يلفظ أنفاسه الأخيرة، أضواء سيارات الإسعاف تتراقص على وجوه الواقفين، تعكس ملامح مزيج من الصدمة والقلق.
علي بصوت مبحوح وهو يزيح شاله المبلول عن وجهه:
"يا نهار أسود إزاي دا حصل؟ العربية دي كانت طايرة، ولا أنا بيتهيألي؟"
يوسف يحني جسده قرب إحدى السيارات المتحطمة:
"مش بيتهيألك، شوف دي، اتقسمت نصين تقريبًا، ده مش حادث بسيط، ده كان اصطدام بسرعة جنونية."
ينظر علي حوله، فيرى طفلًا يُحمل على نقالة، وامرأة ممددة والدماء تلطخ وجهها. يقبض على يده دون وعي.
علي بغصة:
"اللي جوّا العربية دي كانوا عيلة، شوفت الراجل اللي كان بيصرخ؟ ده أبوهم."
يقترب رجل الإسعاف منهما، ووجهه شاحب من التعب.
رجل الإسعاف وهو يخلع القفاز:
"كنا بنحاول نثبت حالة الأم، لكنها حرجة جدًا. فيه نزيف داخلي واحتمال ارتجاج، الطفلة عندها كسر في الساق وصدمة نفسية والراجل – الأب – رافض يتحرك، بيصرّ إنهم يتعالجوا الأول."
يوسف بقلق:
"وإيه سبب الحادث؟"
رجل الإسعاف (بتنهيدة ثقيلة):
"لحد دلوقتي مش معروف بالضبط. بس اللي واضح إن فيه سيارة دخلت عكس الاتجاه، خبطت في أول عربية، والباقي اتتابع وراها، وكأن الطريق اتحوّل لدومينو مميت."
علي بحدة:
"عكس الاتجاه؟! على الطريق الدائري؟! ده مش مجرد تهور، ده انتحار."
صوت صفارة جديدة يخترق المكان، تصل سيارة شرطة إضافية، والأضواء الزرقاء تزيد من رهبة المشهد.
يوسف بصوت منخفض وهو ينظر إلى بقايا السيارات:
"المكان دا هيشيل حكايات كتير النهاردة، حكايات ناس كانت ماشية في أمان، وانقلبت حياتهم في لحظة."
رجل الإسعاف يتمتم وهو يهمّ بالعودة لسيارته:
"الليلة دي طويلة، ولسه قدامنا شغل كتير."
يبتعد وهو يركض نحو سيارة أخرى تصل لتوها، تبقى نظرات علي ويوسف معلقة على الأسفلت، حيث الدماء والمطر اختلطا، يرسمان ملامح مأساة ما زالت تفاصيلها تتكشف.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت الليلة حالكة السواد، يختبئ القمر خلف الغيوم وكأنه يخشى أن يكون شاهدًا على هذا الليل الملبّد بالمآسي، امتزج صمت الشوارع بصوت صفارات الإسعاف التي تشق الظلام، تتسابق مع الزمن نحو مستشفى الحياة.
تصل سيارة شمس مسرعة إلى باب الطوارئ، تهبط منها بسرعة دون أن تبالي بالمطر الذي بدأ يتساقط خفيفًا، أو الإستماع لحديث والدها، هي الآن لا ترى سوى الخطر يتربص بالمكان، وأنها الآن تخوض حربًا دامية مع الوقت، تركض إلى الداخل حيث تعج الممرات بالحركة والفوضى، ما إن تدخل حتى تستقبلها إحدى الممرضات بملامح متوترة:
" دكتورة شمس، حادث كبير، عندنا ثلاث حالات خطرة وحالات إصابات متوسطة حتى الآن."
شمس بحزم: "تمام، بلغوا غرفة العمليات تجهز حالًا، وكل الطاقم الطبي يكون على استعداد لاستقبال الحالات."
تتحرك بسرعة إلى غرفة الطوارئ، حيث بدأ نقل المصابين. الجو متوتر، الأصوات تتداخل بين صرخات المرضى وأوامر الأطباء.
وقبل أن تصل لتلك الغرفة وجدت من يقف أمامها لاهثًا:
"دكتورة شمس، محتاجين ليكِ في قسم الطوارئ."
شمس: "طمني على الحالات؟"
سألته بينما تتحرك صوب غرفة الطوارئ فأجابها وهو يتبعها.
الطبيب المساعد: "عندنا رجل خمسيني عنده إصابة في الرأس وكسور متعددة، وامرأة في الثلاثينات عندها إصابة في الصدر وارتجاج محتمل، وطفلة صغيرة عندها كسر في الساق."
شمس: "ركزوا على الرجل والمرأة الأول، الطفلة نتابعها بعد تثبيت الكسر."
بينما تتابع شمس السير ، تجذبها يد صغيرة، تنظر لتجد طفلة تبكي بتوسل.
الطفلة (بدموع): دكتورة ماما جوّا، أرجوكِ أنقذيها
شمس (تركع لمستوى الطفلة وتمسك بيدها برفق): "حبيبتي، ماما في أمان، الأطباء معاها، وإحنا بنعمل كل حاجة عشان تبقى بخير، اسمك إيه؟
" جويرية."
"اسمك جميل أوي، ماما هتكون بخير إن شاء الله متعيطيش."
"حاضر مش هعيط، لكن أوعديني متخليش ماما تسيبني زي بابا. "
"أوعدك هعمل كل اللي أقدر عليه علشان ماما تكون بخير."
قالت جملتها ببسمة تُخفي خلفها حزنًا على ما أصاب هذه الصغيرة، تحاول أن تطمئنها وتهدأ من روعها.
شمس (بعزم وهي تخلع معطفها وترتدي القفازات الطبية): "د/أسماء، خدي جويرية من هنا وخليكٌ معاها لغاية ما حد من أهلها ييجي."
تدلف شمس إلى غرفة الطوارئ حيث تملأ الصرخات والأنين الأجواء، الأطباء والممرضون يتحركون بسرعة بين الأسرة، والدماء تلطخ أيدي البعض منهم، نظرتها القلقة تجولت بين الوجوه المتوترة، تنفست بعمق ثم تقدمت بخطوات حازمة نحو مدخل الطوارئ، كانت تدرك أن كل ثانية تُحدث فارقًا بين الحياة والموت.
شمس (بصوت قوي وحاسم وهي تتحدث للممرضة عند الاستقبال): "كم حالة عندنا؟"
الممرضة (بتوتر وهي تقرأ من ورقة أمامها): "سبع حالات حتى الآن، فيه حالتين نزيف داخلي وحالة غيبوبة، والباقي إصابات متفرقة!"
شمس (بسرعة وهي تتجه إلى المصابين): "تمام، نشوف الحالة الأخطر الأول!"
تتوجه شمس إلى المرأة الفاقدة للوعي، تعاين نبضها وتفحص تنفسها سريعًا.
شمس (بقلق): "ضغطها نازل جدًا، جهّزوا محلول ملحي بسرعة، وخلّوا جهاز الصدمات يكون جاهز."
الممرضة: "حاضر، يا دكتورة."
في اللحظة ذاتها، يقتحم رجل الغرفة، يبدو كأنه فقد صوابه، يصرخ في الجميع.
الرجل (غاضبًا): مراتى وابني، حد يعالجهم حالًا، أنا مش هستنى لحظة واحدة.
شمس (بهدوء وحزم): "إهدى يا أستاذ، إحنا بنعمل اللي علينا، بس لازم تخلينا نشتغل علشان نقدر ننقذهم."
يلتقط الرجل أنفاسه بصعوبة، يشعر أن حياته على وشك أن تُسلب منه، بينما يراقب الأطباء وهم يعملون على إنقاذ عائلته.
تتحرك شمس بسرعة وسط الغرفة، تتحدث إلى الطاقم الطبي بلهجة صارمة، تتأكد أن كل شيء جاهز لإنقاذ المرأة الفاقدة للوعي.
شمس: جهّزوا غرفة العمليات فورًا، الحالة دي لازم تدخل جراحة حالًا!
الممرضة: "الدم متوفر يا دكتورة، بس إحنا لسه ما حددنا مصدر النزيف."
شمس: "لازم أشعة مقطعية فورًا، مستنيين إيه! وبلغوا دكتور سامح، هنحتاجه في العملية."
في غضون لحظات، يتم تجهيز المريضة للجراحة، بينما تراقب شمس الطفلة التي تمسك بيد والدها بخوف، فتقترب منها وتضع يدها على رأسها بلطف.
شمس (بلطف): "متخافيش، ماما هتكون بخير، بس إحنا محتاجين نصبر شوية، اتفقنا؟"
الطفلة (تمسح دموعها وهي تومئ برأسها): "طيب، بس لازم تخلِّيها ترجعلي"
تبتسم شمس لها بثقة، ثم تعود إلى الطاقم الطبي لتردف بصوت جهوري:
"استعجلوا دكتور سامح ودكتور عمرو ودكتور سارة. "
"احنا هنا"
نظرت خلفها لتجدهم يحاولون تنظيم أنفاسهم، تبادلوا النظرات، نظرات لا يفهمها سواهم، نظرات مغلفة بالاستعداد، النصر، الهزيمة، القلق، الخسارة، والتحدي، نعم، هم جاهزون لهذا التحدي.
لم يمر وقت كثير قبل أن يُغلق المشهد على صورة غرفة العمليات وهي تفتح أبوابها، وتُدفع النقالة إلى الداخل، بينما يعلو صوت جهاز المراقبة الطبية بنبض ثابت، في معركة جديدة ضد الموت.
وفي قسم الطوارئ كان الجميع يقفون على قدم وساق، يعملون بتركيز شديد، كانوا كمن يحارب الزمن، ثانية واحدة قادرة على إحياء مريض أو دمار عائلة بأكملها. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كان الجو خانقًا من التوتر داخل المكتب، اللواء حسن جالس خلف مكتبه، عينيه مثبتتان على الصور والتقارير الملقاة أمامه، صوت جهاز التكييف الخافت لم يُخفِ وقع خطوات المقدم "علي" و"يوسف" وهما يدلفان إلى الغرفة.
اللواء حسن دون أن يحيد ببصره عن الأوراق التي أمامه:
"إنتوا اتأخرتوا ليه؟"
المقدم علي بإحترام:
"كان فيه زحمة شديدة على الطريق يا فندم، و…"
كاد أن يسترسل في الحديث قبل أن يقاطعه:
"مش عايز أسمع مبررات. الحادث قدامك، 3 عربيات ملاكي، وسبعة مصابين في المستشفى. ومفيش لحد دلوقتي تقرير واضح. "
المقدم يوسف محاولًا تهدئة الوضع:
"يا فندم، إحنا نزلنا المعاينة الأولية. واضح إن فيه عربية كانت ماشية بسرعة عالية، فقدت السيطرة ولبست في الاتنين التانيين."
اللواء حسن بحزم:
"مين السواق؟"
علي:
كان الجو خانقًا من التوتر داخل المكتب. اللواء حسن جالس خلف مكتبه، عينيه مثبتتان على الصور والتقارير الملقاة أمامه. صوت جهاز التكييف الخافت لم يُخفِ وقع خطوات المقدم "علي" و"يوسف" وهما يدلفان إلى الغرفة.
اللواء حسن (من غير ما يبص):
"إنتوا اتأخرتوا ليه؟"
المقدم علي (واقِف باحترام):
"كان فيه زحمة شديدة على الطريق يا فندم، و…"
اللواء حسن (قاطعه وهو بيشاور على الورق):
"مش عايز أسمع مبررات. الحادث قدامك، 3 عربيات ملاكي، وسبعة مصابين في المستشفى. ومفيش لحد دلوقتي تقرير واضح!"
المقدم يوسف (بيحاول يهدّي):
"يا فندم، إحنا نزلنا المعاينة الأولية. واضح إن فيه عربية كانت ماشية بسرعة عالية، فقدت السيطرة ولبست في الاتنين التانيين."
اللواء حسن (بحزم):
"مين السواق؟"
علي:
"لسه في العمليات، حالته حرجة. بس معانا بيانات باقي المصابين، وأخدنا أقوال اتنين منهم مبدئيًا."
"وفيه كاميرات محل في أول الشارع، بتغطي مكان التصادم جزئيًا. هنجيب التسجيلات ونراجعها حالًا." أردف بها يوسف موجهًا حديثه لمن يجلس خلف مكتبه.
ساد الصمت لثوانٍ قبل أن يميل بجسده للأمام مردفًا:
"مافيش شبهة جنائية؟"
علي بتردد بسيط:
"فيه احتمال يا فندم، واحد من المصابين قال إنهم كانوا متراقبين من عربية سودة مجهولة قبل الحادث بساعة."
رفع اللواء حسن حاجبه ببطء، يطالعهما بشك:
"عايز كل التفاصيل، الأسماء، الكاميرات، وأي بلاغات اتقدمت قبل الحادث، لو الموضوع وراه تصفية حسابات أو محاولة قتل متسترة في صورة حادث، أنا عايز أكون أول واحد يعرف."
يوسف (بحماس):
"تمام يا فندم. هندور في اتجاه الشبهة الجنائية وكأنها مؤكدة."
اللواء حسن:
"ابدأوا فورًا، وماتنسوش، أي معلومة مهما كانت بسيطة ممكن تفتح لنا باب كبير."
نظر له يوسف بتردد قبل أن يردف:
"هو أنا ممكن آخد أجازة بعد ما ننتهي من التحقيق دة؟
نظر له نظرة ألجمته عن الحديث قبل أن يغادرا المكتب بخطوات سريعة.
" شوفت أبوك بصلي ازاي لما بقول عايز أجازة! أنا بقيت شاكك إنه دة استعباد مش شغل. "
هكذا أردف يوسف بحنق موجهًا حديثه لعلي الذي يسير بجانبه.
ابتسم علي بمرارة وأردف بسخرية:
"لا متشكش، أتأكد إنه بيتم اسعبادنا."
ساد الصمت لثوانٍ بينما وصلا إلى غرفة أخرى، بينما لمعت عينين يوسف بفكرة ليردف بحماس:
"طيب ما تكلمه أنت يا علوش، مش أنت ابنه برضو"
نظر له علي وهو يرفع حاجبه الأيسر:
"أكلم مين يا عم، ما أنا جاي على من البيت ملحقتش أغسل وشي حتىأهو، خلينا نشتغل بقى علشان متضيعش علينا الترقية، ونشوف الأجازة بعدين، أدعي بس التحقيق ميطولش ولا ندخل في متاهات زي آخر مرة."
"بس بس متفكرني، دي كانت مهمة ما يعلم بيها إلا ربنا."
"طيب يلا بقى على مكتبك."
"بتطردني يا علوة! "
"قول علوة تاني، وهخليك تلبس في التحقيق لوحدك"
"لا وعلى إيه الطيب أحسن، المهم اجهز كمان نص ساعة هنروح المستشفى"
هكذا أردف يوسف قبل أن يخرج من الغرفة، تاركًا لعلي مساحة كافية ليغرق بين الأوراق التي أمامه.
هكذا أردف يوسف قبل أن يخرج من الغرفة، تاركًا لعلي مساحة كافية ليغرق بين الأوراق الالتيأمان
𝑵𝒂𝒅𝒂 𝑴𝒂𝒎𝒅𝒐𝒖𝒉 "𝑶𝒓𝒊𝒂𝒏𝒂