الحب على مدار أعوام

الحب على مدار أعوام

25 0

في إحدى القرى النائية بمحافظة البحيرة، كان الليل يوشك أن ينقضي، والظلام يلتف حول بيت قديم وموحش. في داخله، استلقى شيخٌ هزيل على أريكةٍ بالية، ينهشه السعال في صدره حتى يقتلع أنفاسه اقتلاعًا، ثم يرفع صوته المبحوح منادياً:

"يا دعاء... يا دعاء..."

دخلت عليه امرأة ضخمة الجسد، متجهمة الملامح، في وجهها قسوة وشرّ دفين. قالت بضجر:

"عايز إيه يا راجل؟ إيه كل شوية تنادي؟"

رفع الشيخ رأسه بصعوبة، وعيناه غائرتان من التعب، وقال متنهداً:

"الواد فين يا وليّة؟ قربنا ع الفجر... وابنك الشمّام لسه مشرفش..."

شهقت المرأة، وزفرت باستهزاء:

"وهو بقى ابني لوحدي الوقتي؟ ما هو ابنك كمان يا خويا... وتربيتك! معرفش هو فين."

وما إن همّ الشيخ بالكلام، حتى انفتح الباب بقوة، ودخل شاب نحيل، في عينيه أثر المخدرات، وحولها هالات سوداء تزيده رهقًا وبشاعة. في حاجبه جرح غائر، وفي قسماته قسوة الإجرام.

هتفت المرأة بافتعال:

"أهو شَرَف أهو!"

تأفف الشاب وقال باستخفاف:

"مش هنخلّص بقى من الأسطوانة دي كل يوم؟"

قام الشيخ من مجلسه مترنّحًا، ويداه ترتعشان، وصوته يخرج كأنّه ينازع آخر ما بقي فيه من كرامة:

"انت مش ناوي تبطّل القرف ده وتفوق لنفسك؟ يا أخي ده أنا قولت إنك اللي هتسند عليّا وتبقى عكّازي وتشيل اسمي... تبقى شمام وصايع وتربية وسخة كده؟"

قهقه الابن بوقاحة، واقترب من أبيه خطوة فيها تهديد:

"بقولك إيه يا جدع انت... أنا مش عايز دوشة. جاي مزاجي رايق ومش عايز تعكير! مش كل يوم في أم الأسطوانة المشروخة دي. دي عيشة تقرف... أشيل اسم مين؟! فاكر نفسك إيه؟ ده انت كحيان، ومعيّشنا معاك في فقر وقرف. ده الواحد يستعر منك ومن اسمك!"

ثم دفع أباه بغلظة، فسقط الشيخ على الأريكة كجذعٍ ميت. مضى الشاب إلى غرفته، وأغلق الباب دون أن يلتفت، وكأن شيئًا لم يكن.

ظل الشيخ ممددًا، والدموع تملأ عينيه، يردد بانكسار:

"يستعر... مني أنا؟! هو ده اللي قولت هيكون عكّازي لما أكبر؟ هو اللي يكون اللي توقعني بدل ما تسندني!

وفي لندن، على بُعد آلاف الأميال، كانت الحياة تنبض في بيتٍ آخر بالحب والضحك.

طفلة صغيرة، لم تتجاوز عاميها، جلست فوق صدر أبيها النائم، تهزه بيديها الصغيرتين وتغمغم بكلماتٍ لم تكتمل بعد:

"بابي... بابي... بابي..."

فتح سليمان عينيه، فإذا بملامح ابنته تشرق فوقه كفجرٍ جديد، تحمل نفس سمات أمها في جمالها وبراءتها: شعرها البني الداكن المتخلل بخصل ذهبية، وعيناها العسليتان تخطفان الأنفاس. ضمها إلى صدره وهو يقبّلها بحرارة:

"صباح الجمال على أحلى وأجمل بنوتة في الدنيا... حبيبة بابي."

انفجرت الصغيرة ضاحكة، بضحكاتها الطفولية النقية، بينما يلاعبها أبوها بعشق. رفعها بين ذراعيه وقال:

"يلا نشوف مامي بتعمل إيه."

خرج بها، متتبعًا أصوات الأطباق القادمة من المطبخ. ابتسم بخبث وهمس في أذن الصغيرة، كما اعتادا معًا:

"مامي في المطبخ... يلا ندخل عليها من غير ما نعمل صوت."

دخل، فوجد رفيدة واقفة أمام الفرن، مرتدية فستانًا منزليًا بسيطًا يصل إلى ركبتيها، ظهره مكشوف بخيوط متشابكة، وبشرتها البيضاء الناعمة تلتمع تحت ضوء المطبخ. اقترب منها بهدوء، واحتواها بذراعيه من الخلف.

ارتجفت رفيدة في مكانها وقالت بعتاب ضاحك:

"سُلِيمان! خوّفتني... حرام عليك."

طبع قبلة على كتفها وقال بنبرة دلال:

"يا شقى سليمان والله... بام الكِسرة دي! إيه الجمال ده؟"

التفتت نحوه بخجلٍ يكسو وجهها، وهمست:

"صباح الخير." ثم مالت لتقبّل صغيرتهما قائلة: "يا عمري... صحيتي إمتى؟"

ابتسم سليمان وهو لا يزال ممسكًا بها:

"هي اللي صحيتني... ومشوفتكيش جنبي. صحيتي بدري ليه؟"

قالت بحب:

"صحيت بدري قولت أعمل الكيكة اللي بتحبها انت وماما."

شدها إليه أكثر وهمس:

"بس أنا بحبك أكتر من الكيكة."

أجابته بعيون يملؤها العشق:

"وأنا بموت فيك... أنت أغلى رزق ربنا رزقني بيه. بعشقك."

ثم وقفت رفيدة على أطراف أصابعها، تطبع قبلةً خفيفة على خدّ سليمان، فغمرها بنظرةٍ ملؤها العشق والرضا. لكن تلك اللحظة لم تكتمل؛ إذ تسلّلت الصغيرة بينهما بغيرةٍ طفولية، شدّت والدها إليها، قبّلته بعنادٍ جميل، ثم مدّت يدها لتضرب أمها ببراءة وهي تهتف:

ـ "بابي! بابي!"

انفجرا ضاحكين، بينما احتضن سليمان صغيرته وهمس لها بحنو:

ـ "يا وعدي... دي اللي بتغير على بابي! بس مينفعش يا حبيبة قلبي تضربي مامي... عيب كده، بابي يزعل منك."

ضحكت رفيدة وهي تهزّ رأسها قائلة ممازحة:

ـ "طول ما انت مش هنا، علاقتنا تبقى جميلة وتحبّ فيّا. أول ما تيجي... تنساني وتنسى الكل وتبدأ غيرتها ومتشوفش حد غير بابي وبس."

شدّهما سليمان إلى صدره، ضامًّا زوجته وابنته معًا، وقال بصدقٍ يقطر من صوته:

ـ "انتوا أغلى حاجة في حياتي... ربنا ما يحرمنيش منكم أبدًا."

أجابت رفيدة بصوتٍ متهدّج بخشوع:

ـ "آمين يا رب."

ثم التفتت إلى الفرن، وقالت بابتسامة:

ـ "يلا بقى، الكيكة خلصت يلا نجهز علشان نروح لماما."

حمل سليمان ابنته، وقال:

ـ "تعالي يا ست رُفَى روحي لِـ مامي يلا ، تاخدي شاور وتلبسي علشان نروح لنانا."

لكن الصغيرة تمسّكت بعنقه بشدّة، تهزّ رأسها بالنفي، وتلّح:

ـ "لأاا... بابي!"

ربّت سليمان على ظهرها بحنانٍ ومهاودة، قائلًا:

ـ "حبيبة بابي، أنا هنا... هاخد شاور في الحمام اللي في الأوضة، على ما تخلصي مش هروح في حتّة. معاكِ النهارده... ده الويكند، وعمتك رنا هتمرمطنا."

قهقهت رفيدة وهي تُخرج ملابس ابنتها من الخزانة، وقالت مبتسمة:

ـ "رنا دي... مش عارفة من غيرها كنت هشوف جمال لندن إزاي. كل مرة توريلي حاجة تبهّرني."

قال سليمان بتهكم:

ـ "رنا بس؟! أمال مين اللي صوته بينبح وهو بيوصفلك؟"

اقتربت منه، وأمسكت بطرف التيشرت، وهمست:

ـ "وأنا بشوف الأماكن دي بعيون مين غيرك؟ بعيونك إنت... وانت بتوصفها. عمرها ما تبهرني إلا بعيونك."

وبعد أن فرغوا من استعدادهم، عبروا إلى الشقة المقابلة. دخل سليمان حاملًا ابنته بين ذراعيه، فقفزت رنا مسرعة، تحتضن الطفلة وتقبّلها، محاولةً أن تنتزعها من حضن والدها، لكن الصغيرة تشبّثت به رافضةً.

في تلك الأثناء، تقدّمت رفيدة إلى المطبخ وهي تحمل صينيةً مغطّاة، وضعتها أمام رباب، وقبّلتها هامسة:

ـ "صباح الخير يا أحلى ماما في الكون."

احتضنتها رباب بحبٍّ غامر:

ـ "صباح الفل والياسمين على بنتي حبيبة قلبي... بنوتي الغالية."

ثم لمحت الصينية، فرفعت حاجبيها وقالت بدهشة:

ـ "إيه ده؟"

كشفت رفيدة الغطاء قائلة بفخرٍ طفولي:

ـ "كيكة البرتقال اللي بتحبيها إنتي وسليمان... عملتها علشان ناكلها مع الشاي."

ابتسمت رباب ابتسامةً واسعة، وقالت بعاطفة:

ـ "تسلم إيدك يا حبيبة قلبي... الكيكة دي من إيدك لا تُقاوم بجد."

أجابت رفيدة بخجلٍ محبّب:

ـ "ده من تعليمك يا ماما."

وقبل أن يواصلوا حديثهم، دوّى صوت رنا من الصالة، قالت رباب:

ـ "أكيد بتتخانق... وبتزعّق علشان رُفَى مش عايزة تروحلها. كل يوم نفس العادة."

ضحكت رفيدة، وقالت وهي تشير إلى الصغيرة:

ـ "هي كده... طول ما باباها موجود تنسى الكل."

جلسوا جميعًا إلى المائدة، يتناولون الإفطار في جوٍّ أسريٍّ يفيض دفئًا وسكينة.

ساد الهدوء لبرهة بعد أن فرغوا من الفطور، ولم يبقَ على المائدة سوى بقايا الكعكة وأكواب الشاي الفارغة. جلس سليمان وفي حجره الصغيرة رُفَى، تحاول التهام قطعة الكيك الأخيرة، بينما انحنى عليها يمسح آثار الكريمة عن وجهها. كانت الطفلة تتملص منه ضاحكة بصوت عالٍ، فيزداد قلبه امتلاءً بحبها.

قال سليمان مبتسمًا:

"يا شقيّة! هو أنا بلحق؟ نص الكيكة في بوقك والنص التاني في هدومك!"

تدخلت رباب بحنان الجدات، وهي تتابع المشهد بعينين دافئتين:

"سيبها يا سليمان، تعمل اللي هي عايزاه… دي حبيبة نانا."

أخذت رفيدة منديلاً من جوارها، وأخذت تمسح به آثار الكيك عن ثياب سليمان، ثم مسحت ملابس الصغيرة برفق. قالت وهي تُحاول تهدئة ابنتها:

"براحة يا رُفَى."

قاطعتها رنا وقد علت نبرة غيرتها القديمة:

"ليه يا أبيه تخليها بالاسم ده؟ اسمها لوحده دلع. مش عارفه أدلعها… نفس دلع رفيده! ليه الاسم مشتق من رفيدة يعني كده الاتنين واحد!؟"

ضحك سليمان وهو يُحاول امتصاص حدّة الموقف:

"كل ده علشان مسمتهاش رنا؟"

تنهّدت رفيدة وهي تقطع الجدال المعتاد بينهما، وقد لازم صوتها ذلك الرِّفق الطبيعي:

"خلاص بقى… انتوا كل يوم في نفس الموضوع."

ثم وجّهت كلامها لرنا بلطف:

"ركّزي بس يا رنوش في بروجرام النهارده."

بدأت رنا تقترح أماكن عدّة للخروج، حماسها لا يخفت، لكن سليمان كان يرفض واحدًا تلو الآخر:

"لأ… مينفعش. رُفَى بتخاف من الأماكن العالية."

"بردو لأ… الأصوات هناك عالية ومزعجة على رُفَى"

وكل مرة كان السبب: رُفَى.

تنفست رنا بضيق وقالت:

"إيه، خلاص؟ كله علشان رُفَى؟ بقا مرفوض! كده أخركم الجنينة اللي على أول الكومباوند."

ابتسم سليمان ابتسامة هادئة وقال:

"فكرة بردو… مكان هادي. بس مش هنطول علشان رُفَى والحساسية ،وناخد معانا ملايه أو مفرش سميك علشان رُفَى… والحساسية بتاعة الحشرات."

صرخت رنا بحدة وهي تلوّح بيديها:

"يا نهار رفض! يا أبيه، ما فيه دوريات نظافة ورش! متخافش."

نظر إليها سليمان بعين الأب القَلِق، وأجاب بصوت منخفض لكنه عميق، خرج من قلب ممتلئ بالحب والخوف:

"لأ… كده أضمن. أخاف يحصل لها حاجة حتى لو بسيطة. هي حسّاسة… ورقيقة، وأي حاجة صغيرة بتتعبها. وتعبها صعب… بيوجعني أنا."

ساد صمت ثقيل للحظة، وكأن الجميع شعر بصدق كلماته. رفيدة نظرت إليه نظرة ممتنة، فيها امتزج الحب بالامتنان، بينما رُفَى لم تفهم شيئًا، لكنها غفت على صدر أبيها ببراءة، كأنها وجدت فيه كل الأمان.

بدأوا يستعدّون للفسحة الأسبوعية. جلست رفيدة أمام خزانة الملابس، تختار ألوانًا متناسقة لتكون ملابسهم جميعًا ماتشينج كما اعتادوا. أخرجت فستانًا طفوليًا رقيقًا لابنتها رُفَى، مكشوف الساقين الممتلئتين كقطعة حليب طازج.

ألبست الصغيرة رُفَى فستانًا طفوليًا قصيرًا يكشف عن ساقيها الممتلئتين البيضاوين اللتين تبعثان على الرغبة في التقبيل. ما إن رآها سليمان حتى قطّب حاجبيه، وهو يرتدي قميصه:

"روفي… غيري الطقم ده لـ رُفَى."

نظرت إليه رفيدة باستغراب:

"ليه؟ جميل أوي عليها… ما شاء الله."

هز رأسه بعناد، وصوته مشوب بالغيرة:

"أيوة… علشان كده. وكمان رجليها باينه أوي."

ابتسمت رفيدة برفق، تحاول احتواء غيرته:

"هي لسه طفلة يا حبيبي… عادي لبسها يكون كده، وأقصر كمان."

رد بصرامة أبويّة وحزم:

"لأ. دي بنتي وأنا حر مليش دعوة ب باقي الأطفال… وشايف إن اللبس ده مش مناسب. عيون الناس دلوقتي مش بترحم… الصغير قبل الكبير."

كلماته فتحت جرحًا قديمًا في قلب رفيدة، فارتسمت على ملامحها ذكرى موجعة لمدير الدار الذي تحرّش بها وهي طفلة، وكيف لم تسلم هي نفسها من الأذى. سالت دمعة على وجنتها دون أن تشعر.، وقد صدّق قلبها كلامه: حتى الأطفال لا يَسلمون.

أدرك سليمان على الفور ما يدور ببالها. خطفها إلى صدره، يحتضنها بقوة، وصوته يرتجف:

"أنا آسف… مش قصدي أوجعك."

غمرته بذراعيها، هامسة:

"مفيش حاجه يا حبيبي… أنت صح. متقلقش، أنا كويس."

ثم ابتسمت، ومسحت دموعها سريعًا:

"خلاص… هلبسها كولون تحته، وكده كده هتلبس جاكيت لما الجو يبرد. مش هيبان حاجه من جسمها."

أومأ برضا وهو يلمس خدها:

"ماشي يا حبيبتي… هدخل أجهّز على ما تخلصي، وأخد رُفَى منّك عشان تجهزي براحتك."

خرجوا جميعًا متجهين إلى الحديقة القريبة. كان سليمان حريصًا أن يختار لهم مكانًا هادئًا يمنحهم خصوصية، ثم فرشوا المفرش السميك الخاص بالبيكنيك. وبجانبهم سلة طعام محضّره في البيت..

زمّت رنا شفتيها، معترضة:

"بقينا ناخد أكلنا من البيت علشان خاطر ست رُفَى؟"

ابتسم سليمان وهو يحتضن صغيرته:

"رُفَى في سن الاستكشاف دلوقتي… أي أكل من بره هتشد وتاكل منه، وأنا أخاف عليها يتعبها. لسه صغيرة ومفيش مناعة… وأكل بره مش مضمون."

جلست رُفَى في حجر أبيها، تهزّ "شخشيخة" صغيرة وتشدّ وجهه إليها:

"بابي! بابي!"

فضحك، وراح يقبّل وجنتها:

"أنا كلي ليكي يا عيون بابي… معاكي أهو."

تبدّد الوقت بين حكايات وضحكات ولعب. ثم لمحت رُفَى بعض الأطفال يركضون خلف كرة، فانتفضت من حضن أبيها، محاولة اللحاق بهم.

لكن سليمان أسرع وأمسكها:

"لأ يا عمري… خليكي في حضن بابا. انتي لسه صغيرة، ممكن توقعي وتتجرحي."

أطرقت الصغيرة برأسها وأجهشت في بكاء مدلل، فانكسر قلبه. مسح دموعها سريعًا وهو يهمس:

"لا مقدرش على اللولي ده… يلا يا حبيبتي نلعب سوا."

نهض يحملها، وراح يجري وراء الكرة معها، بينما وقفت رفيدة تتابعهما بعينين ممتلئتين بالحب. غمرت قلبها دعوة صافية: اللهم احفظه لي ولابنته.

وبينما كان سليمان يلعب مع صغيرته، اقتربت منه إحدى الأمهات، تبتسم وهي تقول:

"بنتك جميلة أوي… أعتقد شبه مامتها، مفيش أي شبه ليك خالص."

من بعيد، رأت رفيدة المشهد. لم تحتمل. أسرعت تمشي بثبات، أمسكت بذراع سليمان ولفّت يدها حوله، وكأنها تقول بلا كلام: هذا ملكي أنا وحدي.

ابتسمت المرأة بارتباك:

"مش قولتلك… واضح من العيون كمان." ثم استأذنت ورحلت.

التفتت رفيدة إليه بنار الغيرة في عينيها:

"قالتلك إيه بقى؟ وايه موقفها معاكي وهي مبتسمة كده… بتوزع نكت وأنت وأنا مش عارفه؟"

انفجر سليمان ضاحكًا، صوته رجولي دافئ:

"براحه يا وَحش… في الغيرة بتقلبي قطة شيرازي!"

ردّت بسرعة، وهي لا تزال ممسكة بذراعه:

"طب خلي بالك… لتتخربش منها. معرفتش بردو كانت عايزة إيه؟"

قال بهدوء وهو يضمها لصدره:

"مفيش… كانت بس بتقول إن رُفَى شبه مامتها، مفيش شبه مني."

رفيدة، بصوت ممتلئ غضبًا وغيرة:

"وهي مالها حضرتها! ركزت أوي في ملامحك علشان تحكم؟ هو أي لفت نظر وخلاص؟ أروح أغزّ عينيها دي عشان تحرم تبص وتشوف بيها."

ضحك سليمان من أعماقه، ثم شدها إليه أكثر، محاصرًا غيرتها بعشقه:

"تعالي في حضني يا حبيبتي… غيرتك دي بعشقها ورزقي ونصيبي اللي أنا بعشقه."

ظلّت بين ذراعيه، بينما تواصلت فسحتهم حتى نهايتها، قبل أن يعودوا جميعًا في دفء أسري يغمره الحب.

مضت الأيام في دفءٍ وطمأنينة، تتعاقب لحظاتهم العائلية بين ضحكات صغيرة وذكريات تتكوَّن بهدوء. بدا وكأن الحياة قد منحتهم هدنة طويلة من القلق، فامتلأت بيوتهم بالسكينة، وصارت تفاصيلهم اليومية كخيوط حانية تنسج بينهم مزيدًا من القرب.

غير أن سكونهم ذاك لم يطل، إذ جاءتهم مكالمة لم تكن في الحسبان، تحمل بين نبراتها ما يكفي ليقلب مسار أيامهم المقبلة رأسًا على عقب…

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

نجوت بك

المؤلف Mai Mustafa
2025/11/08 مستمرة
قائمة الفصول (26)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة