إنقلاب السحر على الساحر

إنقلاب السحر على الساحر

22 0

رنّ المنبّه في أرجاء الغرفة المظلمة، معلنًا عن اقتراب موعد الحفلة المُنتظرة. فتحت "رُفيدة" عينيها على مهل، ثم جلست ودفنت وجهها بين كفّيها، تستجمع ما تبقّى من هدوءٍ في قلبها. مدّت يدها إلى الهاتف لتُسكت الرنين، ثم قامت بهدوءٍ إلى دورة المياه، توضأت وصلّت المغرب بخشوعٍ يسبق الزحام.

عادت إلى مرآتها الصغيرة، وبدأت في تجهيز نفسها بهدوءٍ متأنٍّ يشبه طقوس التحضّر للقاءٍ مهم، لا لمناسبة صاخبة. لم تكن تضع زينة، لكن عنايتها بنفسها كانت تُفصح عن احترامها لنفسها، ولمن حولها.

اختارت فستانًا طويلاً بلون الكحلي الداكن، من خامةٍ ناعمة تنسدل برقة على الجسد دون أن تُحدّده، بأكمامٍ واسعة تُزيّنها تطريزاتٌ صغيرة بلون الفضي. فوقه، ارتدت "كيمونو" تريندي بلون "الموف الرمادي"، مزين بحزامٍ نحيف عند الخصر، يُضفي على مظهرها أناقة أنثوية دون تبرّج.

لفّت نقابًا أبيض ناصع من قماشٍ قطنيّ ناعم، ثبّتته بدبوسٍ صغير عند جانب رأسها، ليكشف عن عينيها اللتين اكتسبتا من السهر والبكاء عمقًا غريبًا… عيناها، وحدهما، كانتا كافيتين لسرقة النظر، دون زينة، دون صوت.

انتعلت حذاءً أنيقًا بلون "النود"، يحمل لمعة خفيفة بالكاد تُرى، وأمسكت بحقيبة صغيرة بلون "الروز الفاتح.

فتحت باب الغرفة بهدوء، فتصادف خروجها مع خروج "ندى" من غرفتها في الجهة المقابلة.

لحظة صمتٍ عبرت بينهما، ثم لمحت "رُفيدة" مظهر ندى... فاتّسعت عيناها في دهشة خفيّة لم تجرؤ على التعبير عنها.

كانت "ندى" ترتدي فستانًا أسود ضيقًا يلتصق بجسدها كأنه طبقة جلد، قصيرًا لا يتجاوز الركبة، بأكمام شفّافة تُظهر تفاصيل ذراعيها، وصدر مكشوف يُزيّنه عقدٌ ضخم يلمع تحت الضوء. شعرها الطويل مُصفف بتموّجات واسعة، ومكياجها الصارخ يُشبه ألوان مسرح لا مناسبة رسمية. كعبٌ عالٍ يُحدث طنينًا مع خطواتها، وعطرٌ ثقيل يسبقها بأمتار.

توقّفت "ندى" فجأة، وحدّقت في "رُفيدة" بنظرةٍ طويلة، ثم رفعت حاجبها باستهزاء، وقالت بنبرةٍ تنقط كبرياءً وسُخرية:

– "إيه اللبس ده؟

انتي جاية حفلة، ولا خارجة مولد؟

يعني بجد… نقاب وفستان مقفول لحد الأرض؟

احنا في بلاد الموضة والجمال، مش في حصة الدين!

بذمتك شايفة إن دا يليق بالمكانة اللي احنا فيها؟

بس عادي، أكيد لما ترجعي مصر… هتنوريها بقرف لبسك، واستايلك البيئه ده."

ثم مرّت من أمامها بخطى متباهية، تمسك حقيبتها وكأنها تتعالى بها، وتركت خلفها أثرًا من العطر… وسمًّا لاذعًا من الكلمات.

وقفت "رُفيدة" ساكنة في مكانها. لم تردّ… ولم ترفع حتى نظرها، لكن قلبها كان يعجّ بالكلمات التي لم تُقال.

لم تبكِ من كلام "ندى"… بل من عجزها عن الرد، من صراع داخلها بين كبرياء صامتٍ، وضعفٍ إنساني.

مسحت دمعةً خفيفة سالت من طرف عينها، وقالت في نفسها: – "اللهم اغفر لي ضعفي… واهدِها."

ثم نزلت، كعادتها، إلى الحافلة، وجلسَت في المقعد الأبعد عنهم جميعًا. لم تكن تُريد عزلة، لكن الصمت أحيانًا أحنّ من كل كلام.

ازدادت الطرق ازدحامًا كلما اقتربت الحافلة من قلب المدينة، وكان الليل قد ألقى بثوبه الفضيّ على لندن، فأضاءت الأبنية بزخرفات ضوئية تتناثر على الزجاج، كأنها نجومٌ هبطت من السماء لتُشارك في الاحتفال.

توقفت الحافلة أمام فندقٍ فاخرٍ يعلو ببهائه في الأفق، ونزل منه الطلاب بضحكاتٍ ونظرات منبهرة. كان المدخل مفروشًا بسجادٍ أحمر، تتناثر على جوانبه الورود البيضاء والذهبية، وتتلألأ أنوار خافتة بين الأعمدة، موسيقى ناعمة تنبعث من الداخل كأنها تهمس لهم: "مرحبًا بكم في العالم الآخر."

سارت "رُفيدة" بينهم بصمت. رغم مظهرها الذي لا يُشبههم، إلا أن خطواتها كانت متزنة، وعيناها تقاومان الخوف الذي يتسلل إلى صدرها شيئًا فشيئًا. دخلت القاعة الكبرى… كانت أنوارها باهرة، والناس متوزعون في دوائر، ضحكات عالية، كؤوس تُرفع، وفساتين براقة تتمايل مع الإيقاع.

خُيل إليها لوهلة أنها في عالمٍ لا ينتمي لها… كل شيء حولها كان صاخبًا، زائفًا، بعيدًا عن ذلك السكون الذي تعرفه. شعرت باختناقٍ، ليس من المكان، بل من كونها الوحيدة التي لا تنتمي.

راحت عيناها تدور في القاعة، كأنها تبحث عن شيء… لا تدري ما هو تحديدًا. لكن قلبها كان يعرف. كانت تبحث عن أمانها. عن "سليمان."

فجأة، شعرت بشيء… حضورٌ سبق الخطى. أمانٌ سبق الصوت.

التفتت فجأة، بعفويةٍ لا تقصدها، وكانت تلك اللحظة…

"هو هنا."

دخل "سليمان" القاعة، كأن الأرض اتسعت له لتُمهّد خُطاه.

يرتدي بدلةً سوداء فاخرة مُفصّلة على جسده الرياضي، تُبرز عرض كتفيه وتناسق عضلاته، وقميصًا أبيض ناصع يلتف حول عنقه بأناقةٍ صارمة، وربطة عنق رفيعة بلونٍ رمادي داكن تنسدل بخفة.

كان يحمل في هيئته رجولةً صامتة، ونظرةً تبحث عن شيءٍ واحد.

لم يلتفت كثيرًا… لم يحتاج يبحث كثيرًا.

هي كانت هناك. مميزة. لافتة دون قصد. بلباسها المحتشم، ووقفتها الخجولة، ونظرة الحياء التي لا تُشبه أحدًا.

نظر إليها، فالتقت عيناها بنظره.

"السلام كان بينهما من أعينهما."

كلمات لم تُنطق، لكن العيون قالت كل شيء.

صعد "سليمان" إلى المنصّة. سعل قليلاً، ثم أمسك بالميكروفون بثبات:

"Good evening everyone…

I want to thank you all for your hard work throughout this week.

I know not all of you have been offered positions in the company — but let me tell you, this is not a loss.

You were selected for training in one of the top mechatronics companies in the Middle East — and this is a solid milestone for any young engineer.

You’ve gained experience, insight, and growth.

What you learned here will open doors for you — wherever you go.

Now, Mr. Joseph will begin announcing the names of our trainees.

We wish you the best in your future careers."

"مساء الخير جميعًا…

أود أن أشكركم على مجهوداتكم طوال هذا الأسبوع.

أعلم أن بعضكم لم يحصل على فرصة عمل داخل الشركة، لكن صدّقوني… هذه ليست خسارة.

أن يتم اختياركم للتدريب في واحدة من كبرى شركات الميكاترونكس في الشرق الأوسط، فهذا في حد ذاته إنجاز كبير لأي مهندس في بداية حياته.

لقد اكتسبتم خبرة ونضجًا وفهمًا،

وما تعلمتموه هنا، سيفتح أمامكم أبوابًا في أي مكان في العالم.

والآن، سيبدأ السيد "جوزيف" بمناداة الأسماء لتكريمكم.

نتمنى لكم جميعًا مستقبلًا مشرقًا."

بدأ "جوزيف" ينادي الأسماء واحدًا تلو الآخر، والطلاب يصعدون بتتابع، وكلّ من يستلم شهادته، ينحني قليلاً لـ "سليمان" الذي كان يُسلّمهم الدرع بابتسامة ثابتة.

حتى…

"Rufaida Mohsen Elbadry"

"رفيدة محسن البدري."

توقف قلبها لحظة.

تحركت ببطء، تتماسك على قدمها المتعبة. وقفت تستجمع نفسها لتصعد…

لكن "جوزيف" نظر إلى لائحته وقال بسرعة:

– "Next, please…"

وقبل أن يكمل، رفع "سليمان" يده في وجهه، ثم نظر إليه نظرةً حاسمة.

سكت "جوزيف"، وانحنى معتذرًا.

وانفتح الطريق أمام "رُفيدة" لتصعد، بخطًى بطيئة.

وقفت أمامه، تناولت منه الدرع والشهادة، ووقف المصوّر يطلب منهما:

– "Smile for the photo please."

رفيدة حاولت الابتسام بخجلٍ بسيط، بينما سليمان كان يُنصت لها بعينه فقط.

ثم التفت إليها، وهمس بصوتٍ خافت:

– "رفيدة، استني…

هَنزل معاكي، مش هتعرفي تنزلي بيهم كده. الفستان ورِجلِك… خليني معاكي."

نظرت إليه، بعينٍ مُمتنّة، وهزّت رأسها برقةٍ تشبه الشكر أكثر من ألف كلمة.

نزل بجوارها ببطء، لا يستعجل الخطى، ولا يُبالي بمن حوله…

كأن وقته كله صار لها.

وصل إلى طاولتها، فوضع الدرع والشهادة أمامها بلطف، ثم ابتسم قليلًا، وانسحب عائدًا إلى المنصة ليُكمل تسليم الشهادات.

بعيدًا في إحدى الزوايا، جلست "ندى" تُراقب.

عيناها تشتعلان غيظًا.

"هو نفس المدير اللي وقف معاها في الاجتماع…

وهو نفسه دلوقتي واقف جمبها قدام الكل…!

أينعم متكلموش، بس الوِدّ في العين، لا بيستخبى ولا بيتزوّر."

تمتمت لنفسها بسُمٍّ:

– "صدقيني يا رُفيدة… الحفلة دي مش هتعدي عادي. وبدل ما تكون ذكرى حلوة، فخلينا نختمها بـفضيحة."

وانسحبت في الظلام…

تُخفي نيتها خلف ابتسامة.

طوال الحفلة، ظلّت عين "سليمان" تراقب "رفيدة" من بعيد. كانت تجلس في ركنٍ هادئ، منعزلة عن الصخب، لكنّها لم تكن خائفة... فقط متحفّظة، مطمئنّة لوجوده قريبًا منها، دون أن تطلب ذلك أو تُصرّح به. كان الأمان في الحضور الصامت أبلغ من أي كلمة.

على الجانب الآخر من القاعة، كانت "ندى" تتحرّك بخطًى واثقة، تخفي خلف ابتسامتها نوايا خبيثة. أمسكت كوب العصير الذي وضعت فيه حبّة الهلوسة، ثم اقتربت من أحد النُدُل.

ندى بابتسامة مصطنعة:

"Excuse me... can you please give this juice to my friend, the veiled girl over there? I'm in a hurry and someone is calling me. I don’t want her to wait too long."

"عذرًا، هل يمكنك من فضلك أن تُعطي هذا العصير لصديقتي المنتقبة هناك؟ أنا على عجلة من أمري وهناك من يُشير إليّ، ولا أريد أن تتأخر عليه."

النادل، بِـ لُطف، انحنى قليلًا وقال:

"Of course, ma’am."

"بالطبع، سيدتي."

أخذ الكوب من يدها، وسار به نحو "رفيدة". اقترب منها بأدب وقدّم لها العصير.

"Juice for you, miss."

"العصير من أجلكِ، آنسة."

"رفيدة" برهبة وشكر، وقالت:

" thank you very much."

"شكرًا جزيلًا لك."

لكن قبل أن ترفع الكوب إلى شفتيها، أحسّت بحاجة مفاجئة للذهاب إلى دورة المياه. وضعت الكوب على الطاولة، ثم نهضت واتجهت إلى إحدى المُنظمات.

"Excuse me... can you tell me where the restroom is?"

"عذرًا... هل يمكنك إخباري أين دورة المياه؟"

"Sure, just go straight then turn left."

"بكل تأكيد، اذهبي مباشرة ثمّ انعطفي يسارًا."

"Thank you so much."

"شكرًا جزيلًا لك."

وفي جهة أخرى من القاعة، كان "سليمان" يتبادل الحديث مع مجموعة من رجال الأعمال. ضحكاته كانت مهذّبة، ونظراته مركّزة... حتى التفتت عيناه نحو المكان الذي كانت تجلس فيه "رفيدة"، فلم يجدها.

قطّب حاجبيه باستغراب، وبدأ يُحرّك رأسه، يبحث عنها في القاعة بنظرات قلقة. لم يلمحها في أيّ زاوية، فانتابه قلقٌ خفيفٌ دفعه للاستئذان من الحضور.

"Excuse me, I’ll be back in a moment."

"عذرًا، سأعود بعد قليل."

استدار وبدأ يبحث بعينيه في القاعة، يحدّث نفسه بقلق صادق:

«هي راحت فين؟ رجليها كانت وجعاها من شوية… معقول تعبت وقررت تمشي؟ ولا حصل لها حاجة؟ دي اختفت فجأة!»

وفي تلك اللحظة، كان أحد النُدُل يجمع الأكواب الفارغة من الطاولات. وسط الزحام والارتباك، اختلطت الكؤوس، فاستقر كوب العصير الملوّث على الكرسي المجاور لمقعد "رفيدة" الخالي، بينما وضع النادل كوبًا آخر مكانه دون أن يدري ما جرى.

"سليمان" تابع سيره، وقلقه يزداد كلّما طال غيابها عن ناظريه.

وفجأة، ظهرت "رفيدة" من بعيد، عائدة من الممر المؤدّي إلى دورة المياه. التقط "سليمان" أنفاسه العالقة، وزفر بارتياحٍ ثقيل، ثم تقدّم نحوها بخطى سريعة، تخون اتّزانه القلق الذي نما بداخله كغصنٍ شائك.

وحين اقترب منها، تكلّم بصوتٍ خفيض:

– إنتي اختفيتي فجأة كده… كنتي فين؟!

نظرت إليه "رفيدة" باستغرابٍ خفيف، وقد بدت على وجهها علامات الحرج، فقالت بصوتٍ هادئ:

– كنت محتاجة أدخل التويلت بس.

هزّ رأسه بتفهّم، لكن عينيه ظلّتا معقودتين على وجهها القلق:

– آه تمام… أنا بس قلقت، قولت يمكن رجلك وجعتك تاني ومشيتي،أو حصل حاجة "

أطرقت برأسها قليلًا، وهمست:

– رجلي فعلاً وجعاني شوية… بس الحمد لله.

ظهر الحزن في ملامحه، وانعكست الحنيّة في نبرته حين قال:

– بُصي… الحفلة قربت تخلص، لكن لو مش قادرة، تستني الباص مع زمايلك، ممكن أروحك مفيش أي مشكلة ولا حرج.

ابتسمت "رفيدة" ابتسامة خفيفة، وهزّت رأسها نافية:

– لأ عادي، مش مستاهلة والله. شكراً على تعب حضرتك، أنا هستنى هنا مع زمايلي.

أومأ لها برأسه في إشارة صامتة بالموافقة، ثم أشار لها بيده أن تتقدّم نحو مقعدها. مضت "رفيدة" إلى مكانها، تشعر بأنفاسه لا تزال تحيطها، كأن حضوره ظلّ لا يزول، وحماية لا يُصرّح بها.

جلست بهدوء، وسندت ظهرها إلى المقعد، وفور أن هدأت أنفاسها، شعرت بعطشٍ مفاجئ. امتدّت يدها نحو كوب العصير القريب منها، دون أن تدري ما فيه.

وفي اللحظة ذاتها، كانت "ندى" تقترب بخطًى محسوبة، تتفحّص المشهد بعينين تلمعان بالشّماتة. جلست بجوار "رفيدة"، وابتسامةٌ خبيثة تتسلّل إلى وجهها، ثم تمتمت بسخرية خافتة:

"خلينا نستمتع،الحفلة الحقيقية هتبدأ الوقتي ونشوف فضيحة ست الشيخة "

رفعت "ندى" الكوب الآخر من على الطاولة، تتأمّله بنظرة باردة، وكأنها تنتظر لحظة السقوط بصبرٍ شيطاني.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

نجوت بك

المؤلف Mai Mustafa
2025/11/08 مستمرة
قائمة الفصول (26)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة