زفاف

زفاف

24 0

كانت أنفاس "سليمان" تتسابق مع عقارب الوقت، يطوي الممرات ركضًا، ويداه ترتجفان وهو يضم كفَّ "رفيدة" الباردة إلى صدره، كأن دفء قلبه وحده قادر أن يعيد إليها الحياة.

دخلت إلى غرفة الفحص بيضاء الجدران، وتسلَّل القلق إلى عظامه حتى ظنَّ أنه لن يغادره أبدًا. دقائق قليلة، لكنها كانت كعمر كامل، خرج بعدها الطبيب بملامح جادّة قائلاً:

— "انهيار عصبي حاد... هتحتاج راحة تامة وجلسات دعم نفسي، وإلا هتتكرر الأزمة ومخاطر أعنف."

كاد "سليمان" أن ينهار هو الآخر، وغامت عيناه بدموع لم يعرف لها طريقًا من قبل، فيما تراجعت "رباب" إلى الجدار، تضع كفيها على وجهها، تتمتم بانكسار:

— "يا ريتني ما أصريت ننزل نعمل الفرح في مصر... أنا السبب... أنا السبب."

لكن "سليمان" قطع اعترافها الحارق بصوت متهدج:

— "اللوم مش هيفيد... المهم دلوقتي نكون جنبها."

ومنذ تلك اللحظة، بدأت رحلة العلاج. جلست "رفيدة" في العيادة النفسية، تحيط بها عيون ثلاثة لا تفارقها: "سليمان" الحارس الصامت، و"رباب" التي تسند كتفها بحنان، و"رنا" التي تملأ الفراغ بابتسامات دافئة. ومع كل جلسة، كانت روحها تعود إليها ببطء، مثل زهرة تفتّحها الشمس بعد شتاء طويل.

وفي مساء هادئ، جمعتهم جلستهم المعتادة، فقالت "رفيدة" بنبرة ثابتة رغم وميض الحزن:

— "مش هقدر أعمل الفرح في مصر... حتى لو محدّش اتكلم، نظراتهم تكفيني. كفاية عليّا إنكم جنبي... ده أكبر فرح ليا."

ابتسم "سليمان" وهو يضع يده على يدها، يحدّق في عينيها بعمق:

— "لا يا روحي... إنتِ مش أقل من حد. شوفي نفسك في عيوني وبس."

لم تفهم حينها ما كان يخطط له، حتى جاء ذلك اليوم. أضاءت القاعة بألوان الفرح، وزُيِّنت بأزهار بيضاء تعانق عبيرها. دخلت "رفيدة" بثوب يليق بملكة، و"سليمان" ببدلة رسمت على وجهه وسامة لم ترها من قبل. ضحكت، بكت، ورأت في عيون الحاضرين احترامًا لا شفقة. كان العرس وعدًا جديدًا بالحياة.

بعد أيام، حملها "سليمان" إلى دهب، حيث البحر يهمس بأسرار العشّاق، والرمال الذهبية تترك أثرها على أقدامهما كختم أبدي. كانت الليالي هناك قصائد من الحنان، والأيام شرفات مفتوحة على السعادة.

ثم عادوا إلى لندن، لكن هذه المرة لم تعد "رفيدة" وحدها. كان بيتهم مليئًا بأصوات الضحك، برائحة القهوة في الصباح، وبحضور عائلة اجتمعت على دفء واحد. كانت الحياة أخيرًا تبتسم، بعد أن جفَّت دموعها لآخر مرة.

وفي أُمسية جلسا في شرفة البيت بلندن، حيث المطر الخفيف يلامس الزجاج كأنّه موسيقى هادئة تُمهّد للكلمات الأخيرة. أمام "رفيدة" الجورنال الذي حمل حكاياتها منذ أول لقاء، أوراقه تعبق برائحة الورق والحبر والذكريات.

كان "سليمان" يجلس قبالتها، يراقب ملامحها وهي تُمسك القلم بيد ثابتة، وعينيها تمتلئان بذلك البريق الذي لا يراه إلا هو.

أخذت نفسًا عميقًا، ثم بدأت تكتب، وحروفها تتساقط على الصفحة كقطرات المطر:

"كنتُ أظنُّ أنّ الحياة لا تمنح قلبًا مثقوبًا إلّا مزيدًا من الريح، وأنّ الفقد إذا استوطن الروح فلن يُزهر فيها شيءٌ بعده. لكنّ الله ـ بلطفه الذي لا يُدرك ـ مدَّ لي يده من بين الركام، وأرسل إليّ عوضًا يُشبه الدعاء حين يتحقق، والنجمة حين تسقط في كفّك قبل أن تطفئها. لم يكن طريقنا خاليًا من الألم، لكنّه كان ممتلئًا بالرحمة، بالطمأنينة التي تَكسو الروح حين تجد وطنها الأخير. واليوم... وأنا أكتب آخر سطر في هذه الصفحات، أبتسم بيقين وأهمس: نجوتُ بكَ."

أغلقت "رفيدة" الجورنال برفق، ورفعت عينيها إلى "سليمان" الذي كان يبتسم لها ابتسامة تحمل كل ما بين السماء والأرض من أمان. مدّ يده، أخذ يدها بين كفّيه

ابتسمت، وألقت رأسها على كتفه، والمطر في الخارج يواصل عزفه، كأنّ الكون بأسره يوقّع على نهاية الحكاية.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

نجوت بك

المؤلف Mai Mustafa
2025/11/08 مستمرة
قائمة الفصول (26)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة