حين تلاقت العيون

حين تلاقت العيون

25 0

كنت أظن أن الحياة بعد تلك الليلة المشؤومة ستسير بلا صدمات جديدة. ليلة سرقت طفولتي وغيّرت لون العالم من حولي، جعلتني أعتقد أنني رأيت أسوأ ما يمكن أن يقدّمه القدر. لكن كنت ساذجة… فالقدر لا يكتفي بضربة واحدة، بل يحب أن يعود ليختبرك حين تظن أنك تعافيت.

في ذلك الصباح، كانت هالة تسير بجانبي، ثرثرتها تملأ الطريق ونحن نقترب من بوابة الجامعة. كانت تتحدث بحماس عن الدكتور الجديد لمادة اليوم، وأنا نصف مركزة، نصف غارقة في تيار أفكاري. فجأة توقفت، قبضت على ذراعي، وهمست بعينين متسعتين:

"ليان! شوفي… هذا شكله موديل، مو طالب!"

رفعت نظري لأرى من خطف انتباهها، فابتسمت بسخرية خفيفة:

"قلبك كبير يا هالة… أي مخلوق وسيم يمر قدامك يصير كراشك الجديد."

أغمضت عينيها بتصنّع الغضب وقالت وهي تضحك:

"أحسن من إني أحب شخص واحد طول عمري، وفي النهاية ينساني أو يختار غيري. يا أختي، لازم تكوني بلاير مثلي."

ضحكت على طريقتها، ولم أكن أعلم أن هناك عينين بعيدتين تراقبني، تحملان في أعماقها غيرة صامتة لم أجد لها تفسيرًا حينها.

المساء جاء وهو يحمل معه خبرًا صغيرًا… لكن قلبه كبير الأثر. أمي أخبرتني أن الخالة ليال، أم ريان، ستزورنا بعد غياب طويل. اسمها وحده كان كافيًا ليشدّ خيطًا خفيًا في صدري، يجرّني إلى ذكريات صغيرة، بعضها حلو وبعضها مُرّ.

لكن لم أكن مستعدة لما حدث حين دخل البيت ذلك الشاب الطويل، ملامحه أكثر نضجًا، عيناه أعمق، وصوته أكثر هدوءًا… لكنه هو. حتى لو غيّرته السنوات، أنا أعرف هذه العينين.

جلس بجوار أمي وخالتي يتحدثان عن الأخبار والأهل، وأنا أجلس في زاوية الغرفة، أحاول أن أكون جزءًا من الأثاث، أراقبه من بعيد وكأنني أخشى أن يلتقي نظرنا.

لكن اللحظة جاءت… والتقت العيون.

كل شيء حولي اختفى؛ عاد صوت ضحكته القديمة، صورة يده وهو يمدها لي، ذلك الوعد، وتلك الليلة التي غيّرت كل شيء.

يدي تحركت بلا وعي نحو قلادتي، حيث يختبئ الخاتم الصغير الذي أهداني إياه يومًا. حين رآني ألمسها، رمش بعينيه وكأنه تذكر شيئًا، لكن تعابيره عادت سريعًا إلى البرود. شعرت بالحمق، ما زلت أحتفظ بالخاتم وكأنني طفلة مهووسة.

حين حان وقت رحيلهم، وقف على الباب، ألقى عليّ ابتسامة صغيرة، لم أستطع الرد عليها. أدرت وجهي، وأحسست بثقل شيء غير مفهوم عالق في صدري.

في تلك الليلة، جلست على طرف السرير، أعبث بسلسلة القلادة بين أصابعي. كم مرة تخيلت أن أراه مجددًا؟ كم مرة حلمت أن يناديني باسمي كما كان يفعل ونحن صغار؟ لكن في أحلامي، كان اللقاء مليئًا بالدفء، لا بهذا الصمت الغريب.

ذهبت إلى النافذة، أراقب السماء، وأسأل: هل كان يتذكرني وأنا أمامه؟ أم كنت مجرد وجه مألوف لا أكثر؟

الصباح التالي بدأ بهالة تبتسم لي ابتسامتها المعتادة، لكنها توقفت حين رأت الشرود في عينيّ:

"ليان، شكلك طول الليل ما نمتي."

"صداع… لا تشغلي بالك."

لم أخبرها عن ريان، عن الوعد، عن ذكريات الطفولة أو الحرب. بقيت القصة محبوسة داخلي، حيث يمكن للألم أن يبقى صامتًا.

دخلنا القاعة، وهناك كان… في نفس المكان، الصف الثالث، يجلس كما رأيته أول مرة. حاولت أن أشيح بنظري، لكن إحساس المراقبة ثقيل، كأن عينيه تحاصراني من بعيد.

الأستاذ أعلن عن عمل جماعي من ثلاثة أشخاص. قبل أن أجد طريقة للهروب، كان أحد زملائه يشير إليّ ويقول:

"انضمي إلينا، في مكان فاضي."

الأستاذ ابتسم وقال:

"ممتاز، ليان… كوني مع مجموعة ريان، هو طالب ممتاز وسيساعدك."

اقتربت ببطء وجلست، متظاهرة بأنني غارقة في الأوراق. لكن صوته اخترق المسافة القصيرة بيننا:

"ليان… اسمك جميل."

كلماته البسيطة حرّكت شيئًا قديمًا في داخلي. نظرت إليه:

"شكرًا."

خلال النقاش، كان يلمح أحيانًا إلى قلادتي. أرى بريقًا يمر في عينيه، ثم يختفي، وكأنه يخوض معركة صامتة مع ذاكرته.

بعد انتهاء المحاضرة، حاولت الهروب، لكن هالة لحقت بي وهي تبتسم:

"ليان، هذا اللي كنتِ معاه… اسمه ريان، صح؟"

"أظن."

"إحساسي يقول إنه مهتم."

ابتسمت بسخرية، لكن قلبي كان يخفق بسرعة. لا أريد أن أُسقط نفسي في أمل جديد.

خرجت من المبنى، لكن شعور المراقبة عاد. التفتُّ قليلًا، فرأيته يقف عند الباب، ينظر إليّ بصمت، في عينيه خليط من الغيرة والحيرة… وربما بداية إدراك.

سرت في طريقي، وأنا أعلم أن هذه ليست النهاية… بل بداية لعبة جديدة بيني وبينه، لعبة اسمها القدر.

آهٍ منك يا قدر… كم تحب أن تحرجني.

انتهى...

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

حين وعدتك

المؤلف larse★
2025/08/13 مستمرة
قائمة الفصول (11)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة