حين فتحت عينيها، لم يكن أمامها سوى سقف رمادي باهت، يتدلّى منه مصباح خافت يتأرجح مع هبّات الهواء. نهضت ببطء، رأسها يئنّ من الحمى، وشفتيها جافتان من العطش. لم تفهم أين هي، ولا متى جاء بها أحد إلى هذا المكان الغريب.
تلفّتت حولها، فوجدت نفسها في غرفة واسعة، تتناثر بها الأسرة الحديدية، وقد انكمشت فوقها أجساد صغيرة مثلها. صمتٌ مشحون يملأ المكان، كأن الجدران نفسها تهمس بأسرار لا تُقال.
من خلف الباب الموارب، سمعت صوت امرأتين تتحدثان:
– "لقيتيها فين؟"
– "مرمية قدّام الباب... شكلها بنت حرام، محدش سأل عنها لحد دلوقتي."
– "الله يسهّل بقى… الدار بقت زريبة لمّ فيها اللي ملهوش ضهر."
لم تفهم معنى الكلمات… لكن نبرة القسوة انغرست في صدرها. شعرت أن الجملة – بنت حرام – رغم جهلها بمعناها، تحمل شيئًا يشبه اللطمة.
دخلت امرأة طويلة ممتلئة الجسد، تحمل منشفة وبضعة ملابس، وقالت بنبرة لا تخلو من التذمّر:
– "يلا يا حلوة، قومي، هنحمّيكِ ونلبسك."
كانت رُفيدة تقف ساكنة تحت المياه الفاترة، ترتجف. المرأة تنظفها كأنها تغسل شيئًا تالفًا… لا تُحادثها إلا بأوامر مقتضبة، ثم تُجففها وتُلبسها ثوبًا بسيطًا رمادي اللون باهت ومهتري.
سحبتها من يدها وقادتها إلى ساحة صغيرة خلف المبنى، فيها بعض الأرجوحات الحديدية والعربات البلاستيكية، وهناك أطفال يلعبون، يركضون، يضحكون.
وقفت رُفيدة تراقبهم. قلبها يخفق رغبةً في القرب، فاقتربت من طفلتين جالستين على الأرجوحة.
– "ألعب معاكو؟"
نظرت إليها إحداهن من رأسها حتى قدميها، وقالت بنفور:
– "إنتي مين أصلاً؟ محدش يعرفك."
انسحبت رُفيدة بهدوء… حاولت مرة ثانية مع طفل آخر، لكنه تجاهلها.
ثم اقتربت منها مجموعة من البنات، أكبر منها قليلًا، رمقنها بنظرة حادة:
– "إيه شعرك ده؟! كأنك بنت ناس."
– "شوفي لونها… بيضا أوي وجميلة !"
– "وشعرها ناعم وكثيف… إحنا شعرنا عامل زي الليفة."
– "أكيد جاية من بيت ناس أغنيا… دلوقتي بقيتي زينا، يتنسي شكلك ده وتبقي بشعة !"
ضحكن بصوت مرتفع، ثم ابتعدن.
لم تكن الأيام تمضي، بل تتساقط فوق رأس رُفيدة كأحجار، كل يوم يحمل وجعًا جديدًا. منذ اللحظة الأولى التي رفضها فيها الأطفال، صار وجودها كالغصة، لا يُبتلع ولا يُتجاهل.
وفي صباح باهت، بينما كانت الجموع تتجمّع في فناء الدار، انفجرت الأصوات في عنبر البنات. المشرفة تصرخ، وهدى ــ إحدى النزيلات ــ تبكي بحرقة وهي تشير إلى صندوق صغير بجوار سريرها:
"الحلق الدهبي بتاعي! الحلق بتاع ماما… اتسرق!"
اجتمعت المشرفات بسرعة، وسألت إحداهن بغضب:
"مين دخل عندك؟ مين لمس حاجتك؟"
هدى رفعت عينيها، ومسحت دموعها، وقالت بتردد:
"أنا… أنا شُفت رُفيدة عند سريري امبارح، كانت بتقلب في الحاجة."
رُفيدة انتفضت من مكانها، اقتربت بتوتر وقالت:
"لا! أنا… أنا كنت بدوّر على الشراب بتاعي، بس ما فتحتش حاجة!"
لكن قبل أن تُكمل، انطلقت أصوات الأطفال:
"أيوة! إحنا كمان شُفناها!"
"هي بتِحب تبص في حاجات الناس!"
"كانت ماشية تبص على الدواليب كلها!"
عيونهم مليئة بالغيرة، وقلوبهم تبحث عن وسيلة تخلّصهم من جمالها الملفت، وشعرها الكثيف الطويل، وبشرتها البيضاء النظيفة، وسط عالم من الرؤوس المحلوقة والملابس المتشابهة.
حتى الولد الذي سرق الحلق فعليًا – يُدعى سراج – كان يقف معاهم، يهز رأسه ببطء:
"أنا شفتها... كانت عند الدولاب."
كذبة واحدة، ثم تبعتها أخرى... ثم انهال سيل من الظلم.
المشرفة صرخت فيها:
"بتسرقي؟ ده لسه مكملتيش أسبوع! إنتي جايه لينا بشَرّ! قوموا هاتو العصاية!"
حاولت رُفيدة أن تشرح، أن تبكي، أن تقسم...
لكن لا أحد أراد أن يسمع.
ضُربت ضربًا شديدًا. كل ضربة كانت تُسكت صوتها، وتكتم أنفاسها، وتعلّم قلبها الصغير أن العدل ليس موجودًا هنا.
وبعد الضرب، جاءت العقوبة الأكبر… الحبس.
دُفعت داخل غرفة التخزين، باب صدئ يُغلق خلفها، لا نور، لا بطانية، لا رحمة.
جلست على الأرض الباردة، ودموعها تسيل بلا صوت. فهمت أن الحقيقة لا تنجو دائمًا، وأن الضعفاء لا يُصدَّقون.
لكن في مكانٍ ما في صدرها، وُلد شيء صغير… مؤلم، لكنه حيّ.
قضَت رُفيدة ليلتها في الغرفة المظلمة، لا يُسمع فيها إلا أنفاسها المتقطعة، وصوت المطر المتساقط على السقف المعدني الصدئ، كأن السماء تبكي معها. كانت تتكوّر في ركنٍ بارد، تحاول أن تضم نفسها، أن تحمي قلبها الصغير من التهشُّم.
في الصباح، فُتح الباب.
دلفت مشرفة شابة تحمل صينية فيها قليل من الحساء البارد، وضعتها بصمت، ثم همست:
"اطلعي يلا ،الأوضة دي محتاجينها."
لم تجرؤ رُفيدة أن تسأل، أن تعترض، أن تنظر حتى.
نهضت بخُطا ثقيلة… جسدها يؤلمها، لكن ما كان يؤلم أكثر هو الشعور:
أن أحدًا لم يصدّقها.
أن كل الأعين صارت تخافها، أو تكرهها، أو تتجنّبها.
أن اسمها صار يُهمس به في الأركان، مصحوبًا باتهامات وسخرية.
منذ ذلك اليوم… تغيّرت.
لم تعد تُحاول الاقتراب من أحد.
حين تضحك البنات في زاوية، تبتعد.
حين تُوزّع الألعاب، تختار البعيد منها، وتلعب وحدها.
وحين تنام، تفعلها بهدوء، كأنها تحاول أن تُخفي وجودها.
حتى المشرفات لاحظن:
"البنت دي سكتت خالص… كانت بتحاول تدخل وسطهم، دلوقتي مبتنطقش."
لكن ما لم يعرفه أحد، أن تلك الليلة لم تكن استثناءً.
فلم تكن تلك المرة الأولى التي تُضرب فيها ظلماً، ولا الأخيرة التي تُزجّ فيها في غرفة باردة تُغلَق أبوابها عليها وحدها.
تكرر المشهد بأشكال مختلفة… مرة لأن إحدى البنات اتهمتها بالكذب، ومرة لأنها "ردّت بعينها" على مشرفة، ومرة بلا سبب على الإطلاق سوى أن الغيرة من جمالها كانت تكفي لتشعل نار الاتهام.
صارت الضربات مألوفة، والعزلة عادة، والصراخ جزءًا من الليل.
وهي… لم تعد تبكي.
بل فقط تنكمش، تسند ظهرها للجدار، وتنتظر انتهاء العاصفة.
صوت الخطى في الممرات صار يُرعبها.
والعيون، حتى العادية منها، تُخيفها.
شيئًا فشيئًا، بدأ الرُهاب يسكن عينيها.
صارت تخشى الأيدي الممدودة، ولو كانت للسلام.
تخشى الجلوس في جماعة، ولو للّعب.
وتتجنّب أي نظرة قد تُفسَّر خطأ.
رُفيدة ما عادت طفلةً... صارت جُرحًا يمشي على قدمين.
كانت رفيدة قد أتمّت عامها التاسع حين تغيّر مدير الدار، وجاء مكانه رجل غريب الملامح، يبدو وقورًا للوهلة الأولى، لكنّ نظراته كانت تنبش في الأرواح لا الوجوه.
في أحد الأيام، كانت رفيدة محبوسة في الغرفة المظلمة عقابًا لها على جريمة لم ترتكبها، كالعادة. وحين خرجت بعد ساعات طويلة من العزلة، كانت الشمس قد انحنت للمغيب، والتعب قد نال منها ما يكفي لتجرّ أقدامها جرجرةً.
عند الممر الطويل قرب الحديقة الخلفية، لمحها المدير الجديد. ثبت بصره عليها، كأنما اكتشف كنزًا لا يُقدّر. نظر إليها، فأدهشته عيناها اللتان تحكيان وجعًا لا يُشبه عمرها. ومنذ ذلك اليوم، بدأ يلاحقها.
كلما سنحت له الفرصة، اقترب منها متذرعًا بأي عذر. لمس الكتف مرّة، والوجه أخرى، حتى بدأ يهمس بما يخيف الطفلة البريئة. كانت ترتعد حين يقترب، تخاف من ظله، تهرب من صوته، لكنه لم يكن يرحم، وكان يهددها:
«لو قولتي لحد، هخليكي تتمنّي الموت ومتعرفيش توصليه.»
كانت تُذعن، ترتجف، وتزداد صمتًا ووحدةً. صارت تتحاشى الجميع، حتى الأطفال. الرهاب تملّكها، صار جسدها يرتعش من أي اقتراب، أي صوت، أي خطوة خلفها.
وذات يوم من تلك الأيام الثقيلة، كانت هناك زيارة مرتقبة لرجل أعمال كبير جاوز الستين من عمره. جاؤوا يُجهزون المكان كما لو كان استقبالًا ملكيًا. نظفوا، رتّبوا، ألبسوا الفتيات ثيابًا جديدة، صففوا الشعر، وزيّفوا الابتسامات. الكل بدا سعيدًا، إلّا رفيدة، فقد بقيت صامتة، بعينيها المنطفئتين، وحركتها الثقيلة.
كان رجل الأعمال يتحدث في هاتفه خارج القاعة حين لمحها تقف وحدها، ناظرة للأرض، لا تتكلم، لا تبتسم.
اقترب بخطوات مترددة، وألقى عليها السلام:
– «إزيك يا بنتي؟ اسمك إيه؟»
ارتجفت، تراجعت خطوة، وصمتت.
جاءت المشرفة سريعًا وقالت:
– «دي رفيدة، أصلها كده من يوم ما جات، متحبش الناس، والأولاد بيقولوا إنها متوحشة، بتبعد عن أي حد.»
لكن شيئًا ما في عيني البنت شدّه. كان يرى شيئًا مختلفًا.
سأل:
– «هي بترسم؟»
قالت المشرفة بتكلف:
– «آه، دي خطها حلو جدًا، بترسم أحسن من الكبار.»
قال الرجل:
– «أنا هشرف على تعليمها بنفسي. كل مصاريف دراستها عليا، بس كل فترة أبقى أشوف مستواها... تمام؟»
ومن يومها، صارت رفيدة تذاكر. كانت تمسك المصحف وتبكي، تصلي، تحفظ، تذاكر في صمت. لا تخرج إلا للامتحانات، لا تحب الاختلاط، لا تثق بأحد. وكلما تفوّقت، اشتدّت غيرة من حولها.
لكن التحرش لم يتوقف. واستمر حتى أتمّت الثالثة عشرة. وذات مساء بارد، أعلنوا وفاة المدير.
ذهلت... ثم بكت. لكنها كانت دموع فرح لا حزن. قامت وصلت ركعتين، ثم همست:
– «أنا مش شمتانه، بس إنت عارف يا رب أنا اتأذيت قد إيه. اقتص منه... يا رب، اقتص منه.»
ومن يومها، قررت أن ترتدي النقاب. درعًا، لا تقوى، خوفًا، لا تقوى.
مرّت الأعوام، واقترب موعد خروجها من الدار مع مَن بلغوا السن القانونية. وفي إحدى الليالي، بينما كانت تتوضأ لقيام الليل، سمعت خطوات خلفها. فأسرعت لتختبئ.
وما سمعته في تلك الليلة، نزع النوم من عينيها.
كانوا يتحدثون عن ترتيب خروج البنات، ولكن ليس كما يظنون. لا عمل ولا حياة، بل شبكة لاستغلالهن، وبيعهن.
تُفهم البنات أن هناك وظيفة تنتظرهن، لكن الحقيقة أن هناك ظلمة أبشع من ظلام الدار تنتظرهن.
كانت رفيدة تختنق من الرعب، لكنها كتمت، وصمتت... لتنجو.
وفي يوم الترحيل، حين اصطفّت الفتيات استعدادًا للخروج، همست لنفسها:
– «لازم أهرب... أروّح للأستاذ عبدالرحمن... هو الأمان.»
غيّرت طريقها، ركضت بعباءتها الثقيلة، ووصلت بعد ساعات طويلة إلى العنوان الذي تحتفظ به في قلبها.
لكنّ الباب فُتح، وخرج منه شاب في العشرينات، نظر إليها من رأسها حتى أخمص قدميها، ثم قال ببرود:
– «عايزة إيه؟»
– «أنا... الأستاذ عبدالرحمن هنا؟»
قال الآخر وقد ضاق ذرعًا:
– «بابا مات من شهرين...خير أنتِ مين »
- أنا رفيدة من دار الأيتام وكنت.....
قال الشاب بنفور واشمئزاز:
– « بنت حرام يعني اتفضلي اطلعي بره ميشرفكيش تدخلي هنا مش عارفه بابا الله يرحمه يعرف الأشكال دي ازاي،حرام نطلع صدقة لأشكالك»
سقط قلبها على الدرج، وتراجعت خطوة...والدموع تنهمر بغزاره أسفل نقابها
لكن من خلفها، خرجت امرأة في الستين من عمرها، دافئة العين، قوية الحضور:
– «استني... استني يا بنتي.»
التفتت رفيدة، والدمع على خديها، فقالت المرأة:
– «أنا الدادة أمال... الأستاذ عبدالرحمن دايمًا كان بيحكيلي عليكي. أنا مش هسيبك. هتيجي معايا الحارة، وفي أوضة فوق السطوح هأجرهالك، ونشوفلك شغلانة تصرفي منها على نفسك وتعليمك.»
– «بس... بس أنا مش عايزة أكون عبء...»
– «عبء إيه يا بنتي؟ والله لو معايا فلوس ما كنت أعزها عليكي. إنتي زي بنتي.»
ضمّتها رفيدة، لأول مرة تشعر أن أحدًا يرغب بوجودها دون مقابل.
انتقلت للحارة، عملت في سوبر ماركت صغير، تتفادى العيون، تختصر الكلمات، وتختبئ خلف نقابها.
وكانوا لا يرحمون.
– «دي عيونها تجنن... لو العيون كده، أمال الباقي؟»
وكانت ترتجف كلما اقترب أحد. الرهاب ينهشها. لكنها كانت تقاوم.
دخلت كلية الهندسة، تفوقت، واحتلت الصدارة عامًا بعد عام. حتى أعلنت الكلية عن بعثة مجانية إلى لندن لأوائل الدفعة.
ترددت، خافت، رفضت. لكن دادة أمال أمسكت يدها:
– «دي فرصتك يا رفيدة... مش كل يوم بتتكرر، يا بنتي. سافري، كل حاجه ببلاش سكن وحياة نضيفه عن هنا روحي وأثبتي نفسك زي كل مرة »
وافقت، وهي لا تدري أن تلك الرحلة لن تغيّر فقط طريقها... بل حياتها بأكملها.
Mai Mustafa