انتزاع الطمأنينة

انتزاع الطمأنينة

24 0

كان المكان يعجّ بالحركة، استعدادًا للجلسة. لكن رفيدة لم تكن هناك من أجل التحقيق فحسب. تقدّمت بخطواتها المترددة إلى حيث يقف "دانيل"، وفي عينيها لهبٌ من العزم ودمعٌ من القهر.

استأذنته بصوت خفيض:

— "ممكن أكلمك دقيقه قبل ما نبدأ؟"

رمقها بنظرة باردة، ثم أومأ باختصار.

اقتربت منه وهمست، بالكلمات تُكابر رجفتها:

— "أنا مستعدة أتنازل عن المحضر... بس بشرط. تتنازل عن المحضر اللي قدمته ضد المهندس سليمان."

رفع حاجبيه، وارتسمت على وجهه ابتسامةٌ عريضة، لا تشبه الانتصار بل تشبه التلذّذ بالقسوة.

نظر إليها بنظرة... نظرة لم تكن بريئة، بل زلزالٌ من الدناسة اخترق أمانها.

نظرة شهوانية... جارحة... اخترقت جسدها كأنها سهام من نار.

ارتجفت داخليًا، وكادت قدماها تخونانها، لكنها تماسكت، ظاهريًا على الأقل.

قال بنبرة متعجرفة:

— "موافـق."

وفي لحظات، تم التنازل عن المحضرين.

سليمان خرج من غرفة الحجز، وبين يديه قرارٌ لم يكن يتوقّعه.

كان ينتظر رفيدة أن تصمد، أن تختار الحقّ ولو تعثّرت، لكنها خذلته...

ظهره استقام فجأة، ونظراته اشتعلت بالذهول والغضب، وهو ينظر إلى عثمان:

— "هي راحت فين؟"

أجابه عثمان وهو يغلق هاتفه:

— "لسه ماشية من خمس دقايق."

ثارت نيران سليمان داخله، صرخ وهو يقترب منه:

— "وإزاي تسيبها تمشي في الليل كده لوحدها؟ مش أنا قولتلك خلي بالك منها من بعيد؟!"

عثمان رفع حاجبيه، مستفَزًّا:

— "أعملها إيه يعني؟ هي مش طفلة! وبعدين كانت جاية تركب معايا العربيه، والهانم فاكراني السواق بتاعها، عايزة تقعد ورا، ولما رفضت... سابتني ومشت لوحدها!"

زمجر سليمان، وصوته علا بحدة تقطع صمت الممر:

— "إنت إيه يا أخي؟ فين النخوة؟! لندن نسيتك الأصول باين؟ أنا مش هضيع وقتي معاك!"

انتزع مفاتيح السيارة من يده، وانطلق يركض نحو الخارج، يتبعه عثمان محاولًا اللحاق به.

كانت رفيدة قد ركبت التاكسي.

لحظة انطلاق السيارة، كانت كأنها تودّع شيئًا منها، شيئًا ثمينًا سُلب منها بلا إذن.

سليمان رآها من بعيد...

ركب السيارة، لحق بها، وعثمان بجواره يسأله:

— "إنت ماشي وراها ليه؟ ما خلاص ركبت!"

أجابه سليمان، وهو يقبض على المقود بقوة:

— "اسكت... كفاية اللي جوايا."

ظلّ يراقبها حتى دخلت بناية السكن، ولم يرحل إلا حين تأكّد أنها صعدت إلى غرفتها بأمان.

دخلت رفيدة، ولم تكن هي ذاتها.

كان القهر يشقّ صدرها كما يشقّ السيفُ الماء، لكنها لا تندمل.

أغلقت الباب، ثم...

انهارت.

بكت كما لم تبكِ يومًا.

عياطٌ هستيري، متقطّع، وكأن الدموع تُخرج ما عجز اللسان عن قوله، ثم قامت كأنها تهرب إلى الله.

توضأت، صلّت...

وفي كل سجدة كانت شهقتها تسبق همس دعائها.

وفي كل ركعة... كانت تنهار أكثر.

وفي النهاية... غفت على سجادتها، ودموعها ما زالت تسقي الأرض.

في نفس التوقيت...

كان سليمان يقف في البلكونة، صامتًا، وجسده مسند على السور الحديدي، وقطرات الماء تتساقط من شعره بعد حمامٍ بارد.

رنا ورباب حاولوا سؤاله، لكنه اكتفى بهمهمات مقتضبة:

— "أنا بخير... محتاج أرتاح شوية."

دخل غرفته، صلّى، وجلس في العتمة، يتذكّر كل شيء.

وما أن ارتسمت في ذاكرته صورة ذلك الوغد وهو يمد يده على رفيدة... حتى اشتعلت النار في قلبه.

ضرب السور الحديدي بقبضةٍ مجنونة، فاهتز الألم في كفّه كما يهتز الغضب في صدره.

ثم ترددت في أذنه كلماتها الأخيرة، كأنها سوطٌ ينزل على قلبه:

"أنا كنت متأكدة... إنها هتكون فترة، والدنيا هتاخد فرحتي بالدفا... والأمان اللي لأول مرة حسيته، وترميني تاني... للوحدة، وللقسوة. أنا متعودة عليهم، فـ مش خسارة كبيرة... قد خسارتك وأنت في السجن... وأنا السبب، وفي حل... قدامي."

همس بصوتٍ مبحوح، ودمعة دافئة تنزلق من عينه:

— "ليه؟... ليه اتنازلتي؟"

في صبيحة اليوم التالي، استفاقت "رفيدة" على آهات جسدٍ مكدود، قد أنهكه برد الأرضية الصلبة، وأثقلته قشعريرةٌ تنبئ ببوادر زكام. فتحت عينيها ببطء، ورأسها يدور كمن تاهت به السُّبُل. لكنها قاومت، سحبت جسدها المنهك من فوق البطانية الرقيقة، ووقفت رغم خدر قدميها، وكأنما أرادت أن تهزم الوجع بالصمود وحده.

ذهبت إلى الشركة كعادتها، إلا أن النظرات التي طاردتها في كل زاوية كانت كالسكاكين، تطعن كرامتها في صمت. الجميع كان قد سمع بما جرى، الكل يهمس، يلمّح، يتفحّص، كأنها مخلوق دخيل على هذه الأرض.

دخلت مكتبها، جلست، وبدأت في إنجاز المهام بوجه جامد لا يشي بما يعصف داخلها من ألم.

مرت الأيام ثقيلة لا تلتقي فيها "رفيدة" و"سليمان". لم ترد على اتصالات "رنا" و"رباب"، ظلت صامتة، منزوعة الكلمات، كأنما قررت أن تصنع حولها جدارًا من الصمت لا يخترقه أحد.

وعندما سألت "رباب" نجلها عن "رفيدة"، حكى لهم ما حدث بصوت متهدّج.

رباب انفجرت غاضبة:

— كنت عايزها تعمل إيه يا سليمان؟! ليه تبعدها عنّا؟! عقاب ليها؟! دي عملت كل ده علشانك إنت!

سليمان حاول أن يتمسك بهدوءه:

— وأنا قولتلها ما تعملش كده... كنت هعرف أتصرف.

قاطعتْه بانفعال:

— هتتصرف إزاي؟! البنت لوحدها في بلد غريبة! وانت شايف كانت بتعاني إزاي!

ثم هدأت قليلًا، لتتابع بنبرة حزن:

— دي يا حبيبي أول مرة تحس براحة، أول مرة تضحك من قلبها، كان باين عليها فرحتها بمعرفتنا، كانت دايمًا تقول كده.. عينيها عمرها ما لمعت زي ما بتلمع وهي معانا... ليه تبعدها؟

سليمان، بعينين تغرورقان، قال هامسًا:

— ماما... أرجوكي... أنا عارف كل ده كفايه عليا.. أنا كنت بهددها بس... علشان ما تروحش تتنازل... علشان كنت عارف قد إيه إحنا غاليين عندها.

خفض رأسه وهو يتمتم:

— لكن مكنتش متخيل إنها فعلاً هتتنازل وتمشي كلامها.

رباب غطّت وجهها بكفّيها وهمست:

— يا رب كن في عونها وأنيس وحدتها يا رب.

أما "سليمان"، فقد انسحب كعادته إلى غرفته، مغلقًا على نفسه بابًا خلفه، ليعيد في كل ليلة شريط الذكريات، من لحظة إنقاذه لها من المخزن حتى لحظة خذلانه لها، وقرارها الجريء بالتنازل.

أما "رفيدة"، فكانت تعاني بصمت في غربتها. المال الذي كانت قد جلبته معها شارف على النفاد. طعامها اليومي لم يعد يتعدّى بعض الخبز وجبنٍ أبيض، ثلاث وجبات رتيبة لا تسدّ جوعًا ولا تُعين على عمل.

أدركت أن عليها أن تجد عملًا آخر. شيئًا بسيطًا، يسندها حتى آخر الشهر. بدأت تبحث في المحال والمطاعم، لكن زيّها الشرعي، ونقابها، كان حاجزًا يمنعهم من قبولها، وكأنها غريبة في عالمٍ لا يعترف بستر.

كانت تسير بين الطرقات بقلب يعتصره القهر، تدعو ربها بين الدمع والدعاء:

— اللهم إنك تعلم ضعفي... اللهم يسّر لي بابًا لا أراه...

وفي مساء بارد، دخلت مطعمًا صغيرًا، يشبه مطاعم الحارات الشعبية وكان مطعم أكل مصري،دخلت على أمل أن تجد فرصة.

اقتربت من مكتب صغير خلفه رجلٌ مسنّ، تبدو عليه ملامح مصرية مألوفة. سلّمت عليه وسألته بلطف:

— من فضلك، حضرتك محتاجين شغل؟

رفع نظره إليها وقال:

— إنتِ مصرية؟

أومأت برأسها:

— أيوه.

ابتسم وقد بدت عليه الطيبة:

— آه، ماشي... أقعدي يا بنتي.

ترددت قليلًا ثم قالت بخجل:

— بالنسبة للنقاب... مفيش اعتراض؟

هزّ رأسه وقال:

— بصي، هو مظهر مش مستحب هنا، خصوصًا في شغل تقديم، بس أنا مقدرش أقول على زي شرعي إنه عيب أو أقطع رزقك بسببه... يا ريت كل البنات تلتزم بيه.

اتسعت عيناها بالامتنان، وقالت:

— شكرًا بجد... مش عارفة أشكر حضرتك إزاي.

سألها عن المواعيد، فأجابت:

— أنا محتاجة شيفت مسائي، عشان شغلي الأساسي صباحي.

نظر إليها بدهشة:

— شغلك إيه؟

قالت بتردد: — مهندسة.

فوجئ، ثم سأل:

— وإنتِ مهندسة ما شاء الله، إيه اللي خلاكِ تدوري على شغل تاني؟

خفضت عينيها وقالت بإحراج:

— أول شهر ليا هنا، وفلوسي اللي جيت بيها خلاص... مش هتكفي آخر الشهر.

أطرق لحظة ثم قال:

— يبقى مفيش شغل ليكِ.

تجمدت في مكانها، واتسعت عيناها بصدمة:

— ليه؟! والله هلتزم بالمواعيد ومش هقصر!

ابتسم بلين وقال:

— يا بنتي، انتي فهمتي غلط. أنا زي والدك، ووالدك مش هيطلب منك تشتغلي، خدي الفلوس دي وأنا اللي هساعدك على ما تقبضي.

صُعقت من الكلمة، "والدي؟"، همست في نفسها:

— والدي؟! اللي رماني؟! والدي اللي هو السبب في كل ده؟!

ثم قالت بصوت مختنق وبعفه وكرامة:

— أنا آسفة... مش هقدر أقبل كده أبدًا. الفلوس اللي هاخدها، هاخدها كشغل يومي، كل يوم بيومه... ده الجميل اللي ممكن تعمله معايا، غير كده... أنا آسفة.

أومأ الرجل بلطف:

— ماشي يا بنتي... تقدري تبدأي من بكرا.

أومأت برأسها، شكرت الرجل بصدق، وخرجت تمشي عائدة إلى سكنها.

لم تكن رفيدة تعرف للراحة طريقًا. تعمل صباحًا في الشركة، وتكدح ليلًا في مطعمٍ شعبيٍّ متواضع. يكتفي جسدها بنومٍ هزيل، بالكاد يبلغ الساعتين، حتى بدأ الوهن يفتك بها رويدًا رويدًا، يسحب أنفاسها ويطوي عزمها، حتى غفَت ذات يومٍ على أحد مكاتب الشركة، بعد أن خذلتها قواها.

وفي اليوم التالي، عُقد اجتماعٌ موسَّع لطرح المشاريع الجديدة. لم تحضر رفيدة الاجتماعات السابقة بعد حادثة الموظف، وكان هذا أول ظهورٍ لها منذ مدة. حين دخلت قاعة الاجتماعات، استوقفها مشهد غريب: كل كرسيٍّ وُضع أمامه يافطةٌ تحمل اسم صاحبه. دهشت، فهذه المرة الأولى التي يُنظَّم فيها الاجتماع بهذا الشكل.

تقدَّمت بخطًى واهنة، عيناها شبه مطفأتين، والدوار يعبث بثباتها. وإذ بها تجد اسمها وقد وُضع على الكرسي المجاور مباشرةً لكرسي المدير. جلست في ذهول وإرهاق. وبعد لحظات، دخل سليمان. ألقى نظرة خاطفة على الحضور، ثم وقعت عيناه عليها، وهما لم تغادراها منذ البداية. كان هذا الاجتماع من تدبيره، ليس لشيءٍ سوى أن يراها، ويتأكد أنها بخير، بعد أن لاحظ انطفاءها المتدرّج.

أصرَّ على توزيع اليافطات، فقط ليضمن جلوسها إلى جواره، لتكون تحت عينه وفي مأمن من نظرات الآخرين.

بدأ الاجتماع، ورفيدة تقاوم بكل ما تبقّى فيها من بقايا وعي. تحاول أن تُبقي عينيها مفتوحتين، أن تصمد. لكنها… خذلتها روحها. واستسلمت لنومٍ عميقٍ وسط الجميع.

المهندسة الجالسة إلى جوارها حاولت أن توقظها، لكن سليمان رفع يده مانعًا بلطف، ثم أنهى الاجتماع على عَجل، دون أن يشرح السبب. جلس أمامها يتأمل ملامحها المنهكة، يسأل نفسه في صمتٍ موجع:

«ما الذي أوصلها إلى هذا الحد؟ ما الذي حطّم هذا الكائن الدؤوب إلى هذا الرماد؟»

تنهّد بندمٍ مكتوم، يتمنى لو استطاع التراجع عن كل ما قاله لها يومها، كل ما أجبرها على احتماله وحدها. ثم نهض، ودخل مكتبه المجاور، وأوصى السكرتيرة ألا يسمح لأحدٍ بالدخول إلى القاعة، ولا بإيقاظها.

مرَّت ساعتان. استفاقت رفيدة فجأة، فزعة كمن خرج من حلمٍ ثقيل. نظرت حولها، فوجدت القاعة خاوية، والهدوء يملأ أركانها. هرعت خارجة، تسأل السكرتيرة، فتخبرها بما حدث، فتدمع عيناها من الحياء والامتنان في آنٍ.

أنهت عملها، وعادت إلى غرفتها، توضأت، أدّت صلواتها، واستعدت للعمل الليلي في المطعم.

في المقابل، كان سليمان في منزله، يجلس إلى جوار والدته. تفكيره كله مشغول بها، بعينيها الذابلتين، وتعبها الذي قرأه في مسامات وجهها.

قال لوالدته، والقلق يعلو نبرته:

— "أمي، محتاج منك خدمة."

— "آمر يا حبيبي."

— "أنا كنت طلعت كفارة على اليمين اللي حلفته على رفيدة… وهصوم إن شاء الله. وكنت محتاج أودّيكي ليها… هي كانت تعبانة جدًا النهارده، ونامت في الاجتماع ساعتين من كتر الإجهاد، فمحتاج أطمني إنها بخير."

رباب هزّت رأسها برِفقٍ:

— "أنا هقوم ألبس حالًا."

انطلقت رباب مع ابنتها رنا وسليمان إلى سكن رفيدة. وحين وصلوا، قال لهم سليمان:

— "اطلعوا، واطمنوا عليها براحتكم… أنا هستناكم في العربية."

طرقوا الباب مرة… لا إجابة.

انتظروا دقائق. طرقوا ثانية وثالثة، ثم نادوا باسمها. لا ردّ.

رنّوا على هاتفها… كعادتها الأخيرة، لم تُجِب.

رنا هبطت إلى سليمان تخبره:

— "بنخبط ومفيش رد، ومش بترد على التليفون."

عيناه اتسعتا بقلقٍ مفاجئ.

— "عمرها ما تسيبكم كده بره على الباب."

صعد بخطًى متسارعة، دق الباب بنفسه مرارًا. لا صوت. لا همس.

قال بحدة:

— "أنا هكسر الباب وانتوا ادخلوا شوفوها."

بركلة قوية… ثم ثانية، انفتح الباب.

دخلت رباب ورنا بخوفٍ يتصاعد.

— "رفيدة؟ رفيدة؟"

لا أثر.

رباب نظرت حولها وقالت:

— "مش هنا، يا ابني."

قال سليمان:

— "هتكون فين؟ كانت تعبانة الصبح… معرفش حصل لها إيه."

بعد ساعتين من الترقب، والقلق يخنق الأنفاس…

وتخيّلات سوداء تراوده..وتذكّر تلك الليلة التي حاول أحدهم التعدي عليها... وقلبه يرتجف.

راح يجول في الشقة، يدعو في سره بكل ألم:

«يا رب… لو محتاجة مساعدة، ابعتلها حد، يوقّف جنبها… رجّعها بالسلامة.»

مش هفضل قاعد، هنزل أدور عليها!

ــ هتدور عليها فين؟ الدنيا فجر!

ــ مش مهم، مش هقدر أستنى.

وفي اللحظة التي همّوا فيها بالخروج، إذا بشهقة أنثوية فجأة... وتدخل رفيدة، مرهقة، ممزقة التعب.

ثم تصرخ:

— "فيه إيه ، مين كسر الباب ؟!"

التفّوا نحوها بلهفة...

ركضت إليها رباب تعانقها:

ــ كنتي فين يا بنتي؟ قلقتينا عليكِ!

نظرت رفيدة إلى سليمان، كأنها تستأذن منه، كأنه صاحب الأمر والنهي، كأنه انتزع منها حق الرد.

انكسر سليمان من الداخل، شعر أن نظرتها لم تعد تنتمي له... نظرة كانت في يومٍ ما اتكأت عليه، والآن... تخشاه.

رباب بهدوء قالت:

— "اتأدب يا حبيبي، ودفع كفارة… وهيصوم… أدبًا ليه؟ لأنه منعك مننا."

رفيدة انهمرت دموعها، وارتمت في حضن رباب، كأنها تعود إلى وطنٍ طال اشتياقها إليه.

بعد أن جلست وارتاحت، وقف سليمان متوترًا، وسألها بنبرة حاول أن يخفي فيها ارتجاف قلبه:

— "كنا هنا بقالنا أكتر من ساعتين… وميعاد شغلك خلص من أكتر من ست ساعات… كنتِ فين؟"

نظرت إليه، بثقةٍ وعتاب:

— "ملكش حق تسألني… بأي صفة؟"

صمت، ثم همّ بالكلام، فقاطعته رباب:

— "هو كان قلقان عليكِ… ولاحظ تعبك، وقالّي نيجي نطمن."

قالت رفيدة:

— "أنا بخير، الحمد لله."

رنا أمسكت يدها:

— "مش باين خالص يا رورو… انتي مش قادرة تمشي."

رباب قالت:

— "طمنينا، يا بنتي."

قالت رفيدة بصوتٍ خافت:

— "كنت في الشغل."

سليمان رد، مذهولًا:

— "بس شغلك في الشركة بيخلص بدري."

قالت مقاطعة إياه بنبرةٍ جافة:

— "شغل إضافي."

تقدم سليمان خطوة بترقب:

— "ليه؟"

ردّت:

— "الفلوس اللي كانت معايا خلصت… ولسه أول الشهر."

صُدم سليمان، شعر بالقهر يجتاح صدره.. أحنى رأسه، شعر بطعنة في كرامته. كيف لم ينتبه؟ كيف اكتفى بمراقبتها من بعيد، وتركها تسقط من الداخل؟!

— "وانتي مطلبتيش ليه؟"

قالت، وعيناها تلمعان بتعفف:

— "أنا مش هشحت."

صرخ بوجع:

— "فين الشحاتة؟ ده حقك…تطلبي مرتبك ينزل بدري... ليه تبهدلي نفسك؟ ليه؟ ليه؟"

صمتت.

رباب سألتها:

— "وانتي بتشتغلي فين؟"

قالت:

— "في مطعم شعبي… باليوم."

سليمان كأن صاعقة ضربته:

— "مطعم؟ بليل؟ في مكان شعبي؟!"

صرخ:

— "ليه يا رفيدة؟ ليه؟!"

رفيدة وقفت فجأة، وصرخت بقهر:

— "علشان مش لاقية آكل! ومش معايا مليم! أظن مفيش سبب أقوى من ده."

سليمان صاح:

— "وأنا فين ،إحنا فين من كل ده؟!"

قالت بقهر ونبرة مليئة بالخذلان:

— "مش انت اللي حلفت عليا ومنعتني بحلفانك!!

وحتى لو عمري ما كنت همد ايدي واطلب من حد فلوس،،مش اول مرة اشتغل شغل إضافي ولا أول مره اتبهدل أنا واخده على تعب القلب من زمان يا بشمهندس."

قال بحزم:

— "الشغل ده تسيبيه. هيتصرف ليكي المرتب من بكرا."

قالت برفض وثبات وقوة مواجهه اكتسبتها على يديه:

— "أنا مش هقبل بشفقة. وهكمل شغلي."

قال بعصبية:

— "شغل إيه؟ وشفقة إيه !؟

ده حقك… والشغل ده لأ وألف لأ،انتِ متخيلة بتعرضي نفسك لـ إيه؟ بنت في حي شعبي فيه الشمامين والمتسولين وكل من وهب ودب بيعدي وانتِ بتشتغلي لا وايه شغل في نص الليل ليه ليه!!

ده الحيوان الوسخ أتعرض ليكِ وأنتِ في شركه وفي وسطنا.مفيش شغل في المكان ده ولا شغل إضافي من الأساس وخلص الكلام."

قالت بحزم:

— "مش من حقك تتحكم فيا."

قال بثبات وقوة:

— "من حقي. من أول مرة كنتِ بتتحامي فيّا، وانتي اديتيني الحق ده… وأنا أخدته عهد على نفسي ما أفرطش فيه."

قالت بمرارة:

— "وانت اللي كسرت العهد… وسلبت الحق ده بإيدك."

وساد الصمت… إلا من أنين قلبٍ مكسور.

سليمان زفر، وحدّق فيها بثباتٍ وهو يتكلّم بهدوء:

– "خلّينا متفقين إننا الاتنين غلطنا. أنا غلطت، أيوه... بس يشهد ربنا إني عمري ما كنت ناوي أبعِدِك عن أهلي فعلًا. كان تهديد، مجرد تهديد... علشان ما تتنازليش. لكن انتِ... غلطك أكبر. مهما كانت نيتك، التنازل ده مكنش حل."

رباب قاطعته بنبرة حازمة، محاولة إنهاء النقاش:

– "خلاص بقى... اللي فات مات. بلاش نفتح جراحه تاني. اتعلمنا، وكلنا أخدنا درس. خلينا في اللي جاي."

ثم التفتت إلى رفيدة، وحنان الأم يسكن صوتها:

– "يا بنتي، بلاش الشغل ده. ولو المسألة مسألة فلوس، ده حقك. خدي جزء من مرتبك، هيكون أكتر من شهر شغل في المطعم. وإحنا مش بندِّيكي صدقة، لا... مهندسين كتير بياخدوا سُلفة على شغلهم مش جزء من مرتبهم حتى، دي حاجة عادية."

رفيدة بهدوء، لكن بإصرار:

– "بس يا طنط، أنا متفقة مع صاحب المطعم على شهر. مينفعش أسيبه كده فجأة، خصوصًا إنه وافق يخليني أشتغل بظروفي دي."

سليمان تدخّل بحدة مكتومة:

– "ظروف إيه؟ هو بيدفعلك من غير شغل؟ ما أنتِ شغالة ومهدودة، وشغل يومي بيستنزفك. ولو سبتِيه فجأة مش هيحصل له حاجة.... ودي آخر مرة تعرّضي نفسك لحاجة زي دي."

رفيدة بعناد:

– "أنا عارفة مصلحتي كويس، ومحدش هيخاف عليّا أكتر مني."

سليمان بتهكّم:

– "واضح جدًا."

رباب أدركت التوتّر الذي يخيّم على رفيدة، ووعَت أنّ رفضها للكلام لم يكن عنادًا، بل كان حياءً وكرامةً تأبى الانكسار. فتعمّدت أن تغيّر مدخل الحديث، تبحث عن ثغرة تلامس القلب دون أن تجرح الكبرياء.

وبصوتٍ ناعم مملوء بالمكر الحنون:

– "يعني يا بنتي، عايزاني أصدق إن ولا حد في الشغل حاول يلمّحلك بحاجة؟ لا معاكسات، ولا كلام، ولا لمز ولا مضايقات؟"

سليمان شدّ انتباهه فورًا، ركّز عينيه في عيني رفيدة، منتظرًا ردّها.

رفيدة صمتت، وبدأت تفرك في يديها.

سليمان بصوت مشحون بالغضب:

– "ردي، سكتي ليه؟"

رفيدة نظرت له بعيون دامعة، ولم تنطق.

رباب ضمّتها لصدرها وقالت برجاء:

– "علشان خاطري... بلاش الشغل ده."

رفيدة هزّت رأسها موافقة، صوتها بالكاد يُسمع:

– "حاضر... بكرا إن شاء الله، بعد الشغل، هعدّي على صاحب المطعم وأبلّغه. مش حابة أسيبه من غير ما أقدم عُذر ."

رباب ابتسمت:

– "ماشي يا حبيبتي. قومي ارتاحي شوية."

سليمان تدخّل:

– "هي هتيجي معانا."

رفيدة انتفضت، بعناد متألم:

– "لأ... أنا هقعد هنا، مش هتحرّك."

سليمان، بنفاد صبر مشوب بالعقلانية:

– "يا الله! أي اعتراض عندك وخلاص... اعرفي السبب الأول. الباب مكسور، ومفيش نجّار دلوقتي يصلّحه. الفجر قرّب يأذن، ومش أمان تباتي لوحدك في شقة بابها مفتوح."

رفيدة، بصوت محمّل بالعِتاب:

– "محدّش قالك تكسّره."

سليمان عضّ على شفته السفلى، وهي حركة لا تفارقه حين يحاول كبح غضبه، ثم قال بنبرة مشحونة:

– "مش الباب بس اللي كان يستاهل الكسر."

رفيدة نظرت إليه بدهشة، بينما انطلقت ضحكة مفاجئة من رباب ورنا حين فهمتا قصده.

رباب قالت:

– "يلا، هنمشي."

رنا اقتربت من رفيدة وسحبت يدها بحنين:

– "يلا بقى، وحشتيني قوي."

نزلوا سويًّا. سليمان شدّ الباب قدر المستطاع ليتركه مواربًا، ونزل خلفهم. في السيارة، كانت رفيدة تقاوم النوم، لكن الإجهاد انتصر، وغفت في مكانها.

سليمان راقبها من المرآة، حزن عميق يسكن عينيه. همس لرنا:

– "رنا... إعدّلي رأسها، رقبتها مش مرتاحة."

رباب تأمّلت وجه رفيدة وقالت بأسى:

– "نامت... حبيبتي اتبهدلت أوي. عندها كرامة وعزّة نفس فوق ماحد يتصور."

رنا عدّلت وضع رأسها بلطف، لكنها كانت غارقة في النوم، لا تشعر بشيء.

حين وصلوا، حاولت رباب ورنا إيقاظها:

– "رفيدة، قومي يا حبيبتي... نِدخل وتنامي جوه."

رفيدة، بصوت واهن وألم ظاهر:

– "سيبوني... جسمي بيوجعني أوي."

كلماتها جرحت قلب سليمان، ونبرة الألم في صوتها تخلّلت عظامه كالسكاكين. بعد محاولات، فتحت عينيها نصف فتحة، تتحرك بين الوعي واللاوعي.

رباب:

– "يلا قومي يا روحي، ندخل وتنامي على السرير."

رفيدة هزّت رأسها، ونزلت. سليمان سبقهم بخطوات قليلة، لكنها كانت تسير وكأنها تحلم، تتمايل من التعب.

وفي لحظة، تعثّرت في حجر على الأرض، وكادت تسقط لولا أن جسد سليمان وقف كجدار أمامها، فاصطدمت به، ويدها أمسكت قميصه تلقائيًا، باحثة عن النجاة.

سليمان تجمّد في مكانه، قلبه خفق بارتباك، بينما كانت رفيدة تعتدل وتهمس بصوت ناعسٍ مكسور:

– "أنا آسفة..."

هو، دون أن يلتفت، قال:

– "ولا يهمّك... خدي بالك وأنتِ ماشية."

دخلوا، ورفيدة ارتمت على السرير، يغلبها الإرهاق، وتغفو دون مقاومة.

سليمان دخل شقته، أغمض عينيه، وزفر زفرة طويلة، وكأن صدره كان محتقنًا منذ دهر.

– "مش فاهم... ليه فرحان؟ ليه مرتاح؟ يمكن علشان هي تحت سقف بيتي وفي أمان؟ أو يمكن علشان الأمور بدأت تهدى؟"

لكنه تذكّر وجهها المنهك، قلة الأكل، عزة نفسها، إحساسها بالقهر... شعور بالعجز انغرس في قلبه، وغصّة ثقيلة سكنت صدره لا يجد لها مخرجًا.

في صباح اليوم التالي، استيقظ سليمان، توضأ وصلى، وارتدى ملابسه استعدادًا للعمل. وقبل أن يغادر، توجّه إلى شقة والدته، يطرق الباب بلطف احترامًا وحياءً من وجود رفيدة في الداخل.

فتحت رباب الباب بابتسامة واسعة:

– "ادخل يا حبيبي."

ابتسم سليمان وقبّل يدها:

– "صباح الخير يا أمي."

ربتت على يده بحنان:

– "صباح النور يا قلب أمك. تعالَى أدخل.

– "رفيدة صحت؟"

– "لسّه، نايمة كأنها قتيلة."

هزّ رأسه بتفهّم وقال:

– "سيبيها، ما تصحيهاش. خليها تفوق براحتها، تاخد كفايتها من النوم. ولما تصحى، لازم تفطر وتأكل كويس. مش هوصّيكِ."

– "حاضر يا ابني، مش محتاجة توصيه ربنا يعلم معزتها في قلبي كأنها بنتي فعلًا،الفطار جاهز تعالى أقعد أفطر."

– "أنا صايم النهاردة إن شاء الله."

ضحكت رباب ممازحة:

– "أحسن، أدبًا ليك!"

قبّل رأسها ثم غادر متجهًا إلى الشركة.

استفاقت رفيدة بعد نومٍ ثقيل، فتحت عينيها، ورفعت رأسها عن الوسادة، لتُصدم حين رأت الساعة: تأخرت عن العمل بثلاث ساعات كاملة!

قفزت من سريرها فزعًا، وبدأت ترتّب نفسها بسرعة. وفي طريقها إلى الخارج، لمحَتها رباب.

رباب قالت بابتسامة دافئة:

– "صباح الخير يا حبيبتي. نوم الهنا."

ردّت رفيدة بسرعة:

– "صباح الفل يا طنط... ليه ما صحّيتينيش؟ اتأخرت جدًا!"

– "سليمان قال لي أسيبك تنامي براحتك تعالي أفطري يلا."

– "فطار إيه لأ، لازم أنزل فورًا... أنا لسه هطلب تاكسي."

– "اطلبي التاكسي، بس لازم تفطري الأول. مفيش نزول من غير أكل، ده عيب في حقّنا. وسليمان المدير، وانتي بتجري كده؟"

ضحكت رباب، بينما ابتسمت رفيدة بخجل، وجلست تفطر على عجل..وما إن وصلت السيارة حتى نزلت على الفور.

وصلت إلى الشركة، وما إن دخلت حتى أُبلغت من قِبل موظف الاستقبال أنها مطلوبة في مكتب الحسابات.

دخلت، لتجد أن نصف راتبها قد صُرف لها، ومعه إخطار يفيد بإمكانية صرف المرتب كاملًا إن أرادت. حين نظرت إلى المبلغ، اتسعت عيناها... لم تكن تتخيّل أن يكون بهذه الضخامة.

حملت الظرف، وذهبت إلى مكتب سليمان، استأذنت، فأذن لها بالدخول. وقبل أن تدخل، كانت السكرتيرة تهمّ بإغلاق الباب، فقالا سويًا بصوت واحد:

– "لا، سيبيه مفتوح."

نظرت إليه بابتسامة خفيفة وقالت:

– "كنت جاية أشكرك."

ورفعت الظرف أمامه.

– "مفيش داعي للشكر، ده حقّك."

– "بس أنا مكنتش متخيلة المبلغ ده خالص."

ابتسم بابتسامة هادئة وهو يرد:

– "ما تقلقيش، دي فلوسك ومرتبك، أنا ما زودتش حاجة. وانتي ماضية عقد بالمبلغ، عندي نسخة منه لو حبيتي تتأكدي."

ابتسمت من خلف النقاب، وقد أدركت أنه يعرف طريقة تفكيرها، ويقدر قلقها.

– " أحم...لا... مفيش داعي، أنا مصدّقاك."

أخرجت مبلغًا من الظرف ومدّته إليه:

– "اتفضل."

نظر إلى المال باستفهام:

– "إيه ده؟"

– "ده تمن الفستان اللي عجبني. وانت وعدتني..."

قاطعها بلطف:

– "أنا عند وعدي، بس قلت لما تقبضي المرتب... آخر الشهر هاخده"

– "أنا المبلغ اللي معايا دلوقتي كبير جدًا، يكفيني لشهور الحمدلله ..فـَـ ... أرجوك، خده علشان أرتاح."

قالتها بصوت يجمع بين الكرامة والانكسار. لم يحتمل رؤيتها بذلك الضعف، فأخذ المال دون تردد، كي تشعر بالقوة والاستقلال.

– "تمام."

أومأت برأسها، واستأذنت للخروج. قضت يومها في العمل، وبعد انتهاء الدوام، كانت تهمّ بالمغادرة حين تفاجأت بسليمان واقفًا أمام الشركة، مستندًا إلى سيارته.

أول ما رآها، أعتدل وقال:

– "يلا."

– "يلا فين؟"

– "مش رايحة للمطعم تبلغيهم؟"

– "آه، رايحة."

– "تمام، أنا جاي معاكي."

– "ليه؟"

– "انتي قولتِ إن كان في مضايقات، ووجودي معاكي أمان. وبعدين، النجار هييجي يصلّح الباب، ومينفعش تكوني لوحدك، ولا تقعدي في شقة بابها مكسور."

هزّت رأسها موافقة، وركبت السيارة، وأعطته العنوان. وفي الطريق، توقف أمام مطعم وجبات سريعة، وقال:

– "خليكي في العربية، دقايق وجاي."

عاد بعد دقائق، وفي يده كيس تفوح منه رائحة شهية. جلس ومدّ الكيس لها:

– "اتفضلي."

– "إيه ده؟"

– "ريحته تغني عن أي سؤال."

– "عارفة إنه أكل... بس ليه؟"

– "عارف إنك أول ما توصلي هتقعي من التعب ومش هتفكّري تطبخي أو تاكلي. المطعم بعيد، ومش فاهم إيه اللي رماكي هناك. كُلِّي وانتي في الطريق، ولما توصلي نامي براحتك، بس المهم تكوني أكلتي."

نظرت إليه بشكر وإمتنان كانت قد افتقدته طويلًا منه الفترة السابقة، وهمست:

– "شكرًا."

فتحت الكيس، ووجدت سندويتشًا واحدًا. نظرت إليه باستغراب:

– "إنت مجبتش لنفسك؟"

– "صايم."

ابتسمت بخفة:

– "أحسن!"

ضحك على طفولتها، بينما بدأت تأكل. كان سندويتش شاورما، ولأول مرة تتذوّقها في حياتها، فاستلذت بطعمها. وأثناء تناولها، سقطت نقطة من الثومية على فستانها، فوضعت الطعام جانبًا.

سليمان لاحظ، فسحب منديلًا مبللًا من المسند، ومدّه لها:

– "خدي، امسحي بيه."

– "شكرًا."

وصلوا إلى وجهتهم. كان المكان شعبيًا مزدحمًا، مليئًا بالقهاوي والضجيج. نظر إليها بعتاب مكتوم:

– "ده مكان تشتغلي فيه؟ وفي وقت متأخر؟"

– "ده الوحيد اللي وافق يشغّلني."

كظم غضبه، وقال بحدة:

– "اتفضلي انزلي."

نزلت، وهو خلفها كظلّها. دخلت المطعم، وتحدّثت مع صاحبه، تعتذر عن عدم قدرتها على الاستمرار.

ابتسم الرجل وقال بعفوية:

– "على أد ما أنا زعلان، بس الحمد لله إن أمورك اتحسّنت، وهتبطلي الشغل اللي مش من قيمتك ده وبهدلته. بالرغم إنك يا وش السعد، هتقطعي بينا. من يوم ما أشتغلتي والمطعم بقا شغال أضعاف قبل كده. ده كله علشان عيونك... مكنتش لاحق على العرسان، المصريين والأجانب!"

سليمان كان يغلي كبركان على وشك الانفجار، وقال بصوت منخفض حاد و بفحيح الغضب همس:

– "يلا."

خرجت وهي تشكره، وركبت السيارة. لكنه ما إن أغلق الباب حتى انفجر:

– "عجبك المنظر ده؟! فرحانة إن الرجالة ملمومه حواليكِ والعيون كلها عليكِ؟! ليه تعرضي نفسك كده؟ ليه تسمحي تكوني فُرجة لكل من هبّ ودبّ؟!"

ضرب مقود السيارة بعصبية، صوته يرتجف:

– "وما خفي كان أعظم!"

رفيدة، بعينين دامعتين، وبكاء مقهور:

– "كنت أعمل إيه يعني؟ كنت لوحدي، ومفيش فلوس، ومش همد إيدي لحد! اتحمّلت كلام ونظرات علشان أعيش بكرامتي!

لو سمحت بلاش كلامك واتهاماتك دي وأنت معشتّش رُبع اللي عيشته"

صمت سليمان، وألمه يقطر من عينيه. همس نادمًا:

– "خلاص... أنا آسف. بس... مش قادر أستوعب الموقف كله."

مرّت لحظات من الصمت، ثم بدأ يتحرك بالسيارة، يتصل بالنجار.ويصلون إلى السكن .

قال لها وهما يصعدان السلم:

– "ادخلي ارتاحي، ما تخرجيش من الأوضة لحد ما نخلّص تصليح."

أومأت بتفهّم. وبعد ساعة، سمعت صوت سليمان يشكر النجار، ثم نادى عليها:

– "رفيدة!"

خرجت، فوجدته واقفًا عند الباب، ناولها المفاتيح الجديدة.

– "كده الباب تمام. خدي المفاتيح."

– "شكراً... بس حسابه كام؟"

نظر إليها بحدة وقال:

– "من أتلف شيئًا، فَـ عليه إصلاحه."

ثم استدار وقال:

– "تصبحي على خير. اقفلي على نفسك كويس... يلا، سلام."

تتوالى الأيام على "رفيدة" و"سليمان"، وتتسع هوة المشاعر بين ما يشعران به وما يُفصحان عنه. في البدء كان الأمر محض تقدير، محض نخوةٍ يليق برجل لم يعتد ترك امرأة وحدها في غربة، ثم... صار شيئًا آخر.

بات قلب "رفيدة" ينبض بعنفٍ كلّما التقت عيناها بعينيه، وكلّما تذكّرت موقفًا جمعهما، أو لمحة حنان خفيّة في صوته، أو نظرة لم تُوجَّه لغيرها. صارت تفاصيله الصغيرة تُرافقها كظلّ لا يغيب، وحديثه يرنّ في أذنيها حتى وهي بين الزميلات.

تسأل نفسها ألف مرة: ما سرّ هذا الرجل؟ لماذا بات حضوره أمانًا، وغيابه فراغًا لا يُملأ؟

أما هو، فحاله لم يكن بأقل اضطرابًا.

"سليمان" الذي عاش دومًا بعقلٍ راجح، وهدوءٍ لا يُهدَّد، صار يجد قلبه في اضطراب كلّما لمحها تمرّ، أو رأى عينا موظفٍ تُطيل النظر نحوها.

هي لم تَطلب شيئًا، لم تَسعَ للفت الأنظار، بل كان حياؤها أشدّ ما يجذب الأبصار.

عيونها... تلك التي لمحها أول مرة على ضوء الفلاش وهي ترتجف في المخزن، باتت تسكنه، وتُلاحقه في يقظته قبل منامه.

صار يتحجج باجتماعات واهية فقط ليراها.

صار يجعل والدته تتصل بها كل يوم لتطمئن، وهو يختبئ خلف غطاء "الواجب"، بينما قلبه يلهج بالدعاء أن تكون بخير، أن تكون بخير فقط.

ومع ذلك، ظل يُقنع نفسه:

"أنا بس مهتم علشان هي من بلدي... بنت غريبة ومالهاش حد... واجب عليا."

لكن "رباب"، بقلب أم لا تخفى عليه نبضات ولدها، رأت ما لم يره هو.

رأت اللمعة الخافتة في عينيه حين يذكر اسمها، وشرارة الغضب التي تتوهج في وجهه كلّما سمع من يشير إلى جمالها.

وفي ليلة هادئة، أرادت "رباب" أن تضع مرآة أمام قلب ابنها... أن تدفعه ليُبصر ما يحاول أن يُنكره.

في مساءٍ هادئ، كانت نسائم الشتاء تتسلّل عبر النوافذ، حاملةً شيئًا من الطمأنينة على غير العادة. تجمّع أفراد العائلة في ركنٍ دافئ من البيت، كوبٌ من الشاي في يد "رباب"، وضحكات خفيفة تتسلل من "رنا"، أما "سليمان"، فقد بدا شاردًا، يجاهد ألا يُظهر ما يعتمل داخله من نارٍ متقدة لا يعلم مصدرها على وجه اليقين.

لم تكن رباب، بقلبها الأموميّ ونظرتها الفاحصة، غافلةً عن تلك الشرارات المختبئة في عينيه كلما ذُكرت "رفيدة"، ولا عن تغيّر نبرة صوته حين يهمس باسمها. كانت تقرأه كما تقرأ سطور كتابٍ ألفته.

ابتسمت ابتسامة خبيثة ذات أنوثةٍ خبيرة، وقلبت رشفة الشاي على مهلٍ قبل أن تقول بنبرة فيها شيء من العبث:

— "صحيح النهارده... أمال أمّ عُدي كانت بتكلمني وبتقول إنها عايزة تجوّزه من مصر. مفيش هنا بنات على مزاجها، وبتفكّر تنزل تشوف له عروسة، وبلغت أهلها يدوروا له على بنت محترمة وهادية كده..."

ثم نظرت إليه نظرة خاطفة، كأنها تلقي بطُعمها الأخير:

— "الحقيقة أنا جيه في بالي رفيدة... بنت جميلة، مؤدبة، وفي الغربة لوحدها... مناسبة جدًا لعُدي."

ما إن أنهت جملتها حتى انقلب وجه "سليمان"، واحمرّت ملامحه كمن لُسع بنار، وهبّ واقفًا كأن الأرض قد ضاقت تحت قدميه:

— "لأ يا أمي!"

تظاهرت بالدهشة، وقد اتّقد مكرها في ملامحها:

— "ليه يا حبيبي؟ عُدي شاب كويس، ورفيدة بنت زي القمر وأدب، وهي محتاجة حد يساندها بدل القعدة لوحدها هنا... يعني شايفة إنهم لايقين على بعض..."

ردّ بنبرة محتقنة، وقد بدأ صوته يعلو عن المعتاد:

— "رفيدة لسه بتبدأ حياتها، ومش بتفكر في الجواز دلوقتي! عندها شغل وأحلام وبتدور على الاستقرار النفسي والمعنوي الأول..."

رباب، وقد أحسّت أن سهمها أصاب الهدف، تابعت الضغط:

— "ما يمكن توافق! نسألها ونشوف، ولو فيه حتى بصيص، نخليه يتقدملها... ويقعد معاها رؤية شرعية..."

كأن نارًا سُكبت عليه، انتفض كمن صُفع، وتغيرت نبرته من الغضب إلى الحنق:

— "مفيش حاجة اسمها رؤية شرعية! مفيش! رفيدة مش للعرض! ولازم الموضوع ده يتقفل خالص!"

رنا، التي كانت تستمتع بإشعال مزيد من الزيت على اللهب، قالت بحماسة:

— "ده عُدي هيكون محظوظ جدًا... ده واخد ملكة جمال الأدب والذوق! أنا شخصيًا لو كنت ولد كنت اتقدمتلها!"

ضحكت ثم أردفت:

— "ده أمال أمّ عُدي بتدعيله في ليلة القدر!"

سليمان انفجر بعصبية، وقد صار صوته أشبه بصفير الريح قبل العاصفة:

— "هو إيه؟ انتوا جوزتوها خلاص؟! أنا قولت الموضوع ده يتقفل ورفيدة متعرفش عنه حاجة. خليها تستقر وتشوف شغلها وبس!"

ثم استدار فجأة، ودخل غرفته مغلقًا الباب بعنف. ثم يسند ظهره إليه وكأنّه يحمل فوق صدره جبالًا.

لماذا؟ لماذا اشتعل صدره حين سمع اسم رفيدة مقرونًا بأي رجلٍ سواه؟

لماذا شعر وكأنّ أحدهم سرق منه شيئًا لم يكن يومًا له؟

لماذا تشتعل الدماء في رأسه كلّما تخيّلها تبتسم لغيره، أو تُسأل إن كانت تقبل برجلٍ آخر؟

إنها حرّة، لم تعده بشيء، ولم تعترف له بشيء...

فلمَ الغيرة إذًا؟ ولماذا يشعر أنّ صدره ضاق عن الأرض ومن عليها؟

مرّر يده على وجهه، وسار نحو النافذة، فتحها، لعلّ الهواء البارد يُطفئ شيئًا من هذا اللهيب داخله،

لكن النار أعمق من أن تطفئها نسمة.

«أنا مجنون؟ ولا دي فعلًا... مشاعر؟»

همس بها لنفسه كمن يتهرّب من الاعتراف.

لكن صوت "رباب" ما يزال يرنّ في أذنيه... "عدي ورفيدة"...

الاسمان لا يجتمعان في قلبه أبدًا.

هو يعرف تمامًا، أنّ ما يشعر به لا يمتّ بصلة للـ"نخوة".

يعرف أن رفيدة سكنت شيئًا أعمق من عقله...

سكنت وجدانه.

سكنت خياله.

وسكنت ليله وسكونه وهمس قلبه.

فكّر:

«هي بتحس كده زَيّي؟؟

بتفتكرني قبل ما تنام؟

في تفكيرها طول اليوم؟

بتتمنالي الأمان زي ما أنا بتمنالها؟»

ثم تمتم بصدقٍ موجِع:

— "أنا مش عايزها تكون لحد غيري..."

وتلك الجملة فقط... كانت كفيلة أن تزلزل يقينه.

إذن، لقد وقع.

دون أن يدري، دون أن يختار، دون أن يخطّط...

هو الآن واقعٌ بها.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

نجوت بك

المؤلف Mai Mustafa
2025/11/08 مستمرة
قائمة الفصول (26)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة