خانني وعدي

خانني وعدي

24 0

أنا من أوفى بالوعد… وأنت من كسره.

الأيام تمطر صدَفًا، وكأن الصدفة قانون مكتوب للحياة، لا مفر منه. وأنا التقيت به في واحدة من تلك الصدف التي تغيّر المسار… ريان.

أنا ليان.

هل أبدأ لحظة التعارف؟ لا داعي… سنتعرف أكثر مع كل كلمة تخرج من هنا.

في 2011، كانت حياتي دافئة، هادئة، لا أعرف عن قسوة العالم شيئًا. كنت في السادسة من عمري، حين جاءت الخالة ليال إلى بيتنا في أحد أيام الشتاء الباردة، وهي تحمل بين ذراعيها طفلًا له عينان فيهما بريق غريب… اسمه ريان.

لقاؤنا الأول لم يكن جميلًا. كان ينظر لي وكأنه دخل في تحدٍ معي، وأنا لم أكن أقل منه عنادًا. كنا مثل القط والفأر في كل لقاء، لكن مع الوقت، صار بيننا خيط صغير، قوي، لا يُرى… لكنه موجود.

في أحد أيام 2015، كنا نلعب في ساحة البيت، أضحك بصوت عالٍ وهو يركض خلفي، وفجأة توقف.

التفت نحوه باستغراب

"لماذا توقفت؟"

تنهد وكأنه يحمل على كتفيه أكبر هم في الدنيا

"أريدك أن توعديني."

أملت رأسي

"وعد؟ أي وعد؟"

نظر في عينيّ بثبات غريب على طفل في عمره:

"وعد إنك ما راح تنسيني أبدًا."

شعرت وقتها وكأن قلبه يتحدث قبل لسانه.

"لماذا؟ هل سترحل؟"

أخفض رأسه قليل

"لا."

"إذن ماذا؟"

ابتسم ابتسامة صغيرة لكنها حزينة:

"أوعديني فقط."

أخذت نفسًا عميقًا، وقلت بثقة طفلة:

"حسنًا… أعدك."

لكن الحياة كانت تخبئ شيئًا آخر.

في تلك الليلة، كنت نائمة، أحتضن دميتي الصغيرة، حين أيقظني صوت يهز جدران الغرفة… صوت انفجار ضخم، وصراخ في الشارع، وأصوات سيارات مسرعة. الحرب وصلت إلى مدينتنا.

ركضت للخارج، وجدت أمي وأبي وأخي الصغير، يلهثون وهم يبحثون عني. أمّي عانقتني بقوة، لكنني لم أكن أفكر إلا في شخص واحد:

"أمي… أين ريان؟"

تنفست بسرعة، وقالت وهي تحاول أن تطمئنني:

"لقد سافر هو وعائلته… لا تخافي."

كلماتها كانت كسكاكين باردة تخترق صدري. هل هذا ما قصده؟ هل كان يعرف أنه سيرحل؟ عشرات الأسئلة انهمرت في رأسي، لكن لم أجد إجابة.

ومنذ تلك الليلة، مضت عشر سنوات كاملة… عشر سنوات وأنا أحمل وعده في قلبي، ولم أتركه يبهت ولو للحظة واحدة.

واليوم… أول يوم لي في الجامعة. كنت أظن أنها بداية جديدة لحياة جديدة، لكن القدر كان يخطط لي أن أفتح بابًا قديمًا مغلقًا منذ زمن.

في الصباح، كالعادة، أمي أيقظتني على عجل، لأن هالة كانت تنتظرني لنذهب معًا. كنت متأخرة… في الحقيقة، متأخرة جدًا، وهالة هي الوحيدة التي تتحمل فوضوي.

ركضنا في البرد نحو بوابة الجامعة، والهواء يلسع وجهي، بينما هالة تثرثر عن الحصص والأساتذة، وأنا ذهني في مكان آخر تمامًا.

لكن ما إن دخلت قاعة المحاضرات، حتى شعرت بأن العالم توقف للحظة.

هناك… في الصف الثالث… جلس شاب، ظهره نحوي. استدار قليلًا، فوقع بصري على ملامح لم تبرح مخيلتي يومًا.

ريان.

عشر سنوات مرت، لكن صوته وصورته بقيت محفورة في قلبي، ومع ذلك… هو الآن ينظر إليّ وكأنني غريبة تمامًا.

ابتسم ابتسامة مجاملة سريعة، ثم عاد لحديثه مع من يجلس بجانبه، وكأنني لم أكن يومًا جزءًا من حياته.

حاولت أن أقنع نفسي أنني أتخيل، أن هذا ليس هو، أن كل ما في الأمر مجرد تشابه ملامح، لكن الأستاذ قطع شكي حين بدأ يتعرف على الطلاب الجدد، ونطق اسمي:

"الطالبة… ليان."

في تلك اللحظة، رأيت عينيه من طرف نظري. كان فيهما بريق صغير، وكأنه يعرف هذا الاسم… لكن ملامحه ظلت باردة، لم يعلق، لم يبتسم، لم يسأل.

هل يتجاهلني؟ هل نسي الفتاة التي لعبت معه دور العروس عشرات المرات؟ صحيح أن الأمر كان لعبة أطفال، لكنه كان لعبتنا الخاصة. أهذا هو نكران الذكريات؟

الأستاذ بدأ يبحث لي عن مقعد، ولأنني أخبرته أن نظري ضعيف، أشار إلى أقرب مكان من اللوح… كان بجانب ريان.

يا للحظ السيء…

تقدمت بخطوات ثقيلة وجلست، محاوِلة ألا أنظر نحوه، لكن عيني وقعت على اسمه المكتوب بخط واضح على ملفه الجامعي: ريان علي.

ابتلعت غصتي. صحيح أن ملامحي تغيرت مع السنين، لكنني ما زلت أنا… اسمي لم يتغير، الوعد لم يتغير… فقط هو الذي تغيّر.

طوال المحاضرة، كنت أحاول التركيز في كلام الأستاذ، لكنني كنت أشعر بنظراته الخاطفة أحيانًا، وكأنه يحاول أن يلتقط من ملامحي ذكرى ضائعة.

لو كنت أملك الشجاعة، لكنت صرخت في وجهه أمام الجميع: أنا لم أنسك! لكنني صمتُّ.

انتهت المحاضرة، وبدأ الطلاب بالخروج، وفجأة سمعت صوتًا من آخر القاعة

"ريان علي… تعال بسرعة!"

اسمه الكامل ضربني كصفعة. عادت إليّ صوره وهو يضحك، وهو يطلب الوعد، وعادت إليّ أصوات تلك الليلة المشؤومة.

خرجت من القاعة بخطوات ثابتة، بينما في داخلي إعصار كامل.

إعصار اسمه… ريان

انتهى...

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

حين وعدتك

المؤلف larse★
2025/08/13 مستمرة
قائمة الفصول (11)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة