عندما ابتسمت

عندما ابتسمت

21 0

أحسست بثقل في صدري وأنا أفتح عيني ببطء، ضوء الغرفة البيضاء يلسعني. المستشفى. آه صح… الطعنة.

أخذت نفسًا عميقًا وأنا أحاول رفع جسمي، بس صوت غليظ نزل فوقي:

"ليان، لا تتحركي."

أدرت وجهي، ووجدت ريان واقف عند حافة السرير، وذراعيه متشابكة وكأنه حارس شخصي مو ملاك رحمة. حاولت أتجاهله وجلست ببطء.

"أنا بخير."

قلتها بابتسامة صغيرة.

"بخير؟"

رفع حاجبه

"ممكن أذكرك إن دكتورتك قالت ما تتحركي عشان الغرز؟"

لويت شفايفي بعناد:

"أنا ما أحب أحد يقيّدني. حتى لو كان غرزة."

اقترب خطوة، يده على حافة السرير:

"تبغي أرجع أربطك عالسرير زي أول؟"

اتسعت عيني:

"إنت مجنون؟!"

"ممكن."

ابتسم بخبث،

"معك… أي شيء يصير وارد."

كنت راح أرد بس الباب فتح فجأة، ودخلت الممرضة تحمل ملفًا:

"زوج المريضة، ممكن توقع هنا؟"

لحظة صمت. أنا حسيت روحي وقفت. زوج المريضة؟!

"هوووه! لا لا! مش—"

لكن ريان، بكل هدوء، أخذ القلم ووقع، ثم نظر لي وقال:

"خليها على راحتها."

غلي الدم في وجهي:

"زوجتي؟! ليه ما صححت لها؟"

اقترب أكثر، صوته منخفض:

"عشان حلوة عليك الكلمة."

حطيت المخدة على وجهي لأخفي لوني الأحمر. غبي. مغرور. بس قلبي كان يرقص.

بعد ما طلعت الممرضة، جاء وقت الغداء. حاولت أمسك الشوكة، لكنه سحبها من يدي.

"أنا أطعمك."

"ريان! مو طفل أنا!"

"يمكن طفلة بس… عنيدة."

رفع الملعقة أمام فمي، وكأنه يتحدى.

نظرت له بعناد:

"أنا ما—"

وفي آخر لحظة، فتحت فمي بسرعة وأكلت اللقمة.

ابتسم بانتصار:

"كنتِ حتجوعي لو ما سمعتِ كلامي."

رفعت وجهي بعيدًا عنه حتى ما يشوف ضحكتي الصغيرة.

الباب فتح مرة ثانية، وسالم دخل ومعاه باقة ورد وشوكولا.

"ليان! ألف سلامة عليكِ."

عيني لمعت وأنا آخذ الورود:

"واو! شكراً سالم، مره حلوة."

في الزاوية، لاحظت كيف وجه ريان تجمد. يداه متشابكة بقوة كأنه يحاول يكسر العظم.

قررت أزيد النار شوي:

"شايفة يا سالم… إنت ألطف من ناس هنا."

ابتسم سالم:

"واجب."

ريان انفجر أخيرًا:

"طيب من اللي بيسهرك كل ليلة عشان يتأكد ما تطيحي من السرير؟ سالم؟"

ضحكت، حاولت أخفيها بس ما قدرت. كان شكله غاضب بطريقة مضحكة جدًا.

بعد ما طلع سالم، جو الغرفة صار أهدأ. جلست أنظر من النافذة، الليل بدأ يزحف. الألم من الجرح رجع يدق، وحاولت أعدل جلستي. فجأة حسيت بيد ريان على كتفي.

"لا تتحركي… أنا هنا."

نظرت له، كنت أبغى أقول شيء، بس العيون اللي شفتها وقتها كانت مختلفة. ما فيها لا سخرية ولا غيرة… كان فيها خوف. خوف حقيقي عليّ.

ابتسمت بخفة، وأغمضت عيوني.

وقبل ما أغرق في النوم، همست:

"ريان… شكراً."

وسمعت صوته يرد، هادي جدًا:

"أنا اللي ممتن إنك معي."

اليوم الثاني في المستشفى كان أطول من يوم كامل في السجن. أو يمكن أنا اللي حسيت كذا عشان ريان واقف لي زي شرطي، ما يسمح لي حتى أتحرك نص خطوة.

ريان، أنا تمام… أبغى أطلع."

"مستحيل."

قالها وهو يقلب المجلة بيده، وكأنه جالس في كوفي مش في غرفتي.

"بس الغرز تمام… والجرح يتحمل!"

"ليان، لا تجادليني. أربعة أيام على الأقل. بعدها نفكر."

تدحرجت عيناي:

"أربعة أيام؟! ليه مو أسبوعين كمان؟"

رفع رأسه عن المجلة، ابتسم ابتسامة جانبية:

"لو تبغين أمددها… أقدر."

شهقت:

"ريان!"

جلس على الكرسي بجانبي، مائل بجسمه للأمام:

"طيب… في طريقة وحدة أخليك تطلعي قبل. تخليني أبتسم."

ارتبكت. ابتسم؟! هذا هو؟ قلت له وأنا حاطة يدي عخصري:

"سهلة."

"جربي،ابتسامه حقيقيه."

أخذت نفس عميق. قعدت أقلد أصوات الممرضات، أسوي حركات غريبة بوجهي، حتى غنيت أغنية اغاني بشكل مزعج. ولا أي ردة فعل. ملامحه صخر.

"معقول؟! حتى ما اهتزت شفتك!"

"قلت لك… مو أي أحد يقدر يخليني أبتسم."

"إلا انا!! انا مب حد!"

جلست على السرير، عضيت شفايفي وأنا أفكر. فجأة خطرت لي فكرة… جنونية، بس يمكن تنجح. اقتربت ببطء، لمحت نظراته اللي بدأت تترقب بحذر.

رفعت يدي ولمست وجنته بخفة، ثم بسرعة… قبلت الشامة اللي تحت شفته.

تجمد لثانية. بعدها، ببطء، شفتها… ابتسامة. ابتسامة حقيقية كسرت قساوته.

قفزت واقفة وأنا أرفع يدي:

"هااا! فزت! ابتسمت!"

غطيت وجهي بسرعة وأنا أضحك من الإحراج، فراشات تطير بمعدتي وأنا أتذكر حرارة قربه وصمته اللي سبق ابتسامته.

لكن ريان؟ جلس يتأملني بابتسامة نادرة، كأنه يكتشفني لأول مرة.

"ليان…"

قالها بخفة

"إنتِ مجنونة."

"ومجنونة جميلة بعد،فديتني!"

رديت وأنا أرجع لسريري بسرعة.

وفجأة، الباب يفتح، ويدخل سالم ماسك عصير برتقال:

"صباح الخير"

توقف وهو يشوفني حمراء، وريان مبتسم ابتسامة غريبة. رفع حاجبه:

"هممم، واضح إني دخلت بالوقت الغلط كالعاده."

كتمت ضحكتي وأنا أخفي وجهي بالمخدة، وريان رفع صوته ببرود:

"إيه، غلط كبير."

سالم:

"خلاص، أرجع بعدين."

طلع وهو يضحك لحاله، وأنا كنت أتمنى الأرض تنشق وتبلعني.

رجعت أنظر لريان…

هو ما زال يبتسم. ابتسامة صغيرة، ناعمة… ابتسامة أنا اللي طلعتها منه.

كنت متكورة في سريري، أحاول أستوعب اللي صار. أنا؟! أنا فعليًا قبلت الشامة اللي تحت شفة ريان… وطلع يبتسم عشان أول مرة

قلبي للحين يدق بسرعة، وأنا أحاول أخلي ملامحي طبيعية. مستحيل أنجح.

ريان جلس في مكانه، عيونه مثبتة علي، ما قال ولا كلمة. ابتسامته للحين موجودة، والشي هذا يخلي بطني مليان فراشات.

أنا ما كنت أدري وين أهرب بوجهي. مسكت المخدة بقوة وكأني أحاول أدفن نفسي فيها.

"ممكن توقف تطالع كذا؟"

قلت وأنا أرفع عيني عليه بسرعة.

"ليه؟ شكلك كرتون وانتِ محمرة كذا."

قالها وهو يتكئ براحته على الكرسي ويضحك بخفة

"ريان!!"

صرخت ودفنت وجهي أكثر.

المصيبة؟ أنا اللي وعدت نفسي ما أخليه يغلبني. بس كل مرة يقرب مني، أنا اللي أطيح في الحفرة.

فجأة الباب يفتح

"ليوووون!"

دخلت هاله زي العاصفة، ماسكة كيس مليان شوكولا وبسكويت.

"أووووف! لحقنا على اللحظة الرومانسية ولا راحت؟"

رفعت راسي بسرعة:

"هاله!!"

بس كانت فاضية… عيونها راحت من وجهي لريان… ومن ريان لوجهي. وابتسامة شيطانية ترسمت على ملامحها.

"أهاااا… ليش وجنتك مولعة كذا؟ ليش ريان يبتسم زي أبو العروسة؟"

"ولا شيء!"

رديت بسرعة، صوتي أعلى من اللازم.

"ولا شيء؟ أكيد. يعني في ولا شيء يخلي البنات يحمروا ويوجهوا المخدة على وجههم صح؟"

ريان رفع حاجبه وقال بهدوء وهو يطلع:

"فعلاً… ولا شيء،انا رح اطلع."

كلماته كانت كافية تخلي بطني ينقلب. رميت عليه نظرة تحذير، بس هو؟ ما اهتم، كأنه يتعمد يخليني أغرق أكثر.

جلست هاله عند طرف السرير، عيونها تلمع بالفضول:

"قوليللللي… ليان، لا تقهريني. إيش صار؟"

"ما صار شيء مهم."

"يعني في شي صار. يلا، حكي!"

ترددت، بس نظرة هاله كانت زي اللي تق لو ما قلتي، بألف وأخترع قصة من عندي.

أخذت نفس، همست:

"هو… هو ابتسم."

هاله فتحت فمها مصدومة:

"ريــــان؟! ابتسم؟! يالله دخيلك، أنا أصدق إني شفت نيزك ينزل عالأرض بس مو ابتسامة ريان."

بدأت أضحك رغمًا عن نفسي. بس الغلط؟ هاله ما سكتت:

"طيب كيف طلعتيها منه؟ هااا؟ قوليلليي!"

ترددت، حاولت ألف وأدور، بس هاله ما كانت راح تسكت. وأخيرًا… تمتمت وأنا أخفض صوتي لدرجة شبه همس:

"… قبلت الشامة اللي تحت شفته."

هاله صرخت:

"إيييييييييييييه؟!!!"

قفزت من مكانها، مسكت راسي وهزتني:

"إنتي مو طبيعية! يابنت إنتي بطلة رومانسية مو عادية!!"

هاله قعدت تضحك، وأنا خلاص كنت أتمنى الأرض تنشق وتبلعني.

"يا ساتر… والله العظيم القصة اللي بعيش عشان أرويها لأحفاد احفادي كيف ليان كسرت جدار الجليد حق ريان بقبلة صغيرة!"

"هاله!!"

صرخت وأنا أخبي وجهي أكثر.

بس جو الغرفة صار خفيف… مليان ضحك، إحراج، فراشات تطير حوالينا. ولأول مرة من أيام طويلة… حسيت نفسي عايشة مش بس ناجية.

الليلة كانت غريبة. يمكن أكثر ليلة شعرت فيها إني ما أنا نفس البنت اللي كانت قبل أسبوع.

كل شيء تغيّر… أو يمكن ريان هو اللي غيّر كل شيء.

كنت لسه في السرير، عيوني متعلقة بالغطاء وأنا أحاول أهرب من ذاكرتي اللي ترجع تعيد وتعيد

لحظة ابتسامته.

وجهه وهو يضحك خفيف… النظرة اللي تصادف عيني وتخليني أذوب… والقبلة اللي مستحيل أنساها. كل هذا عشان قبله خفيفه على شامته كيف على شفته  التفكير بالموضوع لوحده يخليني اموت من الإحراج

يا ويلي… أنا فعليًا عملت كذا!

أغمضت عيوني بقوة، وكأني أقدر أمسح اللحظة من دماغي.

لكن صوته اخترق كل محاولاتي:

"بتظلين تحمرّي كذا كل ما تتذكرين؟"

رفعت راسي بسرعة، لقيته جالس على الكرسي جنبي، عيونه مثبتة علي، وصوته هادي، بس فيه سخرية ناعمة.

"أنا… ما كنت… ما… لا تطالع فيني!"

قلت وأنا أغطي نص وجهي بالمخدة.

"ليش؟ مو إنتِ اللي بدأتِ اللعبة؟"

ابتسم أكثر، وكأن كل ثانية يستمتع بإحراجي.

كنت على وشك الرد، لكن الباب فتح فجأة.

"ليوووون!"

دخلت هاله كالعاصفة المعتادة، وهي ماسكة كيس ضخم:

"جبت لك سناك يخليك تنسين المستشفى!"

رميت المخدة بسرعة:

"هاله!"

هاله وقفت في النص، عيونها تتنقل بيني وبينه، بيني وبينه… ثم فجأة فكت ابتسامة عريضة:

"أهاااا… إيش الجو؟ ليان محمرة وريان يبتسم؟! أوكي، واضح إني دخلت فيلم رومانسي مشهد زي اليوم الصبح ها"

"ولا شيء!"

قلت بسرعة.

ريان، بكل هدوءه المعتاد

" ولا شيء. إلا إنها كانت تحاول تبرر كيف قبلت الشامة حقتي الصبح."

صمت.

ثم انفجار:

جرت ناحيتي:

"إنتي مو حقيقية يا بنت!كيف تفكرين بالموضوع لازم تبررين حتى واضح وضوح الشمس"

1

"ريان!"

صرخت وأنا أدفن وجهي بالمخدة.

لكنه جلس متكئ وهادئ كأنه فخور:

"إيش؟ قلت الحقيقة."

هاله ضحكت، قاعدة تموت من الفرح:

"أنا كنت أظن حياتي ناقصة، بس لا… اكتشفت إنها كاملة لأن عندي قصة أسردها لباقي العمر."

كنت أتمنى الأرض تبلعني.

لكن الصدمة الحقيقية لسه جاية.

ريان رفع عيونه عني ونظر لهاله مباشرة:

"وبالمناسبة… أنا اعترفت لها بحبي من أمس. المشكلة؟ إنها ساكتة، ما ردت."

الوقت توقف.

أنا شهقت، قلبي قفز للسماء، وجسمي كله تجمد.

"ر…ريان!!!"

صرخت.

هاله، بالعكس؟ فتحت فمها وصارت تتنقل بعيونها بينا:

"هاااا؟!!! أوي أوي أوييييي!!  ليان ساكتة؟ إنتي ساكتة؟!!!"

بدأت تضحك لدرجة إنها طاحت على الكنبة الصغيرة.

"إنتي… يا ليوون… كيف تتركينه ينام وهو معترف؟! يا الله إيش الإحراج هذا؟!"

كنت أعض شفتي وأحاول أهرب بعيني، لكن ريان؟ كان مطالع فيني، وما زال بعيونه شيء يذوبني.

"فعلاً… ما رديتي، ليان."

صوته كان أهدأ، أعمق… وكأنه يتعمد يتركني أغرق.

أنا ما قدرت أقول ولا كلمة. كل اللي سويته؟ مددت يدي، دفعت صدره بخفة عشان يبعد… لكنه ما تحرك. بالعكس… اقترب أكثر.

ابتسم بخبث وقال:

"أهاا… يعني هروب."

هاله صارت تضحك أكثر:

"يا الله والله إني مستمتعة. أنا لازم أكتب رواية من اللي أشوفه هنا!"

جلست أدفن وجهي بالمخدة:

"أنا أكرهكم اثنينكم!"

ريان قال بهدوء وهو يتنهد:

"حتى لو تكرهيني… لسه ما رديتي."

وبس. أنا حسيت فراشات، إحراج، قلب يدق، ورغبة أركض بعيد، بس بنفس الوقت… ما أبغى أحد يبعدني عنه.

ريان اقترب أكثر، عيونه مثبتة في عيوني، وصوته هادي لكنه يذوّب:

"أنا عندي صبر… بس مو كثير، ليان."

أنا حسيت الأرض تدور تحت رجولي. ما عرفت أرد… كل اللي سويته إني أنزلت راسي بخجل وحطيت يدي على صدره بخفة.

قلبي كان يقول لي قوليله! قوليله تحبيه! بس لساني ما قدر.

رفعت عيوني له بهمس صغير:

"أنا… أحتاج وقت."

ريان ابتسم، ابتسامة هاديه لكنها مليانة معنى… ابتسامة ما شفتها إلا لما يكون معي.

"الوقت لك… والابتسامة لي."

وانتهى كل شيء على ابتسامته. ابتسامة جعلتني متأكدة إن حياتي صارت مربوطة فيه أكثر مما توقعت

انتهى...

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

حين وعدتك

المؤلف larse★
2025/08/13 مستمرة
قائمة الفصول (11)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة