من وجهه نظر ريان
ــــــــ
لم أشعر أن قدماي تلامسان الأرض. كأنني أجري داخل كابوس لا ينتهي. كل شيء حولي بدا مظلمًا، حتى أضواء الشوارع التي لطالما بدت مألوفة لي، صارت هذه الليلة أشبه بخيوط باهتة لا تكفي لإنارة قلقي.
ليان…
اسمها وحده يوجعني. كيف تركتها تذهب وحدها؟ كيف لم أصرّ أن تركب معنا؟ كان يجب أن أتمسك بها أكثر، أن أقرأ ملامحها كما كنت دائمًا أفعل. هي لا تختفي هكذا، ليست هي…
لم انم تلك اليله، كيف انام ومعشوقتي لا تنام؟ كيف اتناول الطعام ومعشوقتي جائعه!! كيف اتنفس ومعشوقتي وحبيبتي وروحي واعماقي ليان ليست امامي!!!
لم استطع ان ابقى هادئ في اليله الثانيه بحثت عليها اليوم الثاني كله ولم يضهر لها اثر اما هذي اليله! ما رح اتركها تبقى بذالك المكان الذي لا اعرف ايش هو اصلا... أمسكت هاتفي المحطم من شدة الضغط، ورحت أتصل مرّة بعد مرّة، لكن عبثًا. صوت البريد الصوتي كان يصفعني في كل مرة. سالم بجانبي يقود السيارة، وجهه جامد، لكني أعرفه… في داخله نفس التوتر، حتى لو لم يعترف
قال فجأة:
"الشرطة تحتاج تفاصيل أكثر، لازم نبلغهم."
أجبته بحدة:
"كل دقيقة نضيعها معهم، ممكن تكون حياتها على المحك. لا وقت."
صمت، كأنه لا يريد الجدال.
مررنا بمحطة وقود صغيرة في أطراف الطريق. نزلتُ وأنا ألهث من الغضب والركض، وسألت العامل هناك:
"شفت سيارة سوداء وقفت هنا قبل ساعة تقريبًا؟"
الرجل مسح يديه من الزيت وقال ببطء
"إيه… شفتها. شباب غريبين، ما نزلوا، بس كانوا يتجادلون مع بنت داخل السيارة. شفت شعرها البني من النافذة."
تجمد الدم في عروقي.
ليان…
أخرج العامل يده وأشار إلى جهة الطريق الصحراوي.
"راحوا من هناك."
شكرته بسرعة، وعدت أركض إلى السيارة. قلبي يدق بعنف، الأمل بداخلي يقول لي انني اقتربت
لكن ما إن سرنا في الطريق، حتى لمحنا سيارة أخرى تلاحقنا من بعيد. نظرت عبر المرآة الجانبية… لم يكن من الصعب أن ألاحظ. نفس السيارة السوداء.
"سالم، زيد السرعة!"
لم يناقشني، ضغط على دواسة البنزين، والسيارة خلفنا تسير ببطء وكأنها تستعرض نفسها.
بعد دقائق اختفت، وكأنها تبخرّت في العتمة. لكني أدركت شيئًا مهمًا هم يراقبوننا. يعرفون أننا نلاحقهم.
في لحظة صمت، هاجمتني الذكريات بلا رحمة.
أتذكرها حين بكت أمامي فجأة في ساحة المدرسة. سألتها ببرود
"إيش فيكِ؟ ليه تبكين كذا؟"
مسحت دموعها بسرعة، وضحكت بخفة:
"ولا شيء… دموعي تحب تجي من غير استئذان."
كنت غبيًا. ظننتها تمثل. ظننتها تبالغ لتلفت الانتباه. واليوم؟ كل دمعة منها صارت أثمن من حياتي، حتى انا ما اعرف ليه عم افكر بموضوع انها تضحك وتبكي بدون سبب... بس طبعا هذا الشي له سبب، وهذا السباب قابض على قلبي...
أمسكت وجهي بين كفي، أتمتم لنفسي:
"سامحيني يا ليان… بس والله ما أتركك."
بعد ساعة من البحث والانعطاف بين طرق ريفية معزولة، توقفنا عند قرية صغيرة. أحد المزارعين كان جالسًا أمام متجر قديم. اقتربت منه وسألته:
"عمي… شفت سيارة سوداء مرت من هنا؟ فيها رجل وبنت."
نظر إليّ بتمعن قبل أن يومئ برأسه:
"إيه، شفتها قبل كم ساعة. اتجهوا لمكان مهجور قريب من الوادي. المستودعات القديمة."
قلبي قفز من مكانه. نظرت إلى سالم وقلت بعزم:
" هنا رح نلاقيها."
قادنا الطريق الترابي إلى منطقة معزولة. المستودعات ترتفع كأشباح صامتة في وسط الظلام. الأبواب صدئة، والنوافذ مكسورة، لكن… كانت هناك حركة. أضواء خافتة تلمع من الداخل، كأنها عيون تراقبنا.
توقفت السيارة بعيدًا، نزلت ببطء وأنا أحبس أنفاسي. خطواتي كانت ثقيلة، لكن قلبي أسرع من أي وقت مضى.
ثم سمعتها.
ضحكة… صغيرة، لكنها مألوفة.
ضحكة ليان.
رفعت رأسي نحو نافذة عالية، وهناك… ظلّ يتحرك. خيالها واضح، تتحرك بخفة، حتى وهي مقيدة ربما، لم تفقد جنونها.
وقتها فقط شعرت أنني أتنفس من جديد.
همست بصوت بالكاد سمعته أذناي:
"ليان… وجدتك."
لكن قبل أن أتحرك، خرج رجل من باب المستودع، سيجارة مشتعلة بين أصابعه، شعره الفوضوي يلمع مع الضوء.
تريستان
ابتسم ببرود، كأنه يعرف أنني هنا.
وكأن اللعبة الحقيقية لم تبدأ بعد.
لم أصدق عيني حين خرج تريستان من باب المستودع، كأنه كابوس قديم عاد من القبر.
ذاك الوجه الذي لطالما كرهته منذ كنا صغارًا… لم أنسَ يوم لمحته يطارد ليان بابتساماته الرخيصة، محاولًا أن يجذبها إليه. كنت حينها أشتعل غيرة، وكنت أكره كيف تبتسم له أحيانًا من باب المجاملة.
لكن الليلة؟
الليلة صار عدوي الأول.
"تريستان…" خرج اسمه من فمي وكأنه سمّ.
ضحك بخفّة وهو ينفث دخان سيجارته:
"جميل… لم تتغير يا ريان. ما زلت الصبي الغيور."
اقتربت منه، قبضتي مشدودة:
"أين ليان؟!"
رفع حاجبه ببرود:
"ليان؟ آه… معشوقتك. مضحك أن تبقى عالقًا معها بعد كل هذه السنين. ألم تتعلم أن هناك رجالًا أقوى منك، قادرون على أخذ ما يريدون؟"
احترق دمي، وتقدّمت أكثر حتى لم يعد بيننا سوى خطوة واحدة.
"لو لم تكن جبانًا لاختطفتها أمامي… لكنك تختبئ دائمًا في الظلام، مثل حشرة."
فجأة، انقض عليّ بلكمة مفاجئة. تراجعت للحظة، ثم رددت بلكمة أقوى، حتى سقط على الأرض.
"تجرؤ أن تلمسها؟! كيف تجرؤ حتى بالإقتراب منها! "
صرخت بكل غضبي.
قام وهو يمسح الدم عن فمه، ابتسامته لم تفارقه:
"كنت أعلم أنك ستنفجر… ليان تستحق أكثر من مجرد عاشقٍ أحمق. كنت معجبًا بها قبل أن تعرفها أنت."
كلماته طعنتني أكثر من أي ضربة. كأن كل شيء قديم عاد يغلي بداخلي غيرتي القديمة، خوفي من أن أفقدها، إحساسي بأن العالم كله يريد سرقتها مني.
صرخت وأنا أركض نحوه من جديد:
"أنت لا تستحق حتى أن تذكر اسمها! انا لم اخطفها ابدا، ولم ارغمها ان تحبني عكسك تماما"
اشتبكنا بعنف، ضربات متتالية، حتى أنفاسي صارت تتقطع. لكن شيئًا في عينيه تغيّر فجأة. لم يكن يقاوم بقوة كما في البداية. دفعني بعيدًا وهو يتنفس بصعوبة.
قال بصوت أجش:
"كفاية، ريان… اللعبة لم تكن لي. مورغان هو من أخذها. أنا… لم أرد أن ينتهي بها الحال هكذا."
تجمدت في مكاني، ألتقط أنفاسي. نظرت إليه بذهول.
"ماذا تقصد؟"
أخفض رأسه، كأنه يعترف بخطأٍ قديم:
"لم أستطع حمايتها… لكنك تستطيع. اذهب إليها قبل أن يفوت الأوان."
"ايها الأحمق"
تراجعت خطوة، ثم اندفعت مباشرة إلى داخل المستودع، قلبي يدق كطبول الحرب.
ليان… أنا قادم.
ـــــــ
من وجهه نظر ليان
ـــــــ
الغرفة باردة… جدرانها عارية كأنها شاهدة على موتٍ يقترب.
مورغان أمامي، عيناه تلمعان بجنون. في يده سكين طويل، يلمع تحت ضوء المصباح.
قال بابتسامة باردة:
"انتهت لعبتك يا ليان… لن يخلّصك أحد."
ارتجفت أطرافي، لكنني حاولت أن أتماسك.
"أنت… مجنون. لن تربح شيئًا بقتلي."
ضحك بصوت عالٍ:
"بل سأربح… صرخة أخيرة منك."
اندفع نحوي، لكني ركلت الكرسي أمامه وركضت نحو الباب. قلبي يوشك أن ينفجر من سرعته. هرولت عبر الممر المظلم، قدماي تتعثران بالأرضية المتسخة، لكنه كان خلفي مباشرة، خطواته الثقيلة تلاحقني.
"لن تهربي!" صرخ بصوت يزلزل المكان.
اندفعت بكل قوتي نحو النافذة الصغيرة، ودفعتها بيدي المرتجفتين. شعرت بشظايا الزجاج تخدش يدي، لكني لم أتوقف. قفزت عبرها، سقطت على الأرض الترابية، وجسدي كله يرتجف،سمعت صوت عضامي تتحطم
رفعت رأسي، ورأيت في الظلام…
ريان.
"ريااااان!"
صرخت بكل قوتي، كأن حياتي كلها في تلك الكلمة.
لكني فجأة شعرت بيدٍ قوية تمسك بي من الخلف، ضغطت على فمي، وعتمة غطت عيني.
همس صوت مألوف في أذني، بارد كالثلج:
"ما انتهى شي…"
لم اركز بالصوت حتى، إلى انني شعرت بسكين تدخل بطني وتخرج منه مليئه بالدماء... لا انه حقيقه ليس مجرد شعور وقعت على الأرض وانا احاول ايقاف النزيف بيدي الإثنين وانادي بإسم ريان
لاحضت ريان يتقدم بسرعه ثم حاوط جرحي بكلا يديه شعرت به، كان يتزلزل غضبا مثل الزلزال الذي قرر ان يحدث في اخر اللحضات...
بقيت انضر له، ولم اجد نفسي إلى اضحك!! انني اتعذب هنا!!! انني اموت ببطء هنا!! لماذا اضحك... نضر لي ريان ثم حرك انامله على بشرتي ببطأ
"لا عليك"
كان علي ان اتوقف عن الضحك واذ بي ابكي واضحك بنفس الوقت، وايضا تخرج شهقاتي ألما... فجأه جائني جنون العضمه ونضرت لعينه بدلع... رأيت نفسي مجنونه
غير نضرته إلى نضره مختلفه ثم اعادها كالسابقه وقال
"هل تتوقعين ان اقول لك من فعل بك هذا؟"
قلت بسرعه
"هل انت قارئ افكار؟"
حملني فجأه ثم خرجت شهقه الم ودهشه مني ثم قال
"لا بل لأنك قارئه روايات مهووسه"
قبل ان اجيب...شعرت بوغزه في قلبي، ثم غاب وعيي كليًا.
عندما فتحت عيني للحظة، كان هناك دفء مختلف. ذراعان قويتان تحتضنانني. أنفاس سريعة قريبة من وجهي، وصوتٌ مبحوح يهمس:
"اصحي يا ليان… لا تنامي، أنا هنا."
كنت بين يديه. على صدره مباشرة، كأنني ملكٌ صغير لا يريد أن يتركني. السيارة تتحرك بسرعة، وهو يضمّني أكثر وكأنه يخشى أن أختفي.
لم أشعر بالأمان من قبل مثل تلك اللحظة.
حتى وأنا بين الغيبوبة، شعرت بشيء واحد فقط…
الفراشات! انا بحضن اكثر شخص احبه!
قبل أن أغيب مجددًا، سمعت صوته يصرخ في الهاتف:
"نحتاج سيارة إسعاف حالًا! أنقذوها!"
ثم شدني إلى صدره بقوة، وهمس بخوف لم أسمعه منه من قبل:
"لا تتركيني، ليان… ما أقدر أعيش بدونك."
ـــــــــــــ
من وجهه نظر ريان
ـــــــــــــ
حضنتها كأني أحاول زرعها داخل صدري، كأني لو أفلتها لحظة راح تختفي.
وجهها كان شاحب، أنفاسها ضعيفة، ودم على خدها يقطّع قلبي.
صرخت بالهاتف بأعلى صوتي:
"إيه! مستشفى الشفى! تعالوا بسرعة! حالة طارئة!"
أغلقت الخط ورميت الهاتف على المقعد، رجعت أنظر لها.
"ليان… اسمعيني. افتحي عيونك، لا تتركيني كذا."
رأيت رموشها ترتجف بخفة، كأنها تحاول تقاوم النوم.
همست بصوت ضعيف جدًا:
"ريان…؟"
انفجرت مشاعري. قربت وجهي من وجهها، لمست وجنتها الباردة بيدي:
"إيه حبيبتي، أنا هنا. أنا ريان، لا تخافين."
ابتسمت ابتسامة صغيرة مكسورة، وقالت:
"كنت… أعرف إنك… بتجي."
دموعي نزلت بلا إذن. ضغطتها عليّ أكثر، حتى صار رأسها مستندًا على كتفي، ويدي تحيط خصرها.
"مستحيل أتركك، فاهمة؟ حتى لو العالم كله وقف ضدي، أنا أجيك."
كانت تتنفس بصعوبة، وأنا كل ثانية أشعر أن قلبي يموت أكثر. فتحت عيونها ببطء وقالت:
"ريان… أنا تعبت."
شهقت وحركت رأسي بسرعة:
"لا لا، لا تقولين كذا! اسمعي، تذكرين يوم قلتِ لي ما راح أقدر أسبقك بالركض؟ أنت اللي لازم تسبقين الموت الآن… قومِي، تحدّيه مثل ما كنتِ تتحديني."
ضحكت ضحكة صغيرة، ضعيفة، لكنها اخترقتني كالبرق.
"أنت… غيور… مجنون."
ابتسمت وأنا أمسح دموعها بأصبعي:
"مجنون فيك، أيه… وما أستحي."
السيارة تهتز من سرعتي، لكني ما اهتميت. كل اللي يهمني أنها قدامي.
وضعت يدها المرتجفة على صدري بخفة، كأنها تبحث عن نبضي:
"قلبك… يدق بسرعة."
مسكت يدها وحطيتها أقرب لقلبي، همست:
"يدق عشانك. كل ما تخفت أنفاسك، يدق أسرع… خايف يخسرك."
دمعة ساخنة نزلت من عينيها.
قالت بهمس بالكاد سمعته:
"ريان… لا تخليني لحالي."
انفجر كل شيء داخلي. قبلت جبينها بسرعة، وضممتها أقوى من قبل.
"مستحيل، يا مجنونة. أنا أعيش عشانك. حتى لو حاولوا ياخذونك مني ألف مرة… أرجع وآخذك."
انحنت رأسها على صدري، وصوتها صار أضعف:
"أحب… ريـ…"
تجمدت. هل كانت ستكمل؟ هل سمعتها صح؟
لكنها أغمضت عينيها قبل أن تنطق الكلمة كاملة.
صرخت وأنا أهزها برفق:
"ليان! لا تنامين! افتحي عيونك، الله يخليك!"
لكنها كانت ساكنة، أنفاسها ضعيفة، كأنها تنام بين يدي.
ومع ذلك… ما زالت أصابعها متمسكة بقميصي، وكأنها تخاف أن أفلتها.
ضغطت على يدها وهمست بحرقة، ودموعي تغرق وجهي:
"أقسم لك، لو ما قمتِ… أنا اللي أموت معك."
رفعت بصري للطريق، المصابيح تمر بسرعة، قلبي يحترق…
كل ثانية أقرب للمستشفى...
ـــــــــ
وجهه نظر ليان
ــــــــ
فتحت عينيّ بصعوبة، النور الأبيض ضرب وجهي حتى غصت في الوسادة. رائحة الأدوية والمطهّرات أكدت لي أنني لست في بيتي.
المستشفى.
حاولت أرفع يدي لكن ثقل رهيب خذلني. لمحت ضمادًا يلف ذراعي وبطني. حتى ساقي اليمنى محاطة بالجبس. صدمة ارتجفت لها روحي.
دخلت طبيبة شابة، ابتسمت بخفة وقالت:
"الحمد لله، صحيتِ. رجعناك من بعيد يا آنسة ليان."
همست بصوت مبحوح:
"وش… صار؟"
فتحت ملفها وأجابت بهدوء:
"عندك طعنة في البطن… كانت قريبة جدًا من الأعضاء الداخلية، لكن نجينا بفضل الله. لازم ترتاحين وما تتحركين كثير. وأيضًا… رجلك اليمنى مكسورة، بدها اسبوعين للتجبير."
أحسست الأرض تميد بي. أنا؟ مكسورة؟
ابتلعت غصتي، لكن كبريائي منعني من إظهار ضعفي أمامها. هززت رأسي بإيماءة باردة.
غادرت الطبيبة مع الممرضة، وتركتني وحيدة.
وحيدة…؟ لا. أنا ليان. ما أعرف معنى كلمة عاجزة.
دفعت الغطاء عني، وبكثير من العناد وضعت قدمي على الأرض. الألم أشعل نارًا في جسدي، لكنني تماسكت. خطوة… خطوتين… حتى صرت أمشي ببطء حول الغرفة، ممسكة بالجدار.
صوت الباب انفتح فجأة.
تجمّدت.
ريان.
كان واقفًا على العتبة، عيونه تتسع بدهشة وغضب، كأنني ارتكبت جريمة.
قال بصوت منخفض لكنه ممتلئ بالتهديد:
"وش اللي تسوينه؟"
رفعت حاجبي بعناد، رغم الألم:
"أمشي. وش شايف؟ ما أبغى أبقى مربوطة بسرير."
خطا خطوة للداخل، صوته صار أخشن:
"أنتِ ما تفهمين؟ رجلك مكسورة، وبطنك مطعون… وتقولين أمشي؟"
ابتسمت بتحدٍ رغم رعشة جسدي:
"أنا أقرر… مو أنت."
اقترب أكثر.
أنا أرجع للخلف لا إراديًا.
كل خطوة يخطوها، قلبي يقفز بجنوني، وصدري يعلو ويهبط بسرعة.
حتى اصطدم ظهري بالجدار البارد.
توقفت.
اقترب حتى صرت أستشعر أنفاسه، ووضع كفه على الجدار بجانبي، حاصرني بنظراته.
ثوانٍ مرت كأنها ساعات. عيناه تغوصان في عيني، وأنا عاجزة عن الهرب أو حتى التنفس.
همس بصوت خافت:
"إلى متى تبقين عنيدة كذا؟ تبغين تقتلينني بخوفك؟"
حاولت الرد، لكن الكلمات علقت في حلقي.
كل ما استطعت فعله أن أشيح بنظري عنه، أضعف من أن أواجه تلك النار في عينيه.
اقترب أكثر، حتى شعرت بحرارة أنفاسه تمس وجنتي.
"جاوبي، ليان… ليه تحاولين تثبتين قوتك حتى لو على حساب حياتك؟"
شفتاي ارتجفتا، وأخيرًا تمتمت:
"أنا… ما أبغى أحد يشوفني ضعيفة."
ابتسم بخفة، ابتسامة حزينة لكنها مليئة بالحب:
"مجنونه، انا الضعيف امامك هنا"
تسارعت أنفاسي أكثر، قلب ينبض وكأنه سيقفز من صدري.
اقترب أكثر، حتى صارت المسافة بيننا لا تُذكر.
عيونه لم تفارق عيني، وأنا أغرق في بحر لا مفر منه.
كل ثانية تمرّ، شعرت أنني سأذوب… أنني سأعترف بما كنت أهرب منه طويلًا.
كلماته غاصت في داخلي، وأحسست بشيء ينهار من جدار الكبرياء اللي كنت أبنيه طول عمري.
اقترب أكثر… يده رفعت بخفة، كأنها مترددة، ثم لمس خدي بإصبعه.
حرارة لمستُه أحرقتني، دموعي انسابت رغمًا عني.
تمتم وهو يراقبني:
"حتى دموعك… أحبها."
عيني اتسعت، أنفاسي اختنقت… كنت على وشك أن أرد…
لكن فجأة، انفتح الباب.
"ليـــــــــــــــــــــــــــاااااا. أآأأ!"
قفزت ياسمين للداخل بابتسامة عريضة، عينيها تلمعان بخبث.
تجمدنا أنا و ريان مكاننا، هو ما زال قريب جدًا مني، يده ما زالت على خدي، وأنا ملتصقة بالجدار كأني متهمة بجريمة!
صفقت ياسمين بضحكة:
"ياللهوووو… دخلي كان غلط شكله! كملوااا كملوااا، اعتبروني ما موجودة."
وبسرعة رجعت للخلف، أغلقت الباب وراءها وهي تتهبل وتضحك.
تجمدتُ للحظات، وحرارة وجهي اشتعلت لدرجة أني شعرت أنني سأذوب مكان وقوفي.
إحراج… إحراج قاتل.
أبعدتُ يد ريان بسرعة وهمست مرتبكة:
"شوف وش سببت لي… صرت مسخرة."
ابتسم بخبث وهو يقترب من جديد، يريد ان يقتلني اترون!!
تسارعت أنفاسي، قلبي يكاد يخرج من مكانه، ومع ذلك رجعت إلى السرير بسرعة وجلست، أحاول أضبط نفسي وأتظاهر أني مش متأثرة.
لكن ريان… لا، ما أعطاني فرصة.
اقترب وجلس على طرف السرير بثقة، مد يده فجأة وأمسك يدي، بكل جرأة.
رفعت عيني بانصدام:
"ريان! إترك يدي!"
ابتسم، صوته كان هادي لكن فيه عناد واضح:
"لا… تعبت من الهروب. المرة ذي ما رح أتركك."
حاولت أسحب يدي، لكن قبضته كانت أقوى.
قلت له وأنا أحاول أبدو صارمة:
"لو دخلت ياسمين الحين…"
وما كملت جملتي إلا والباب ينفتح فجأة مرة ثانية!
دخلت ياسمين وهي ماسكة علبة عصير:
"ترى رجعت أجيب لكم شـ... "
توقفت في مكانها، عيونها اتسعت لما شافت يدينا متشابكة وريان ينظر لي بعناد.
وبدل ما تستحي أو تطلع… ضحكت بصوت عالي:
"أوووووووه! لسه ماسك يدها؟ يا سلام يا سلام… خلاص خلاص، اعتبروني الهواء اللي تمشون فيه، كملوا حياتكم الرومانسية وأنا بس أتفرج."
احمر وجهي أكثر من قبل، حاولت أسحب يدي بسرعة.
لكن ريان… زاد عناده، شد يدي أكثر وقال بصوت مسموع:
"لا، ما راح أفلتها."
ضحكة ياسمين غطّت المكان، وهي تطلع من الغرفة مسرعة وتغلق الباب بقوة، وصوتها يرن من الممر:
"من وانا وصغيره اتمنا اشوف عرسكم واشوفكم قدوتي بالحب ياااييي"
تجمدتُ، وعيوني تلاحق ريان بدهشة، اتمنى ان لا يكون سمع ريان ذالك
تمتمت مرتبكة:
"ريان… أنت مجنون."
ابتسم وهو يقترب أكثر، عيونه تلمع:
"ممكن… بس مجنون فيك."
ايش قاعد يقول هاذ؟ هَاي!! عندي عقل سمكه اشرحلي!! انت عم تخطط لقتلي؟ اي واضح انك بدك تقتلني! انت مش ريان انت... انت تحولت لرومانسي فجأه... هيهيهي طبعا طبعا مجرد رومانسيه صداقه بس! صح؟ قولوووو ليييي رح اتجنن، رح اجننه مثل ما عم يعمل معيي!!
رفعت حاجبي بتحدي رغم إن قلبي كان يدق كأنه طبل حرب، نظرت في عيونه مباشرة وقلت ببرود متصنّع:
"طيب… وأنا بعد ما راح أفلتك."
تجمّد لثواني، ملامحه اتبدلت بدهشة واضحة، كأنه ما توقّع أبداً أني أواجهه بنفس العناد. ابتسم ابتسامة جانبية صغيرة وقال بصوت منخفض:
"إيه؟ صايرة عنيدة زيي؟"
قرب وجهه أكثر، عيونه مثبتة عليّ، بس أنا ما هربت ولا تراجعت. بالعكس، قربت له أكثر، حتى أنفاسي صارت تتلامس مع أنفاسه
."عنيدة… بس مو أكثر عنادي."
هذا كان صوته وهو يقترب مني بخطوات بطيئة، وابتسامة صغيرة ترتسم على ملامحه وكأنه متأكد من انتصاره.
كنت ثابتة مكاني، ما راح أعطيه شعور إنه يخوفني. رفعت حاجبي وقلت:
"تفتكر بس إنت اللي تعرف تعاند؟"
اقترب أكثر، صار بيننا أقل من شبر، وأنا عيوني مثبتة بعيونه.
"خلينا نلعب لعبة."
قلتها بثقة.
رفع رأسه ببطء:
"لعبة؟"
"إي، بسيطة… اللي يشيح بنظره عن الثاني يخسر."
ضحك بخفة:
"جاهزة تخسري من أول جولة؟"
"بالعكس، أنت اللي راح تطلع ضعيف."
ووقفنا وجهاً لوجه. عيونه مثبتة في عيوني، وأنا مصرّة ما أرمش حتى. قلبي يدق بقوة، بس ما أبغى أظهر له ضعفي. ثواني… دقائق… وأنا داخلة في بحر عيونه. فجأة، شفت بسمته الخبيثة ترتسم، بسمه تمحي كل مقاومتي.
"ريان…"
تمتمت باسمه داخلي وأنا أستوعب إنني غرقانة.
اقترب أكثر، رفع يديه ووضعهما برفق على خداي، إحساس دافئ صعقني من أطراف أصابعي حتى أطراف قلبي.
اقترب ببطء… ببطء قاتل… وكل خلية فيني تصرخ إني لازم أبتعد، بس قدماي رفضوا الحركة، توقعت أن القبلة جاية، وانحرجت من نفسي، فغمضت عيوني بسرعة، ثم أنزلت وجهي.
ضحك بخفة:
"هاه! يعني استسلمتِ؟"
فتحت عيوني مرتبكة:
"لا… لا! أنت غشّيت. ممنوع تمسك وجهي كذا."
"ممنوع؟ من قال؟"
"اللعبة واضحة، ممنوع لمسات!"
"أنا ما سمعت القوانين هذي."
كان يضحك عليّ، وأنا حاسة النار طالعة من خدودي.
كنت رح اعانده إلى ان تغير لون وجهه فجأه
"إنت أصلاً… غشـــــــا..."
لكن فجأة رفع يده بهدوء، أشار لي بالصمت:
"شّ… اسكتي شوي. أنا تعبان."
كلمة تعبان وقفت قلبي. كل جدالي وتوتري انهار، وصرت أنظر له بقلق.
"ريان… تعبان؟ ليه ما قلت من قبل؟"
جلس على طرف السرير، ثم مال ببطء، وأسند رأسه على ساقي، وكأنها الوسادة الوحيدة اللي يعرفها. كنت متيبسة أول لحظة، بس لما حسيت بثقله عليّ، بشفافية اللحظة، انكسر كل عنادي.
مددت يدي بحذر، أصابعي انسابت بين خصلات شعره. آه، كم هو مختلف لما ينام… هادئ، بريء، بعيد عن العناد والحدة.
ظليت أتأمله:
ملامحه، أنفاسه، ابتسامة صغيرة مرت على شفتيه حتى وهو شبه نائم. قلبي صار يدق بهدوء، بانسجام مع أنفاسه.
همست بخجل وأنا أمرر يدي على جبينه:
"لو تعرف… قد إيش أخاف أخسرك."
وأنا أراقب وجهه الهادئ، عرفت إن هذه الليلة ما راح أنساها طول حياتي.
انتهى...
larse★