ـــ ✦ ✦ ✦ ـــ
أوهمتك بالصداقه، وأحببتك سراً…
في الصباح، أصرت ياسمين أن أذهب معها إلى الجامعة، خصوصًا بعد أن أخبرتني هالة أنها لن تأتي اليوم. لا أعلم لماذا هذه الفتاة لا تتركني وشأني، تزعجني طوال الوقت، ومع ذلك… أحبها.
منذ أن جلسنا في السيارة، رفضت أن أكون في المقعد الخلفي:
"تعالي قدامي، ما أحبك تكونين ورا."
اضطررت للرضوخ، فنزلت وجلست بجانب مقعد السائق. لكن ما لم أتوقعه أن ريان هو من صعد فجأة ليمسك بالمقود. تجمدت في مكاني… متى صار يقود بهذه الثقة؟
كنت جائعة لأنني لم أتناول الفطور، فاستوقف السيارة عند بائع قهوة على الطريق. طلب ثلاث أكواب، وضع واحدة بجانبه، والثانية أمام ياسمين، ثم التفت نحوي.
مد لي الكوب، وللحظة تلامست أصابعنا… لم تكن مجرد لمسة، بل صعقة صغيرة جعلتني أرفع عيني بسرعة لأجد عينيه تلتقطانني بلمعان هادئ. التفت للطريق وكأن شيئًا لم يحدث، لكن أنا؟ بقيت طوال الطريق مشتتة، أتنفس بارتباك وأتمنى لو كنت مع أمي وعمار الأحمق بدلًا من هذا التوتر.
…
في العودة، كانت ياسمين تنتظرنا داخل السيارة، لكن أحد الزملاء استوقفني. بدا وكأنه يريد التودد أو التعرف بي، وابتسامته الواسعة جعلتني أشعر بالحرج. حاول أن يمازحني أمام ريان… يا إلهي! ليس هذا الوقت!
ابتسمت بخفة وأنهيت الموقف قائلة:
"علي الرحيل… هيَ، ريان."
التفت لي ريان ببرود صاعق، وصوته منخفض لكنه جارح:
"وأخيرًا تذكرتِ أن هناك أحدًا ينتظرك."
لم أجد ردًا… التزمت الصمت وركبت السيارة.
…
بعد العشاء، قررت أنا وياسمين أن نصنع بعض الكعك للتحلية. لكننا اكتشفنا أن بعض المكونات ناقصة، فتبرعت ياسمين بالذهاب لشرائها، وتركتني… وحدي مع ريان في المنزل.
في الصالة، فجأة انطفأت الأنوار. انقطعت الكهرباء!
قلبي كاد يتوقف. أنا أعاني من فوبيا قديمة مع الظلام، منذ حادثة جعلتني لا أنسى الأصوات التي تهمس حولي في كل عتمة. حاولت التماسك، لكن الأصوات عادت… تلك الهمسات التي لم أسمعها منذ شهور.
لم أتحمل. صرخت وركضت بلا وعي، أريد أي مكان، أي ضوء، أي حضور… واصطدمت فجأة بجدار صلب. لا، لم يكن جدارًا، كان صدرًا عريضًا وأنفاسًا ثقيلة. رفعت رأسي مرتجفة… ريان.
انفجرت بالبكاء كطفلة. يا إلهي! ما هذا الغباء؟!
لكنه لم يسخر، بل وضع يده على كتفي وربت بخفة، صوته دافئ ومطمئن:
"لا تخافي… أنا هنا."
استوعبت فجأة أنني أحضنه، فابتعدت بسرعة واعتذرت بخجل، بينما هو كاد أن يبتسم لكنه أخفى ذلك. ذهب ليعيد الكهرباء، وأنا لحقت به لا إراديًا، وكأن وجوده صار الأمان الوحيد في هذا الظلام.
حين أضاء المنزل من جديد، زفرت بارتياح. لكن بمجرد أن تذكرت الموقف… وجهي احمرّ أكثر من لمبة الكهرباء نفسها. لحسن الحظ، دق جرس الباب. ركضت لأفتحه هربًا من الإحراج.
كانت ياسمين. نظرت لي باستغراب:
"لماذا تبكين؟"
مسحت عيني بسرعة:
"لا شيء… دمعت بس."
رفعت حاجبيها بدهشة:
"دمعة؟ طيب ليه عيونك كلها حمراء؟"
دفعتها للداخل بخفة:
"هيَ ياسمين! لا تثرثري كثيرًا!"
…
جلسنا على الطاولة. كنت أتفادى نظرات ريان التي لم تفارقني طوال العشاء، وقلبي يدق بشكل غير طبيعي. وياسمين، كالعادة، لاحظت وقالت لي همسًا بخبث:
"هو ما ينظر كذا لأي بنت… بس أنتِ."
كتمت صرخة وأبعدتها:
"ياسمين!!! تبين تربكيني تموتيني؟"
…
اليوم التالي، ذهبت مع هالة. لم تسكت طوال الطريق، ثرثرتها عن "الكراش الجديد" جعلتني أعض لساني كي لا أصرخ.
في المحاضرة، كنت بجانب ريان كالمعتاد بسبب ضعف نظري. فجأة ظهرت فتاة بملابس قصيرة جدًا، اقتربت من ريان بطريقة أثارت اشمئزازي. انحنت وقالت بدلع مصطنع:
"ريان، أنت أفضل طالب في الدفعة… ما فهمت الدرس، ممكن تشرح لي؟"
توقعت أن يردها ببرود… لكن! ابتسم لها! ابتسم!!!
أيها الـ… !!! سأفقأ عينيك على هذه الابتسامة!
اشتعلت في داخلي نار، وقفت فجأة وتركت مكاني. نظرت لها بحدة وأشرت:
"اجلسي."
ثم ذهبت وجلست بجانب هالة. لم أقل شيئًا آخر، وإلا لأحرقت القاعة كلها.
…
بعد الغداء، خرجت أنا وهالة قليلًا. لكن شابًا اعترض طريقي. وقف أمامي ينظر وكأنه يتحداني:
"ابتعد، من فضلك."
ابتسم بسخرية: "لا أريد."
تجمّدت. وعدت أمي ألا أتشاجر… لكن عندما اقترب أكثر، شعرت أن الدم يغلي في عروقي. فجأة ظهر ريان، وضع يده على كتف الشاب، وصوته قاسٍ:
"أين ربوك أهلك؟"
ارتبك الفتى، لكنني انفجرت فيه بكلمات أمي:
"أنا ما جيت الجامعة عشان أسمع القرف اللي يطلع من فمك. لو فاضي تضيع وقتك، أنا مو فاضية. كل خطوة لها حساب، وكل كلمة لها ثمن. شكلك ما تربيت كويس… شد حيلك وعدّل سلوكك قبل ما تكون مجرد كلب تافه!"
رمقته من رأسه حتى قدميه باحتقار، ثم مشيت. هالة كانت بجانبي تكاد تنفجر من الضحك والتشجيع:
"ليان، كنتِ عظيمة! كأننا ببطلة فيلم!"
…
في الليل، لم يأتني النوم. صعدت مع ياسمين إلى السطح حيث كان ريان يجلس ينظر للنجوم. الجو عليل، والهدوء يلف المكان. تركتنا ياسمين قليلًا لتحضر فواكه، وبقينا أنا وهو وحدنا.
طال صمته، ثم نظر إلى القلادة في عنقي:
"هل… لا زلتِ تحتفظين بها؟"
نظرت إليها بتوتر، ثم همست:
"لم أخلعها مرة… منذ أن وضعتها لم تنزلق بعد."
رفع عينيه نحوي، نظرته جعلتني أرغب بالبكاء. لكنني تماسكت. عندما عادت ياسمين، جلسنا جميعًا نتحدث. بعد قليل انسحبت لأنام… لكن دموعي تسللت رغمًا عني على الوسادة.
لقد أحببته… فـ بالصداقه أوهمته، وبالسر أحببته...
انتهى...
ـــ ✦ ✦ ✦ ـــ
larse★