في صباح اليوم التالي، كانت أجواء الجامعة على حالها… ضجيج الممرات، همسات الطلاب، وصوت خطوات تتداخل مع بعضها في سباق غير منتهٍ نحو القاعات. لكن بالنسبة لي، كان كل شيء يبدو أبطأ، كأن العيون التي تلاحقني في كل زاوية تثقل الهواء من حولي.
كنت أمشي بثبات نحو قاعتي، أحاول أن أركز على الطريق أمامي، لكن أصوات بعض الشبان خلفي اخترقت أذني، كلماتهم جريئة… متغزلة. لم ألتفت، فالتجاهل كان دائمًا درعي في مثل هذه المواقف.
إلا أن خطوات سريعة لحقت بي، وتوقفت أمامي كجدار من لحم ودم. كان عمار… أخي الأصغر، ملامحه مشدودة وعيونه متقدة بالغضب.
"تحبيني أعلّمهم درس؟"
قالها بصوت منخفض، لكن فيه من التهديد ما يكفي لجعل أي شخص يعيد التفكير في تصرفاته.
ابتسمت رغم توتري، ومددت يدي أربّت على كتفه.
"لا عليك يا عمّو… هؤلاء لا يستحقون عناءك."
لكن قبل أن أخطو خطوة أخرى، جاء صوت أنثوي مليء بالحيوية، وكأنه يقطر تحديًا:
"لا عليك؟؟!!!"
التفتُّ لأجدها… فتاة جميلة، بشرة بيضاء كأول ثلج، عينان بنيتان فيهما بريق مألوف. كانت تبتسم بمكر وهي تقول:
"ألا تعلمين ان هناك راجل غيور امامك؟"
ثم انفجرت ضاحكة، ضحكة ملأت الممر.
تجمدت لثوانٍ أحدّق في وجهها، إلى أن اصطدمت بي الذاكرة… ياسمين! أخت ريان الصغرى. تلك الطفلة التي كانت تلحقنا في كل مكان، تصر على اللعب معنا رغم فارق العمر. ابتسمتُ بدهشة:
"ياسمين؟! صرتِ شابة… ما شاء الله."
ضحكت وهي تميل برأسها قليلًا:
"وأنتِ لم تتغيري كثيرًا… فقط صرتِ أكثر جدية، وطبعًا… أكثر جاذبية."
لم أعلّق، لكن داخلي كان يغلي. ياسمين كانت في سن عمار تقريبًا وقتها، لكن المفارقة أنني كنت أقرب لريان منها… أما الآن، فكل شيء تغيّر.
---
في طريق العودة من القاعة، كنت أسير مع هالة. الحديث بيننا كان عاديًا، حتى انحنت فجأة واقتربت مني، لتطبع قبلة خاطفة على خدي قبل أن تهرب ضاحكة بأعلى صوتها.
"هالة! مجنونة أنتِ! تعلمين أني لا أحب هذا النوع من المزاح!"
ركضت خلفها بخطوات سريعة، لكن ذكرى قديمة اصطدمت بي فجأة، وأوقفتني في منتصف الممر… كنت طفلة، أجلس بجانب ريان بعدما سقط وجرح نفسه. كان يبكي، وكنت أحاول تهدئته، أمسح دموعه بيدي، وأقبّل خده كنوع من المواساة. توقف عن البكاء فجأة، نظر إلي بدهشة طفولية، ثم ابتسم وطبع قبلة سريعة على خدي. ضحكنا وقتها وكأن شيئًا لم يكن.
الآن، وأنا واقفة وسط زحام الجامعة، شعرت بحرارة تجتاح وجهي كما في تلك اللحظة القديمة… لكن هذه المرة، لم يكن الأمر بريئًا تمامًا.
"ماذا كنتِ تتذكرين؟"
التفتُّ لأجد هالة خلفي، ابتسامة ماكرة على وجهها وقد لاحظت احمراري. لكن قبل أن أجد ردًا، شعرت بظل يقف خلفي… التفتّ، فإذا بريان، عينيه مثبتتان عليّ، بنظرة لا أستطيع فك شيفرتها.
أمسكت بيد هالة فورًا، وجررتها معي نحو الصف. دقّ جرس الحصة في اللحظة المناسبة وكأنه ينقذني من الغرق. طوال المحاضرة، كنت أتهرّب من النظر إليه، لكن فكرة وجوده بجانبي كانت كافية لإرباك أنفاسي.
حتى المعلمة لاحظت الأمر، فتوقفت فجأة وقالت:
"ليان، وجهك محمّر جدًا… هل أنتِ بخير؟"
أومأت برأسي نافية، لكن نظراتها لم تقتنع، فالتفتت إلى ريان:
"اذهب معها للطبيبة، ربما تعاني من الحمى."
شعرت وكأنها حكمت عليّ بالإعدام… ممر الجامعة الضيق، وأنا وريان وحدنا.
---
عند مكتب الطبيبة، تفحّصتني قليلًا قبل أن تقول بأسف:
"الميزان معطّل… ريان، ضع يدك على جبينها لأرى إن كانت حرارتها مرتفعة."
كأن الأرض ابتلعت صوتها ولم تبقِ إلا الصدى في أذني. لماذا هو بالذات؟ لماذا الآن؟
اقترب ببطء، ثم لامست راحة كفه جبيني بخفة… لكن تلك اللمسة لم تكن عادية. عبق عطره تسلل إلى أنفي، وأعادني إلى أيام كان يربت فيها على رأسي إذا غضبت.
خرجنا بعدها بصمت. وفي منتصف الطريق، وقف فجأة وقال بصوت منخفض:
"لسه بتحمّري لما أتطلع فيك… ما تغيرتي."
ثم تابع سيره، تاركًا إياي متسمّرة، وكأن قلبي علق في تلك الكلمات.
---
في الاستراحة، جلست وحدي بالكافيتيريا، أدفن وجهي بين يديّ محاوِلة استيعاب ما حدث. لكن الكرسي أمامي انسحب فجأة، وجلس ريان وكأنه يعرف مكانه مسبقًا. تناول طعامه بصمت، ولم ينبس بكلمة، وأنا كذلك. كان الصمت بيننا مشحونًا أكثر من أي حديث.
وقبل أن ينهض، ألقى عليّ نظرة جانبية:
"كُلي جيدًا… أنتِ ما زلتِ نحيلة كما كنتِ."
ثم مضى، تاركًا خلفه قلبًا غير مستعد للهدوء.
لم تتركني ياسمين بعدها، جلست بجانبي وهمست بمكر:
"هو لا ينظر هكذا لأي بنت… فقط أنتِ."
ابتسمت بخجل، لكن قلبي كان يردد أن في عينيه شيئًا لم يمت… وأن الماضي، مهما حاولت دفنه، يعرف طريقه للعودة.
انتهى...
larse★