كان الصباح يزحف ببطء من خلف الستائر المُسدلة، لكن "رفيدة" لم تكن بعد مستيقظة.
كان الدواء الذي وصفته لها الطبيبة يحتوي على نسبة من المخدر الخفيف لتسكين الألم، فغاص جسدها في نوم ثقيل لم تعهده.
لكن فجأة... انتفضت جالسة.
— "الاجتماع! المشروع!"
نظرت إلى الساعة، فاتّسعت عيناها...
لقد تأخّرت!
قامت بسرعة، لكن أول خطوة كانت خنجراً في قدمها؛
صرخة مكتومة خرجت منها، وهي تئنّ وتعضّ على شفتيها كي لا تستسلم.
— "مش وقته... لازم أقوم...دي فرصتي.
مش لازم أضيعها... مش بعد كل ده."
تماسكت، ووقفت على قدمها السليمة، تحاملت على نفسها، وبدأت ترتدي ثيابها.
التقطت جهاز المشروع، وجهزت حقيبتها، ثم أسرعت خارجة من السكن وركبت أول سيارة أجرة مرت بها.
كان قلبها يركض قبل قدميها، تنظر إلى الطريق وتدعو ألا يفوتها الموعد.
وصلت أمام مبنى الشركة، دفعت الأجرة وركضت—رغم الألم—كأنها تجري نحو حلمها، لا إلى اجتماع.
صعدت إلى الطابق العلوي، وعند باب غرفة الاجتماعات، توقفت لثانية تتنفس بلهاث، ثم طرقت الباب ثلاث مرات وفتحت بسرعة.
دخلت، وصوت أنفاسها المتقطعة يسبق كلماتها:
"I’m so sorry for being late…
There was an unexpected circumstance."
«أعتذر بشدة عن التأخير…
لقد حدث ظرف طارئ.»
رفعت عينيها، تبحث بعفوية عن من تجيبهم،
لكنها توقفت فجأة...
ذلك الصوت.
ذلك النبض الخافت الذي تعرفه أذنها قبل عقلها.
صوت يحمل شيئًا من الطمأنينة الغريبة، من السكينة التي لم تتعوّدها.
"No worries, Engineer.
It’s alright.
We haven’t started yet.
Take a seat and catch your breath."
«لا مشكلة يا بشمهندسة،
الأمر بخير.
لم نبدأ بعد.
اجلسي وارتاحي.»
رفعت عينيها مجددًا، وإذا به...
"سليمان"، جالس على كرسي المدير، يواجه الجميع بنظرات واثقة، ونبرة هادئة، ومكانة لم تتخيلها.
حدّقت فيه للحظة بدهشة، لكن لم يكن هناك وقت للذهول.
ابتلعت اندهاشها، وجلست على الكرسي الأقرب، وهي لا تزال تحاول استعادة أنفاسها... وجمع شتاتها.
في الطرف الآخر من الطاولة، جلست "ندى"، تتابع المشهد بعينين ضاحكتين في الخفاء،
وامتدت ابتسامة شماتة على وجهها، وهمست في نفسها:
— "هه... جايه متأخرة؟
ويا عيني... لسه مش عارفة اللي مستنيها."
بدأت العروض تتوالى واحدًا تلو الآخر، وكل مهندس أو مهندسة ينهض، يشرح فكرته أمام اللجنة بكل ما يملك من أدوات الإقناع.
وكان "سليمان" يجلس على رأس الطاولة، مختلفًا تمامًا عمّا اعتادته "رفيدة".
رأته لأوّل مرة في هيئةٍ جديدة:
مدير، صارم، حازم، شديد الملاحظة.
لا يمر تفصيلٌ من تحت عينيه إلا ويقف عنده، ولا يترك سؤالًا بلا دقّة.
يتكلّم بثقة عالية، صوته ثابت، وعقله حاضر، وأسلوبه لا يُشبه إلا المحترفين الكبار.
انبهرت به، وهي تراه يناقش هذا، ويُقاطع ذاك، يطرح أسئلة تُظهر عمق خبرته.
وفي كل لحظة، كانت رهبتها تزداد.
وحين جاء دورها أخيرًا، شعرت بكل الأنظار تلتفت نحوها دفعة واحدة.
كأن القاعة ضاقت بها، والهواء صار أثقل مما يُحتمل.
وقفت بصعوبة...
وما إن خطت أول خطوة للأمام حتى انكشف عرجها الواضح من الألم،
ليقطع الصمت صوتٌ عميق، هادئ، لكن نافذ:
"You can present your project while seated, Engineer...
Given your obvious pain."
«يمكنكِ عرض المشروع وأنتِ جالسة، يا بشمهندسة،
نظرًا لتعبكِ الواضح.»
توقفت "رفيدة"، رفعت عينيها نحوه، نظرت إليه بشكر وامتنان،
كما اعتادت أن تفعل كل مرة كان فيها ظل أمان.
نظر إليها بطمأنينة، وكأنه يقرأ في عينيها كل الكلمات التي عجزت عن قولها،
فهمها دون أن تُفسر.
قالت بصوت خافت، متردد، لكن يكسوه لطف ورقّة:
"Thank you... for your kindness and understanding."
«شكرًا... على لطفك وتفهّمك.»
جلست على الكرسي، ووضعت يدها على صدرها تأخذ نفسًا عميقًا.
أغمضت عينيها للحظة، ثم فتحتهما لتقع مباشرة على نظراته.
كانت عيناه... كأنهما مرآة ثقة.
مليئتان بالتشجيع، السكون، والدعم غير المنطوق.
استمدّت منه شيئًا لا تعرف اسمه.
لكنها أدركت أن عليه وحده، ارتكزت قوتها.
بدأت بصوت خافت، تُعرّف نفسها، ثم شرحت فكرة مشروعها...
تركيزها كان عليه،
كلما شعرت برهبة نظرات اللجنة، أعادتها نظراته إلى الاتزان.
هو الوحيد الذي منحها إحساس الأمان... بين عشرات العيون الغريبة.
بدأت الأسئلة تُطرح، وارتبك قلبها للحظة،
لكنها ردّت بثقة،
ثقة لم تعلم من أين أتت...
سوى أنها مزروعة داخله، ومحفورة في حضوره.
أثنى الجميع على فكرتها وعلى وضوح عرضها،
فهمّت أن تنهض لتُفعّل المشروع وتُريهم التنفيذ العملي.
نهضت رغم ألمها، ببطء، ومدّت يدها إلى الجهاز الصغير،
ضغطت الزر...
وبينما "ندى" تراقبها من المقعد المقابل،
تستعد لتسجيل لحظة فشلها،
حدث العكس تمامًا.
اشتغل المشروع.
توهّج الضوء، ودارت الآلية الدقيقة كما ينبغي.
اتسعت عينا "ندى"، وجفّ حلقها، وهمست بصدمة:
— "إزاي؟!
إزاي شغّال؟!
أنا بنفسي اتأكدت إن فيه عُطل...
إنتي إيه قطة بسبع أرواح ؟!
عاد "سليمان" يسألها بأسلوبه المعتاد،
أسئلة ذكية، دقيقة، تكشف عن ذهنٍ هندسي متمرس.
وكانت "رفيدة" تُجيب...
بثقة لا تُشبهها.
هي نفسها لم تعرف كيف تجيب بهذا الحضور،
لكنها كانت متأكدة من شيءٍ واحد فقط:
أن كل هذا...
بسببه هو.
انتهى العرض،
و"رفيدة" تشعر بإنتصار صامت.
إنتصار لا يراه من حولها... لكنه في داخلها زلزال من القوة.
وقفت.
وتكلمت.
واجتازت جزءًا من جدار الرُهاب السميك.
خطوة صغيرة... لكنها الأولى.
ثم علا صوت أحد أعضاء لجنة التقييم بنبرة رسمية:
“You may all leave now.
Tomorrow morning, we’ll announce who will be offered a job opportunity.
Also, as usual, there will be a celebration today night — a closing ceremony to appreciate your efforts during the training period.
During the event, certificates of appreciation will be awarded.
These certificates hold great value and are strong additions to your CVs.”
«يمكنكم الانصراف الآن،
وغدًا صباحًا سنُعلن عن من سيُمنح فرصة التعيين.
وكما هو معتاد، ستكون هناك حفلة ختامية اليوم في المساء،
احتفالاً بمجهوداتكم طوال فترة التدريب.
وسيتم خلالها تسليم شهادات التقدير،
وهي شهادات تحمل قيمة كبيرة، وتمثّل إضافة قوية للسيرة الذاتية.»
بدأ الجميع يجمع أوراقه ويخرج،
وكانت "رفيدة" آخر من وقف...
تعبُ ساقها لا يزال يؤخر خطواتها.
اقترب منها "سليمان" – كعادته – بثبات، لكن مع مسافة محسوبة بدقة،
وتكلم بنبرة هادئة، محمّلة باهتمام حقيقي:
"عاملة إيه النهارده؟ورجلك عاملة إيه دلوقتي؟"
رفعت عينيها إليه وابتسمت بخفة:
"أحسن، الحمد لله."
اقترب قليلًا – فقط بالاهتمام – وقال بنبرة نصف عاتبة، ونصف حنونة:
"حصل إيه بقى؟
إيه الظرف اللي خلاكي تتأخري كده؟
أنا حاولت أأجل الاجتماع شوية، قلت أتحجّج بأي شغل لغاية ما توصلي."
نظرت إليه بشكرٍ صادق،
وابتسمت رغم التعب:
"بجد... شكرًا يا بشمهندس.
في كل موقف كنت محتاجة فيه حد يساندني، كنت أنت الإيد اللي بتتمدّ.
مش عارفة أشكرك إزاي والله."
ثم أضافت بابتسامة خجولة:
"وبالنسبة للتأخير...
والله غصب عني، الدوا اللي باخده فيه نسبة مخدر،
نمت من غير ما أحس، وصحيت متأخرة جدًا."
هزّ رأسه بأسف، وقال بلطف:
"ولا يهمك... أهم حاجة سلامتك وصحتك."
ثم أضاف بفخر صادق:
بس بصراحة... إنتي أبدعتي النهارده.
مشروعك كان فوق الممتاز.
ابتسمت بخجل، وقالت:
"أنا فعلًا فرحانة إن الكلام ده طالع منك.
مكنتش متوقعة خالص إنك المدير"
ابتسم وقال وهو يُخفض صوته:
"كنت حابب أخليها مفاجأة..لتتهوّني في الشغل.. ولو إن متأكد إن مستحيل بعد إللي شوفته من إبداع النهارده"
ثم تابع، وكأنه يُعطيها جدولًا:
لو هتروحي السكن دلوقتي... افطري الأول،
ومتنسيش الدوا بتاعك،
وخليكي جاهزة بالليل عشان الحفلة.
ولو اتأخرتي..."
(يصمت لثوانٍ بابتسامة خفيفة)
"عادي... كل حاجة مُباحة ليكي طول ما أنا موجود".
ضحكت "رفيدة"، وابتسمت له بامتنانٍ عميق،
ثم حملت مشروعها،
وقالت بود:
"حاضر وشكرًا على كل حاجة."
وسارت نحو المشرف لتسليمه المشروع،
ثم خرجت بخطوات أهدأ.
في طريق العودة، تذكّرت كلماته عن الطعام والدواء،
فابتسمت في نفسها،
وأعدّت لنفسها فطورًا بسيطًا،
تناولت الدواء،
وضبطت المنبّه...
خشية أن يُفلت منها الليل.
Mai Mustafa