تمرّ الأيام بين دفء العائلة وحنانها، يملأ البيت ضحك رُفَي وابتسامتها البريئة، حتى جاء يوم قلب مجرى حياتهم.
بعد عودتهم من العمل وجلوسهم على مائدة الغداء مع رباب ورنا، قضوا سهرة عائلية خفيفة تملؤها الألفة. جلست رُفَي في حضن أبيها كعادتها، تعبث بهاتفه المحمول. فجأة رنّ الهاتف بين يديها، فرفع سليمان رأسه وقال مبتسمًا:
– «هاتي يا قلبي أشوف مين».
تناول الهاتف منها، وعندما نظر إلى الشاشة عقد حاجبيه:
– «خط مصري؟! خير يا رب».
ضغط على زر الاتصال وقال:
– «ألو، السلام عليكم».
جاءه صوت رجلٍ أجشّ، بنبرة رجولية مهيبة:
– «وعليكم السلام، إزيك يا سليمان يا ابني؟».
– «عمي عبدالعزيز؟! إزيك يا عمي؟».
– «الحمد لله يا ولدي».
استمرّ الحديث دقائق قليلة، لكن ملامح سليمان انقلبت فجأة إلى صدمة وحزن. تبادل الحاضرون نظرات القلق، حتى أنهى المكالمة قائلاً بجدّية:
– «حاضر يا عمي، إن شاء الله هننزل مصر في أسرع وقت… الأسبوع ده».
انقطع الصمت بصوت رباب المتوتر:
– «فيه إيه يا ابني؟ حصل إيه؟».
تنهد سليمان وأجاب بأسف:
– «جدي الشرقاوي تعبان… ومحتاج يشوفنا».
ومن هنا بدأت تجهيزات السفر على عجل.
حطّت الطائرة في مطار القاهرة، وكان الليل قد بدأ ينسدل. في الخارج، كانت سيارة بانتظارهم. جلس سليمان في المقدمة، على ركبتيه ابنته النائمة ببراءتها، يلفّها جيدًا بالبطانية خوفًا من برد الشتاء. خلفه جلست رنا ورباب ورفيدة. انطلقت السيارة في طريق طويل نحو البحيرة حيث مزرعة الجد.
وفي منتصف الطريق توقّفوا عند استراحة صغيرة. قال السائق :
– «اللي محتاج يدخل الحمام أو يشتري حاجة، ينزل ».
نزلوا جميعًا، بينما رفضت الصغيرة "رُفَى" أن تفارق أبيها. بكت وتمسكت به، فابتسم وقال لها وهو يربت على رأسها:
ــ "خلاص يا روحي، انتي مع بابا."
وذهب يشتري عصائر وبسكويت وبعض الماء، ثم عاد يوزّع الأكياس على الجميع. جلست رُفَي في حضنه مرة أخرى تأكل الكعكة الصغيرة وتغفو بهدوء.
كان الطريق يمتدّ مظلمًا صامتًا، حتى اقتربوا من أطراف البحيرة. فجأة انشقت العتمة عن ثلاثة رجال ملثّمين يقطعون الطريق. ضغط السائق على المكابح بقوة. قال بارتباك:
– «خليكم هنا، هنزل أشوف دنيتهم… لو حصل حاجة يا بشمهندس، سوق العربية طوالي، المزرعة مش بعيدة».
لكن سليمان أمسك بذراعه برجولة حاسمة:
– «استنى، مش هتنزل لوحدك».
سلّم رُفي النائمة إلى رفيدة، ونظر إليهن بتحذير صارم:
– «ممنوع حد فيكم يخرج من العربية. اقفلوا كويس. رنا، لو حصل أي حاجة، إنتي تسوقي زي ما علمتك وتوصلي المزرعة هما هناك هيتصرفوا… مفهوم؟».
تعلقت رفيدة بقميصه وهي ترتجف:
– «لا يا سليمان، متسيبناش وتنزل».
فأجابها بثبات:
– «رفيدة، متقلقيش. لو وقفنا هنا سوا هتتعرضوا كلكم للخطر».
شدّ نفسه ونزل مع السائق.
وقف الملثمون يتوعدون:
– «طلعوا اللي معاكم وسيبوا العربية… خصوصًا الحتت الطرية اللي جوا».
اشتعل غضب سليمان:
– «عينك يا وسخ!».
اندلع عراك عنيف. كان سليمان بقوته وذكائه يسيطر، يضرب واحدًا تلو الآخر. لكن لحظة غدر باغته أحدهم بطعنة في بطنه. وقع أرضًا والدماء تنزف، وصوت صراخ النساء يملأ المكان.
رفع سليمان رأسه بصوت متقطع من الألم صرخ:
– «رناااا…».
فهمت الإشارة، لكنها تجمدت في مكانها غير قادرة على القيادة. تدخلت رباب بحزم وحكمة:
– «يلا يا رنا! لو فضلنا هنعرّض نفسنا وسليمان للخطر. هو قوي وهيستحمل وهيقدر يتصرف لما نخرج بره الدايره دي ، لكن وجودنا هنا بيقيد قوته من خوفه علينا… يلا بسرعة».
قادت رنا السيارة بصعوبة، والدموع تنهمر من عينيها، بينما رفيدة تصرخ بجنون:
– «مش هسيب سليمان!».
لكن رباب شدتها قائلة:
– «هيموت لو فضلنا هنا!».
انطلقت السيارة مسرعة نحو المزرعة. تنهد سليمان بارتياح لرؤيته عائلته في أمان، ثم التقط فرع شجرة غليظ من الأرض، وواصل القتال مع السائق، حتى تمكّنا من السيطرة على المهاجمين.
في المزرعة، أجتمع الأهل والحرس وذهبوا إلى موقع الحادث. وجدوا سليمان والسائق قد كبّلوا اللصوص. اقتادوهم إلى القسم، ونقلوا سليمان إلى المستشفى لوقف نزيفه.
على الطريق، همس سليمان لعمه بصوت متقطع:
– «عمي… طمّنهم في البيت… زمانهم قلقانين».
اتصل العم بالدار، حيث كان الجميع ينتظر بقلوب واجفة. ما إن طمأنهم، حتى صاحت رفيدة:
– «أنا عايزة أروح لسليمان دلوقتي!».
هدأها الجد والجدة، لكنها أصرت، فاستجاب الجد وأرسل معها حرسًا للمستشفى.
تسارعت الخطى حتى بلغوا غرفة العمليات الصغرى، حيث كان سليمان ممدّدًا على السرير الأبيض، وجراحه يُخاط بعناية، غير أنّ الدم كان قد لطّخ الأرضية وملابسه. دخلت رفيدة في لحظةٍ فزعة، وما إن وقع بصرها على الجرح المكشوف حتى شهقت شهقةً مكتومة، تعالت منها صرخة باسم سليمان قبل أن تفقد السيطرة على جسدها وتتهاوى مغشيًّا عليها.
ارتبك سليمان وهو يراها تسقط، فحاول أن ينهض بقوةٍ رغم قيود الألم، لكن الطبيب استوقفه بصرامة:
ـ "إهدى يا باشمهندس، جرحك هينزف أكتر!"
اندفعت الممرضة بدورها لتغلق الباب، مانعةً أي أحدٍ من الدخول، ثم صاحت بطاقم التمريض ليُسعفوا رفيدة.
سليمان بصوتٍ ممتلئ بالغيرة والحمية صاح:
ـ "مش عايز راجل يلمس مراتي! لو سمحتي خليه ستات، والدكتورة اللي تكشف عليها."
وبالفعل استجابوا لطلبه، وتجمعت الطبيبات حول رفيدة، يقسن ضغطها فوجَدنه منخفضًا بشدة، فسارعوا بتركيب المحلول الملحي. كانت رباب تقف خلف الباب، تضع يدها على صدرها بين قلبٍ يعتصر خوفًا على سليمان، وقلقٍ ينهشها على رفيدة، تهمس والدموع تترقرق:
ـ "يا رب… قومهم بالسلامة يا رب."
بدأت رفيدة تستفيق ببطء، همست باسم سليمان، كأنها تستنجد بروحه قبل أن تفتح عينيها تمامًا. اقتربت منها رباب، تُطمئنها:
ـ "هو كويس يا قلبي، متخافيش."
لكن رفيدة بصوتٍ مرتجف قالت:
ـ "ماما… سليمان… كان فيه دم كتير."
ابتسمت رباب رغم قلقها، تربت على يدها:
ـ "صدقيني هو بخير والله… ولسه هيجيلك بنفسه."
وما كادت تُكمل كلامها حتى انفتح الباب، ودخل سليمان بخطواتٍ متثاقلة لكن بعينين مليئتين بالثبات، قال مبتسمًا رغم الألم:
ـ "سليمان بنفسه قدامكم أهو."
صرخت رباب بلهفة:
ـ "حبيبي!"
ابتسم ليطمئنها:
ـ "أنا كويس يا ماما، والله دي حاجة بسيطة."
ثم اتجه نحو رفيدة التي حاولت النهوض رغم ضعفها، فأشار إليها بحنان وحزم:
ـ "مكانِك يا تعَبه قلبي."
قاطعت رباب وهي تنظر إليهما:
ـ "عندك حق، تعَبه قلبنا والله."
رفيدة بعينين دامعتين تمتمت:
ـ "انت كويس؟"
ابتسم وهو يجلس بقربها:
ـ "قدّامك أهو، زي الفل والحمد لله."
هزّت رأسها بإصرار وخوف:
ـ "بس… كان فيه دم كتير."
ضحك بخفة ليكسر ثِقل الموقف:
ـ "إيه يا بنتي، فاكرة جوزِك من غير دم ولا إيه؟"
هدأ الجو قليلًا، إلى أن انتهى المحلول، فاستعدّوا للعودة إلى البيت. كان الجميع بانتظارهم بالسلامات والدموع، وحين دخل سليمان انحنى ليقبّل يد جدّه وجدّته، فأوصياه أن يصعد ليستريح:
ـ "يلا يا بني ارتاح، اليوم صعب عليكُم."
سألت رفيدة بلهفة:
ـ "رُفَى فين؟"
أجابتها زوجة عمّها برفق:
ـ "متقلقيش يا حبة عيني، نامت من كتر العياط ودخلتها الأوضة، والدادة فوق معاها."
شكرتُها رفيدة بحرارة، ثم صعدت لتضم صغيرتها، بينما انسحب كلٌّ إلى غرفته. وفي هدوء الليل، ساعدت سليمان على تغيير ثيابه الملطخة بالدم، ثم أسندا جسديهما المنهك فوق الفراش. أغمضا أعينهما، وقد غلبهما التعب، لكن الدفء الذي جمع بينهما كان أقوى من كل ألم.
تثاقل النهار في عيونهم حتى استيقظوا مع الظهر على وقع طرقات الباب، صوت ثقيل يطرق السكون. نهض سليمان بملامح مرهقة وصوت متحشرج من أثر النوم وهو يجيب:
ــ أيوة.
جاءه الرد من خلف الباب: صوت "داده" مطمئن معتاد:
ــ الأكل جاهز يا بشمهندس، الحاج الشرقاوي قاللي أصحيكم علشان تاكل وتاخد علاجك، وبيقول أشوف حضرتكم هتاكلوا تحت ولا أطلعلكم الأكل الأوضة.
ابتسم سليمان وهو يرد بلطف:
ــ نازلين يا داده... عشر دقايق وننزل.
لم يكد الصوت ينقطع حتى تحرّكت رفيدة من أثر الحديث، التفتت إليه بعينين مملوءتين قلقًا وقالت بصوتٍ حانٍ:
ــ حبيبي... صباح الخير، إنت كويس؟ حاسس بوجع أو حاجة؟
ابتسم وهو يقترب منها، يمسح على يدها:
ــ متقلقيش يا حبيبي... كويس الحمد لله.
تهيّآ سريعًا ونزلا، وما إن لمحت رُفَى والدها يهبط الدرج حتى انطلقت تهتف بصوت يملؤه الشوق والهيام:
ــ بابي! بابي! بااابييييي!
قفزت الطفلة الصغيرة في الهواء كطيرٍ ملهوف، فأسرع إليها سليمان وفتح ذراعيه لها. احتواها بكل ما فيه من لهفة وامتنان، يشم عبيرها ويطبع على وجنتيها قُبلات مفعمة بحبٍ لم يتصوّر بالأمس أنه قد يُحرم منه.
ــ وحشتيني يا روح بابي.
علّقت الصغيرة ذراعيها حول عنقه، تغمر وجهه بقبلاتها الطفولية البريئة، بينما قلبه يكاد ينفطر من شدّة النعمة. رفيدة كانت تراقب المشهد بقلق:
ــ هاتها يا سليمان... بلاش تشيلها علشان جرحك.
هزّ رأسه بحنان:
ــ لا، سيبيها... متخافيش.
ثم التفت لأهله بابتسامة مجهدة:
ــ صباح الخير.
وتوالت التحايا منهم واحدًا تلو الآخر، كلٌ يسأل عن حاله، وهو يطمئنهم أن الجرح يلتئم وأنه بخير. جلسوا إلى مائدة الفطور، ورُفَى كالعادة تتدلّى في حجر أبيها، يطعمها بلطف بينما رفيدة تحاول عبثًا أن تأخذها. لكن الطفلة تأبى أن تفارق أحضان والدها، كأنّها خُلقت له وحده.
انتهى الفطور، تناول سليمان دواءه، وجلس وسط أهله. لم يلبث أن نامت رُفَى في حضنه، وجهها الصغير مستكين بين يديه. وفي اللحظة التي ملأت الجو الأسري بالطمأنينة، اخترق الهدوء صوت غفير ينادي من بعيد. بعد استئذان، دلف ليخبرهم:
ــ فيه راجل كبير برّه... عايز يقابل حضراتكم بخصوص حادثة البشمهندس سليمان.
تعجّب الجميع، فبسط الجدّ حكمته كعادته وأمر:
ــ دخلوا المضيفة.
سلّم سليمان طفلته لرفيدة، ونهض مع جده وأعمامه. دخلوا المجلس، فإذا برجل ، ملامحه متعبة، صوته متكسّر بالرجاء، يحدّثهم بلهفة:
ــ ابني... مالوش غيري! ارحموه... سيبوهولي! أنا راجل كبير، وهو سندي الوحيد......
لكن الجدّ ردّ بصرامة تشبه سيوف الحق:
ــ حق حفيدي مش هيتنازل عنه. المجرم ياخد جزاءه، مهما كان.
في الأثناء، استيقظت رُفَى من نومها، راحت تبحث بعينيها الصغيرة عن أبيها. ما إن لم تجده حتى علا بكاؤها بحرقة:
ــ بابي! بابي! باااابي!
حاولت رفيدة أن تهدئها، تقبّلها، تضمّها:
ــ حبيبتي، بابي زمانه جاي... معاه ناس وهييجي ليكي.
لكن الطفلة لم تهدأ، اشتد بكاؤها حتى احمر وجهها الصغير. الجدة ارتبكت، نادت بسرعة:
ــ يا سعدية! بت يا سعدية!
جاءت الشابة مسرعة:
ــ أيوه يا جدة؟
ــ خدي البنت... وديها المجلس لأبوها، نفسها هيتقطع من العياط.
أسرعت سعدية وهي تحمل الصغيرة، طرقت الباب بخفّة، ثم سلّمتها لسليمان. ما إن وقعت رُفَى في حضن أبيها حتى سكنت، التصقت به كغريق لاقى ضفاف النجاة. مسح على ظهرها وصوته يقطر حنانًا:
ــ إيه يا قلب بابا... خدي نفسك، أنا هنا... بلاش عياط كده.
دفنت الطفلة وجهها في صدره، تتمسّح فيه بحنين، فابتسم وهو يستعيد صورة رفيدة أمامه؛ ابنته لم تأخذ ملامح أمها فقط، بل أخذت منها طبع الدلال ومسحة الصدر وهي بين أحضان من تحب. طبع على رأسها قبلة، وأخذ يلاعب أصابعها الصغيرة ليهدّئها.
وفي غمرة الجدال الدائر بين الرجال، رفعت رُفَى رأسها فجأة. التفتت بعينيها البريئتين إلى حيث يجلس الرجل الكبير. وقع بصره عليها، فتجمّد في مكانه. ملامحه ارتجفت، جسده انتفض كأنّما صُعق.
تمتم وهو يحدّق في عينيها: نفس الملامح... نفس العيون!
وقف يرتعش، اقترب بخطوات مترددة، بينما سليمان أحاط طفلته بذراعيه بحماية أبٍ مفزوع، صوته غليظ حاد:
ــ في إيه؟
اقترب الرجل أكثر، عيناه ملتصقتان بوجه الصغيرة، همس بصوت مبحوح لم يسمعه سوى سليمان:
ــ رفيده...
Mai Mustafa